Ar-RaziAn‑Nazi'at · 79:29–46

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

An-Nazi'at 79:29–46

79:29–30Page 584

وَأَغۡطَشَ لَيۡلَهَا وَأَخۡرَجَ ضُحَىٰهَا ٢٩

And He darkened its night and extracted its brightness.1

وَٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ دَحَىٰهَآ ٣٠

And after that He spread the earth.

الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأغْطَشَ لَيْلَها وأخْرَجَ ضُحاها﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أغْطَشَ قَدْ يَجِيءُ لازِمًا، يُقالُ: أغْطَشَ اللَّيْلُ إذا صارَ مُظْلِمًا، ويَجِيءُ مُتَعَدِّيًا يُقالُ: أغَطَشَهُ اللَّهُ إذا جَعَلَهُ مُظْلِمًا، والغَطَشُ الظُّلْمَةُ، والأغْطَشُ شِبْهُ الأعْمَشِ، ثُمَّ هاهُنا سُؤالٌ، وهو أنَّ اللَّيْلَ اسْمٌ لِزَمانِ الظُّلْمَةِ الحاصِلَةِ بِسَبَبِ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وأغْطَشَ لَيْلَها﴾ يَرْجِعُ مَعْناهُ إلى أنَّهُ جَعَلَ المُظْلِمَ مُظْلِمًا وهو بَعِيدٌ؟ والجَوابُ: مَعْناهُ أنَّ الظُّلْمَةَ الحاصِلَةَ في ذَلِكَ الزَّمانِ إنَّما حَصَلَتْ بِتَدْبِيرِ اللَّهِ وتَقْدِيرِهِ، وحِينَئِذٍ لا يَبْقى الإشْكالُ.

صفحة ٤٤

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وأخْرَجَ ضُحاها﴾ أيْ أخْرَجَ نَهارَها، وإنَّما عَبَّرَ عَنِ النَّهارِ بِالضُّحى؛ لِأنَّ الضُّحى أكْمَلُ أجْزاءِ النَّهارِ في النُّورِ والضَّوْءِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما أضافَ اللَّيْلَ والنَّهارَ إلى السَّماءِ لِأنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ إنَّما يَحْدُثانِ بِسَبَبِ غُرُوبِ الشَّمْسِ وطُلُوعِها، ثُمَّ غُرُوبُها وطُلُوعُها إنَّما يَحْصُلانِ بِسَبَبِ حَرَكَةِ الفَلَكِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أضافَ اللَّيْلَ والنَّهارَ إلى السَّماءِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ كَيْفِيَّةَ خَلْقِ السَّماءِ أتْبَعَهُ بِكَيْفِيَّةِ خَلْقِ الأرْضِ وذَلِكَ مِن وُجُوهٍ:

الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: دَحاها بَسَطَها، قالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ:

دَحاها فَلَمّا رَآها اسْتَوَتْ عَلى الماءِ أرْسى عَلَيْها الجِبالا

وقالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:

دَحَوْتَ البِلادَ فَسَوَّيْتَها ∗∗∗ وأنْتَ عَلى طَيِّها قادِرٌ

قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: في هَذِهِ اللَّفْظَةِ لُغَتانِ: دَحَوْتُ أدْحُو، ودَحَيْتُ أدْحى، ومِثْلُهُ صَفَوْتُ وصَفَيْتُ، ولَحَوْتُ العُودَ ولَحَيْتُهُ، وسَأوْتُ الرَّجُلَ وسَأيْتُهُ، وبَأوْتُ عَلَيْهِ وبَأيْتُ، وفي حَدِيثِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”اللَّهُمَّ داحِيَ المَدْحِيّاتِ“» أيْ باسِطَ الأرَضِينَ السَّبْعِ، وهو المَدْحُوّاتُ أيْضًا، وقِيلَ: أصْلُ الدَّحْوِ الإزالَةُ لِلشَّيْءِ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، ومِنهُ يُقالُ: إنَّ الصَّبِيَّ يَدْحُو بِالكُرَةِ أيْ يَقْذِفُها عَلى وجْهِ الأرْضِ، وأدْحى النَّعامَةُ مَوْضِعَهُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ أيْ بَسَطَتْهُ وأزالَتْ ما فِيهِ مِن حَصى، حَتّى يَتَمَهَّدَ لَهُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْنى الدَّحْوِ يَرْجِعُ إلى الإزالَةِ والتَّمْهِيدِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي كَوْنَ الأرْضِ بَعْدَ السَّماءِ، وقَوْلُهُ: في حم السَّجْدَةِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ [فُصِّلَتْ: ١١] يَقْتَضِي كَوْنَ السَّماءِ بَعْدَ الأرْضِ، وقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾، ولا بَأْسَ بِأنْ نُعِيدَ بَعْضَ تِلْكَ الوُجُوهِ:

أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الأرْضَ أوَّلًا، ثُمَّ خَلَقَ السَّماءَ ثانِيًا، ثُمَّ دَحى الأرْضَ أيْ بَسَطَها ثالِثًا، وذَلِكَ لِأنَّها كانَتْ أوَّلًا كالكُرَةِ المُجْتَمِعَةِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى مَدَّها وبَسَطَها، فَإنْ قِيلَ: الدَّلائِلُ الِاعْتِبارِيَّةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ الأرْضَ الآنَ كُرَةٌ أيْضًا، وإشْكالٌ آخَرُ وهو أنَّ الجِسْمَ العَظِيمَ يَكُونُ ظاهِرُهُ كالسَّطْحِ المُسْتَوِي، فَيَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ هَذا الجِسْمُ مَخْلُوقًا ولا يَكُونُ ظاهِرُهُ مَدْحُوًّا مَبْسُوطًا.

وثانِيها: أنْ لا يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿دَحاها﴾ مُجَرَّدَ البَسْطِ، بَلْ يَكُونُ المُرادُ أنَّهُ بَسَطَها بَسْطًا مُهَيَّأً لِنَباتِ الأقْواتِ وهَذا هو الَّذِي بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أخْرَجَ مِنها ماءَها ومَرْعاها﴾ وذَلِكَ لِأنَّ هَذا الِاسْتِعْدادَ لا يَحْصُلُ لِلْأرْضِ إلّا بَعْدَ وُجُودِ السَّماءِ، فَإنَّ الأرْضَ كالأُمِّ والسَّماءَ كالأبِ، وما لَمْ يَحْصُلا لَمْ تَتَوَلَّدْ أوَّلًا المَعادِنُ والنَّباتاتُ والحَيَواناتُ.

وثالِثُها: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيْ مَعَ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القَلَمِ: ١٣] أيْ مَعَ ذَلِكَ، وقَوْلُكَ لِلرَّجُلِ: أنْتَ كَذا وكَذا ثُمَّ أنْتَ بَعْدَها كَذا، لا تُرِيدُ بِهِ التَّرْتِيبَ، وقالَ تَعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البَلَدِ: ١٤،١٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البَلَدِ: ١٧] والمَعْنى: وكانَ مَعَ هَذا مِن أهْلِ الإيمانِ بِاللَّهِ، فَهَذا تَقْرِيرُ ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ وابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهم قالُوا في قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ أيْ مَعَ ذَلِكَ دَحاها.

صفحة ٤٥

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لَمّا ثَبَتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الأرْضَ أوَّلًا ثُمَّ خَلَقَ السَّماءَ ثانِيًا، ثُمَّ دَحى الأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ ثالِثًا، ذَكَرُوا في تَقْدِيرِ تِلْكَ الأزْمِنَةِ وُجُوهًا، رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: «”خَلَقَ اللَّهُ البَيْتَ قَبْلَ الأرْضِ بِألْفَيْ سَنَةٍ، ومِنهُ دُحِيَتِ الأرْضُ“» واعْلَمْ أنَّ الرُّجُوعَ في أمْثالِ هَذِهِ الأشْياءِ إلى كُتُبِ الحَدِيثِ أوْلى.

79:31Page 584

أَخۡرَجَ مِنۡهَا مَآءَهَا وَمَرۡعَىٰهَا ٣١

He extracted from it its water and its pasture,

الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أخْرَجَ مِنها ماءَها ومَرْعاها﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: ماؤُها عُيُونُها المُتَفَجِّرَةُ بِالماءِ ومَرْعاها رَعْيُها، وهو في الأصْلِ مَوْضِعُ الرَّعْيِ، ونَصْبُ الأرْضِ والجِبالِ بِإضْمارِ دَحا وأرْسى عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ، وقَرَأهُما الحَسَنُ مَرْفُوعَيْنِ عَلى الِابْتِداءِ، فَإنْ قِيلَ: هَلّا أدْخَلَ حَرْفَ العَطْفِ عَلى أخْرَجَ! قُلْنا: لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ مَعْنى دَحاها بَسَطَها ومَهَّدَها لِلسُّكْنى، ثُمَّ فَسَّرَ التَّمْهِيدَ بِما لا بُدَّ مِنهُ في تَأتِّي سُكْناها مِن تَسْوِيَةِ أمْرِ المَشارِبِ والمَآكِلِ وإمْكانِ القَرارِ عَلَيْها بِإخْراجِ الماءِ والمَرْعى وإرْساءِ الجِبالِ وإثْباتِها أوْتادًا لَها حَتّى تَسْتَقِرَّ ويُسْتَقَرَّ عَلَيْها. والثّانِي: أنْ يَكُونَ (أخْرَجَ) حالًا، والتَّقْدِيرُ: والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها حالَ ما أخْرَجَ مِنها ماءَها ومَرْعاها.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أرادَ بِمَرْعاها ما يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ في النَّحْلِ: ﴿أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النَّحْلِ: ١٠] وقالَ في سُورَةٍ أُخْرى: ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ [عَبَسَ: ٢٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ فَكَذا في هَذِهِ الآيَةِ، واسْتُعِيرَ الرَّعْيُ لِلْإنْسانِ كَما اسْتُعِيرَ الرَّتْعُ في قَوْلِهِ: ﴿يَرْتَعْ ويَلْعَبْ﴾ [يُوسُفَ: ١٢] وقُرِئَ نَرْتَعْ مِنَ الرَّعْيِ، ثُمَّ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنْبِياءِ: ٣٠] فانْظُرْ كَيْفَ دَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ماءَها ومَرْعاها﴾ عَلى جَمِيعِ ما أخْرَجَهُ مِنَ الأرْضِ قُوتًا ومَتاعًا لِلْأنامِ مِنَ العُشْبِ والشَّجَرِ، والحَبِّ والثَّمَرِ والعَصْفِ والحَطَبِ، واللِّباسِ والدَّواءِ حَتّى النّارِ والمِلْحِ، أمّا النّارُ فَلا شَكَّ أنَّها مِنَ العِيدانِ، قالَ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ [الواقِعَةِ: ٧٢] وأمّا المِلْحُ فَلا شَكَّ أنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنَ الماءِ، وأنْتَ إذا تَأمَّلْتَ عَلِمْتَ أنَّ جَمِيعَ ما يَتَنَزَّهُ بِهِ النّاسُ في الدُّنْيا ويَتَلَذَّذُونَ بِهِ، فَأصْلُهُ الماءُ والنَّباتُ، ولِهَذا السَّبَبِ تَرَدَّدَ في وصْفِ الجَنَّةِ ذِكْرُهُما، فَقالَ: ﴿جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [البُرُوجِ: ١١]، ثُمَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ بِالمَرْعى كُلَّ ما يَأْكُلُهُ النّاسُ والأنْعامُ قَوْلُهُ في آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ .

79:32–35Page 584

وَٱلۡجِبَالَ أَرۡسَىٰهَا ٣٢

And the mountains He set firmly

مَتَٰعٗا لَّكُمۡ وَلِأَنۡعَٰمِكُمۡ ٣٣

As enjoyment [i.e., provision] for you and your grazing livestock.

فَإِذَا جَآءَتِ ٱلطَّآمَّةُ ٱلۡكُبۡرَىٰ ٣٤

But when there comes the greatest Overwhelming Calamity1 -

يَوۡمَ يَتَذَكَّرُ ٱلۡإِنسَٰنُ مَا سَعَىٰ ٣٥

The Day when man will remember that for which he strove,

الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والجِبالَ أرْساها﴾ والكَلامُ في شَرْحِ مَنافِعِ الجِبالِ قَدْ تَقَدَّمَ.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ خَلْقِهِ الأرْضَ وكَمِّيَّةَ مَنافِعِها قالَ: ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ والمَعْنى: أنّا إنَّما خَلَقْنا هَذِهِ الأشْياءَ مُتْعَةً ومَنفَعَةً لَكم ولِأنْعامِكُمْ، واحْتَجَّ بِهِ مَن قالَ: إنَّ أفْعالَ اللَّهِ وأحْكامَهُ مُعَلَّلَةٌ بِالأغْراضِ والمَصالِحِ، والكَلامُ فِيهِ قَدْ مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، واعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ خَلْقِهِ السَّماءَ والأرْضَ لِيُسْتَدَلَّ بِها عَلى كَوْنِهِ قادِرًا عَلى الحَشْرِ والنَّشْرِ، فَلَمّا قَرَّرَ ذَلِكَ وبَيَّنَ إمْكانَ الحَشْرِ عَقْلًا أخْبَرَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ وُقُوعِهِ.

صفحة ٤٦

فَقالَ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَتِ الطّامَّةُ الكُبْرى﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: الطّامَّةُ عِنْدَ العَرَبِ الدّاهِيَةُ الَّتِي لا تُسْتَطاعُ، وفي اشْتِقاقِها وُجُوهٌ، قالَ المُبَرِّدُ: أُخِذَتْ فِيما أحْسَبُ مِن قَوْلِهِمْ: طَمَّ الفَرَسُ طَمِيمًا، إذا اسْتَفْرَغَ جُهْدَهُ في الجَرْيِ، وطَمَّ الماءُ إذا مَلَأ النَّهْرَ كُلَّهُ، وقالَ اللَّيْثُ: الطَّمُ طَمُّ البِئْرِ بِالتُّرابِ، وهو الكَبْسُ، ويُقالُ: طَمَّ السَّيْلُ الرَّكِيَّةَ إذا دَفَنَها حَتّى يُسَوِّيَها، ويُقالُ لِلشَّيْءِ الَّذِي يَكْبُرُ حَتّى يَعْلُوَ: قَدْ طَمَّ، والطّامَّةُ الحادِثَةُ الَّتِي تَطِمُّ عَلى ما سِواها، ومِن ثَمَّ قِيلَ: فَوْقَ كُلِّ طامَّةٍ طامَّةٌ، قالَ القَفّالُ: أصْلُ الطَّمِّ الدَّفْنُ والعُلُوُّ، وكُلُّ ما غَلَبَ شَيْئًا وقَهَرَهُ وأخْفاهُ فَقَدْ طَمَّهُ، ومِنهُ الماءُ الطّامِي وهو الكَثِيرُ الزّائِدُ، والطّاغِي والعاتِي والعادِيُّ سَواءٌ وهو الخارِجُ عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى المُتَكَبِّرُ، فالطّامَّةُ اسْمٌ لِكُلِّ داهِيَةٍ عَظِيمَةٍ يُنْسى ما قَبْلَها في جَنْبِها.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَدْ ظَهَرَ بِما ذَكَرْنا أنَّ مَعْنى الطّامَّةِ الكُبْرى الدّاهِيَةُ الكُبْرى، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في أنَّها أيُّ شَيْءٍ هِيَ، فَقالَ قَوْمٌ: إنَّها يَوْمُ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ يُشاهَدُ فِيهِ مِنَ النّارِ، ومِنَ المَوْقِفِ الهائِلِ، ومِنَ الآياتِ الباهِرَةِ الخارِجَةِ عَنِ العادَةِ ما يُنْسى مَعَهُ كُلُّ هائِلٍ، وقالَ الحَسَنُ: إنَّها هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ الَّتِي عِنْدَها تُحْشَرُ الخَلائِقُ إلى مَوْقِفِ القِيامَةِ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ تَعالى فَسَّرَ الطّامَّةَ الكُبْرى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ ما سَعى﴾ ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ فالطّامَّةُ تَكُونُ اسْمًا لِذَلِكَ الوَقْتِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الوَقْتُ وقْتَ قِراءَةِ الكِتابِ عَلى ما قالَهُ تَعالى: ﴿ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسْراءِ: ١٣] ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ تِلْكَ السّاعَةُ هي السّاعَةَ الَّتِي يُساقُ فِيها أهْلُ الجَنَّةِ إلى الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ إلى النّارِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ ذَلِكَ اليَوْمَ بِوَصْفَيْنِ:

79:36–39Page 584

وَبُرِّزَتِ ٱلۡجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ ٣٦

And Hellfire will be exposed for [all] those who see -

فَأَمَّا مَن طَغَىٰ ٣٧

So as for he who transgressed

وَءَاثَرَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا ٣٨

And preferred the life of the world,

فَإِنَّ ٱلۡجَحِيمَ هِيَ ٱلۡمَأۡوَىٰ ٣٩

Then indeed, Hellfire will be [his] refuge.

الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ ما سَعى﴾ يَعْنِي إذا رَأى أعْمالَهُ مُدَوَّنَةً في كِتابِهِ تَذَكَّرَها، وكانَ قَدْ نَسِيَها، كَقَوْلِهِ: ﴿أحْصاهُ اللَّهُ ونَسُوهُ﴾ [المُجادَلَةِ: ٦] .

الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن يَرى﴾ أيْ أنَّها تَظْهَرُ إظْهارًا مَكْشُوفًا لِكُلِّ ناظِرٍ ذِي بَصَرٍ ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِعارَةٌ في كَوْنِهِ مُنْكَشِفًا ظاهِرًا كَقَوْلِهِمْ: تَبَيَّنَ الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ. وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ لا يَجِبُ أنْ يَراهُ كُلُّ أحَدٍ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّها بُرِّزَتْ لِيَراها كُلُّ مَن لَهُ عَيْنٌ وبَصَرٌ، وهَذا يُفِيدُ أنَّ كُلَّ النّاسِ يَرَوْنَها مِنَ المُؤْمِنِينَ والكُفّارِ، إلّا أنَّها مَكانُ الكُفّارِ ومَأْواهُمْ، والمُؤْمِنُونَ يَمُرُّونَ عَلَيْها، وهَذا التَّأْوِيلُ مُتَأكِّدٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مَرْيَمَ: ٧١] إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مَرْيَمَ: ٧٢] فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٩١،٩٠]

صفحة ٤٧

فَخَصَّ الغاوِينَ بِتَبْرِيزِها لَهُمْ، قُلْنا: إنَّها بُرِّزَتْ لِلْغاوِينَ، والمُؤْمِنُونَ يَرَوْنَها أيْضًا في المَمَرِّ، ولا مُنافاةَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ أبُو نَهِيكٍ: ”وبَرَزَتْ“ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: ”لِمَن رَأى“، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: ”لِمَن تَرى“، والضَّمِيرُ لِلْجَحِيمِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [الفُرْقانِ: ١٢] وقِيلَ: لِمَن تَرى يا مُحَمَّدُ مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ يُؤْذُونَكَ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ حالَ القِيامَةِ في الجُمْلَةِ قَسَّمَ المُكَلَّفِينَ قِسْمَيْنِ: الأشْقِياءُ والسُّعَداءُ، فَذَكَرَ حالَ الأشْقِياءِ.

﴿فَأمّا مَن طَغى﴾ ﴿وآثَرَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ ﴿فَإنَّ الجَحِيمَ هي المَأْوى﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في جَوابِ قَوْلِهِ: ﴿فَإذا جاءَتِ الطّامَّةُ الكُبْرى﴾ وجْهانِ:

الأوَّلُ: قالَ الواحِدِيُّ: إنَّهُ مَحْذُوفٌ عَلى تَقْدِيرِ: إذا جاءَتِ الطّامَّةُ دَخَلَ أهْلُ النّارِ النّارَ، وأهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، ودَلَّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ ما ذُكِرَ في بَيانِ مَأْوى الفَرِيقَيْنِ، ولِهَذا كانَ يَقُولُ مالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ في تَفْسِيرِ الطّامَّةِ الكُبْرى، قالَ: إنَّها إذا سَبَقَ أهْلُ الجَنَّةِ إلى الجَنَّةِ، وأهْلُ النّارِ إلى النّارِ.

والثّانِي: أنَّ جَوابَهُ قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ الجَحِيمَ هي المَأْوى﴾ وكَأنَّهُ جَزاءٌ مُرَكَّبٌ عَلى شَرْطَيْنِ نَظِيرُهُ: إذا جاءَ الغَدُ فَمَن جاءَنِي سائِلًا أعْطَيْتُهُ، كَذا هاهُنا أيْ إذا جاءَتِ الطّامَّةُ الكُبْرى فَمَن جاءَ طاغِيًا فَإنَّ الجَحِيمَ مَأْواهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنهم مَن قالَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿طَغى﴾ ﴿وآثَرَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ النَّضْرُ وأبُوهُ الحارِثُ، فَإنْ كانَ المُرادُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ عِنْدَ صُدُورِ بَعْضِ المُنْكِراتِ مِنهُ فَجَيِّدٌ، وإنْ كانَ المُرادُ تَخْصِيصُها بِهِ فَبَعِيدٌ؛ لِأنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، لا سِيَّما إذا عُرِفَ بِضَرُورَةِ العَقْلِ أنَّ المُوجِبَ لِذَلِكَ الحُكْمِ هو الوَصْفُ المَذْكُورُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: (طَغى)، إشارَةٌ إلى فَسادِ حالِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ؛ لِأنَّ كُلَّ مَن عَرَفَ اللَّهَ عَرَفَ حَقارَةَ نَفْسِهِ، وعَرَفَ اسْتِيلاءَ قُدْرَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَلا يَكُونُ لَهُ طُغْيانٌ وتَكَبُّرٌ، وقَوْلُهُ: ﴿وآثَرَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ إشارَةٌ إلى فَسادِ حالِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، وإنَّما ذُكِرَ ذَلِكَ لِما رُوِيَ عَنْهُ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- أنَّهُ قالَ: ”«حُبُّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ» “ ومَتى كانَ الإنْسانُ والعِياذُ بِاللَّهِ مَوْصُوفًا بِهَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، كانَ بالِغًا في الفَسادِ إلى أقْصى الغاياتِ، وهو الكافِرُ الَّذِي يَكُونُ عِقابُهُ مُخَلَّدًا، وتَخْصِيصُهُ بِهَذِهِ الحالَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الفاسِقَ الَّذِي لا يَكُونُ كَذَلِكَ لا تَكُونُ الجَحِيمُ مَأْوًى لَهُ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: فَإنَّ الجَحِيمَ هي المَأْوى لَهُ، ثُمَّ حُذِفَتِ الصِّلَةُ لِوُضُوحِ المَعْنى كَقَوْلِكَ لِلرَّجُلِ: غُضَّ الطَّرْفَ، أيْ غُضَّ طَرْفَكَ، وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: فَإنَّ الجَحِيمَ هي المَأْوى اللّائِقُ بِمَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ والأخْلاقِ.

79:40–41Page 584

وَأَمَّا مَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفۡسَ عَنِ ٱلۡهَوَىٰ ٤٠

But as for he who feared the position of his Lord1 and prevented the soul from [unlawful] inclination,

فَإِنَّ ٱلۡجَنَّةَ هِيَ ٱلۡمَأۡوَىٰ ٤١

Then indeed, Paradise will be [his] refuge.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى حالَ السُّعَداءِ، فَقالَ تَعالى: ﴿وأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ ﴿ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى﴾ ﴿فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾

صفحة ٤٨

واعْلَمْ أنَّ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ مُضادّانِ لِلْوَصْفَيْنِ اللَّذَيْنِ وصَفَ اللَّهُ أهْلَ النّارِ بِهِما، فَقَوْلُهُ: ﴿وأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ ضِدُّ قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا مَن طَغى﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى﴾ ضِدُّ قَوْلِهِ: ﴿وآثَرَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ واعْلَمْ أنَّ الخَوْفَ مِنَ اللَّهِ، لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِالعِلْمِ بِاللَّهِ عَلى ما قالَ: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطِرٍ: ٢٨] ولَمّا كانَ الخَوْفُ مِنَ اللَّهِ هو السَّبَبَ المُعِينَ لِدَفْعِ الهَوى، لا جَرَمَ قَدَّمَ العِلَّةَ عَلى العُلُوِّ، وكَما دَخَلَ في ذَيْنِكَ الصِّفَتَيْنِ جَمِيعُ القَبائِحِ دَخَلَ في هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ جَمِيعُ الطّاعاتِ والحَسَناتِ، وقِيلَ: الآيَتانِ نَزَلَتا في أبِي عَزِيزِ بْنِ عُمَيْرٍ ومُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وقَدْ قَتَلَ مُصْعَبٌ أخاهُ أبا عَزِيزٍ يَوْمَ أُحُدٍ، ووَقى رَسُولَ اللَّهِ بِنَفْسِهِ حَتّى نَفَذَتِ المَشاقِصُ في جَوْفِهِ.

79:42–45Page 584

يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرۡسَىٰهَا ٤٢

They ask you, [O Muḥammad], about the Hour: when is its arrival?1

فِيمَ أَنتَ مِن ذِكۡرَىٰهَآ ٤٣

In what [position] are you that you should mention it?1

إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَىٰهَآ ٤٤

To your Lord is its finality.1

إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخۡشَىٰهَا ٤٥

You are only a warner for those who fear it.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ بِالبُرْهانِ العَقْلِيِّ إمْكانَ القِيامَةِ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ وُقُوعِها، ثُمَّ ذَكَرَ أحْوالَها العامَّةَ، ثُمَّ ذَكَرَ أحْوالَ الأشْقِياءِ والسُّعَداءِ فِيها، قالَ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها﴾ .

واعْلَمْ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَسْمَعُونَ إثْباتَ القِيامَةِ، ووَصْفَها بِالأوْصافِ الهائِلَةِ، مِثْلُ أنَّها طامَّةٌ وصاخَّةٌ وقارِعَةٌ، فَقالُوا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ: ﴿أيّانَ مُرْساها﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الإيهامِ لِأتْباعِهِمْ أنَّهُ لا أصْلَ لِذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم كانُوا يَسْألُونَ الرَّسُولَ عَنْ وقْتِ القِيامَةِ اسْتِعْجالًا، كَقَوْلِهِ: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ [الشُّورى: ١٨] ثُمَّ في قَوْلِهِ: (مُرْساها) قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَتى إرْساؤُها، أيْ إقامَتُها، أرادُوا مَتى يُقِيمُها اللَّهُ ويُوجِدُها ويُكَوِّنُها. والثّانِي: (أيّانَ) مُنْتَهاها ومُسْتَقَرُّها، كَما أنَّ مَرْسى السَّفِينَةِ مُسْتَقَرُّها حَيْثُ تَنْتَهِي إلَيْهِ.

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أجابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيمَ أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ وفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: مَعْناهُ في أيِّ شَيْءٍ أنْتَ عَنْ تَذَكُّرِ وقْتِها لَهُمْ، وتَبَيُّنِ ذَلِكَ الزَّمانِ المُعَيَّنِ لَهُمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ القائِلِ إذا سَألَهُ رَجُلٌ عَنْ شَيْءٍ لا يَلِيقُ بِهِ: ما أنْتَ وهَذا؟ وأيُّ شَيْءٍ لَكَ في هَذا؟ وعَنْ عائِشَةَ: ”«لَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَذْكُرُ السّاعَةَ ويَسْألُ عَنْها حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» “ فَهو عَلى هَذا تَعْجِيبٌ مِن كَثْرَةِ ذِكْرِهِ لَها، كَأنَّهُ قِيلَ: في أيِّ شُغُلٍ واهْتِمامٍ أنْتَ مِن ذِكْرِها والسُّؤالِ عَنْها، والمَعْنى أنَّهم يَسْألُونَكَ عَنْها، فَلِحِرْصِكَ عَلى جَوابِهِمْ لا تَزالُ تَذْكُرُها وتَسْألُ عَنْها.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلى رَبِّكَ مُنْتَهاها﴾ أيْ مُنْتَهى عِلْمِها لَمْ يُؤْتِهِ أحَدًا مِن خَلْقِهِ. الوَجْهُ الثّانِي: قالَ بَعْضُهم: (فِيمَ) إنْكارٌ لِسُؤالِهِمْ، أيْ فِيمَ هَذا السُّؤالُ، ثُمَّ قِيلَ: ﴿أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ أيْ أرْسَلَكَ وأنْتَ خاتَمُ الأنْبِياءِ وآخِرُ الرُّسُلِ ذِكْرًا مِن أنْواعِ عَلاماتِها، وواحِدًا مِن أقْسامِ أشْراطِها، فَكَفاهم بِذَلِكَ دَلِيلًا عَلى دُنُوِّها ووُجُوبِ الِاسْتِعْدادِ لَها، ولا فائِدَةَ في سُؤالِهِمْ عَنْها.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

صفحة ٤٩

المَسْألَةُ الأُولى: مَعْنى الآيَةِ أنَّكَ إنَّما بُعِثْتَ لِلْإنْذارِ، وهَذا المَعْنى لا يَتَوَقَّفُ عَلى عِلْمِكَ بِوَقْتِ قِيامِ القِيامَةِ، بَلْ لَوْ أنْصَفْنا لَقُلْنا بِأنَّ الإنْذارَ والتَّخْوِيفَ إنَّما يَتِمّانِ إذا لَمْ يَكُنِ العِلْمُ بِوَقْتِ قِيامِ القِيامَةِ حاصِلًا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- مُنْذِرٌ لِلْكُلِّ إلّا أنَّهُ خُصَّ بِمَن يَخْشى، لِأنَّهُ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ الإنْذارِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قُرِئَ مُنْذِرٌ بِالتَّنْوِينِ وهو الأصْلُ، قالَ الزَّجّاجُ: مُفْعِلٌ وفاعِلٌ إذا كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما لِما يُسْتَقْبَلُ أوْ لِلْحالِ يُنَوَّنُ، لِأنَّهُ يَكُونُ بَدَلًا مِنَ الفِعْلِ، والفِعْلُ لا يَكُونُ إلّا نَكِرَةً ويَجُوزُ حَذْفُ التَّنْوِينِ لِأجْلِ التَّخْفِيفِ، وكِلاهُما يَصْلُحُ لِلْحالِ والِاسْتِقْبالِ، فَإذا أُرِيدَ الماضِي فَلا يَجُوزُ إلّا الإضافَةُ كَقَوْلِهِ هو مُنْذِرُ زَيْدٍ أمْسِ.

79:46Page 584

كَأَنَّهُمۡ يَوۡمَ يَرَوۡنَهَا لَمۡ يَلۡبَثُوٓاْ إِلَّا عَشِيَّةً أَوۡ ضُحَىٰهَا ٤٦

It will be, on the Day they see it,1 as though they had not remained [in the world] except for an afternoon or a morning thereof.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إلّا عَشِيَّةً أوْ ضُحاها﴾ وتَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَدْ مَضى ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ﴾ [الأحْقافِ: ٣٥] والمَعْنى أنَّ ما أنْكَرُوهُ سَيَرَوْنَهُ حَتّى كَأنَّهم أبَدًا فِيهِ وكَأنَّهم لَمْ يَلْبَثُوا في الدُّنْيا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ ثُمَّ مَضَتْ. (فَإنْ قِيلَ): قَوْلُهُ: (أوْ ضُحاها) مَعْناهُ ضُحى العَشِيَّةِ وهَذا غَيْرُ مَعْقُولٍ لِأنَّهُ لَيْسَ لِلْعَشِيَّةِ ضُحًى. (قُلْنا): الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: قالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الهاءُ والألِفُ صِلَةٌ لِلْكَلامِ، يُرِيدُ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا عَشِيَّةً أوْ ضُحًى.

وثانِيها: قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: المُرادُ بِإضافَةِ الضُّحى إلى العَشِيَّةِ إضافَتُها إلى يَوْمِ العَشِيَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ: إلّا عَشِيَّةَ أوْ ضُحى يَوْمِها، والعَرَبُ تَقُولُ: آتِيكَ العَشِيَّةَ أوْ غَداتَها عَلى ما ذَكَرْنا.

وثالِثُها: أنَّ النَّحْوِيِّينَ قالُوا: يَكْفِي في حُسْنِ الإضافَةِ أدْنى سَبَبٍ، فالضُّحى المُتَقَدِّمُ عَلى عَشِيَّةٍ يَصِحُّ أنْ يُقالَ إنَّهُ ضُحى تِلْكَ العَشِيَّةِ، وزَمانُ المِحْنَةِ قَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالعَشِيَّةِ وزَمانُ الرّاحَةِ قَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالضُّحى، فالَّذِينَ يُحْضَرُونَ في مَوْقِفِ القِيامَةِ يُعَبِّرُونَ عَنْ زَمانِ مِحْنَتِهِمْ بِالعَشِيَّةِ وعَنْ زَمانِ راحَتِهِمْ بِضُحى تِلْكَ العَشِيَّةِ فَيَقُولُونَ: كَأنَّ عُمْرَنا في الدُّنْيا ما كانَ إلّا هاتَيْنِ السّاعَتَيْنِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском