Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
An-Naba 78:27–37
أوَّلُهُما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا لا يَرْجُونَ حِسابًا﴾ وفِيهِ سُؤالانِ:
الأوَّلُ: وهو أنَّ الحِسابَ شَيْءٌ شاقٌّ عَلى الإنْسانِ، والشَّيْءُ الشّاقُّ لا يُقالُ فِيهِ إنَّهُ يُرْجى، بَلْ يَجِبُ أنْ يُقالَ: إنَّهم كانُوا لا يَخْشَوْنَ حِسابًا؟ والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: قالَ مُقاتِلٌ وكَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: قَوْلُهُ (لا يَرْجُونَ) مَعْناهُ لا يَخافُونَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ [نُوحٍ: ١٣] .
وثانِيها: أنَّ المُؤْمِنَ لا بُدَّ وأنْ يَرْجُوَ رَحْمَةَ اللَّهِ لِأنَّهُ قاطِعٌ بِأنَّ ثَوابَ إيمانِهِ زائِدٌ عَلى عِقابِ جَمِيعِ المَعاصِي سِوى الكُفْرِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّهم كانُوا لا يَرْجُونَ حِسابًا﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهم ما كانُوا مُؤْمِنِينَ.
وثالِثُها: أنَّ الرَّجاءَ هاهُنا بِمَعْنى التَّوَقُّعِ لِأنَّ الرّاجِيَ لِلشَّيْءِ مُتَوَقِّعٌ لَهُ إلّا أنَّ أشْرَفَ أقْسامِ التَّوَقُّعِ هو الرَّجاءُ فَسُمِّيَ الجِنْسُ بِاسْمِ أشْرَفِ أنْواعِهِ.
ورابِعُها: أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الحِسابَ مَعَ اللَّهِ جانِبُ الرَّجاءِ فِيهِ أغْلَبُ مِن جانِبِ الخَوْفِ، وذَلِكَ لِأنَّ لِلْعَبْدِ حَقًّا عَلى اللَّهِ تَعالى بِحُكْمِ الوَعْدِ في جانِبِ الثَّوابِ ولِلَّهِ تَعالى حَقٌّ عَلى العَبْدِ في جانِبِ العِقابِ، والكَرِيمُ قَدْ يُسْقِطُ حَقَّ نَفْسِهِ، ولا يُسْقِطُ ما كانَ حَقًّا لِغَيْرِهِ عَلَيْهِ، فَلا جَرَمَ كانَ جانِبُ الرَّجاءِ أقْوى في الحِسابِ، فَلِهَذا السَّبَبِ ذُكِرَ الرَّجاءُ، ولَمْ يُذْكَرِ الخَوْفُ.
السُّؤالُ الثّانِي: أنَّ الكُفّارَ كانُوا قَدْ أتَوْا بِأنْواعٍ مِنَ القَبائِحِ والكَبائِرِ، فَما السَّبَبُ في أنْ خَصَّ اللَّهُ تَعالى هَذا النَّوْعَ مِنَ الكُفْرِ بِالذِّكْرِ في أوَّلِ الأمْرِ؟ الجَوابُ: لِأنَّ رَغْبَةَ الإنْسانِ في فِعْلِ الخَيْراتِ وفي تَرْكِ المَحْظُوراتِ إنَّما تَكُونُ بِسَبَبِ أنْ يَنْتَفِعَ بِهِ في الآخِرَةِ، فَمَن أنْكَرَ الآخِرَةَ، لَمْ يُقْدِمْ عَلى شَيْءٍ مِنَ المُسْتَحْسَناتِ، ولَمْ يُحْجِمْ عَنْ شَيْءٍ مِنَ المُنْكَراتِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّهم كانُوا لا يَرْجُونَ حِسابًا﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم فَعَلُوا كُلَّ شَرٍّ وتَرَكُوا كُلَّ خَيْرٍ.
والنَّوْعُ الثّانِي مِن قَبائِحِ أفْعالِهِمْ: قَوْلُهُ: ﴿وكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا﴾ اعْلَمْ أنَّ لِلنَّفْسِ النّاطِقَةِ الإنْسانِيَّةِ قُوَّتَيْنِ: نَظَرِيَّةً وعَمَلِيَّةً، وكَمالُ الإنْسانِ في أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ والخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، ولِذَلِكَ قالَ إبْراهِيمُ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٣] ﴿هَبْ لِي حُكْمًا﴾ إشارَةٌ إلى كَمالِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ، ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ إشارَةٌ إلى كَمالِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، فَهاهُنا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى رَداءَةَ حالِهِمْ في الأمْرَيْنِ، أمّا في القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ فَنَبَّهَ عَلى فَسادِها بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم كانُوا لا يَرْجُونَ حِسابًا﴾ أيْ كانُوا مُقْدِمِينَ عَلى جَمِيعِ القَبائِحِ والمُنْكَراتِ، وغَيْرَ راغِبِينَ في شَيْءٍ مِنَ الطّاعاتِ والخَيْراتِ.
وأمّا في القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ فَنَبَّهَ عَلى فَسادِها بِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا﴾ أيْ كانُوا مُنْكِرِينَ بِقُلُوبِهِمْ لِلْحَقِّ
صفحة ١٧
ومُصِرِّينَ عَلى الباطِلِ، وإذا عَرَفْتَ ما ذَكَرْناهُ مِنَ التَّفْسِيرِ ظَهَرَ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم كانُوا قَدْ بَلَغُوا في الرَّداءَةِ والفَسادِ إلى حَيْثُ يَسْتَحِيلُ عَقْلًا وُجُودُ ما هو أزْيَدُ مِنهُ، فَلَمّا كانَتْ أفْعالُهم كَذَلِكَ كانَ اللّائِقُ بِها هو العُقُوبَةَ العَظِيمَةَ، فَثَبَتَ بِهَذا صِحَّةُ ما قَدَّمَهُ في قَوْلِهِ: ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾ فَما أعْظَمَ لَطائِفَ القُرْآنِ مَعَ أنَّ الأدْوارَ العَظِيمَةَ قَدِ اسْتَمَرَّتْ، ولَمْ يَنْتَبِهْ لَها أحَدٌ، فالحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا يَلِيقُ بِعُلُوِّ شَأْنِهِ وبُرْهانِهِ عَلى ما خَصَّ هَذا الضَّعِيفَ بِمَعْرِفَةِ هَذِهِ الأسْرارِ.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كَذَّبُوا بِجَمِيعِ دَلائِلِ اللَّهِ تَعالى في التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ والشَّرائِعِ والقُرْآنِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَمالِ حالِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ في الرَّداءَةِ والفَسادِ والبُعْدِ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ، وقَوْلُهُ: (كِذّابًا) أيْ تَكْذِيبًا، وفِعّالٌ مِن مَصادِرِ التَّفَعُّلِ، وأنْشَدَ الزَّجّاجُ:
لَقَدْ طالَ ما رَيَّثْتَنِي عَنْ صَحابَتِي وعَنْ حِوَجٍ قِضّاؤُها مِن شِفائِنا
مِن قَضَّيْتُ قِضّاءً، قالَ الفَرّاءُ: وهي لُغَةٌ فَصِيحَةٌ يَمانِيَّةٌ، ونَظِيرُهُ خَرَّقْتُ القَمِيصَ خِرّاقًا، وقالَ لِي أعْرابِيٌّ مِنهم عَلى المَرْوَةِ يَسْتَفْتِينِي: الحَلْقُ أحَبُّ إلَيْكَ أمِ القِصّارُ؟ وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: كُنْتُ أُفَسِّرُ آيَةً فَقالَ بَعْضُهم: لَقَدْ فَسَّرْتَها فِسّارًا ما سُمِعَ بِهِ، وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ مَصْدَرُ كَذَّبَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ:
فَصَدَقْتُها أوْ كَذَبْتُها ∗∗∗ والمَرْءُ يَنْفَعُهُ كِذّابُهُ
وهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نُوحٍ: ١٧] يَعْنِي وكَذَّبُوا بِآياتِنا فَكَذَّبُوا كِذّابًا.
وثانِيها: أنْ يَنْصِبَهُ بِـ: كَذَّبُوا؛ لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ مَعْنى كَذَّبُوا لِأنَّ كُلَّ مُكَذِّبٍ بِالحَقِّ كاذِبٌ.
وثالِثُها: أنْ يَجْعَلَ الكِذّابَ بِمَعْنى المُكاذَبَةِ، فَمَعْناهُ وكَذَّبُوا بِآياتِنا فَكاذَبُوا مُكاذَبَةً، أوْ كَذَّبُوا بِها مُكاذِبِينَ، لِأنَّهم إذا كانُوا عِنْدَ المُسْلِمِينَ كاذِبِينَ، وكانَ المُسْلِمُونَ عِنْدَهم كاذِبِينَ فَبَيْنَهم مُكاذَبَةٌ، وقُرِئَ أيْضًا كَذَلِكَ وهو جَمْعُ كاذِبٍ، أيْ كَذَّبُوا بِآياتِنا كاذِبِينَ، وقَدْ يَكُونُ الكَذّابُ بِمَعْنى الواحِدِ البَلِيغِ في الكَذِبِ، يُقالُ: رَجُلٌ كَذّابٌ كَقَوْلِكَ حَسّانٌ وبَخّالٌ، فَيُجْعَلُ صِفَةً لِمَصْدَرِ كَذَّبُوا أيْ تَكْذِيبًا كِذّابًا مُفْرِطًا كَذِبُهُ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ فَسادَ حالِهِمْ في القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ وفي القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ بَلَغَ إلى أقْصى الغاياتِ وأعْظَمِ النِّهاياتِ بَيَّنَ أنَّ تَفاصِيلَ تِلْكَ الأحْوالِ في كَمِّيَّتِها وكَيْفِيَّتِها مَعْلُومَةٌ لَهُ، وقَدْرَ ما يُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ مِنَ العِقابِ مَعْلُومٌ لَهُ، فَقالَ: ﴿وكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ كِتابًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الزَّجّاجُ: (كُلَّ) مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ (أحْصَيْناهُ) والمَعْنى: وأحْصَيْنا كُلَّ شَيْءٍ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: (وكُلُّ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ﴾ أيْ عَلِمْنا كُلَّ شَيْءٍ كَما هو عِلْمًا لا يَزُولُ ولا يَتَبَدَّلُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أحْصاهُ اللَّهُ ونَسُوهُ﴾ [المُجادَلَةِ: ٦] واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِالجُزْئِيّاتِ، واعْلَمْ أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الآيَةِ لا تَقْبَلُ التَّأْوِيلَ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذا تَقْرِيرًا لِما ادَّعاهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: أنا عالِمٌ بِجَمِيعِ ما فَعَلُوهُ، وعالِمٌ بِجِهاتِ تِلْكَ الأفْعالِ وأحْوالِها واعْتِباراتِها
صفحة ١٨
الَّتِي لِأجْلِها يَحْصُلُ اسْتِحْقاقُ الثَّوابِ والعِقابِ، فَلا جَرَمَ لا أُوصِلُ إلَيْهِمْ مِنَ العَذابِ إلّا قَدْرَ ما يَكُونُ وِفاقًا لِأعْمالِهِمْ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا القَدْرَ إنَّما يَتِمُّ لَوْ ثَبَتَ كَوْنُهُ تَعالى عالِمًا بِالجُزْئِيّاتِ، وإذا ثَبَتَ هَذا ظَهَرَ أنَّ كُلَّ مَن أنْكَرَهُ كانَ كافِرًا قَطْعًا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أحْصَيْناهُ كِتابًا﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: تَقْدِيرُهُ أحْصَيْناهُ إحْصاءً، وإنَّما عَدَلَ عَنْ تِلْكَ اللَّفْظَةِ إلى هَذِهِ اللَّفْظَةِ لِأنَّ الكِتابَةَ هي النِّهايَةُ في قُوَّةِ العِلْمِ، ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«قَيِّدُوا العِلْمَ بِالكِتابَةِ» “، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: وكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ إحْصاءً مُساوِيًا في القُوَّةِ والثَّباتِ والتَّأْكِيدِ لِلْمَكْتُوبِ، فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: (كِتابًا) تَأْكِيدُ ذَلِكَ الإحْصاءِ والعِلْمِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّأْكِيدَ إنَّما ورَدَ عَلى حَسَبِ ما يَلِيقُ بِأفْهامِ أهْلِ الظّاهِرِ، فَإنَّ المَكْتُوبَ يَقْبَلُ الزَّوالَ، وعِلْمُ اللَّهِ بِالأشْياءِ لا يَقْبَلُ الزَّوالَ لِأنَّهُ واجِبٌ لِذاتِهِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (كِتابًا) حالًا في مَعْنى مَكْتُوبًا، والمَعْنى وكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ حالَ كَوْنِهِ مَكْتُوبًا في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ في إمامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢] أوْ في صُحُفِ الحَفَظَةِ.
78:30Page 582
فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمۡ إِلَّا عَذَابًا ٣٠
"So taste [the penalty], and never will We increase you except in torment."1
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكم إلّا عَذابًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ أحْوالَ العِقابِ أوَّلًا، ثُمَّ ادَّعى كَوْنَهُ ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَفاصِيلَ أفْعالِهِمُ القَبِيحَةِ، وظَهَرَ صِحَّةُ ما ادَّعاهُ أوَّلًا مِن أنَّ ذَلِكَ العِقابَ كانَ ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾ لا جَرَمَ أعادَ ذِكْرَ العِقابِ، وقَوْلُهُ: (فَذُوقُوا) والفاءُ لِلْجَزاءِ، فَنَبَّهَ عَلى أنَّ الأمْرَ بِالذَّوْقِ مُعَلَّلٌ بِما تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مِن قَبائِحِ أفْعالِهِمْ، فَهَذا الفاءُ أفادَ عَيْنَ فائِدَةِ قَوْلِهِ: ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾ .
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى المُبالَغَةِ في التَّعْذِيبِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿فَلَنْ نَزِيدَكُمْ﴾ وكَلِمَةُ لَنْ لِلتَّأْكِيدِ في النَّفْيِ.
وثانِيها: أنَّهُ في قَوْلِهِ: ﴿كانُوا لا يَرْجُونَ حِسابًا﴾ ذَكَرَهم بِالمُغايَبَةِ، وفي قَوْلِهِ: (فَذُوقُوا) ذَكَرَهم عَلى سَبِيلِ المُشافَهَةِ وهَذا يَدُلُّ عَلى كَمالِ الغَضَبِ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى عَدَّدَ وُجُوهَ العِقابِ، ثُمَّ حَكَمَ بِأنَّهُ جَزاءٌ مُوافِقٌ لِأعْمالِهِمْ، ثُمَّ عَدَّدَ فَضائِحَهُمْ، ثُمَّ قالَ: (فَذُوقُوا)، فَكَأنَّهُ تَعالى أفْتى وأقامَ الدَّلائِلَ، ثُمَّ أعادَ تِلْكَ الفَتْوى بِعَيْنِها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى المُبالَغَةِ في التَّعْذِيبِ، قالَ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: ”«هَذِهِ الآيَةُ أشَدُّ ما في القُرْآنِ عَلى أهْلِ النّارِ، كُلَّما اسْتَغاثُوا مِن نَوْعٍ مِنَ العَذابِ أُغِيثُوا بِأشَدَّ مِنهُ» “ بَقِيَ في الآيَةِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ الكُفّارِ: ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٧٧] فَهُنا لَمّا قالَ لَهم: (فَذُوقُوا) فَقَدْ كَلَّمَهُمْ؟ الجَوابُ: قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: تَقْدِيرُ الآيَةِ فَيُقالُ لَهم فَذُوقُوا، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: عَلى هَذا الوَجْهِ لا يَلِيقُ بِذَلِكَ القائِلِ أنْ يَقُولَ: ﴿فَلَنْ نَزِيدَكم إلّا عَذابًا﴾ بَلْ هَذا الكَلامُ لا يَلِيقُ إلّا بِاللَّهِ، والأقْرَبُ في الجَوابِ أنْ يُقالَ: قَوْلُهُ: ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ﴾ أيْ ولا يُكَلِّمُهم بِالكَلامِ الطَّيِّبِ النّافِعِ، فَإنَّ تَخْصِيصَ العُمُومِ غَيْرُ بَعِيدٍ لا سِيَّما عِنْدَ حُصُولِ القَرِينَةِ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ﴾ إنَّما ذَكَرَهُ لِبَيانِ أنَّهُ تَعالى لا يَنْفَعُهم ولا يُقِيمُ لَهم وزْنًا، وذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا مِنَ الكَلامِ الطَّيِّبِ.
صفحة ١٩
السُّؤالُ الثّانِي: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى يَزِيدُ في عَذابِ الكافِرِ أبَدًا، فَتِلْكَ الزِّيادَةُ إمّا أنْ يُقالَ إنَّها كانَتْ مُسْتَحَقَّةً لَهم أوْ غَيْرَ مُسْتَحَقَّةٍ، فَإنْ كانَتْ مُسْتَحَقَّةً لَهم كانَ تَرْكُها في أوَّلِ الأمْرِ إحْسانًا، والكَرِيمُ إذا أسْقَطَ حَقَّ نَفْسِهِ، فَإنَّهُ لا يَلِيقُ بِهِ أنْ يَسْتَرْجِعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وأمّا إذا كانَتْ تِلْكَ الزِّيادَةُ غَيْرَ مُسْتَحَقَّةٍ كانَ إيصالُها إلَيْهِمْ ظُلْمًا وأنَّهُ لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ. الجَوابُ: كَما أنَّ الشَّيْءَ يُؤَثِّرُ بِحَسَبِ خاصِّيَّةِ ذاتِهِ، فَكَذا إذا دامَ ازْدادَ تَأْثِيرُهُ بِحَسَبِ ذَلِكَ الدَّوامِ، فَلا جَرَمَ كُلَّما كانَ الدَّوامُ أكْثَرَ كانَ الإيلامُ أكْثَرَ، وأيْضًا فَتِلْكَ الزِّيادَةُ مُسْتَحَقَّةٌ، وتَرْكُها في بَعْضِ الأوْقاتِ لا يُوجِبُ الإبْراءَ والإسْقاطَ، واللَّهُ أعْلَمُ بِما أرادَ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ الكُفّارِ أتْبَعَهُ بِوَعْدِ الأخْيارِ وهو أُمُورٌ:
78:31–35Page 583
إِنَّ لِلۡمُتَّقِينَ مَفَازًا ٣١
Indeed, for the righteous is attainment1 -
حَدَآئِقَ وَأَعۡنَٰبٗا ٣٢
Gardens and grapevines
وَكَوَاعِبَ أَتۡرَابٗا ٣٣
And young women [companions] of equal age.
وَكَأۡسٗا دِهَاقٗا ٣٤
And a full cup.1
لَّا يَسۡمَعُونَ فِيهَا لَغۡوٗا وَلَا كِذَّٰبٗا ٣٥
No ill speech will they hear therein or any falsehood -
أوَّلُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا﴾ أمّا المُتَّقِي فَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، و(مَفازًا) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى فَوْزًا وظَفَرًا بِالبُغْيَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعَ فَوْزٍ، والفَوْزُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ فَوْزًا بِالمَطْلُوبِ، وأنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ فَوْزًا بِالنَّجاةِ مِنَ العَذابِ، وأنْ يَكُونَ المُرادُ مَجْمُوعَ الأمْرَيْنِ، وعِنْدِي أنَّ تَفْسِيرَهُ بِالفَوْزِ بِالمَطْلُوبِ أوْلى مِن تَفْسِيرِهِ بِالفَوْزِ بِالنَّجاةِ مِنَ العَذابِ، ومِن تَفْسِيرِهِ بِالفَوْزِ بِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ أعْنِي النَّجاةَ مِنَ الهَلاكِ والوُصُولَ إلى المَطْلُوبِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى فَسَّرَ المَفازَ بِما بَعْدَهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿حَدائِقَ وأعْنابًا﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ المَفازِ هَذا القَدْرُ، فَإنْ قِيلَ: الخَلاصُ مِنَ الهَلاكِ أهَمُّ مِن حُصُولِ اللَّذَّةِ، فَلِمَ أُهْمِلَ الأهَمُّ وذُكِرَ غَيْرُ الأهَمِّ؟ قُلْنا: لِأنَّ الخَلاصَ مِنَ الهَلاكِ لا يَسْتَلْزِمُ الفَوْزَ بِاللَّذَّةِ والخَيْرِ، أمّا الفَوْزُ بِاللَّذَّةِ والخَيْرِ فَيَسْتَلْزِمُ الخَلاصَ مِنَ الهَلاكِ، فَكانَ ذِكْرُ هَذا أوْلى.
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَدائِقَ وأعْنابًا﴾ والحَدائِقُ جَمْعُ حَدِيقَةٍ، وهي بُسْتانٌ مَحُوطٌ عَلَيْهِ، مِن قَوْلِهِمْ: أحْدَقُوا بِهِ أيْ أحاطُوا بِهِ، والتَّنْكِيرُ في قَوْلِهِ: (وأعْنابًا) يَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ حالِ تِلْكَ الأعْنابِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَواعِبَ أتْرابًا﴾ كَواعِبُ جَمْعُ كاعِبٍ وهي النَّواهِدُ الَّتِي تَكَعَّبَتْ ثُدِيُّهُنَّ وتَفَلَّكَتْ، أيْ يَكُونُ الثَّدْيُ في النُّتُوءِ كالكَعْبِ والفَلْكَةِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَأْسًا دِهاقًا﴾ وفي الدِّهاقِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: وهو قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ اللُّغَةِ كَأبِي عُبَيْدَةَ والزَّجّاجِ والكِسائِيِّ والمُبَرِّدِ، و(دِهاقًا) أيْ مُمْتَلِئَةً، دَعا ابْنُ عَبّاسٍ غُلامًا لَهُ فَقالَ: اسْقِنا دِهاقًا، فَجاءَ الغُلامُ بِها مَلْأى، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا هو الدِّهاقُ، قالَ عِكْرِمَةُ: رُبَّما سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ يَقُولُ: اسْقِنا وأدْهِقْ لَنا. القَوْلُ الثّانِي: دِهاقًا أيْ مُتَتابِعَةً وهو قَوْلُ أبِي هُرَيْرَةَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ، قالَ الواحِدِيُّ: وأصْلُ هَذا القَوْلِ مِن قَوْلِ العَرَبِ: ادَّهَقَتِ الحِجارَةُ ادِّهاقًا، وهو شِدَّةُ تَلازُمِها ودُخُولُ بَعْضِها في بَعْضٍ، ذَكَرَها اللَّيْثُ، والمُتَتابِعُ كالمُتَداخِلِ. القَوْلُ الثّالِثُ: يُرْوى عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ: (دِهاقًا) أيْ صافِيَةً، والدِّهاقُ عَلى هَذا القَوْلِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ داهِقٍ، وهو خَشَبَتانِ يُعْصَرُ بِهِما، والمُرادُ بِالكَأْسِ الخَمْرُ، قالَ الضَّحّاكُ: كُلُّ كَأْسٍ في القُرْآنِ فَهو خَمْرٌ، التَّقْدِيرُ: وخَمْرًا ذاتَ دِهاقٍ، أيْ عُصِرَتْ وصُفِّيَتْ بِالدِّهاقِ.
صفحة ٢٠
وخامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا كِذّابًا﴾ في الآيَةِ سُؤالانِ:
الأوَّلُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (فِيها) إلى ماذا يَعُودُ؟ الجَوابُ: فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّها تَرْجِعُ إلى الكَأْسِ، أيْ لا يَجْرِي بَيْنَهم لَغْوٌ في الكَأْسِ الَّتِي يَشْرَبُونَها، وذَلِكَ لِأنَّ أهْلَ الشَّرابِ في الدُّنْيا يَتَكَلَّمُونَ بِالباطِلِ، وأهْلُ الجَنَّةِ إذا شَرِبُوا لَمْ يَتَغَيَّرْ عَقْلُهُمْ، ولَمْ يَتَكَلَّمُوا بِلَغْوٍ. والثّانِي: أنَّ الكِنايَةَ تَرْجِعُ إلى الجَنَّةِ، أيْ لا يَسْمَعُونَ في الجَنَّةِ شَيْئًا يَكْرَهُونَهُ.
السُّؤالُ الثّانِي: الكَذّابُ بِالتَّشْدِيدِ يُفِيدُ المُبالَغَةَ، فَوُرُودُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا﴾ مُناسِبٌ؛ لِأنَّهُ يُفِيدُ المُبالَغَةَ في وصْفِهِمْ بِالكَذِبِ، أمّا وُرُودُهُ هاهُنا فَغَيْرُ لائِقٍ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا كِذّابًا﴾ يُفِيدُ أنَّهم لا يَسْمَعُونَ الكَذِبَ العَظِيمَ، وهَذا لا يَنْفِي أنَّهم يَسْمَعُونَ الكَذِبَ القَلِيلَ، ولَيْسَ مَقْصُودُ الآيَةِ ذَلِكَ بَلِ المَقْصُودُ المُبالَغَةُ في أنَّهم لا يَسْمَعُونَ الكَذِبَ البَتَّةَ، والحاصِلُ أنَّ هَذا اللَّفْظَ يُفِيدُ نَفْيَ المُبالَغَةِ واللّائِقُ بِالآيَةِ المُبالَغَةُ في النَّفْيِ. والجَوابُ: أنَّ الكِسائِيَّ قَرَأ الأوَّلَ بِالتَّشْدِيدِ والثّانِيَ بِالتَّخْفِيفِ، ولَعَلَّ غَرَضَهُ ما قَرَّرْناهُ في هَذا السُّؤالِ؛ لِأنَّ قِراءَةَ التَّخْفِيفِ هاهُنا تُفِيدُ أنَّهم لا يَسْمَعُونَ الكَذِبَ أصْلًا، لِأنَّ الكِذابَ بِالتَّخْفِيفِ والكَذِبَ واحِدٌ لِأنَّ أبا عَلِيٍّ الفارِسِيَّ قالَ: كِذابٌ مَصْدَرُ كَذَبَ كَكِتابٍ مَصْدَرُ كَتَبَ، فَإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتِ القِراءَةُ بِالتَّخْفِيفِ تُفِيدُ المُبالَغَةَ في النَّفْيِ، وقِراءَةُ التَّشْدِيدِ في الأوَّلِ تُفِيدُ المُبالَغَةَ في الثُّبُوتِ، فَيَحْصُلُ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ القِراءَةِ في المَوْضِعَيْنِ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، فَإنْ أخَذْنا بِقِراءَةِ الكِسائِيِّ فَقَدْ زالَ السُّؤالُ، وإنْ أخَذْنا بِقِراءَةِ التَّشْدِيدِ في المَوْضِعَيْنِ وهي قِراءَةُ الباقِينَ، فالعُذْرُ عَنْهُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا كِذّابًا﴾ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا﴾، والمَعْنى أنَّ هَؤُلاءِ السُّعَداءَ لا يَسْمَعُونَ كَلامَهُمُ المُشَوَّشَ الباطِلَ الفاسِدَ، والحاصِلُ أنَّ النِّعَمَ الواصِلَةَ إلَيْهِمْ تَكُونُ خالِيَةً عَنْ زَحْمَةِ أعْدائِهِمْ وعَنْ سَماعِ كَلامِهِمُ الفاسِدِ وأقْوالِهِمُ الكاذِبَةِ الباطِلَةِ.
78:36Page 583
جَزَآءٗ مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَابٗا ٣٦
[As] reward from your Lord, [a generous] gift [made due by] account,1
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا عَدَّدَ أقْسامَ نَعِيمِ أهْلِ الجَنَّةِ قالَ: ﴿جَزاءً مِن رَبِّكَ عَطاءً حِسابًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى جازاهم بِذَلِكَ جَزاءً، وكَذَلِكَ عَطاءً؛ لِأنَّ مَعْنى جازاهم وأعْطاهم واحِدٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الآيَةِ سُؤالٌ وهو أنَّهُ تَعالى جَعَلَ الشَّيْءَ الواحِدَ جَزاءً وعَطاءً، وذَلِكَ مُحالٌ؛ لِأنَّ كَوْنَهُ جَزاءً يَسْتَدْعِي ثُبُوتَ الِاسْتِحْقاقِ، وكَوْنَهُ عَطاءً يَسْتَدْعِي عَدَمَ الِاسْتِحْقاقِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما مُتَنافٍ. والجَوابُ عَنْهُ لا يَصِحُّ إلّا عَلى قَوْلِنا وهو أنَّ ذَلِكَ الِاسْتِحْقاقَ إنَّما ثَبَتَ بِحُكْمِ الوَعْدِ، لا مِن حَيْثُ إنَّ الفِعْلَ يُوجِبُ الثَّوابَ عَلى اللَّهِ، فَذَلِكَ الثَّوابُ نَظَرًا إلى الوَعْدِ المُتَرَتِّبِ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ يَكُونُ جَزاءً، ونَظَرًا إلى أنَّهُ لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ لِأحَدٍ شَيْءٌ يَكُونُ عَطاءً.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: (حِسابًا) فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى كافِيًا مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: أعْطانِي ما أحْسَبَنِي أيْ ما كَفانِي، ومِنهُ قَوْلُهُ: حَسْبِي مِن سُؤالِي عِلْمُهُ بِحالِي، أيْ كَفانِي مِن سُؤالِي، ومِنهُ قَوْلُهُ:
صفحة ٢١
فَلَمّا حَلَلْتُ بِهِ ضَمَّنِي فَأوْلى جَمِيلًا وأعْطى حِسابًا
أيْ أعْطى ما كَفى. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: (حِسابًا) مَأْخُوذٌ مِن حَسَبْتُ الشَّيْءَ إذا أعْدَدْتَهُ وقَدَّرْتَهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿عَطاءً حِسابًا﴾ أيْ بِقَدْرِ ما وجَبَ لَهُ فِيما وعَدَهُ مِنَ الإضْعافِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قَدَّرَ الجَزاءَ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ، وجْهٌ مِنها عَلى عَشَرَةِ أضْعافٍ، ووَجْهٌ عَلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، ووَجْهٌ عَلى ما لا نِهايَةَ لَهُ، كَما قالَ: ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزُّمَرِ: ١٠] . الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ: ﴿عَطاءً حِسابًا﴾ أيْ كَثِيرًا، وأحْسَبْتَ فُلانًا أيْ أكْثَرْتَ لَهُ، قالَ الشّاعِرُ:
ونُقْفِي ولِيدَ الحَيِّ إنْ كانَ جائِعًا ∗∗∗ ونُحْسِبُهُ إنْ كانَ لَيْسَ بِجائِعِ
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ يُوصِلُ الثَّوابَ الَّذِي هو الجَزاءُ إلَيْهِمْ، ويُوصِلُ التَّفَضُّلَ الَّذِي يَكُونُ زائِدًا عَلى الجَزاءِ إلَيْهِمْ، ثُمَّ قالَ: (حِسابًا) ثُمَّ يَتَمَيَّزُ الجَزاءُ عَنِ العَطاءِ حالَ الحِسابِ. الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في وعِيدِ أهْلِ النّارِ: ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾ [النَّبَإ: ٢٦] ذَكَرَ في وعْدِ أهْلِ الجَنَّةِ جَزاءً (عَطاءً حِسابًا) أيْ راعَيْتُ في ثَوابِ أعْمالِكُمُ الحِسابَ، لِئَلّا يَقَعَ في ثَوابِ أعْمالِكم بَخْسٌ ونُقْصانٌ وتَقْصِيرٌ، واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ ابْنُ قُطَيْبٍ: ”حَسّابًا“ بِالتَّشْدِيدِ عَلى أنَّ الحَسّابَ بِمَعْنى المُحْسِبِ كالدَّرّاكِ بِمَعْنى المُدْرِكِ، هَكَذا ذَكَرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ.
78:37Page 583
رَّبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا ٱلرَّحۡمَٰنِۖ لَا يَمۡلِكُونَ مِنۡهُ خِطَابٗا ٣٧
[From] the Lord of the heavens and the earth and whatever is between them, the Most Merciful. They possess not from Him [authority for] speech.1
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في وصْفِ وعِيدِ الكُفّارِ ووَعْدِ المُتَّقِينَ، خَتَمَ الكَلامَ في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما الرَّحْمَنِ لا يَمْلِكُونَ مِنهُ خِطابًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ”رَبِّ السَّماواتِ والرَّحْمَنِ“، فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجَهٍ مِنَ القِراءَةِ: الرَّفْعُ فِيهِما وهو قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ ونافِعٍ وأبِي عَمْرٍو، والجَرُّ فِيهِما وهو قِراءَةُ عاصِمٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عامِرٍ، والجَرُّ في الأوَّلِ مَعَ الرَّفْعِ في الثّانِي، وهو قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ، وفي الرَّفْعِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ (رَبُّ السَّماواتِ) مُبْتَدَأً، و(الرَّحْمَنُ ) خَبَرَهُ، ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ: (لا يَمْلِكُونَ مِنهُ خِطابًا) .
وثانِيها: (رَبُّ السَّماواتِ) مُبْتَدَأً، و(الرَّحْمَنُ) صِفَةً و(لا يَمْلِكُونَ) خَبَرَهُ.
وثالِثُها: أنْ يُضْمَرَ المُبْتَدَأُ، والتَّقْدِيرُ ”هو رَبُّ السَّماواتِ هو الرَّحْمَنُ“ ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ (لا يَمْلِكُونَ) .
ورابِعُها: أنْ يَكُونَ (الرَّحْمَنُ) و(لا يَمْلِكُونَ) خَبَرَيْنِ، وأمّا وجْهُ الجَرِّ فَعَلى البَدَلِ مِن (رَبِّكَ)، وأمّا وجْهُ جَرِّ الأوَّلِ ورَفْعِ الثّانِي فَجَرُّ الأوَّلِ بِالبَدَلِ مِن (رَبِّكَ)، والثّانِي مَرْفُوعٌ بِكَوْنِهِ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ (لا يَمْلِكُونَ) .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (يَمْلِكُونَ) إلى مَن يَرْجِعُ؟ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: الأوَّلُ: نَقَلَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ راجِعٌ إلى المُشْرِكِينَ، يُرِيدُ لا يُخاطَبُ المُشْرِكُونَ، أمّا المُؤْمِنُونَ فَيَشْفَعُونَ يَقْبَلُ اللَّهُ ذَلِكَ مِنهم. والثّانِي: قالَ القاضِي: إنَّهُ راجِعٌ إلى المُؤْمِنِينَ، والمَعْنى أنَّ المُؤْمِنِينَ لا يَمْلِكُونَ أنْ يُخاطِبُوا اللَّهَ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ؛ لِأنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّهُ عَدْلٌ لا يَجُورُ ثَبَتَ أنَّ العِقابَ الَّذِي أوْصَلَهُ إلى الكُفّارِ عَدْلٌ، وأنَّ الثَّوابَ الَّذِي أوْصَلَهُ إلى المُؤْمِنِينَ عَدْلٌ، وأنَّهُ ما يُخْسِرُ حَقَّهُمْ، فَبِأيِّ سَبَبٍ يُخاطِبُونَهُ، وهَذا القَوْلُ أقْرَبُ مِنَ الأوَّلِ؛ لِأنَّ الَّذِي جَرى قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرُ المُؤْمِنِينَ لا ذِكْرُ الكُفّارِ. والثّالِثُ: أنَّهُ ضَمِيرٌ لِأهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ، وهَذا هو الصَّوابُ، فَإنَّ أحَدًا مِنَ المَخْلُوقِينَ لا يَمْلِكُ مُخاطَبَةَ اللَّهِ ومُكالَمَتَهُ. وأمّا الشَّفاعاتُ الواقِعَةُ بِإذْنِهِ فَغَيْرُ وارِدَةٍ
صفحة ٢٢
عَلى هَذا الكَلامِ؛ لِأنَّهُ نَفى المِلْكَ والَّذِي يَحْصُلُ بِفَضْلِهِ وإحْسانِهِ، فَهو غَيْرُ مَمْلُوكٍ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا السُّؤالَ غَيْرُ لازِمٍ، والَّذِي يَدُلُّ مِن جِهَةِ العَقْلِ عَلى أنَّ أحَدًا مِنَ المَخْلُوقِينَ لا يَمْلِكُ خِطابَ اللَّهُ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: وهو أنَّ كُلَّ ما سِواهُ فَهو مَمْلُوكُهُ، والمَمْلُوكُ لا يَسْتَحِقُّ عَلى مالِكِهِ شَيْئًا.
وثانِيها: أنَّ مَعْنى الِاسْتِحْقاقِ عَلَيْهِ، هو أنَّهُ لَوْ لَمْ يَفْعَلْ لاسْتَحَقَّ الذَّمَّ، ولَوْ فَعَلَهُ لاسْتَحَقَّ المَدْحَ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ كانَ ناقِصًا في ذاتِهِ، مُسْتَكْمَلًا بِغَيْرِهِ وتَعالى اللَّهُ عَنْهُ.
وثالِثُها: أنَّهُ عالِمٌ بِقُبْحِ القَبِيحِ، عالَمٌ بِكَوْنِهِ غَنِيًّا عَنْهُ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَفْعَلِ القَبِيحَ، وكُلُّ مَنِ امْتَنَعَ كَوْنُهُ فاعِلًا لِلْقَبِيحِ، فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يُطالِبَهُ بِشَيْءٍ، وأنْ يَقُولَ لَهُ: لِمَ فَعَلْتَ؟ والوَجْهانِ الأوَّلانِ مُفَرَّعانِ عَلى قَوْلِ أهْلِ السُّنَّةِ، والوَجْهُ الثّالِثُ يَتَفَرَّعُ عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، فَثَبَتَ أنَّ أحَدًا مِنَ المَخْلُوقاتِ لا يَمْلِكُ أنْ يُخاطِبَ رَبَّهُ ويُطالِبَ إلَهَهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences