Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
An-Nazi'at 79:19–28
79:19Page 584
وَأَهۡدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخۡشَىٰ ١٩
And let me guide you to your Lord so you would fear [Him]?'"
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ٣٨
المَسْألَةُ الأُولى: القائِلُونَ بِأنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ لا تُسْتَفادُ إلّا مِنَ الهادِي تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: إنَّها صَرِيحَةٌ في أنَّهُ يَهْدِيهِ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ، ثُمَّ قالُوا: ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا هو المَقْصُودُ الأعْظَمُ مِن بِعْثَةِ الرُّسُلِ أمْرانِ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الأُمُورِ الَّتِي لا بُدَّ لِلْمَبْعُوثِ إلَيْهِ مِنها، فَيَدْخُلُ فِيهِ هَذِهِ الهِدايَةُ، فَلَمّا أعادَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلِمَ أنَّهُ هو المَقْصُودُ الأعْظَمُ مِنَ البَعْثَةِ. والثّانِي: أنَّ مُوسى خَتَمَ كَلامَهُ عَلَيْهِ، وذَلِكَ يُنَبِّهُ أيْضًا عَلى أنَّهُ أشْرَفُ المَقاصِدِ مِنَ البَعْثَةِ. والجَوابُ: أنّا لا نَمْنَعُ أنْ يَكُونَ لِلتَّنْبِيهِ والإشارَةِ مَعُونَةً في الكَشْفِ عَنِ الحَقِّ، إنَّما النِّزاعُ في أنَّكم تَقُولُونَ: يَسْتَحِيلُ حُصُولُهُ إلّا مِنَ المُعْلِمِ، ونَحْنُ لا نُحِلُّ ذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ مُقَدَّمَةٌ عَلى طاعَتِهِ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ الهِدايَةَ وجَعَلَ الخَشْيَةَ مُؤَخَّرَةً عَنْها ومُفَرَّعَةً عَلَيْها، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في أوَّلِ النَّحْلِ: ﴿أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاتَّقُونِ﴾ [النَّحْلِ: ٢] وفي طه: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الخَشْيَةَ لا تَكُونُ إلّا بِالمَعْرِفَةِ. قالَ تَعالى: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطِرٍ: ٢٨] أيِ العُلَماءُ بِهِ، ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الخَشْيَةَ مِلاكُ الخَيْراتِ؛ لِأنَّ مَن خَشِيَ اللَّهَ أتى مِنهُ كُلُّ خَيْرٍ، ومَن أمِنَ اجْتَرَأ عَلى كُلِّ شَرٍّ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن خافَ أدْلَجَ، ومَن أدْلَجَ بَلَغَ المَنزِلَ» “ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأراهُ الآيَةَ الكُبْرى﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: الفاءُ في (فَأراهُ) مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ مَعْلُومٍ، يَعْنِي فَذَهَبَ فَأراهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَقُلْنا اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فانْفَجَرَتْ﴾ أيْ فَضَرَبَ فانْفَجَرَتْ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في الآيَةِ الكُبْرى عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ:
الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: هي اليَدُ، لِقَوْلِهِ في النمل: ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ آيَةٌ أُخْرى: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ [طه: ٢٣] .
القَوْلُ الثّانِي: قالَ عَطاءٌ: هي العَصا؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في اليَدِ إلّا انْقِلابُ لَوْنِهِ إلى لَوْنٍ آخَرَ، وهَذا المَعْنى كانَ حاصِلًا في العَصا؛ لِأنَّها لَمّا انْقَلَبَتْ حَيَّةً فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قَدْ تَغَيَّرَ اللَّوْنُ الأوَّلُ، فَإذًا كَلُّ ما في اليَدِ فَهو حاصِلٌ في العَصا، ثُمَّ حَصَلَ في العَصا أُمُورٌ أُخْرى أزْيَدُ مِن ذَلِكَ، مِنها حُصُولُ الحَياةِ في الجِرْمِ الجَمادِيِّ، ومِنها تَزايُدُ أجْزائِهِ وأجْسامِهِ، ومِنها حُصُولُ القُدْرَةِ الكَبِيرَةِ والقُوَّةِ الشَّدِيدَةِ، ومِنها أنَّها كانَتِ ابْتَلَعَتْ أشْياءَ كَثِيرَةً وكَأنَّها فَنِيَتْ، ومِنها زَوالُ الحَياةِ والقُدْرَةِ عَنْها، وفَناءُ تِلْكَ الأجْزاءِ الَّتِي حَصَلَ عِظَمُها، وزَوالُ ذَلِكَ اللَّوْنِ والشَّكْلِ اللَّذَيْنِ بِهِما صارَتِ العَصا حَيَّةً، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ كانَ مُعْجِزًا مُسْتَقِلًّا في نَفْسِهِ، فَعَلِمْنا أنَّ الآيَةَ الكُبْرى هي العَصا. والقَوْلُ الثّالِثُ في هَذِهِ المَسْألَةِ قَوْلُ مُجاهِدٍ، وهو أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ الكُبْرى مَجْمُوعُ اليَدِ والعَصا، وذَلِكَ لِأنَّ سائِرَ الآياتِ دَلَّتْ عَلى أنَّ أوَّلَ ما أظْهَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِفِرْعَوْنَ هو العَصا، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِاليَدِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ الكُبْرى مَجْمُوعَهُما.
79:21–25Page 584
فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ ٢١
But he [i.e., Pharaoh] denied and disobeyed.
ثُمَّ أَدۡبَرَ يَسۡعَىٰ ٢٢
Then he turned his back, striving [i.e., plotting].1
فَحَشَرَ فَنَادَىٰ ٢٣
And he gathered [his people] and called out
فَقَالَ أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلۡأَعۡلَىٰ ٢٤
And said, "I am your most exalted lord."
فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ نَكَالَ ٱلۡأٓخِرَةِ وَٱلۡأُولَىٰٓ ٢٥
So Allāh seized him in exemplary punishment for the last and the first [transgression].1.
وفِيهِ مَسائِلُ:
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَذَّبَ وعَصى﴾ المَسْألَةُ الأُولى: مَعْنى قَوْلِهِ: (فَكَذَّبُ) أنَّهُ كَذَّبَ بِدَلالَةِ ذَلِكَ المُعْجِزِ عَلى صِدْقِهِ. واعْلَمْ أنَّ القَدْحَ في دَلالَةِ المُعْجِزَةِ عَلى الصِّدْقِ إمّا لِاعْتِقادِ أنَّهُ يُمْكِنُ مُعارَضَتُهُ، أوْ لِأنَّهُ وإنِ امْتَنَعَتْ مُعارَضَتُهُ لَكِنَّهُ لَيْسَ فِعْلًا لِلَّهِ بَلْ لِغَيْرِهِ، إمّا فِعْلُ جِنِّيٍّ أوْ فِعْلُ مَلَكٍ، أوْ إنْ كانَ فِعْلًا لِلَّهِ تَعالى لَكِنَّهُ ما فَعَلَهُ لِغَرَضِ التَّصْدِيقِ، أوْ إنْ كانَ فَعَلَهُ لِغَرَضِ التَّصْدِيقِ لَكِنَّهُ لا يَلْزَمُ صِدْقُ المُدَّعِي، فَإنَّهُ لا يَقْبُحُ مِنَ اللَّهِ شَيْءٌ البَتَّةَ، فَهَذِهِ مَجامِعُ الطَّعْنِ في دَلالَةِ المُعْجِزِ عَلى الصِّدْقِ، وما بَعْدَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِرْعَوْنَ إنَّما مُنِعَ مِن دَلالَتِهِ عَنِ الصِّدْقِ لِاعْتِقادِهِ أنَّهُ يُمْكِنُ مُعارَضَتُهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَحَشَرَ فَنادى﴾ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٥٣] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الآيَةِ سُؤالٌ وهو أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّ كُلَّ مَن كَذَّبَ اللَّهَ فَقَدْ عَصى، فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿فَكَذَّبَ وعَصى﴾ ؟ والجَوابُ: كَذَّبَ بِالقَلْبِ واللِّسانِ، وعَصى بِأنْ أظْهَرَ التَّمَرُّدَ والتَّجَبُّرَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذا الَّذِي وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ التَّكْذِيبِ والمَعْصِيَةِ مُغايِرٌ لِما كانَ حاصِلًا قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ تَكْذِيبَهُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ دَعاهُ وأظْهَرَ هَذِهِ المُعْجِزَةَ، يُوفِي عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّكْذِيبِ، ومَعْصِيَتُهُ بِتَرْكِ القَبُولِ مِنهُ والحالُ هَذِهِ مُخالِفَةٌ لِمَعْصِيَتِهِ مِن قَبْلِ ذَلِكَ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أدْبَرَ يَسْعى﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ لَمّا رَأى الثُّعْبانَ أدْبَرَ مَرْعُوبًا يَسْعى يُسْرِعُ في مَشْيِهِ، قالَ الحَسَنُ: كانَ رَجُلًا طَيّاشًا خَفِيفًا.
وثانِيها: تَوَلّى عَنْ مُوسى يَسْعى ويَجْتَهِدُ في مُكايَدَتِهِ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المَعْنى: ثُمَّ أقْبَلَ يَسْعى، كَما يُقالُ: فُلانٌ أقْبَلَ يَفْعَلُ كَذا، بِمَعْنى أنْشَأ يَفْعَلُ، فَوُضِعَ أدْبَرَ وضْعَ أقْبَلَ لِئَلّا يُوصَفَ بِالإقْبالِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿فَحَشَرَ فَنادى﴾ ﴿فَقالَ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ فَحَشَرَ فَجَمَعَ السَّحَرَةَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ فَنادى في المَقامِ الَّذِي اجْتَمَعُوا فِيهِ مَعَهُ، أوْ أمَرَ مُنادِيًا فَنادى في النّاسِ بِذَلِكَ، وقِيلَ: قامَ فِيهِمْ خَطِيبًا فَقالَ تِلْكَ الكَلِمَةَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كَلِمَتُهُ الأُولى: ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القَصَصِ: ٣٨] والآخِرَةُ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ .
واعْلَمْ أنّا بَيَّنّا في سُورَةِ (طه) أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَعْتَقِدَ الإنْسانُ في نَفْسِهِ كَوْنَهُ خالِقًا لِلسَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ والنَّباتِ والحَيَوانِ والإنْسانِ، فَإنَّ العِلْمَ بِفَسادِ ذَلِكَ ضَرُورِيٌّ، فَمَن تَشَكَّكَ فِيهِ كانَ مَجْنُونًا، ولَوْ كانَ مَجْنُونًا لَما جازَ مِنَ اللَّهِ بَعْثَةُ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ إلَيْهِ، بَلِ الرَّجُلُ كانَ دَهْرِيًّا مُنْكِرًا لِلصّانِعِ والحَشْرِ والنَّشْرِ، وكانَ يَقُولُ: لَيْسَ لِأحَدٍ عَلَيْكم أمْرٌ ولا نَهْيٌ إلّا لِي، فَأنا رَبُّكم بِمَعْنى مُرَبِّيكم والمُحْسِنِ إلَيْكُمْ، ولَيْسَ لِلْعالَمِ إلَهٌ حَتّى يَكُونَ لَهُ عَلَيْكم أمْرٌ ونَهْيٌ، أوْ يَبْعَثَ إلَيْكم رَسُولًا، قالَ القاضِي: وقَدْ كانَ الألْيَقُ بِهِ بَعْدَ ظُهُورِ خِزْيِهِ عِنْدَ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً أنْ لا يَقُولَ هَذا القَوْلَ؛ لِأنَّ عِنْدَ ظُهُورِ الذِّلَّةِ والعَجْزِ كَيْفَ يَلِيقُ أنْ يَقُولَ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ ؟ فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ صارَ كالمَعْتُوهِ الَّذِي لا يَدْرِي ما يَقُولُ.
صفحة ٤٠
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهُ أفْعالَهُ وأقْوالَهُ أتْبَعَهُ بِما عامَلَهُ بِهِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في نَصْبِ (نَكالَ) وجْهَيْنِ، الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ لِأنَّ مَعْنى أخَذَهُ اللَّهُ، نَكَلَ بِهِ اللَّهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى؛ لِأنَّ أخَذَهُ ونَكَلَهُ مُتَقارِبانِ، وهو كَما يُقالُ: أدَعُهُ تَرْكًا شَدِيدًا؛ لِأنَّ أدَعُهُ وأتْرُكُهُ سَواءٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [ هُودٍ: ١٠٢] . الثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ أخَذَهُ اللَّهُ أخْذًا نَكالًا لِلْآخِرَةِ والأُولى، والنَّكالُ بِمَعْنى التَّنْكِيلِ كالسَّلامِ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ الآخِرَةَ والأُولى صِفَةٌ لِكَلِمَتَيْ فِرْعَوْنَ، إحْداهُما قَوْلُهُ: ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ والأُخْرى قَوْلُهُ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ قالُوا: وكانَ بَيْنَهُما أرْبَعُونَ سَنَةً، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ والشَّعْبِيِّ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُقاتِلٍ، ورِوايَةُ عَطاءٍ والكَلْبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ ما أخَذَهُ بِكَلِمَتِهِ الأُولى في الحالِ، بَلْ أمْهَلَهُ أرْبَعِينَ سَنَةً، فَلَمّا ذَكَرَ الثّانِيَةَ أُخِذَ بِهِما، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ تَعالى يُمْهِلُ ولا يُهْمِلُ.
الثّانِي: وهو قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ: ﴿نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى﴾ أيْ عَذَّبَهُ في الآخِرَةِ، وأغْرَقَهُ في الدُّنْيا.
الثّالِثُ: الآخِرَةُ هي قَوْلُهُ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ والأُولى هي تَكْذِيبُهُ مُوسى حِينَ أراهُ الآيَةَ، قالَ القَفّالُ: وهَذا كَأنَّهُ هو الأظْهَرُ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَأراهُ الآيَةَ الكُبْرى﴾ ﴿فَكَذَّبَ وعَصى﴾ ﴿ثُمَّ أدْبَرَ يَسْعى﴾ ﴿فَحَشَرَ فَنادى﴾ ﴿فَقالَ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ فَذَكَرَ المَعْصِيَتَيْنِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَأخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى﴾ فَظَهَرَ أنَّ المُرادَ أنَّهُ عاتَبَهُ عَلى هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ اللَّيْثُ: ”النَّكالُ“ اسْمٌ لِمَن جُعِلَ نَكالًا لِغَيْرِهِ، وهو الَّذِي إذا رَآهُ أوْ بَلَغَهُ خافَ أنْ يَعْمَلَ عَمَلَهُ، وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الِامْتِناعِ، ومِنهُ النُّكُولُ عَنِ اليَمِينِ، وقِيلَ لِلْقَيْدِ: نِكْلٌ لِأنَّهُ يَمْنَعُ، فالنَّكالُ مِنَ العُقُوبَةِ هو أعْظَمُ حَتّى يَمْتَنِعَ مَن سَمِعَ بِهِ عَنِ ارْتِكابِ مِثْلِ ذَلِكَ الذَّنْبِ الَّذِي وقَعَ التَّنْكِيلُ بِهِ، وهو في العُرْفِ يَقَعُ عَلى ما يَفْتَضِحُ بِهِ صاحِبُهُ ويَعْتَبِرُ بِهِ غَيْرُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
79:26–28Page 584
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّمَن يَخۡشَىٰٓ ٢٦
Indeed in that is a lesson [i.e., warning] for whoever would fear [Allāh].
ءَأَنتُمۡ أَشَدُّ خَلۡقًا أَمِ ٱلسَّمَآءُۚ بَنَىٰهَا ٢٧
Are you a more difficult creation or is the heaven? He [i.e., Allāh] constructed it.
رَفَعَ سَمۡكَهَا فَسَوَّىٰهَا ٢٨
He raised its ceiling and proportioned it.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ هَذِهِ القِصَّةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى﴾ والمَعْنى أنَّ فِيما اقْتَصَصْناهُ مِن أمْرِ مُوسى وفِرْعَوْنَ، وما أحَلَّهُ اللَّهُ بِفِرْعَوْنَ مِنَ الخِزْيِ، ورَزَقَ مُوسى مِنَ العُلُوِّ والنَّصْرِ، عِبْرَةً لِمَن يَخْشى، وذَلِكَ أنْ يَدَعَ التَّمَرُّدَ عَلى اللَّهِ تَعالى، والتَّكْذِيبَ لِأنْبِيائِهِ خَوْفًا مِن أنْ يَنْزِلَ بِهِ ما نَزَلَ بِفِرْعَوْنَ، وعِلْمًا بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَنْصُرُ أنْبِياءَهُ ورُسُلَهُ، فاعْتَبِرُوا مَعاشِرَ المُكَذِّبِينَ لِمُحَمَّدٍ بِما ذَكَرْناهُ، أيِ اعْلَمُوا أنَّكم إنْ شارَكْتُمُوهم في المَعْنى الجالِبِ لِلْعِقابِ، شارَكْتُمُوهم في حُلُولِ العِقابِ بِكم.
ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا خَتَمَ هَذِهِ القِصَّةَ رَجَعَ إلى مُخاطَبَةِ مُنْكِرِي البَعْثِ، فَقالَ: ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في المَقْصُودِ مِن هَذا الِاسْتِدْلالِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ اسْتِدْلالٌ عَلى مُنْكِرِي البَعْثِ، فَقالَ: ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ﴾، فَنَبَّهَهم عَلى أمْرٍ يُعْلَمُ بِالمُشاهَدَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ خِلْقَةَ الإنْسانِ عَلى صِغَرِهِ
صفحة ٤١
وضَعْفِهِ، إذا أُضِيفَ إلى خَلْقِ السَّماءِ عَلى عِظَمِها وعِظَمِ أحْوالِها يَسِيرٌ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ خَلْقَ السَّماءِ أعْظَمُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَخَلْقُهم عَلى وجْهِ الإعادَةِ أوْلى أنْ يَكُونَ مَقْدُورًا لِلَّهِ تَعالى فَكَيْفَ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ؟ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١] وقَوْلُهُ: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ [غافِرٍ: ٥٧] والمَعْنى أخَلْقُكم بَعْدَ المَوْتِ أشَدُّ أمْ خَلْقُ السَّماءِ أيْ عِنْدَكُمْ، وفي تَقْدِيرِكُمْ، فَإنَّ كِلا الأمْرَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَةِ اللَّهِ واحِدٌ. والثّانِي: أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الِاسْتِدْلالِ بَيانُ كَوْنِهِمْ مَخْلُوقِينَ، وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ مَن أنْكَرَ كَوْنَ الإنْسانِ مَخْلُوقًا فَبِأنْ يُنْكِرَهُ في السَّماءِ كانَ أوْلى.
وثانِيهِما: أنَّ أوَّلَ السُّورَةِ كانَ في بَيانِ مَسْألَةِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، فَحَمْلُ هَذا الكَلامِ عَلَيْهِ أوْلى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ والزَّجّاجُ: هَذا الكَلامُ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أمِ السَّماءُ﴾، ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: (بَناها) ابْتِداءُ كَلامٍ آخَرَ، وعِنْدَ أبِي حاتِمٍ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: (بَناها) قالَ: لِأنَّهُ مِن صِلَةِ السَّماءِ، والتَّقْدِيرُ: أمِ السَّماءُ الَّتِي بَناها، فَحَذَفَ الَّتِي، ومِثْلُ هَذا الحَذْفِ جائِزٌ، قالَ القَفّالُ: يُقالُ: الرَّجُلُ جاءَكَ عاقِلٌ، أيِ الرَّجُلُ الَّذِي جاءَكَ عاقِلٌ، إذا ثَبَتَ أنَّ هَذا جائِزٌ في اللُّغَةِ فَنَقُولُ: الدَّلِيلُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: (بَناها) صِلَةٌ لِما قَبْلَهُ أنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ صِلَةً لَكانَ صِفَةً، فَقَوْلُهُ: (بَناها) صِفَةٌ، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿رَفَعَ سَمْكَها﴾ صِفَةٌ، فَقَدْ تَوالَتْ صِفَتانِ لا تَعَلُّقَ لِإحْداهُما بِالأُخْرى، فَكانَ يَجِبُ إدْخالُ العاطِفِ فِيما بَيْنَهُما، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأغْطَشَ لَيْلَها﴾ فَلَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ قَوْلَهُ: (بَناها) صِلَةٌ لِلسَّماءِ، ثُمَّ قالَ: ﴿رَفَعَ سَمْكَها﴾ ابْتِداءٌ بِذِكْرِ صِفَتِهِ، ولِلْفَرّاءِ أنْ يَحْتَجَّ عَلى قَوْلِهِ بِأنَّهُ لَوْ كانَ قَوْلُهُ: (بَناها) صِلَةً لِلسَّماءِ لَكانَ التَّقْدِيرُ: أمِ السَّماءُ [ الَّتِي ] بَناها، وهَذا يَقْتَضِي وُجُودَ سَماءٍ ما بَناها اللَّهُ، وذَلِكَ باطِلٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي بَنى السَّماءَ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ السَّماءَ جِسْمٌ، وكُلُّ جِسْمٍ مُحْدَثٌ؛ لِأنَّ الجِسْمَ لَوْ كانَ أزَلِيًّا لَكانَ في الأزَلِ إمّا أنْ يَكُونَ مُتَحَرِّكًا أوْ ساكِنًا، والقِسْمانِ باطِلانِ، فالقَوْلُ بِكَوْنِ الجِسْمِ أزَلِيًّا باطِلٌ. أمّا الحَصْرُ فَلِأنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ مُسْتَقِرًّا حَيْثُ هو فَيَكُونَ ساكِنًا، أوْ لا يَكُونَ مُسْتَقِرًّا حَيْثُ هو فَيَكُونَ مُتَحَرِّكًا، وإنَّما قُلْنا إنَّهُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مُتَحَرِّكًا، لِأنَّ ماهِيَّةَ الحَرَكَةِ تَقْتَضِي المَسْبُوقِيَّةَ بِالغَيْرِ، وماهِيَّةَ الأزَلِ تُنافِي المَسْبُوقِيَّةَ بِالغَيْرِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما مُحالٌ، وإنَّما قُلْنا إنَّهُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ ساكِنًا؛ لِأنَّ السُّكُونَ وصْفٌ ثُبُوتِيٌّ، وهو مُمْكِنُ الزَّوالِ، وكُلُّ مُمْكِنِ الزَّوالِ مُفْتَقِرٌ إلى الفاعِلِ المُخْتارِ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ، فَكُلُّ سُكُونٍ مُحْدَثٌ؛ فَيَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ أزَلِيًّا، وإنَّما قُلْنا إنَّ السُّكُونَ وصْفٌ ثُبُوتِيٌّ، لِأنَّهُ يَتَبَدَّلُ كَوْنُ الجِسْمِ مُتَحَرِّكًا بِكَوْنِهِ ساكِنًا مَعَ بَقاءِ ذاتِهِ، فَأحَدُهُما لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ أمْرًا ثُبُوتِيًّا، فَإنْ كانَ الثُّبُوتِيُّ هو السُّكُونَ فَقَدْ حَصَلَ المَقْصُودُ، وإنْ كانَ الثُّبُوتِيُّ هو الحَرَكَةَ وجَبَ أيْضًا أنْ يَكُونَ السُّكُونُ ثُبُوتِيًّا؛ لِأنَّ الحَرَكَةَ عِبارَةٌ عَنِ الحُصُولِ في المَكانِ بَعْدَ أنْ كانَ في غَيْرِهِ، والسُّكُونُ عِبارَةٌ عَنِ الحُصُولِ في المَكانِ بَعْدَ أنْ كانَ فِيهِ بِعَيْنِهِ، فالتَّفاوُتُ بَيْنَ الحَرَكَةِ والسُّكُونِ لَيْسَ في الماهِيَّةِ، بَلْ في المَسْبُوقِيَّةِ بِالغَيْرِ وعَدَمِ المَسْبُوقِيَّةِ بِالغَيْرِ، وذَلِكَ وصْفٌ عارِضِيٌّ خارِجِيٌّ عَنِ الماهِيَّةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَإذا ثَبَتَ أنَّ تِلْكَ الماهِيَّةَ أمْرٌ وُجُودِيٌّ في إحْدى الصُّورَتَيْنِ وجَبَ أنْ تَكُونَ كَذَلِكَ في صُورَةٍ أُخْرى، وإنَّما قُلْنا إنَّ سُكُونَ السَّماءِ جائِزُ الزَّوالِ، لِأنَّهُ لَوْ
صفحة ٤٢
كانَ واجِبًا لِذاتِهِ لامْتَنَعَ زَوالُهُ، فَكانَ يَجِبُ أنْ لا تَتَحَرَّكَ السَّماءُ لَكِنّا نَراها الآنَ مُتَحَرِّكَةً، فَعَلِمْنا أنَّها لَوْ كانَتْ ساكِنَةً في الأزَلِ، لَكانَ ذَلِكَ السُّكُونُ جائِزَ الزَّوالِ، وإنَّما قُلْنا إنَّ ذَلِكَ السُّكُونَ لَمّا كانَ مُمْكِنًا لِذاتِهِ، افْتَقَرَ إلى الفاعِلِ المُخْتارِ لِأنَّهُ لَمّا كانَ مُمْكِنًا لِذاتِهِ، فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُؤَثِّرٍ، وذَلِكَ المُؤَثِّرُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُوجِبًا؛ لِأنَّ ذَلِكَ المُوجِبَ إنْ كانَ واجِبًا، وكانَ غَنِيًّا في إيجابِهِ لِذَلِكَ المَعْلُولِ عَنْ شَرْطٍ لَزِمَ مِن دَوامِهِ دَوامُ ذَلِكَ الأثَرِ، فَكانَ يَجِبُ أنْ لا يَزُولَ لِلسُّكُونِ وإنْ كانَ واجِبًا ومُفْتَقِرًا في إيجابِهِ لِذَلِكَ المَعْلُولِ إلى شَرْطٍ واجِبٍ لِذاتِهِ، لَزِمَ مِن دَوامِ العِلَّةِ ودَوامِ الشَّرْطِ دَوامُ المَعْلُولِ، أمّا إنْ كانَ المُوجِبُ غَيْرَ واجِبٍ لِذاتِهِ، أوْ كانَ شَرْطُ إيجابِهِ غَيْرَ واجِبٍ لِذاتِهِ كانَ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ في الأوَّلِ، فَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ، وهو مُحالٌ أوِ الِانْتِهاءُ إلى مُوجِبٍ واجِبٍ لِذاتِهِ، وإلى شَرْطٍ واجِبٍ لِذاتِهِ، وحِينَئِذٍ يَعُودُ الإلْزامُ الأوَّلُ، فَثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ المُؤَثِّرَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ فاعِلًا مُخْتارًا، فَإذًا كَلُّ سُكُونٍ فَهو فِعْلُ فاعِلٍ مُخْتارٍ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ؛ لِأنَّ المُخْتارَ إنَّما يَفْعَلُ بِواسِطَةِ القَصْدِ، والقَصْدُ إلى تَكْوِينِ الكائِنِ وتَحْصِيلِ الحاصِلِ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ سُكُونٍ فَهو مُحْدَثٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الجِسْمُ في الأزَلِ لا مُتَحَرِّكًا ولا ساكِنًا، فَهو إذًا غَيْرُ مَوْجُودٍ في الأزَلِ، فَهو مُحْدَثٌ، وإذا كانَ مُحْدَثًا افْتَقَرَ في ذاتِهِ وفي تَرْكِيبِ أجْزائِهِ إلى مُوجِدٍ، وذَلِكَ هو اللَّهُ تَعالى، فَثَبَتَ بِالعَقْلِ أنَّ بانِيَ السَّماءِ هو اللَّهُ تَعالى.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: كُلُّ ما سِوى الواجِبِ فَهو مُمْكِنٌ، وكُلُّ مُمْكِنٍ مُحْدَثٌ، وكُلُّ مُحْدَثٍ فَلَهُ صانِعٌ، إنَّما قُلْنا: كُلُّ ما سِوى الواجِبِ مُمْكِنٌ، لِأنّا لَوْ فَرَضْنا مَوْجُودَيْنِ واجِبَيْنِ لِذاتَيْهِما لاشْتَرَكا في الوُجُودِ ولَتَبايَنا بِالتَّعْيِينِ، فَيَكُونُ كُلٌّ مِنهُما مُرَكَّبًا مِمّا بِهِ المُشارَكَةُ، ومِمّا بِهِ المُمايَزَةُ، وكُلُّ مُرَكَّبٍ مُفْتَقِرٌ إلى جُزْئِهِ، وجُزْؤُهُ غَيْرُهُ، فَكُلُّ مُرَكَّبٍ فَهو مُفْتَقِرٌ إلى غَيْرِهِ، وكُلُّ مُفْتَقِرٍ إلى غَيْرِهِ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنَ الواجِبَيْنِ بِالذّاتِ مُمْكِنٌ بِالذّاتِ، هَذا خَلْفٌ، ثُمَّ يَنْقُلُ الكَلامَ إلى ذَيْنِكَ الجُزْأيْنِ، فَإنْ كانا واجِبَيْنِ، كانَ كُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأجْزاءِ مُرَكَّبًا ويَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ، وإنْ لَمْ يَكُونا واجِبَيْنِ كانَ المُفْتَقِرُ إلَيْهِما أوْلى بِعَدَمِ الوُجُودِ، فَثَبَتَ أنَّ ما عَدا الواجِبَ مُمْكِنٌ، وكُلُّ مُمْكِنٍ فَلَهُ مُؤَثِّرٌ، وكُلُّ ما افْتَقَرَ إلى المُؤَثِّرِ مُحْدَثٌ؛ لِأنَّ الِافْتِقارَ إلى المُؤَثِّرِ لا يُمْكِنُ أنْ يَتَحَقَّقَ حالَ البَقاءِ لِاسْتِحالَةِ إيجادِ المُوجِدِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ إمّا حالَ الحُدُوثِ أوْ حالَ العَدَمِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالحُدُوثُ لازِمٌ، فَثَبَتَ أنَّ ما سِوى الواجِبِ مُحْدَثٌ، وكُلُّ مُحْدَثٍ فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُحْدِثٍ، فَلا بُدَّ لِلسَّماءِ مِن بانٍ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: صَرِيحُ العَقْلِ يَشْهَدُ بِأنَّ جِرْمَ السَّماءِ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ أكْبَرَ مِمّا هو الآنَ بِمِقْدارِ خَرْدَلَةٍ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ أصْغَرَ بِمِقْدارِ خَرْدَلَةٍ، فاخْتِصاصُ هَذا المِقْدارِ بِالوُقُوعِ دُونَ الأزْيَدِ والأنْقَصِ، لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِمُخَصِّصٍ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ لِلسَّماءِ مِن بانٍ، (فَإنْ قِيلَ): لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّهُ تَعالى خَلَقَ شَيْئًا وأعْطاهُ قُدْرَةً يَتَمَكَّنُ ذَلِكَ المَخْلُوقُ بِتِلْكَ القُدْرَةِ مِن خَلْقِ الأجْسامِ، فَيَكُونُ خالِقُ السَّماءِ وبانِيها هو ذَلِكَ الشَّيْءَ ؟
الجَوابُ: مِنَ العُلَماءِ مَن قالَ: المَعْلُومُ بِالعَقْلِ أنَّهُ لا بُدَّ لِلسَّماءِ مِن مُحْدِثٍ، وأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الِانْتِهاءِ آخِرِ الأمْرِ إلى قَدِيمٍ، والإلَهُ قَدِيمٌ واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ واحِدٌ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَأمّا نَفْيُ الواسِطَةِ فَإنَّما يُعْلَمُ بِالسَّمْعِ، فَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: (بَناها) يَدُلُّ عَلى أنَّ بانِيَ السَّماءِ هو اللَّهُ لا غَيْرُهُ، ومِنهم مَن قالَ: بَلِ العَقْلُ يَدُلُّ عَلى بُطْلانِهِ؛ لِأنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّ كُلَّ ما عَداهُ مُحْدَثٌ ثَبَتَ أنَّهُ قادِرٌ لا مُوجَبٌ، والَّذِي كانَ مَقْدُورًا لَهُ إنَّما صَحَّ كَوْنُهُ مَقْدُورًا لَهُ بِكَوْنِهِ مُمْكِنًا، فَإنَّكَ لَوْ رَفَعْتَ الإمْكانَ بَقِيَ الوُجُوبُ أوِ الِامْتِناعُ، وهُما يُحِيلانِ المَقْدُورِيَّةَ، وإذا كانَ
صفحة ٤٣
ما لِأجْلِهِ صَحَّ في البَعْضِ أنْ يَكُونَ مَقْدُورًا لِلَّهِ وهو الإمْكانُ، والإمْكانُ عامٌّ في المُمْكِناتِ، وجَبَ أنْ يَحْصُلَ في كُلِّ المُمْكِناتِ صِحَّةُ أنْ تَكُونَ مَقْدُورَةً لِلَّهِ تَعالى، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ ونِسْبَةُ قُدْرَتِهِ إلى الكُلِّ عَلى السَّوِيَّةِ وجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى الكُلِّ، وإذا ثَبَتَ أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى المُمْكِناتِ، فَلَوْ قَدَّرْنا قادِرًا آخَرَ قَدَرَ عَلى بَعْضِ المُمْكِناتِ، لَزِمَ وُقُوعُ مَقْدُورٍ واحِدٍ بَيْنَ قادِرَيْنِ مِن جِهَةٍ واحِدَةٍ، وذَلِكَ مُحالٌ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ يَقَعَ بِأحَدِهِما دُونَ الآخَرِ وهو مُحالٌ، لِأنَّهُما لَمّا كانا مُسْتَقِلَّيْنِ بِالِاقْتِضاءِ فَلَيْسَ وُقُوعُهُ بِهَذا أوْلى مِن وُقُوعِهِ بِذاكَ أوْ بِهِما مَعًا، وهو أيْضًا مُحالٌ لِأنَّهُ يَسْتَغْنِي بِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، فَيَكُونُ مُحْتاجًا إلَيْهِما مَعًا وغَنِيًّا عَنْهُما مَعًا وهو مُحالٌ، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّهُ لا يُمْكِنُ وُقُوعُ مُمْكِنٍ آخَرَ بِسَبَبٍ آخَرَ سِوى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا الكَلامُ جَيِّدٌ، لَكِنْ عَلى قَوْلِ مَن لا يُثْبِتُ في الوُجُودِ مُؤَثِّرًا سِوى الواحِدِ، فَهَذا جُمْلَةُ ما في هَذا البابِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في السَّماءِ أنَّهُ بَناها، بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّهُ كَيْفَ بَناها، وشَرَحَ تِلْكَ الكَيْفِيَّةَ مِن وُجُوهٍ:
أوَّلُها: ما يَتَعَلَّقُ بِالمَكانِ، فَقالَ تَعالى: ﴿رَفَعَ سَمْكَها﴾ .
واعْلَمْ أنَّ امْتِدادَ الشَّيْءِ إذا أُخِذَ مِن أعْلاهُ إلى أسْفَلِهِ سُمِّيَ عُمْقًا، وإذا أُخِذَ مِن أسْفَلِهِ إلى أعْلاهُ سُمِّيَ سَمْكًا، فالمُرادُ بِرَفْعِ سَمْكِها شِدَّةُ عُلُوِّها حَتّى ذَكَرُوا أنَّ ما بَيْنَ الأرْضِ وبَيْنَها مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، و[ قَدْ ] بَيَّنَ أصْحابُ الهَيْئَةِ مَقادِيرَ الأجْرامِ الفَلَكِيَّةِ وأبْعادَ ما بَيْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنها وبَيْنَ الأرْضِ. وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ: رَفْعُ سَمْكِها مِن غَيْرِ عَمَدٍ، وذَلِكَ مِمّا لا يَصِحُّ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: (فَسَوّاها) وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: المُرادُ تَسْوِيَةُ تَأْلِيفِها، وقِيلَ: بَلِ المُرادُ نَفْيُ الشُّقُوقِ عَنْها، كَقَوْلِهِ: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ [المُلْكِ: ٣] والقائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ قالُوا: (فَسَوّاها) عامٌّ، فَلا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِالتَّسْوِيَةِ في بَعْضِ الأشْياءِ، ثُمَّ قالُوا: هَذا يَدُلُّ عَلى كَوْنِ السَّماءِ كُرَةً؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ كُرَةً لَكانَ بَعْضُ جَوانِبِهِ سَطْحًا، والبَعْضُ زاوِيَةً، والبَعْضُ خَطًّا، ولَكانَ بَعْضُ أجْزائِهِ أقْرَبَ إلَيْنا، والبَعْضُ أبْعَدَ، فَلا تَكُونُ التَّسْوِيَةُ الحَقِيقَةُ حاصِلَةً، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كُرَةً حَتّى تَكُونَ التَّسْوِيَةُ الحَقِيقَةُ حاصِلَةً، ثُمَّ قالُوا: لَمّا ثَبَتَ أنَّها مُحْدَثَةٌ مُفْتَقِرَةٌ إلى فاعِلٍ مُخْتارٍ، فَأيُّ ضَرَرٍ في الدِّينِ يَنْشَأُ مِن كَوْنِها كُرَةً؟ .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences