Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
An-Nazi'at 79:6–18
79:6–9Page 583
يَوۡمَ تَرۡجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ ٦
On the Day the blast [of the Horn] will convulse [creation],
تَتۡبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ ٧
There will follow it the subsequent [one].
قُلُوبٞ يَوۡمَئِذٖ وَاجِفَةٌ ٨
Hearts,1 that Day, will tremble,
أَبۡصَٰرُهَا خَٰشِعَةٞ ٩
Their eyes1 humbled.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ﴾ ﴿تَتْبَعُها الرّادِفَةُ﴾ ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ﴾ ﴿أبْصارُها خاشِعَةٌ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: جَوابُ القَسَمِ المُتَقَدِّمِ مَحْذُوفٌ أوْ مَذْكُورٌ؟ فِيهِ وجْهانِ:
(الأوَّلُ) أنَّهُ مَحْذُوفٌ، ثُمَّ عَلى هَذا الوَجْهِ في الآيَةِ احْتِمالاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ التَّقْدِيرُ: لَتُبْعَثُنَّ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ ما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، أنَّهم قالُوا: ﴿أئِذا كُنّا عِظامًا نَخِرَةً﴾ أيْ: أنُبْعَثُ إذا صِرْنا عِظامًا نَخِرَةً.
(الثّانِي) قالَ الأخْفَشُ والزَّجّاجُ: لَنَنْفُخَنَّ في الصُّورِ نَفْخَتَيْنِ، ودَلَّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ ذِكْرُ الرّاجِفَةِ والرّادِفَةِ وهُما النَّفْخَتانِ.
(الثّالِثُ) قالَ الكِسائِيُّ: الجَوابُ المُضْمَرُ هو أنَّ القِيامَةَ واقِعَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قالَ: ﴿والذّارِياتِ ذَرْوًا﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ﴾ [الذّارِياتِ: ٥] وقالَ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ . .﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ [المُرْسَلاتِ: ٧،١] فَكَذَلِكَ هاهُنا، فَإنَّ القُرْآنَ كالسُّورَةِ الواحِدَةِ. (القَوْلُ الثّانِي) أنَّ الجَوابَ مَذْكُورٌ، وعَلى هَذا القَوْلِ احْتِمالاتٌ:
(الأوَّلُ) المُقْسَمُ عَلَيْهِ هو قَوْلُهُ: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ﴾ ﴿أبْصارُها خاشِعَةٌ﴾ والتَّقْدِيرُ: والنّازِعاتِ غَرْقًا إنَّ يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ تَحْصُلُ قُلُوبٌ واجِفَةٌ وأبْصارُها خاشِعَةٌ.
(الثّانِي) جَوابُ القَسَمِ هو قَوْلُهُ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ [النّازِعاتِ: ١٥] فَإنَّ هَلْ
صفحة ٣٢
هاهُنا بِمَعْنى قَدْ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ [الغاشِيَةِ: ١] أيْ قَدْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ.
(الثّالِثُ) جَوابُ القَسَمِ هو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى﴾ [النّازِعاتِ: ٢٦] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في ناصِبِ (يَوْمَ) بِوَجْهَيْنِ:
(أحَدُهُما) أنَّهُ مَنصُوبٌ بِالجَوابِ المُضْمَرِ والتَّقْدِيرُ: لَتُبْعَثُنَّ يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ هَذا مَعَ أنَّهم لا يُبْعَثُونَ عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى والرّاجِفَةُ هي النَّفْخَةُ الأُولى؟ قُلْنا: المَعْنى لَتُبْعَثُنَّ في الوَقْتِ الواسِعِ الَّذِي يَحْصُلُ فِيهِ النَّفْخَتانِ، ولا شَكَّ أنَّهم يُبْعَثُونَ في بَعْضِ ذَلِكَ الوَقْتِ الواسِعِ وهو وقْتُ النَّفْخَةِ الأُخْرى، ويَدُلُّ عَلى ما قُلْناهُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تَتْبَعُها الرّادِفَةُ﴾ جُعِلَ حالًا عَنِ الرّاجِفَةِ.
(والثّانِي): أنْ يُنْصَبَ (يَوْمَ تَرْجُفُ) بِما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ﴾ أيْ: يَوْمَ تَرْجُفُ وجَفَتِ القُلُوبُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الرَّجْفَةُ في اللُّغَةِ تَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
(أحَدُهُما) الحَرَكَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ﴾ [ المُزَّمِّلِ: ١٤] .
(الثّانِي) الهَدَّةُ المُنْكَرَةُ والصَّوْتُ الهائِلُ مِن قَوْلِهِمْ: رَجَفَ الرَّعْدُ يَرْجُفُ رَجْفًا ورَجِيفًا، وذَلِكَ تَرَدُّدُ أصْواتِهِ المُنْكَرَةِ وهَدْهَدَتُهُ في السَّحابِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ فَعَلى هَذا الوَجْهِ الرّاجِفَةُ صَيْحَةٌ عَظِيمَةٌ فِيها هَوْلٌ وشِدَّةٌ كالرَّعْدِ، وأمّا الرّادِفَةُ فَكُلُّ شَيْءٍ جاءَ بَعْدَ شَيْءٍ آخَرَ يُقالُ: رَدِفَهُ، أيْ: جاءَ بَعْدَهُ، وأمّا القُلُوبُ الواجِفَةُ فَهي المُضْطَرِبَةُ الخائِفَةُ، يُقالُ: وجَفَ قَلْبُهُ يَجِفُ وِجافًا إذا اضْطَرَبَ، ومِنهُ إيجافُ الدّابَّةِ، وحَمْلُها عَلى السَّيْرِ الشَّدِيدِ، ولِلْمُفَسِّرِينَ عِباراتٌ كَثِيرَةٌ في تَفْسِيرِ الواجِفَةِ ومَعْناها واحِدٌ، قالُوا: خائِفَةٌ وجِلَةٌ زائِدَةٌ عَنْ أماكِنِها قَلِقَةٌ مُسْتَوْفِزَةٌ مُرْتَكِضَةٌ شَدِيدَةُ الِاضْطِرابِ غَيْرُ ساكِنَةٍ، أبْصارُ أهْلِها خاشِعَةٌ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشُّورى: ٤٥] إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: اتَّفَقَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذِهِ الأُمُورَ أحْوالُ يَوْمِ القِيامَةِ، وزَعَمَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، ونَحْنُ نَذْكُرُ تَفاسِيرَ المُفَسِّرِينَ ثُمَّ نَشْرَحُ قَوْلَ أبِي مُسْلِمٍ.
أمّا القَوْلُ الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ بَيْنَ الجُمْهُورِ، أنَّ هَذِهِ الأحْوالَ أحْوالُ يَوْمِ القِيامَةِ فَهَؤُلاءِ ذَكَرُوا وُجُوهًا:
(أحَدُها) أنَّ الرّاجِفَةَ هي النَّفْخَةُ الأُولى، وسُمِّيَتْ بِهِ إمّا لِأنَّ الدُّنْيا تَتَزَلْزَلُ وتَضْطَرِبُ عِنْدَها، وإمّا لِأنَّ صَوْتَ تِلْكَ النَّفْخَةِ هي الرّاجِفَةُ، كَما بَيَّنّا القَوْلَ فِيهِ، والرّاجِفَةُ رَجْفَةٌ أُخْرى تَتْبَعُ الأُولى، فَتَضْطَرِبُ الأرْضُ لِإحْياءِ المَوْتى كَما اضْطَرَبَتْ في الأُولى لِمَوْتِ الأحْياءِ عَلى ما ذَكَرَهُ تَعالى في سُورَةِ الزُّمَرِ، ثُمَّ يُرْوى عَنِ الرَّسُولِ -ﷺ- أنَّ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أرْبَعِينَ عامًا، ويُرْوى في هَذِهِ الأرْبَعِينَ يُمْطِرُ اللَّهُ الأرْضَ ويَصِيرُ ذَلِكَ الماءُ عَلَيْها كالنُّطَفِ، وأنَّ ذَلِكَ كالسَّبَبِ لِلْأحْياءِ، وهَذا مِمّا لا حاجَةَ إلَيْهِ في الإعادَةِ، ولِلَّهِ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ ويَحْكُمَ ما يُرِيدُ.
(وثانِيها) الرّاجِفَةُ هي النَّفْخَةُ الأُولى والرّادِفَةُ هي قِيامُ السّاعَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النَّمْلِ: ٧٢]، أيِ القِيامَةُ الَّتِي يَسْتَعْجِلُها الكَفَرَةُ اسْتِبْعادًا لَها، فَهي رادِفَةٌ لَهم لِاقْتِرابِها.
(وثالِثُها) الرّاجِفَةُ الأرْضُ والجِبالُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ﴾ والرّادِفَةُ السَّماءُ والكَواكِبُ لِأنَّها تَنْشَقُّ وتَنْتَثِرُ كَواكِبُها عَلى أثَرِ ذَلِكَ.
(ورابِعُها) الرّاجِفَةُ هي الأرْضُ تَتَحَرَّكُ وتَتَزَلْزَلُ، والرّادِفَةُ زَلْزَلَةٌ ثانِيَةٌ تَتْبَعُ الأُولى حَتّى تَنْقَطِعَ الأرْضُ وتَفْنى.
(القَوْلُ الثّانِي) وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ هَذِهِ الأحْوالَ لَيْسَتْ أحْوالَ يَوْمِ القِيامَةِ، وذَلِكَ لِأنّا نَقَلْنا عَنْهُ أنَّهُ فَسَّرَ النّازِعاتِ بِنَزْعِ القَوْسِ، والنّاشِطاتِ بِخُرُوجِ السَّهْمِ، والسّابِحاتِ بِعَدْوِ الفَرَسِ، والسّابِقاتِ بِسَبْقِها، والمُدَبِّراتِ بِالأُمُورِ الَّتِي تَحْصُلُ أدْبارَ ذَلِكَ الرَّمْيِ والعَدْوِ، ثُمَّ بَنى عَلى ذَلِكَ فَقالَ: الرّاجِفَةُ هي خَيْلُ المُشْرِكِينَ وكَذَلِكَ الرّادِفَةُ، ويُرادُ بِذَلِكَ طائِفَتانِ مِنَ المُشْرِكِينَ غَزَوْا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-
صفحة ٣٣
فَسَبَقَتْ إحْداهُما الأُخْرى، والقُلُوبُ الواجِفَةُ هي القَلِقَةُ، والأبْصارُ الخاشِعَةُ هي أبْصارُ المُنافِقِينَ كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٢٠] كَأنَّهُ قِيلَ: لَمّا جاءَ خَيْلُ العَدُوِّ تَرْجُفُ ورَدَفَتْها أُخْتُها اضْطَرَبَ قُلُوبُ المُنافِقِينَ خَوْفًا، وخَشَعَتْ أبْصارُهم جُبْنًا وضَعْفًا، ثُمَّ قالُوا: ﴿أئِنّا لَمَرْدُودُونَ في الحافِرَةِ﴾ أيْ نَرْجِعُ إلى الدُّنْيا حَتّى نَتَحَمَّلَ هَذا الخَوْفَ لِأجْلِها. وقالُوا أيْضًا: ﴿تِلْكَ إذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ﴾ [النّازِعاتِ: ١٢] فَأوَّلُ هَذا الكَلامِ حِكايَةٌ لِحالِ مَن غَزا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ المُشْرِكِينَ، وأوْسَطُهُ حِكايَةٌ لِحالِ المُنافِقِينَ، وآخِرُهُ حِكايَةٌ لِكَلامِ المُنافِقِينَ في إنْكارِ الحَشْرِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أجابَ عَنْ كَلامِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ ﴿فَإذا هم بِالسّاهِرَةِ﴾ وهَذا كَلامُ أبِي مُسْلِمٍ، واللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لَهُ، وإنْ كانَ عَلى خِلافِ قَوْلِ الجُمْهُورِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ﴾ ﴿أبْصارُها خاشِعَةٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلِ: القُلُوبُ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ، فَإنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ أهْلَ الإيمانِ لا يَخافُونَ، بَلِ المُرادُ مِنهُ قُلُوبُ الكُفّارِ، ومِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم يَقُولُونَ: ﴿أئِنّا لَمَرْدُودُونَ في الحافِرَةِ﴾ وهَذا كَلامُ الكُفّارِ لا كَلامُ المُؤْمِنِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿أبْصارُها خاشِعَةٌ﴾ لِأنَّ المَعْلُومَ مِن حالِ المُضْطَرِبِ الخائِفِ أنْ يَكُونَ نَظَرُهُ نَظَرَ خاشِعٍ ذَلِيلٍ خاضِعٍ يَتَرَقَّبُ ما يَنْزِلُ بِهِ مِنَ الأمْرِ العَظِيمِ، وفي الآيَةِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ جازَ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ؟ (الجَوابُ) (قُلُوبٌ) مَرْفُوعَةٌ بِالِابْتِداءِ و(واجِفَةٌ) صِفَتُها و(أبْصارُها خاشِعَةٌ) خَبَرُها، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿ولَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكٍ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢١] .
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ صَحَّتْ إضافَةُ الأبْصارِ إلى القُلُوبِ؟ (الجَوابُ) مَعْناهُ أبْصارُ أصْحابِها بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (يَقُولُونَ)، ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى هاهُنا عَنْ مُنْكِرِي البَعْثِ أقْوالًا ثَلاثَةً:
79:10–11Page 583
يَقُولُونَ أَءِنَّا لَمَرۡدُودُونَ فِي ٱلۡحَافِرَةِ ١٠
They are [presently] saying, "Will we indeed be returned to [our] former state [of life]?
أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمٗا نَّخِرَةٗ ١١
Even if we should be decayed bones?"1
(أوَّلُها): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ أئِنّا لَمَرْدُودُونَ في الحافِرَةِ﴾ يُقالُ: رَجَعَ فُلانٌ في حافِرَتِهِ أيْ في طَرِيقِهِ الَّتِي جاءَ فِيها فَحَفَرَها، أيْ أثَّرَ فِيها بِمَشْيِهِ فِيها، جَعَلَ أثَرَ قَدَمَيْهِ حَفْرًا، فَهي في الحَقِيقَةِ مَحْفُورَةٌ إلّا أنَّها سُمِّيَتْ حافِرَةٌ، كَما قِيلَ: ﴿فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقَّةِ: ٢١] و﴿ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطّارِقِ: ٦] أيْ مَنسُوبَةٍ إلى الحَفْرِ والرِّضا والدَّفْقِ، أوْ كَقَوْلِهِمْ: نَهارُكَ صائِمٌ، ثُمَّ قِيلَ لِمَن كانَ في أمْرٍ فَخَرَجَ مِنهُ ثُمَّ عادَ إلَيْهِ: رَجَعَ إلى حافِرَتِهِ، أيْ إلى طَرِيقَتِهِ، وفي الحَدِيثِ: ”«إنَّ هَذا الأمْرَ لا يُتْرَكُ عَلى حالِهِ حَتّى يُرَدَّ عَلى حافِرَتِهِ» “ أيْ عَلى أوَّلِ تَأْسِيسِهِ وحالَتِهِ الأُولى. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: في الحُفْرَةِ، والحُفْرَةُ بِمَعْنى المَحْفُورَةِ، يُقالُ: حَفَرَتْ أسْنانُهُ، فَحَفَرَتْ حَفْرًا، وهي حُفْرَةٌ، هَذِهِ القِراءَةُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الحافِرَةَ في أصْلِ الكَلِمَةِ بِمَعْنى المَحْفُورِ، إذا عَرَفْتَ هَذا ظَهَرَ أنَّ مَعْنى الآيَةِ: أنُرَدُّ إلى أوَّلِ حالِنا وابْتِداءِ أمْرِنا فَنَصِيرُ أحْياءً كَما كُنّا؟
(وثانِيها) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أئِذا كُنّا عِظامًا نَخِرَةً﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ (ناخِرَةً) بِألِفٍ، وقَرَأ الباقُونَ (نَخِرَةً) بِغَيْرِ ألِفٍ، واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عَنِ الكِسائِيِّ فَقِيلَ: إنَّهُ كانَ لا يُبالِي كَيْفَ قَرَأها، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها بِغَيْرِ ألِفٍ، ثُمَّ رَجَعَ إلى الألِفِ، واعْلَمْ أنَّ
صفحة ٣٤
أبا عُبَيْدَةَ اخْتارَ نَخِرَةً، وقالَ: نَظَرْنا في الآثارِ الَّتِي فِيها ذِكْرُ العِظامِ الَّتِي قَدْ نَخِرَتْ، فَوَجَدْناها كُلَّها العِظامَ النَّخِرَةَ، ولَمْ نَسْمَعْ في شَيْءٍ مِنها النّاخِرَةَ، وأمّا مَن سِواهُ، فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ النّاخِرَةَ لُغَةٌ صَحِيحَةٌ، ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلاءِ عَلى قَوْلَيْنِ: (الأوَّلُ) أنِ النّاخِرَةَ والنَّخِرَةَ بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَ الأخْفَشُ: هُما جَمِيعًا لُغَتانِ أيَّهُما قَرَأْتَ فَحَسَنٌ، وقالَ الفَرّاءُ: النّاخِرُ والنَّخِرُ سَواءٌ في المَعْنى بِمَنزِلَةِ الطّامِعِ والطَّمِعِ، والباخِلِ والبَخِلِ، وفي كِتابِ الخَلِيلِ: نَخِرَتِ الخَشَبَةُ إذا بَلِيَتْ فاسْتَرْخَتْ حَتّى تَتَفَتَّتَ إذا مُسَّتْ، وكَذَلِكَ العَظْمُ النّاخِرُ، ثُمَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ قالُوا: هُما لُغَتانِ والمَعْنى واحِدٌ اخْتَلَفُوا، فَقالَ الزَّجّاجُ والفَرّاءُ: النّاخِرَةُ أشْبَهُ الوَجْهَيْنِ بِالآيَةِ لِأنَّها تُشْبِهُ أواخِرَ سائِرِ الآيِ نَحْوَ الحافِرَةِ والسّاهِرَةِ، وقالَ آخَرُونَ: النّاخِرَةُ والنَّخِرُ كالطّامِعِ والطَّمِعِ، واللّابِثِ واللَّبِثِ، وفَعِلٌ أبْلَغُ مِن فاعِلٍ. (القَوْلُ الثّانِي): أنَّ النَّخِرَةَ غَيْرٌ والنّاخِرَةَ غَيْرٌ، أمّا النَّخِرَةُ فَهو مِن نَخِرَ العَظْمُ يَنْخَرُ فَهو نَخِرٌ مِثْلُ عَفِنَ يَعْفَنُ فَهو عَفِنٌ، وذَلِكَ إذا بَلِيَ وصارَ بِحَيْثُ لَوْ لَمَسْتَهُ لَتَفَتَّتَ، وأمّا النّاخِرَةُ فَهي العِظامُ الفارِغَةُ الَّتِي يَحْصُلُ مِن هُبُوبِ الرِّيحِ فِيها صَوْتٌ كالنَّخِيرِ، وعَلى هَذا النّاخِرَةُ مِنَ النَّخِيرِ بِمَعْنى الصَّوْتِ كَنَخِيرِ النّائِمِ والمَخْنُوقِ لا مِنَ النَّخَرِ الَّذِي هو البِلى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إذا مَنصُوبٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ إذا كُنّا عِظامًا نُرَدُّ ونُبْعَثُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ حاصِلَ هَذِهِ الشُّبْهَةِ أنَّ الَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ كُلُّ أحَدٍ إلى نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: أنا هو هَذا الجِسْمُ المَبْنِيُّ بِهَذِهِ البِنْيَةِ المَخْصُوصَةِ، فَإذا ماتَ الإنْسانُ فَقَدْ بَطَلَ مِزاجُهُ وفَسَدَ تَرْكِيبُهُ فَتَمْتَنِعُ إعادَتُهُ لِوُجُوهٍ:
(أحَدُها): أنَّهُ لا يَكُونُ الإنْسانُ العائِدُ هو الإنْسانُ الأوَّلُ إلّا إذا دَخَلَ التَّرْكِيبُ الأوَّلُ في الوُجُودِ مَرَّةً أُخْرى، وذَلِكَ قَوْلٌ بِإعادَةِ عَيْنِ ما عُدِمَ أوَّلًا، وهَذا مُحالٌ لِأنَّ الَّذِي عُدِمَ لَمْ يَبْقَ لَهُ عَيْنٌ ولا ذاتٌ ولا خُصُوصِيَّةٌ، فَإذا دَخَلَ شَيْءٌ آخَرُ في الوُجُودِ اسْتَحالَ أنْ يُقالَ بِأنَّ العائِدَ هو عَيْنُ ما فَنِيَ أوَّلًا.
وثانِيها: أنَّ تِلْكَ الأجْزاءَ تَصِيرُ تُرابًا وتَتَفَرَّقُ وتَخْتَلِطُ بِأجْزاءِ كُلِّ الأرْضِ وكُلِّ المِياهِ وكُلِّ الهَواءِ، فَتَمَيُّزُ تِلْكَ الأجْزاءِ بِأعْيانِها عَنْ كُلِّ هَذِهِ الأشْياءِ مُحالٌ.
وثالِثُها: أنَّ الأجْزاءَ التُّرابِيَّةَ بارِدَةٌ يابِسَةٌ قَشِفَةٌ، فَتَوَلُّدُ الإنْسانِ الَّذِي لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ حارًّا رَطْبًا في مِزاجِهِ عَنْها مُحالٌ، هَذا تَمامُ تَقْرِيرِ كَلامِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ احْتَجُّوا عَلى إنْكارِ البَعْثِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أئِذا كُنّا عِظامًا نَخِرَةً﴾ والجَوابُ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ مِن وُجُوهٍ: أوَّلُها وهو الأقْوى: لا نُسَلِّمُ أنَّ المُشارَ إلَيْهِ لِكُلِّ أحَدٍ بِقَوْلِهِ: أنا هو هَذا الهَيْكَلُ، ثُمَّ إنَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلى فَسادِهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ أجْزاءَ هَذا الهَيْكَلِ في الذَّوَبانِ والتَّبَدُّلِ، والَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ كُلُّ أحَدٍ إلى نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: أنا لَيْسَ في التَّبَدُّلِ، والمُتَبَدِّلُ مُغايِرٌ لِما هو غَيْرُ مُتَبَدِّلٍ.
والثّانِي: أنَّ الإنْسانَ قَدْ يَعْرِفُ أنَّهُ هو حالَ كَوْنِهِ غافِلًا عَنْ أعْضائِهِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، والمَشْعُورُ بِهِ مُغايِرٌ لِما هو غَيْرُ مَشْعُورٍ بِهِ، وإلّا لاجْتَمَعَ النَّفْيُ والإثْباتُ عَلى الشَّيْءِ الواحِدِ وهو مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ المُشارَ إلَيْهِ لِكُلِّ أحَدٍ بِقَوْلِهِ: أنا لَيْسَ هو هَذا الهَيْكَلَ.
ثُمَّ هاهُنا ثَلاثَةُ احْتِمالاتٍ:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مَوْجُودًا قائِمًا بِنَفْسِهِ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا بِجُسْمانِيٍّ عَلى ما هو مَذْهَبُ طائِفَةٍ عَظِيمَةٍ مِنَ الفَلاسِفَةِ ومِنَ المُسْلِمِينَ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ جِسْمًا مُخالِفًا بِالماهِيَّةِ لِهَذِهِ الأجْسامِ القابِلَةِ لِلِانْحِلالِ والفَسادِ سارِيَةً فِيها سَرَيانَ النّارِ في الفَحْمِ وسَرَيانَ الدُّهْنِ في السِّمْسِمِ وسَرَيانَ ماءِ الوَرْدِ في جِرْمِ الوَرْدِ، فَإذا فَسَدَ هَذا الهَيْكَلُ تَقَلَّصَتْ تِلْكَ الأجْزاءُ وبَقِيَتْ حَيَّةً مُدْرِكَةً عاقِلَةً، إمّا في الشَّقاوَةِ أوْ في السَّعادَةِ.
وثالِثُها: أنْ يُقالَ إنَّهُ جِسْمٌ مُساوٍ لِهَذِهِ الأجْسامِ في الماهِيَّةِ إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى خَصَّها بِالبَقاءِ والِاسْتِمْرارِ مِن أوَّلِ حالِ تَكَوُّنِ شَخْصٍ في الوُجُودِ إلى آخِرِ عُمْرِهِ، وأمّا سائِرُ الأجْزاءِ المُتَبَدِّلَةِ تارَةً
صفحة ٣٥
بِالزِّيادَةِ وأُخْرى بِالنُّقْصانِ فَهي غَيْرُ داخِلَةٍ في المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: أنا، فَعِنْدَ المَوْتِ تَنْفَصِلُ تِلْكَ الأجْزاءُ وتَبْقى حَيَّةً، إمّا في السَّعادَةِ أوْ في الشَّقاوَةِ، وإذا ظَهَرَتْ هَذِهِ الِاحْتِمالاتُ ثَبَتَ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن فَسادِ البَدَنِ وتَفَرُّقِ أجْزائِهِ فَسادُ ما هو الإنْسانُ حَقِيقَةً، وهَذا مَقامٌ حَسَنٌ مَتِينٌ تَنْقَطِعُ بِهِ جَمِيعُ شُبُهاتِ مُنْكِرِي البَعْثِ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَكُونُ لِصَيْرُورَةِ العِظامِ نَخِرَةً بالِيَةً مُتَفَرِّقَةً تَأْثِيرٌ في دَفْعِ الحَشْرِ والنَّشْرِ البَتَّةَ. سَلَّمْنا عَلى سَبِيلِ المُسامَحَةِ أنَّ الإنْسانَ هو مَجْمُوعُ هَذا الهَيْكَلِ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّ الإعادَةَ مُمْتَنِعَةٌ؟ قَوْلُهُ: [ أوَّلًا ] المَعْدُومُ لا يُعادُ، قُلْنا: ألَيْسَ أنَّ حالَ عَدَمِهِ لَمْ يَمْتَنِعْ عِنْدَكم صِحَّةُ الحُكْمِ عَلَيْهِ بِأنَّهُ يَمْتَنِعُ عَوْدُهُ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ لا يَمْتَنِعَ عَلى قَوْلِنا أيْضًا صِحَّةُ الحُكْمِ عَلَيْهِ بِالعَوْدِ.
قَوْلُهُ: ثانِيًا: الأجْزاءُ القَلِيلَةُ مُخْتَلِطَةٌ بِأجْزاءِ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ، قُلْنا: لَكِنْ ثَبَتَ أنَّ خالِقَ العالَمِ عالِمٌ بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ، وقادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ فَيَصِحُّ مِنهُ جَمْعُها بِأعْيانِها وإعادَةُ الحَياةِ إلَيْها.
قَوْلُهُ: ثالِثًا: الأجْسامُ القَشِفَةُ اليابِسَةُ لا تَقْبَلُ الحَياةَ. قُلْنا: نَرى السَّمَندَلَ يَعِيشُ في النّارِ، والنَّعامَةَ تَبْتَلِعُ الحَدِيدَةَ المُحْماةَ، والحَيّاتِ الكِبارَ العِظامَ مُتَوَلِّدَةً في الثُّلُوجِ، فَبَطَلَ الِاعْتِمادُ عَلى الِاسْتِقْراءِ، واللَّهُ الهادِي إلى الصِّدْقِ والصَّوابِ.
79:12–14Page 583
قَالُواْ تِلۡكَ إِذٗا كَرَّةٌ خَاسِرَةٞ ١٢
They say, "That, then, would be a losing return."1
فَإِنَّمَا هِيَ زَجۡرَةٞ وَٰحِدَةٞ ١٣
Indeed, it will be but one shout,
فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ ١٤
And suddenly they will be [alert] upon the earth's surface.
النَّوْعُ الثّالِثُ مِنَ الكَلِماتِ الَّتِي حَكاها اللَّهُ تَعالى عَنْ مُنْكِرِي البَعْثِ ﴿قالُوا تِلْكَ إذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ﴾ والمَعْنى كَرَّةٌ مَنسُوبَةٌ إلى الخُسْرانِ، كَقَوْلِكَ: تِجارَةٌ رابِحَةٌ، أوْ خاسِرٌ أصْحابُها، والمَعْنى أنَّها إنْ صَحَّتْ فَنَحْنُ إذًا خاسِرُونَ لِتَكْذِيبِنا، وهَذا مِنهُمُ اسْتِهْزاءٌ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم هَذِهِ الكَلِماتِ قالَ: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ ﴿فَإذا هم بِالسّاهِرَةِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الفاءُ في قَوْلِهِ: (فَإذا هم) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ مَعْناهُ لا تَسْتَصْعِبُوها فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ، يَعْنِي لا تَحْسَبُوا تِلْكَ الكَرَّةَ صَعْبَةً عَلى اللَّهِ، فَإنَّها سَهْلَةٌ هَيِّنَةٌ في قُدْرَتِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: يُقالُ: زَجَرَ البَعِيرَ إذا صاحَ عَلَيْهِ، والمُرادُ مِن هَذِهِ الصَّيْحَةِ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وهي صَيْحَةُ إسْرافِيلَ، قالَ المُفَسِّرُونَ: يُحْيِيهِمُ اللَّهُ في بُطُونِ الأرْضِ، فَيَسْمَعُونَها فَيَقُومُونَ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِن فَواقٍ﴾ [ص: ١٥] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: السّاهِرَةُ الأرْضُ البَيْضاءُ المُسْتَوِيَةُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ سالِكَها لا يَنامُ خَوْفًا مِنها. الثّانِي: أنَّ السَّرابَ يَجْرِي فِيها مِن قَوْلِهِمْ: عَيْنٌ ساهِرَةٌ جارِيَةُ الماءِ، وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: وهي أنَّ الأرْضَ إنَّما تُسَمّى ساهِرَةً لِأنَّ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ فِيها يَطِيرُ النَّوْمُ مِنَ الإنْسانِ، فَتِلْكَ الأرْضُ الَّتِي يَجْتَمِعُ الكُفّارُ فِيها في مَوْقِفِ القِيامَةِ يَكُونُونَ فِيها في أشَدِّ الخَوْفِ، فَسُمِّيَتْ تِلْكَ الأرْضُ ساهِرَةً لِهَذا السَّبَبِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا مِن وجْهٍ آخَرَ، فَقالَ بَعْضُهم: هي أرْضُ الدُّنْيا، وقالَ آخَرُونَ: هي أرْضُ الآخِرَةِ لِأنَّهم عِنْدَ الزَّجْرَةِ والصَّيْحَةِ يُنْقَلُونَ أفْواجًا إلى أرْضِ الآخِرَةِ، ولَعَلَّ هَذا الوَجْهَ أقْرَبُ.
79:15–17Page 583
هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ مُوسَىٰٓ ١٥
Has there reached you the story of Moses? -
إِذۡ نَادَىٰهُ رَبُّهُۥ بِٱلۡوَادِ ٱلۡمُقَدَّسِ طُوًى ١٦
When his Lord called to him in the sacred valley of Ṭuwā,
ٱذۡهَبۡ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ١٧
"Go to Pharaoh. Indeed, he has transgressed.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ ﴿إذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالوادِي المُقَدَّسِ طُوًى﴾ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ وجْهَ المُناسَبَةِ بَيْنَ هَذِهِ القِصَّةِ وبَيْنَ ما قَبْلَها مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الكُفّارِ إصْرارَهم عَلى إنْكارِ البَعْثِ حَتّى انْتَهَوْا في ذَلِكَ الإنْكارِ إلى حَدِّ الِاسْتِهْزاءِ في قَوْلِهِمْ: ﴿تِلْكَ إذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ﴾ وكانَ ذَلِكَ يَشُقُّ عَلى مُحَمَّدٍ -ﷺ- فَذَكَرَ قِصَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وبَيَّنَ أنَّهُ تَحَمَّلَ المَشَقَّةَ الكَثِيرَةَ في دَعْوَةِ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ ذَلِكَ كالتَّسْلِيَةِ لِلرَّسُولِ -ﷺ- . الثّانِي: أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ أقْوى مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ وأكْثَرَ جَمْعًا وأشَدَّ شَوْكَةً، فَلَمّا تَمَرَّدَ عَلى مُوسى أخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى، فَكَذَلِكَ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ في تَمَرُّدِهِمْ عَلَيْكَ إنْ أصَرُّوا أخَذَهُمُ اللَّهُ وجَعَلَهم نَكالًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿هَلْ أتاكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ ألَيْسَ قَدْ ﴿أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾، هَذا إنْ كانَ قَدْ أتاهُ ذَلِكَ قَبْلَ هَذا الكَلامِ، أمّا إنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ أتاهُ فَقَدْ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ﴿هَلْ أتاكَ﴾ كَذا أمْ أنا أُخْبِرُكَ بِهِ فَإنَّ فِيهِ عِبْرَةً لِمَن يَخْشى؟
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الوادِي المُقَدَّسُ المُبارَكُ المُطَهَّرُ، وفي قَوْلِهِ: (طُوًى) وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ وادٍ بِالشّامِ وهو عِنْدَ الطُّورِ الَّذِي أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ في قَوْلِهِ: ( والطُّورِ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطُّورِ: ٢،١] وقَوْلِهِ: ﴿ونادَيْناهُ مِن جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ﴾ [مَرْيَمَ: ٥٢] .
والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى: يا رَجُلُ بِالعِبْرانِيَّةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: يا رَجُلُ، ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (طُوًى) أيْ ناداهُ (طُوًى) مِنَ اللَّيْلَةِ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾ لِأنَّكَ تَقُولُ: جِئْتُكَ بَعْدَ (طُوًى) أيْ بَعْدَ ساعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ.
والرّابِعُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى بِالوادِي المُقَدَّسِ الَّذِي طُوِيَ أيْ بُورِكَ فِيهِ مَرَّتَيْنِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ”طُوى“ بِضَمِّ الطّاءِ غَيْرَ مُنَوَّنٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ الطّاءِ مُنَوَّنًا، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو: طِوى بِكَسْرِ الطّاءِ وطَوى مِثْلُ ثَنى، وهُما اسْمانِ لِلشَّيْءِ المَثْنِيِّ، والطَّيُّ بِمَعْنى الثَّنْيِ، أيْ ثَنَّيْتُ في البَرَكَةِ والتَّقْدِيسِ، قالَ الفَرّاءُ: ”طُوى“ وادٍ بَيْنَ المَدِينَةِ ومِصْرَ، فَمَن صَرَفَهُ قالَ: هو ذَكَرٌ سَمَّيْنا بِهِ ذَكَرًا، ومَن لَمْ يَصْرِفْهُ جَعَلَهُ مَعْدُولًا عَنْ جِهَتِهِ كَعُمَرَ وزُفَرَ، ثُمَّ قالَ: والصَّرْفُ أحَبُّ إلَيَّ إذْ لَمْ أجِدْ في المَعْدُولِ نَظِيرًا، أيْ لَمْ أجِدِ اسْمًا مِنَ الواوِ والياءِ عُدِلَ عَنْ فاعِلِهِ إلى فِعْلٍ غَيْرَ (طُوًى) .
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: إذْ ناداهُ رَبُّهُ وقالَ: اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: أنِ اذْهَبْ؛ لِأنَّ في النِّداءِ مَعْنى القَوْلِ. وأمّا أنَّ ذَلِكَ النِّداءَ كانَ بِإسْماعِ الكَلامِ القَدِيمِ، أوْ بِإسْماعِ الحَرْفِ والصَّوْتِ، وإنْ كانَ عَلى هَذا الوَجْهِ فَكَيْفَ عَرَفَ مُوسى أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ؟ فَكُلُّ ذَلِكَ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ (طه) .
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: أنَّ سائِرَ الآياتِ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى في أوَّلِ ما نادى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ذَكَرَ لَهُ أشْياءَ كَثِيرَةً، كَقَوْلِهِ في سُورَةِ (طه): ﴿نُودِيَ يامُوسى﴾ ﴿إنِّي أنا رَبُّكَ﴾ [طه: ١٢،١١] إلى قَوْلِهِ: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ هاهُنا: ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ مِن جُمْلَةِ ما ناداهُ
صفحة ٣٧
بِهِ رَبُّهُ، لا أنَّهُ كُلُّ ما ناداهُ بِهِ، وأيْضًا لَيْسَ الغَرَضُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَبْعُوثًا إلى فِرْعَوْنَ فَقَطْ، بَلْ إلى كُلِّ مَن كانَ في ذَلِكَ الطَّرَفِ، إلّا أنَّهُ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِأنَّ دَعْوَتَهُ جارِيَةٌ مَجْرى دَعْوَةِ كُلِّ ذَلِكَ القَوْمِ.
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: الطُّغْيانُ مُجاوَزَةُ الحَدِّ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمْ يُبَيِّنْ أنَّهُ تَعَدّى في أيِّ شَيْءٍ، فَلِهَذا قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ أنَّهُ تَكَبَّرَ عَلى اللَّهِ وكَفَرَ بِهِ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ طَغى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، والأوْلى عِنْدِي الجَمْعُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، فالمَعْنى أنَّهُ طَغى عَلى الخالِقِ بِأنْ كَفَرَ بِهِ، وطَغى عَلى الخَلْقِ بِأنْ تَكَبَّرَ عَلَيْهِمْ واسْتَعْبَدَهُمْ، وكَما أنَّ كَمالَ العُبُودِيَّةِ لَيْسَ إلّا صِدْقَ المُعامَلَةِ مَعَ الخالِقِ ومَعَ الخَلْقِ، فَكَذا كَمالُ الطُّغْيانِ لَيْسَ إلّا الجَمْعُ بَيْنَ سُوءِ المُعامَلَةِ مَعَ الخالِقِ ومَعَ الخَلْقِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَعَثَهُ إلى فِرْعَوْنَ لَقَّنَهُ كَلامَيْنِ لِيُخاطِبَهُ بِهِما:
79:18Page 584
فَقُلۡ هَل لَّكَ إِلَىٰٓ أَن تَزَكَّىٰ ١٨
And say to him, 'Would you [be willing to] purify yourself
فالأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: يُقالُ: هَلْ لَكَ في كَذا، وهَلْ لَكَ إلى كَذا، كَما تَقُولُ: هَلْ تَرْغَبُ فِيهِ؟ وهَلْ تَرْغَبُ إلَيْهِ؟ قالَ الواحِدِيُّ: المُبْتَدَأُ مَحْذُوفٌ في اللَّفْظِ مُرادٌ في المَعْنى، والتَّقْدِيرُ: هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى حاجَةٌ أوْ إرْبَةٌ؟ قالَ الشّاعِرُ:
فَهَلْ لَكم فِيها إلَيَّ فَإنَّنِي بَصِيرٌ بِما أعْيا النِّطاسِيَّ حِذْيَما
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: هَلْ لَكَ سَبِيلٌ إلى أنْ تَزَكّى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الزَّكِيُّ الطّاهِرُ مِنَ العُيُوبِ كُلِّها، قالَ: ﴿أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ [الكَهْفِ: ٧٤] وقالَ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ [الشَّمْسِ: ٩] وهَذِهِ الكَلِمَةُ جامِعَةٌ لِكُلِّ ما يَدْعُوهُ إلَيْهِ؛ لِأنَّ المُرادَ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَفْعَلَ ما تَصِيرُ بِهِ زاكِيًا عَنْ كُلِّ ما لا يَنْبَغِي، وذَلِكَ بِجَمْعِ كَلِّ ما يَتَّصِلُ بِالتَّوْحِيدِ والشَّرائِعِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: فِيهِ قِراءَتانِ: التَّشْدِيدُ عَلى إدْغامِ تاءِ التَّفَعُّلِ في الزّايِ لِتَقارُبِهِما، والتَّخْفِيفُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: المُعْتَزِلَةُ تَمَسَّكُوا بِهِ في إبْطالِ كَوْنِ اللَّهِ تَعالى خالِقًا لِفِعْلِ العَبْدِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّ هَذا اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيرِ، أيْ لَكَ سَبِيلٌ إلى أنْ تَزَكّى، ولَوْ كانَ ذَلِكَ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعالى لانْقَلَبَ الكَلامُ عَلى مُوسى، والجَوابُ عَنْ أمْثالِهِ تَقَدَّمَ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ لَمّا قالَ لَهُما: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤] فَكَأنَّهُ تَعالى رَتَّبَ لَهُما ذَلِكَ الكَلامَ اللَّيِّنَ الرَّقِيقَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ في الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ مِنَ اللِّينِ والرِّفْقِ وتَرْكِ الغِلْظَةِ، ولِهَذا قالَ لِمُحَمَّدٍ -ﷺ-: ﴿ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٥٩] ويَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِينَ يُخاشِنُونَ النّاسَ ويُبالِغُونَ في التَّعَصُّبِ، كَأنَّهم عَلى ضِدِّ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْبِياءَهُ ورُسُلَهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences