Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
النبإ
An-Naba
The Tidings · Meccan · 40 ayahs
78:1–3Page 582
عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ ١
About what are they asking one another?
عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلۡعَظِيمِ ٢
About the great news1 -
ٱلَّذِي هُمۡ فِيهِ مُخۡتَلِفُونَ ٣
That over which they are in disagreement.
صفحة ٣
(سُورَةُ النَّبَأِ)
أرْبَعُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ
﷽
﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ ﴿الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾
﷽
﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ ﴿الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ فِيهِ مَسائِلٌ:
المَسْألَةُ الأُولى: عَمَّ: أصْلُهُ حَرْفُ جَرٍّ دَخَلَ ”ما“ الِاسْتِفْهامِيَّةَ، قالَ حَسّانُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى -:
عَلى ما قامَ يَشْتُمُنِي لَئِيمٌ كَخِنْزِيرٍ تَمَرَّغَ في رَمادِ
والِاسْتِعْمالُ الكَثِيرُ عَلى الحَذْفِ والأصْلُ قَلِيلٌ، ذَكَرُوا في سَبَبِ الحَذْفِ وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ الزَّجّاجُ: لِأنَّ المِيمَ تَشْرَكُ الغُنَّةَ في الألِفِ فَصارا كالحَرْفَيْنِ المُتَماثِلَيْنِ.
وثانِيها: قالَ الجُرْجانِيُّ: إنَّهم إذا وصَفُوا ”ما“ في اسْتِفْهامٍ حَذَفُوا ألِفَها تَفْرِقَةً بَيْنِها وبَيْنَ أنْ تَكُونَ اسْمًا كَقَوْلِهِمْ: فِيمَ وبِمَ ولِمَ وعَلامَ وحَتّامَ.
وثالِثُها: قالُوا: حُذِفَتِ الألِفُ لِاتِّصالِ ما بِحَرْفِ الجَرِّ حَتّى صارَتْ كَجُزْءٍ مِنهُ لِتُنْبِئَ عَنْ شِدَّةِ الِاتِّصالِ.
ورابِعُها: السَّبَبُ في هَذا الحَذْفِ التَّخْفِيفُ في الكَلامِ فَإنَّهُ لَفْظٌ كَثِيرُ التَّداوُلِ عَلى اللِّسانِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ أنَّهُ سُؤالٌ، وقَوْلُهُ: ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ جَوابُ السّائِلِ، والمُجِيبُ هو اللَّهُ تَعالى، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى عِلْمِهِ بِالغَيْبِ، بَلْ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ. فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في أنْ يَذْكُرَ الجَوابَ مَعَهُ؟ قُلْنا: لِأنَّ إيرادَ الكَلامِ في مَعْرِضِ السُّؤالِ والجَوابِ أقْرَبُ إلى التَّفْهِيمِ والإيضاحِ، ونَظِيرُهُ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ [غافِرٍ: ١٦] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ عِكْرِمَةُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ (عَمّا) وهو الأصْلُ، وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ (عَمَّهْ) بِهاءِ السَّكْتِ، ولا يَخْلُو إمّا أنْ يُجْرِيَ الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ، وإمّا أنْ يَقِفَ ويَبْتَدِئَ بِـ ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ عَلى أنْ يُضْمِرَ (يَتَساءَلُونَ) لِأنَّ ما بَعْدَهُ يُفَسِّرُهُ، كَشَيْءٍ مُبْهَمٍ ثُمَّ يُفَسِّرُهُ.
صفحة ٤
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: (ما) لَفْظَةٌ وُضِعَتْ لِطَلَبِ ماهِيّاتِ الأشْياءِ وحَقائِقِها، تَقُولُ: ما المُلْكُ ؟ وما الرُّوحُ؟ وما الجِنُّ؟ والمُرادُ طَلَبُ ماهِيّاتِها وشَرْحُ حَقائِقِها، وذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَ ذَلِكَ المَطْلُوبِ مَجْهُولًا. ثُمَّ إنَّ الشَّيْءَ العَظِيمَ الَّذِي يَكُونُ لِعِظَمِهِ وتَفاقُمِ مَرْتَبَتِهِ ويُعْجِزُ العَقْلَ عَنْ أنْ يُحِيطَ بِكُنْهِهِ يَبْقى مَجْهُولًا، فَحَصَلَ بَيْنَ الشَّيْءِ المَطْلُوبِ بِلَفْظِ ما وبَيْنَ الشَّيْءِ العَظِيمِ مُشابَهَةٌ مِن هَذا الوَجْهِ، والمُشابَهَةُ إحْدى أسْبابِ المَجازِ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ جَعَلَ (ما) دَلِيلًا عَلى عَظَمَةِ حالِ ذَلِكَ المَطْلُوبِ وعُلُوِّ رُتْبَتِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ [المُطَفِّفِينَ: ٨]، ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ [البَلَدِ: ١٢] وتَقُولُ: زَيْدٌ وما زَيْدٌ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: التَّساؤُلُ هو أنْ يَسْألَ بَعْضُهم بَعْضًا كالتَّقابُلِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ أيْضًا في أنْ يَتَحَدَّثُوا بِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ سُؤالٌ، قالَ تَعالى: ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ ﴿يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى مَعْنى التَّحَدُّثِ فَيَكُونُ مَعْنى الكَلامِ عَمَّ يَتَحَدَّثُونَ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: أُولَئِكَ الَّذِينَ كانُوا يَتَساءَلُونَ مَن هُمْ، فِيهِ احْتِمالاتٌ: أحَدُها: أنَّهم هُمُ الكُفّارُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾ الضَّمِيرُ في (يَتَساءَلُونَ)، و(هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ)، و(سَيَعْلَمُونَ)، راجِعٌ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، وقَوْلُهُ: ﴿كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾ تَهْدِيدٌ والتَّهْدِيدُ لا يَلِيقُ إلّا بِالكُفّارِ، فَثَبَتَ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ عائِدٌ إلى الكُفّارِ، فَإنْ قِيلَ: فَما تَصْنَعُ بِقَوْلِهِ: ﴿هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ مَعَ أنَّ الكُفّارَ كانُوا مُتَّفِقِينَ في إنْكارِ الحَشْرِ؟ قُلْنا: لا نُسَلِّمُ أنَّهم كانُوا مُتَّفِقِينَ في إنْكارِ الحَشْرِ، وذَلِكَ لِأنَّ مِنهم مَن كانَ يُثْبِتُ المَعادَ الرُّوحانِيَّ، وهم جُمْهُورُ النَّصارى، وأمّا المَعادُ الجُسْمانِيُّ فَمِنهم مَن كانَ شاكًّا فِيهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [فُصِّلَتْ: ٥٠] ومِنهم مَن أصَرَّ عَلى الإنْكارِ، ويَقُولُ: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٣٧] ومِنهم مَن كانَ مُقِرًّا بِهِ، لَكِنَّهُ كانَ مُنْكِرًا لِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ -ﷺ-، فَقَدْ حَصَلَ اخْتِلافُهم فِيهِ، وأيْضًا هَبْ أنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لَهُ لَكِنْ لَعَلَّهُمُ اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ إنْكارِهِ، فَمِنهم مَن كانَ يُنْكِرُهُ لِأنَّهُ كانَ يُنْكِرُ الصّانِعَ المُخْتارَ، ومِنهم مَن كانَ يُنْكِرُهُ لِاعْتِقادِهِ أنَّ إعادَةَ المَعْدُومِ مُمْتَنِعَةٌ لِذاتِها، والقادِرُ المُخْتارُ إنَّما يَكُونُ قادِرًا عَلى ما يَكُونُ مُمْكِنًا في نَفْسِهِ، وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ .
والِاحْتِمالُ الثّانِي: أنَّ الَّذِينَ كانُوا يَتَساءَلُونَ هُمُ الكُفّارُ والمُؤْمِنُونَ، وكانُوا جَمِيعًا يَتَساءَلُونَ عَنْهُ، أمّا المُسْلِمُ فَلِيَزْدادَ بَصِيرَةً ويَقِينًا في دِينِهِ، وأمّا الكافِرُ فَعَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ، أوْ عَلى سَبِيلِ إيرادِ الشُّكُوكِ والشُّبُهاتِ.
والِاحْتِمالُ الثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَسْألُونَ الرَّسُولَ، ويَقُولُونَ: ما هَذا الَّذِي تَعِدُنا بِهِ مِن أمْرِ الآخِرَةِ؟
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ النَّبَإ العَظِيمِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ هو القِيامَةُ وهَذا هو الأقْرَبُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قَوْلُهُ: (سَيَعْلَمُونَ) والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنهُ أنَّهم سَيَعْلَمُونَ هَذا الَّذِي يَتَساءَلُونَ عَنْهُ حِينَ لا تَنْفَعُهم تِلْكَ المَعْرِفَةُ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ هو القِيامَةُ.
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ كَوْنَهُ قادِرًا عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ [النَّبَإ: ١٨]
صفحة ٥
وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى إنَّما قَدَّمَ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ لِبَيانِ كَوْنِهِ تَعالى قادِرًا عَلى إقامَةِ القِيامَةِ، ولَمّا كانَ الَّذِي أثْبَتَهُ اللَّهُ تَعالى بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ في هَذِهِ السُّورَةِ هو هَذِهِ المَسْألَةُ ثَبَتَ أنَّ النَّبَأ العَظِيمَ الَّذِي كانُوا يَتَساءَلُونَ عَنْهُ هو يَوْمُ القِيامَةِ.
وثالِثُها: أنَّ العَظِيمَ اسْمٌ لِهَذا اليَوْمِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المُطَفِّفِينَ: ٤-٦] وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص: ٦٨،٦٧] ولِأنَّ هَذا اليَوْمَ أعْظَمُ الأشْياءِ لِأنَّ ذَلِكَ مُنْتَهى فَزَعِ الخَلْقِ وخَوْفِهِمْ مِنهُ، فَكانَ تَخْصِيصُ اسْمِ العَظِيمِ بِهِ لائِقًا.
والقَوْلُ الثّانِي: إنَّهُ القُرْآنُ، واحْتَجَّ القائِلُونَ بِهَذا الوَجْهِ بِأمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ النَّبَأ العَظِيمَ هو الَّذِي كانُوا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وذَلِكَ هو القُرْآنُ؛ لِأنَّ بَعْضَهم جَعَلَهُ سِحْرًا وبَعْضَهم شِعْرًا، وبَعْضَهم قالَ: إنَّهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، فَأمّا البَعْثُ ونُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ -ﷺ - فَقَدْ كانُوا مُتَّفِقِينَ عَلى إنْكارِهِما، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الِاخْتِلافَ كانَ حاصِلًا في البَعْثِ.
الثّانِي: أنَّ النَّبَأ اسْمُ الخَبَرِ لا اسْمَ المُخْبَرِ عَنْهُ، فَتَفْسِيرُ النَّبَإ بِالقُرْآنِ أوْلى مِن تَفْسِيرِهِ بِالبَعْثِ أوِ النُّبُوَّةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ في نَفْسِهِ لَيْسَ بِنَبَأٍ بَلْ مُنْبَأٍ عَنْهُ، ويُقَوِّي ذَلِكَ أنَّ القُرْآنَ سُمِّيَ ذِكْرًا وتَذْكِرَةً وذِكْرى وهِدايَةً وحَدِيثًا، فَكانَ اسْمُ النَّبَأِ بِهِ ألْيَقَ مِنهُ بِالبَعْثِ والنُّبُوَّةِ. والجَوابُ عَنْهُ: أنَّهُ إذا كانَ اسْمُ النَّبَأِ ألْيَقَ بِهَذِهِ الألْفاظِ فاسْمُ العَظِيمِ ألْيَقُ بِالقِيامَةِ وبِالنُّبُوَّةِ؛ لِأنَّهُ لا عَظَمَةَ في ألْفاظٍ، إنَّما العَظَمَةُ في المَعانِي، ولِلْأوَّلِينَ أنْ يَقُولُوا إنَّها عَظِيمَةٌ أيْضًا في الفَصاحَةِ والِاحْتِواءِ عَلى العُلُومِ الكَثِيرَةِ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ أنَّ العَظِيمَ حَقِيقَةٌ في الأجْسامِ مَجازٌ في غَيْرِها، وإذا ثَبَتَ التَّعارُضُ بَقِيَ ما ذَكَرْنا مِنَ الدَّلائِلِ سَلِيمًا.
القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ النَّبَأ العَظِيمَ هو نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ -ﷺ -، قالُوا: وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا بُعِثَ الرَّسُولُ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- جَعَلُوا يَتَساءَلُونَ بَيْنَهم: ماذا الَّذِي حَدَثَ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم عَجِبُوا مِن إرْسالِ اللَّهِ مُحَمَّدًا -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- إلَيْهِمْ كَما قالَ تَعالى: ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [ق: ٢]، وعَجِبُوا أيْضًا أنْ جاءَهم بِالتَّوْحِيدِ كَما قالَ: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥]، فَحَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم مُساءَلَةَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ بِقَوْلِهِ: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في كَيْفِيَّةِ اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهٌ:
أحَدُها: وهو قَوْلُ البَصْرِيِّينَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ كَلامٌ تامٌّ، ثُمَّ قالَ: ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ والتَّقْدِيرُ: ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ إلّا أنَّهُ حَذَفَ يَتَساءَلُونَ في الآيَةِ الثّانِيَةِ؛ لِأنَّ حُصُولَهُ في الآيَةِ الأُولى يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ اسْتِفْهامًا مُتَّصِلًا بِما قَبْلَهُ، والتَّقْدِيرُ: عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ، إلّا أنَّهُ اقْتَصَرَ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الِاسْتِفْهامِ إذْ هو مُتَّصِلٌ بِهِ، وكالتَّرْجَمَةِ والبَيانِ لَهُ كَما قُرِئَ في قَوْلِهِ: (أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا إنّا لَمَبْعُوثُونَ) [الصّافّاتِ: ١٦] بِكَسْرِ الألِفِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ؛ لِأنَّ إنْكارَهم إنَّما كانَ لِلْبَعْثِ، ولَكِنَّهُ لَمّا ظَهَرَ الِاسْتِفْهامُ في أوَّلِ الكَلامِ اقْتُصِرَ عَلَيْهِ، فَكَذا هاهُنا.
وثالِثُها: وهو اخْتِيارُ الكُوفِيِّينَ أنَّ الآيَةَ الثّانِيَةَ مُتَّصِلَةٌ بِالأُولى عَلى تَقْدِيرِ ”لِأيِّ شَيْءٍ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ“ وعَمَّ كَأنَّها في المَعْنى لِأيِّ شَيْءٍ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.
78:4–6Page 582
كـَلَّا سَيَعۡلَمُونَ ٤
No! They are going to know.
ثُمَّ كـَلَّا سَيَعۡلَمُونَ ٥
Then, no! They are going to know.
أَلَمۡ نَجۡعَلِ ٱلۡأَرۡضَ مِهَٰدٗا ٦
Have We not made the earth a resting place?
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾ ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾ . قالَ القَفّالُ: كَلّا لَفْظَةٌ وُضِعَتْ لِرَدِّ شَيْءٍ قَدْ تَقَدَّمَ، هَذا هو الأظْهَرُ مِنها في الكَلامِ، والمَعْنى لَيْسَ الأمْرُ كَما يَقُولُهُ هَؤُلاءِ في النَّبَإ العَظِيمِ إنَّهُ باطِلٌ أوْ إنَّهُ لا يَكُونُ،
صفحة ٦
وقالَ قائِلُونَ: كَلّا مَعْناهُ حَقًّا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قَرَّرَ ذَلِكَ الرَّدْعَ والتَّهْدِيدَ، فَقالَ: ﴿كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾ وهو وعِيدٌ لَهم بِأنَّهم سَوْفَ يَعْلَمُونَ أنَّ ما يَتَساءَلُونَ عَنْهُ ويَضْحَكُونَ مِنهُ حَقٌّ لا دافِعَ لَهُ، واقِعٌ لا رَيْبَ فِيهِ، وأمّا تَكْرِيرُ الرَّدْعِ، فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الغَرَضَ مِنَ التَّكْرِيرِ التَّأْكِيدُ والتَّشْدِيدُ، ومَعْنى ثُمَّ الإشْعارُ بِأنَّ الوَعِيدَ الثّانِيَ أبْلَغُ مِنَ الوَعِيدِ الأوَّلِ وأشَدُّ.
والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِتَكْرِيرٍ، ثُمَّ ذَكَرُوا وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ الضَّحّاكُ: الآيَةُ الأُولى لِلْكُفّارِ والثّانِيَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ، أيْ سَيَعْلَمُ الكُفّارُ عاقِبَةَ تَكْذِيبِهِمْ وسَيَعْلَمُ المُؤْمِنُونَ عاقِبَةَ تَصْدِيقِهِمْ.
وثانِيها: قالَ القاضِي: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالأوَّلِ سَيَعْلَمُونَ نَفْسَ الحَشْرِ والمُحاسَبَةِ، ويُرِيدُ بِالثّانِي سَيَعْلَمُونَ نَفْسَ العَذابِ إذا شاهَدُوهُ.
وثالِثُها: ﴿كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾ ما اللَّهُ فاعِلٌ بِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ثُمَّ كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾ أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَما كانُوا يَتَوَهَّمُونَ مِن أنَّ اللَّهَ غَيْرُ باعِثٍ لَهم.
ورابِعُها: ﴿كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾ ما يَصِلُ إلَيْهِمْ مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا وكَما جَرى عَلى كَفّارِ قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ ﴿ثُمَّ كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾ بِما يَنالُهم في الآخِرَةِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: جُمْهُورُ القُرّاءِ قَرَءُوا بِالياءِ المُنَقَّطَةِ مِن تَحْتُ في (سَيَعْلَمُونَ) ورُوِيَ بِالتّاءِ المُنَقَّطَةِ مِن فَوْقُ عَنِ ابْنِ عامِرٍ. قالَ الواحِدِيُّ: والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ عَلى لَفْظِ الغِيبَةِ، والتّاءُ عَلى ”قُلْ لَهم: سَتَعْلَمُونَ“، وأقُولُ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ، وهو هاهُنا مُتَمَكِّنٌ حَسَنٌ، كَمَن يَقُولُ: إنَّ عَبْدِي يَقُولُ كَذا وكَذا، ثُمَّ يَقُولُ لِعَبْدِهِ: إنَّكَ سَتَعْرِفُ وبالَ هَذا الكَلامِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم إنْكارَ البَعْثِ والحَشْرِ، وأرادَ إقامَةَ الدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ الحَشْرِ قَدَّمَ لِذَلِكَ مُقَدِّمَةً في بَيانِ كَوْنِهِ تَعالى قادِرًا عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ مَهْما ثَبَتَ هَذانِ الأصْلانِ ثَبَتَ القَوْلُ بِصِحَّةِ البَعْثِ، وإنَّما أثْبَتَ هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ بِأنْ عَدَّدَ أنْواعًا مِن مَخْلُوقاتِهِ الواقِعَةِ عَلى وجْهِ الإحْكامِ والإتْقانِ، فَإنَّ تِلْكَ الأشْياءَ مِن جِهَةِ حُدُوثِها تَدُلُّ عَلى القُدْرَةِ، ومِن جِهَةِ إحْكامِها وإتْقانِها تَدُلُّ عَلى العِلْمِ، ومَتى ثَبَتَ هَذانِ الأصْلانِ وثَبَتَ أنَّ الأجْسامَ مُتَساوِيَةٌ في قَبُولِ الصِّفاتِ والأعْراضِ، ثَبَتَ لا مَحالَةَ كَوْنُهُ تَعالى قادِرًا عَلى تَخْرِيبِ الدُّنْيا بِسَماواتِها وكَواكِبِها وأرْضِها، وعَلى إيجادِ عالَمِ الآخِرَةِ، فَهَذا هو الإشارَةُ إلى كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هاهُنا مِن عَجائِبِ مَخْلُوقاتِهِ أُمُورًا. فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾ والمِهادُ مَصْدَرٌ، ثُمَّ هاهُنا احْتِمالاتٌ: أحَدُها: المُرادُ مِنهُ هاهُنا المَمْهُودُ، أيْ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مَمْهُودَةً، وهَذا مِن بابِ تَسْمِيَةِ المَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ، كَقَوْلِكَ: هَذا ضَرْبُ الأمِيرِ.
وثانِيها: أنْ تَكُونَ الأرْضُ وُصِفَتْ بِهَذا المَصْدَرِ، كَما تَقُولُ: زَيْدٌ جُودٌ وكَرَمٌ وفَضْلٌ، كَأنَّهُ لِكَمالِهِ في تِلْكَ الصِّفَةِ صارَ عَيْنَ تِلْكَ الصِّفَةِ. وثالِثُها: أنْ تَكُونَ بِمَعْنى ذاتِ مِهادٍ، وقُرِئَ (مَهْدًا)، ومَعْناهُ أنَّ الأرْضَ لِلْخَلْقِ كالمَهْدِ لِلصَّبِيِّ، وهو الَّذِي مُهِّدَ لَهُ فَيُنَوَّمُ عَلَيْهِ.
واعْلَمْ أنّا ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢] كُلَّ ما يَتَعَلَّقُ مِنَ الحَقائِقِ بِهَذِهِ الآيَةِ.
78:7–9Page 582
وَٱلۡجِبَالَ أَوۡتَادٗا ٧
And the mountains as stakes?1
وَخَلَقۡنَٰكُمۡ أَزۡوَٰجٗا ٨
And We created you in pairs
وَجَعَلۡنَا نَوۡمَكُمۡ سُبَاتٗا ٩
And made your sleep [a means for] rest
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والجِبالَ أوْتادًا﴾ أيْ لِلْأرْضِ [ كَيْ ] لا تَمِيدَ بِأهْلِها، فَيَكْمُلُ كَوْنُ الأرْضِ مِهادًا
صفحة ٧
بِسَبَبِ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ أيْضًا.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وخَلَقْناكم أزْواجًا﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: المُرادُ الذَّكَرُ والأُنْثى كَما قالَ: ﴿وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [النَّجْمِ: ٤٥]، والثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ كُلُّ زَوْجَيْنِ و[ كُلُّ ] مُتَقابِلَيْنِ مِنَ القَبِيحِ والحَسَنِ والطَّوِيلِ والقَصِيرِ وجَمِيعُ المُتَقابِلاتِ والأضْدادِ، كَما قالَ: ﴿ومِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ﴾ [الذّارِياتِ: ٤٩] وهَذا دَلِيلٌ ظاهِرٌ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ ونِهايَةِ الحِكْمَةِ حَتّى يَصِحَّ الِابْتِلاءُ والِامْتِحانُ، فَيَتَعَبَّدَ الفاضِلُ بِالشُّكْرِ والمَفْضُولُ بِالصَّبْرِ، ويُتَعَرَّفَ حَقِيقَةُ كُلِّ شَيْءٍ بِضِدِّهِ، فالإنْسانُ إنَّما يَعْرِفُ قَدْرَ الشَّبابِ عِنْدَ الشَّيْبِ، وإنَّما يَعْرِفُ قَدْرَ الأمْنِ عِنْدَ الخَوْفِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أبْلَغَ في تَعْرِيفِ النِّعَمِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتًا﴾ طَعَنَ بَعْضُ المَلاحِدَةِ في هَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: السُّباتُ هو النَّوْمُ، والمَعْنى: وجَعَلْنا نَوْمَكم نَوْمًا، واعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ ذَكَرُوا في التَّأْوِيلِ وُجُوهًا:
أوَّلُها: قالَ الزَّجّاجُ: (سُباتًا) مَوْتًا والمَسْبُوتُ المَيِّتُ مِنَ السَّبْتِ وهو القَطْعُ؛ لِأنَّهُ مَقْطُوعٌ عَنِ الحَرَكَةِ، ودَلِيلُهُ أمْرانِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ [الأنْعامِ: ٦٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ﴾ [الأنْعامِ: ٦٠] .
والثّانِي: أنَّهُ لَمّا جَعَلَ النَّوْمَ مَوْتًا جَعَلَ اليَقَظَةَ مَعاشًا، أيْ حَياةً في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا النَّهارَ مَعاشًا﴾ وهَذا القَوْلُ عِنْدِي ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الأشْياءَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآيَةِ جَلائِلُ النِّعَمِ، فَلا يَلِيقُ المَوْتُ بِهَذا المَكانِ، وأيْضًا لَيْسَ المُرادُ بِكَوْنِهِ مَوْتًا أنَّ الرُّوحَ انْقَطَعَ عَنِ البَدَنِ، بَلِ المُرادُ مِنهُ انْقِطاعُ أثَرِ الحَواسِّ الظّاهِرَةِ، وهَذا هو النَّوْمُ، ويَصِيرُ حاصِلُ الكَلامِ إلى: إنّا جَعَلْنا نَوْمَكم نَوْمًا.
وثانِيها: قالَ اللَّيْثُ: السُّباتُ النَّوْمُ شِبْهُ الغَشْيِ، يُقالُ: سُبِتَ المَرِيضُ فَهو مَسْبُوتٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السُّباتُ الغَشْيَةُ الَّتِي تَغْشى الإنْسانَ شِبْهَ المَوْتِ، وهَذا القَوْلُ أيْضًا ضَعِيفٌ، لِأنَّ الغَشْيَ هاهُنا إنْ كانَ النَّوْمَ فَيَعُودُ الإشْكالُ، وإنْ كانَ المُرادُ بِالسُّباتِ شِدَّةَ ذَلِكَ الغَشْيِ فَهو باطِلٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ نَوْمٍ كَذَلِكَ، ولِأنَّهُ مَرَضٌ فَلا يُمْكِنُ ذِكْرُهُ في أثْناءِ تَعْدِيدِ النِّعَمِ.
وثالِثُها: أنَّ السَّبْتَ في أصْلِ اللُّغَةِ هو القَطْعُ، يُقالُ: سَبَتَ الرَّجُلُ رَأْسَهُ يَسْبُتُهُ سَبْتًا إذا حَلَقَ شَعْرَهُ، وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ في قَوْلِهِ: (سُباتًا) أيْ قَطْعًا، ثُمَّ عِنْدَ هَذا يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى: وجَعَلْنا نَوْمَكم نَوْمًا مُتَقَطِّعًا لا دائِمًا، فَإنَّ النَّوْمَ بِمِقْدارِ الحاجَةِ مِن أنْفَعِ الأشْياءِ. أمّا دَوامُهُ فَمِن أضَرِّ الأشْياءِ، فَلَمّا كانَ انْقِطاعُهُ نِعْمَةً عَظِيمَةً لا جَرَمَ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في مَعْرِضِ الإنْعامِ.
الثّانِي: أنَّ الإنْسانَ إذا تَعِبَ ثُمَّ نامَ، فَذَلِكَ النَّوْمُ يُزِيلُ عَنْهُ ذَلِكَ التَّعَبَ، فَسُمِّيَتْ تِلْكَ الإزالَةُ سَبْتًا وقَطْعًا، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِ ابْنِ قُتَيْبَةَ: ﴿وجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتًا﴾ أيْ راحَةً، ولَيْسَ غَرَضُهُ مِنهُ أنَّ السُّباتَ اسْمٌ لِلرّاحَةِ، بَلِ المَقْصُودُ أنَّ النَّوْمَ يَقْطَعُ التَّعَبَ ويُزِيلُهُ، فَحِينَئِذٍ تَحْصُلُ الرّاحَةُ.
الثّالِثُ: قالَ المُبَرِّدُ: ﴿وجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتًا﴾ أيْ جَعَلْناهُ نَوْمًا خَفِيفًا يُمْكِنُكم دَفْعُهُ وقَطْعُهُ، تَقُولُ العَرَبُ: رَجُلٌ مَسْبُوتٌ إذا كانَ النَّوْمُ يُغالِبُهُ وهو يُدافِعُهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: وجَعَلْنا نَوْمَكم نَوْمًا لَطِيفًا يُمْكِنُكم دَفْعُهُ، وما جَعَلْناهُ غَشْيًا مُسْتَوْلِيًا عَلَيْكُمْ، فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ الأمْراضِ الشَّدِيدَةِ، وهَذِهِ الوُجُوهُ كُلُّها صَحِيحَةٌ.
78:10–12Page 582
وَجَعَلۡنَا ٱلَّيۡلَ لِبَاسٗا ١٠
And made the night as clothing1
وَجَعَلۡنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشٗا ١١
And made the day for livelihood
وَبَنَيۡنَا فَوۡقَكُمۡ سَبۡعٗا شِدَادٗا ١٢
And constructed above you seven strong [heavens]
وخامِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ لِباسًا﴾ قالَ القَفّالُ: أصْلُ اللِّباسِ هو الشَّيْءُ الَّذِي يَلْبَسُهُ الإنْسانُ ويَتَغَطّى بِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مُغَطِّيًا لَهُ، فَلَمّا كانَ اللَّيْلُ يَغْشى النّاسَ بِظُلْمَتِهِ فَيُغَطِّيهِمْ جُعِلَ لِباسًا لَهُمْ،
صفحة ٨
وهَذا السَّبْتُ، سُمِّيَ اللَّيْلُ لِباسًا عَلى وجْهِ المَجازِ، والمُرادُ كَوْنُ اللَّيْلِ ساتِرًا لَهم. وأمّا وجْهُ النِّعْمَةِ في ذَلِكَ، فَهو أنَّ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ تَسْتُرُ الإنْسانَ عَنِ العُيُونِ إذا أرادَ هَرَبًا مِن عَدُوٍّ، أوْ بَياتًا لَهُ، أوْ إخْفاءَ ما لا يُحِبُّ الإنْسانُ إطْلاعَ غَيْرِهِ عَلَيْهِ، قالَ المُتَنَبِّي:
وكَمْ لِظَلامِ اللَّيْلِ عِنْدِي مِن يَدٍ تُخَبِّرُ أنَّ المانَوِيَّةَ تَكْذِبُ
وأيْضًا فَكَما أنَّ الإنْسانَ بِسَبَبِ اللِّباسِ يَزْدادُ جَمالُهُ وتَتَكامَلُ قُوَّتُهُ ويَنْدَفِعُ عَنْهُ أذى الحَرِّ والبَرْدِ، فَكَذا لِباسُ اللَّيْلِ بِسَبَبِ ما يَحْصُلُ فِيهِ مِنَ النَّوْمِ يَزِيدُ في جَمالِ الإنْسانِ، وفي طَراوَةِ أعْضائِهِ، وفي تَكامُلِ قُواهُ الحِسِّيَّةِ والحَرَكِيَّةِ، ويَنْدَفِعُ عَنْهُ أذى التَّعَبِ الجُسْمانِيِّ، وأذى الأفْكارِ المُوحِشَةِ النَّفْسانِيَّةِ، فَإنَّ المَرِيضَ إذا نامَ بِاللَّيْلِ وجَدَ الخِفَّةَ العَظِيمَةَ.
وسادِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا النَّهارَ مَعاشًا﴾ في المَعاشِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ مَصْدَرٌ، يُقالُ: عاشَ يَعِيشُ عَيْشًا ومَعاشًا ومَعِيشَةً وعِيشَةً، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا بُدَّ فِيهِ مِن إضْمارٍ، والمَعْنى: وجَعْلِنا النَّهارَ وقْتَ المَعاشِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَعاشًا مَفْعَلًا وظَرْفًا لِلتَّعَيُّشِ، وعَلى هَذا لا حاجَةَ إلى الإضْمارِ، ومَعْنى كَوْنِ النَّهارِ مَعاشًا أنَّ الخَلْقَ إنَّما يُمْكِنُهُمُ التَّقَلُّبُ في حَوائِجِهِمْ ومَكاسِبِهِمْ في النَّهارِ لا في اللَّيْلِ.
وسابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبَنَيْنا فَوْقَكم سَبْعًا شِدادًا﴾ أيْ سَبْعَ سَماواتٍ (شِدادًا) جَمْعُ شَدِيدَةٍ يَعْنِي مُحْكَمَةً قَوِيَّةَ الخَلْقِ لا يُؤَثِّرُ فِيها مُرُورُ الزَّمانِ، لا فُطُورَ فِيها ولا فُرُوجَ، ونَظِيرُهُ ﴿وجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنْبِياءِ: ٣٢] فَإنْ قِيلَ: لَفْظُ البِناءِ يُسْتَعْمَلُ في أسافِلِ البَيْتِ والسَّقْفِ في أعْلاهُ فَكَيْفَ قالَ: ﴿وبَنَيْنا فَوْقَكم سَبْعًا﴾ ؟ قُلْنا: البِناءُ يَكُونُ أبْعَدَ مِنَ الآفَةِ والِانْحِلالِ مِنَ السَّقْفِ، فَذِكْرُ قَوْلِهِ: (وبَنَيْنا) إشارَةٌ إلى أنَّهُ وإنْ كانَ سَقْفًا لَكِنَّهُ في البُعْدِ عَنِ الِانْحِلالِ كالبِناءِ، فالغَرَضُ مِنَ اخْتِيارِ هَذا اللَّفْظِ هَذِهِ الدَّقِيقَةُ.
78:13–14Page 582
وَجَعَلۡنَا سِرَاجٗا وَهَّاجٗا ١٣
And made [therein] a burning lamp
وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلۡمُعۡصِرَٰتِ مَآءٗ ثَجَّاجٗا ١٤
And sent down from the rain clouds pouring water
وثامِنُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا سِراجًا وهّاجًا﴾ كَلامُ أهْلِ اللُّغَةِ مُضْطَرِبٌ في تَفْسِيرِ الوَهّاجِ، فَمِنهم مَن قالَ: الوَهَجُ مَجْمَعُ النُّورِ والحَرارَةِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ الشَّمْسَ بالِغَةٌ إلى أقْصى الغاياتِ في هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ، وهو المُرادُ بِكَوْنِها وهّاجًا، ورَوى الكَلْبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الوَهّاجَ مُبالَغَةٌ في النُّورِ فَقَطْ، يُقالُ لِلْجَوْهَرِ إذا تَلَأْلَأ: تَوَهَّجَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَهّاجَ يُفِيدُ الكَمالَ في النُّورِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ يَصِفُ النُّورَ:
نُوّارُها مُتَباهِجٌ يَتَوَهَّجُ
وفِي كِتابِ الخَلِيلِ: الوَهَجُ حَرُّ النّارِ والشَّمْسِ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ الوَهّاجَ هو البالِغُ في الحَرِّ، واعْلَمْ أنَّ أيَّ هَذِهِ الوُجُوهِ إذا ثَبَتَ فالمَقْصُودُ حاصِلٌ.
وتاسِعُها: قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا﴾ أمّا المُعْصِراتُ فَفِيها قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَوْلُ مُجاهِدٍ، ومُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ وقَتادَةَ: إنَّها الرِّياحُ الَّتِي تُثِيرُ السَّحابَ، ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ [الرُّومِ: ٤٨] فَإنْ قِيلَ: عَلى هَذا التَّأْوِيلِ كانَ يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: وأنْزَلْنا بِالمُعْصِراتِ، قُلْنا: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ المَطَرَ إنَّما يَنْزِلُ مِنَ السَّحابِ، والسَّحابُ إنَّما
صفحة ٩
يُثِيرُهُ الرِّياحُ، فَصَحَّ أنْ يُقالَ: هَذا المَطَرُ إنَّما حَصَلَ مِن تِلْكَ الرِّياحِ، كَما يُقالُ: هَذا مِن فُلانٍ، أيْ مِن جِهَتِهِ وبِسَبَبِهِ. الثّانِي: أنَّ ”مِن“ هاهُنا بِمَعْنى الباءِ، والتَّقْدِيرُ: وأنْزَلْنا بِالمُعْصِراتِ أيْ بِالرِّياحِ المُثِيرَةِ لِلسَّحابِ. ويُرْوى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وعِكْرِمَةَ أنَّهم قَرَءُوا: ”وأنْزَلْنا بِالمُعْصِراتِ“ . وطَعَنَ الأزْهَرِيُّ في هَذا القَوْلِ، وقالَ: الأعاصِيرُ مِنَ الرِّياحِ لَيْسَتْ مِن رِياحِ المَطَرِ، وقَدْ وصَفَ اللَّهُ تَعالى المُعْصِراتِ بِالماءِ الثَّجّاجِ. وجَوابُهُ: أنَّ الإعْصارَ لَيْسَتْ مِن رِياحِ المَطَرِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ المُعْصِراتُ مِن رِياحِ المَطَرِ؟ القَوْلُ الثّانِي: وهو الرِّوايَةُ الثّانِيَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ واخْتِيارُ أبِي العالِيَةِ والرَّبِيعِ والضَّحّاكِ أنَّها السَّحابُ، وذَكَرُوا في تَسْمِيَةِ السَّحابِ بِالمُعْصِراتِ وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ المُؤَرِّجُ: المُعْصِراتُ السَّحائِبُ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ.
وثانِيها: قالَ المازِنِيُّ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ المُعْصِراتُ هي السَّحائِبَ ذَواتِ الأعاصِيرِ، فَإنَّ السَّحائِبَ إذا عَصَرَتْها الأعاصِيرُ لا بُدَّ وأنْ يَنْزِلَ المَطَرُ مِنها.
وثالِثُها: أنَّ المُعْصِراتِ هي السَّحائِبُ الَّتِي شارَفَتْ أنْ تَعْصِرَها الرِّياحُ، فَتُمْطِرُ كَقَوْلِكَ: أجُزُّ الزَّرْعَ إذا حانَ لَهُ أنْ يُجَزَّ، ومِنهُ أعْصَرَتِ الجارِيَةُ إذا دَنَتْ أنْ تَحِيضَ، وأمّا الثَّجّاجُ فاعْلَمْ أنَّ الثَّجَّ شِدَّةُ الِانْصِبابِ، يُقالُ: مَطَرٌ ثَجّاجٌ ودَمٌ ثَجّاجٌ، أيْ شَدِيدُ الِانْصِبابِ.
واعْلَمْ أنَّ الثَّجَّ قَدْ يَكُونُ لازِمًا، وهو بِمَعْنى الِانْصِبابِ كَما ذَكَرْنا، وقَدْ يَكُونُ مُتَعَدِّيًا بِمَعْنى الصَّبِّ. وفي الحَدِيثِ: ”«أفْضَلُ الحَجِّ العَجُّ والثَّجُّ» “ أيْ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ وصَبُّ دِماءِ الهَدْيِ، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ مِثَجًّا أيْ يَثُجُّ الكَلامَ ثَجًّا في خُطْبَتِهِ. وقَدْ فَسَّرُوا الثَّجّاجَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الوَجْهَيْنِ، وقالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ وقَتادَةُ: الثَّجّاجُ هاهُنا المُتَدَفِّقُ المُنْصَبُّ، وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ الصَّبّابُ كَأنَّهُ يَثُجُّ نَفْسَهُ أيْ يَصُبُّ. وبِالجُمْلَةِ فالمُرادُ تَتابُعُ القَطْرِ حَتّى يَكْثُرَ الماءُ فَيَعْظُمُ النَّفْعُ بِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences