Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Anfal 8:15–23
8:15–16Page 178
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحۡفٗا فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلۡأَدۡبَارَ ١٥
O you who have believed, when you meet those who disbelieve advancing [in battle], do not turn to them your backs [in flight].
وَمَن يُوَلِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ دُبُرَهُۥٓ إِلَّا مُتَحَرِّفٗا لِّقِتَالٍ أَوۡ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٖ فَقَدۡ بَآءَ بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأۡوَىٰهُ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٦
And whoever turns his back to them on such a day, unless swerving [as a strategy] for war or joining [another] company, has certainly returned with anger [upon him] from Allāh, and his refuge is Hell - and wretched is the destination.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الأزْهَرِيُّ: أصْلُ الزَّحْفِ لِلصَّبِيِّ، وهو أنْ يَزْحَفَ عَلى إسْتِهِ قَبْلَ أنْ يَقُومَ، وشَبَّهَ بِزَحْفِ الصَّبِيِّ مَشْيَ الطّائِفَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَذْهَبُ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما إلى صاحِبَتِها لِلْقِتالِ، فَيَمْشِي كُلُّ فِئَةٍ مَشْيًا رُوَيْدًا إلى الفِئَةِ الأُخْرى قَبْلَ التَّدانِي لِلضِّرابِ، قالَ ثَعْلَبٌ: الزَّحْفُ المَشْيُ قَلِيلًا قَلِيلًا إلى الشَّيْءِ، ومِنهُ الزِّحافُ في الشِّعْرِ يَسْقُطُ مِمّا بَيْنَ حَرْفَيْنِ حَرْفٌ فَيَزْحَفُ أحَدُهُما إلى الآخَرِ.
صفحة ١١١
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ أيْ مُتَزاحِفِينَ نُصِبَ عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا لِلْكُفّارِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا لِلْمُخاطَبِينَ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، والزَّحْفُ مَصْدَرٌ مَوْصُوفٌ بِهِ كالعَدْلِ والرِّضا، ولِذَلِكَ لَمْ يُجْمَعْ، والمَعْنى: إذا ذَهَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِلْقِتالِ فَلا تَنْهَزِمُوا، ومَعْنى﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ أيْ لا تَجْعَلُوا ظُهُورَكم مِمّا يَلِيهِمْ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا نَهى عَنْ هَذا الِانْهِزامِ بَيَّنَ أنَّ هَذا الِانْهِزامَ مُحَرَّمٌ إلّا في حالَتَيْنِ:
إحْداهُما: أنْ يَكُونَ مُتَحَرِّفًا لِلْقِتالٍ، والمُرادُ مِنهُ أنْ يُخَيِّلَ إلى عَدُوِّهِ أنَّهُ مُنْهَزِمٌ، ثُمَّ يَنْعَطِفُ عَلَيْهِ، وهو أحَدُ أبْوابِ خُدَعِ الحَرْبِ ومَكايِدِها، يُقالُ: تَحَرَّفَ وانْحَرَفَ إذا زالَ عَنْ جِهَةِ الِاسْتِواءِ.
والثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: التَّحَيُّزُ التَّنَحِّي وفِيهِ لُغَتانِ: التَّحَيُّزُ والتَّحَوُّزُ. قالَ الواحِدِيُّ: وأصْلُ هَذا الحَوْزُ، وهو الجَمْعُ، يُقالُ: حُزْتُهُ فانْحازَ وتَحَوَّزَ وتَحَيَّزَ إذا انْضَمَّ واجْتَمَعَ، ثُمَّ سُمِّيَ التَّنَحِّي تَحَيُّزًا، لِأنَّ المُتَنَحِّيَ عَنْ جانِبٍ يَنْفَصِلُ عَنْهُ ويَمِيلُ إلى غَيْرِهِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الفِئَةُ الجَماعَةُ، فَإذا كانَ هَذا المُتَحَيِّزُ كالمُنْفَرِدِ، وفي الكُفّارِ كَثْرَةٌ، وغَلَبَ عَلى ظَنِّ ذَلِكَ المُنْفَرِدِ أنَّهُ إنْ ثَبَتَ قُتِلَ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ، وإنْ تَحَيَّزَ إلى جَمْعٍ كانَ راجِيًا لِلْخَلاصِ، وطامِعًا في العَدُوِّ بِالكَثْرَةِ، فَرُبَّما وجَبَ عَلَيْهِ التَّحَيُّزُ إلى هَذِهِ الفِئَةِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ جائِزًا، والحاصِلُ أنَّ الِانْهِزامَ مِنَ العَدُوِّ حَرامٌ إلّا في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ إلّا في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ، فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ القاضِي بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى القَطْعِ بِوَعِيدِ الفُسّاقِ مِن أهْلِ الصَّلاةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ مَنِ انْهَزَمَ إلّا في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ اسْتَوْجَبَ غَضَبَ اللَّهِ ونارَ جَهَنَّمَ، قالَ: ولَيْسَ لِلْمُرْجِئَةِ أنْ يَحْمِلُوا هَذِهِ الآيَةَ عَلى الكُفّارِ دُونَ أهْلِ الصَّلاةِ، كَصُنْعِهِمْ في سائِرِ آياتِ الوَعِيدِ، لِأنَّ هَذا الوَعِيدَ مُخْتَصٌّ بِأهْلِ الصَّلاةِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ قَدْ ذَكَرْناها عَلى الِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وذَكَرْنا أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِهَذِهِ الظَّواهِرِ لا يُفِيدُ إلّا الظَّنَّ، وقَدْ ذَكَرْنا أيْضًا أنَّها مُعارَضَةٌ بِعُمُوماتِ الوَعْدِ، وذَكَرْنا أنَّ التَّرْجِيحَ بِجانِبِ عُمُوماتِ الوَعْدِ مِنَ الوُجُوهِ الكَثِيرَةِ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في أنَّ هَذا الحُكْمَ هَلْ هو مُخْتَصٌّ بِيَوْمِ بَدْرٍ أوْ هو حاصِلٌ عَلى الإطْلاقِ، فَنُقِلَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ والحَسَنِ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ أنَّ هَذا الحُكْمَ مُخْتَصٌّ بِمَن كانَ انْهَزَمَ يَوْمَ بَدْرٍ، قالُوا: والسَّبَبُ في اخْتِصاصِ يَوْمِ بَدْرٍ بِهَذا الحُكْمِ أُمُورٌ:
أحَدُها: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ حاضِرًا يَوْمَ بَدْرٍ ومَعَ حُضُورِهِ لا يُعَدُّ غَيْرُهُ فِيهِ، إمّا لِأجْلِ أنَّهُ لا يُساوى بِهِ سائِرُ الفِئاتِ، بَلْ هو أشْرَفُ وأعْلى مِنَ الكُلِّ، وإمّا لِأجْلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَهُ بِالنَّصْرِ والظَّفَرِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمُ التَّحَيُّزُ إلى فِئَةٍ أُخْرى.
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى شَدَّدَ الأمْرَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ، لِأنَّهُ كانَ أوَّلَ الجِهادِ، ولَوِ اتَّفَقَ لِلْمُسْلِمِينَ انْهِزامٌ فِيهِ لَزِمَ مِنهُ الخَلَلُ العَظِيمُ، فَلِهَذا وجَبَ عَلَيْهِمُ التَّشَدُّدُ والمُبالَغَةُ، ولِهَذا السَّبَبِ مَنَعَ اللَّهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِن أخْذِ الفِداءِ مِنَ الأسْرى.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الحُكْمَ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ كانَ عامًّا في جَمِيعِ الحُرُوبِ، بِدَلِيلِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى:
صفحة ١١٢
﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عامٌّ فَيَتَناوَلُ جَمِيعَ السُّوَرِ، أقْصى ما في البابِ أنَّهُ نَزَلَ في واقِعَةِ بَدْرٍ، لَكِنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ جَوازَ التَّحَيُّزِ إلى فِئَةٍ هَلْ يُحْظَرُ إذا كانَ العَسْكَرُ عَظِيمًا أوْ إنَّما يَثْبُتُ إذا كانَ في العَسْكَرِ خِفَّةٌ ؟ قالَ بَعْضُهم: إذا عَظُمَ العَسْكَرُ فَلَيْسَ لَهم هَذا التَّحَيُّزُ. وقالَ بَعْضُهم: بَلِ الكُلُّ سَواءٌ. وهَذا ألْيَقُ بِالظّاهِرِ لِأنَّهُ لَمْ يُفَصِّلْ.
8:17–18Page 179
فَلَمۡ تَقۡتُلُوهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمۡۚ وَمَا رَمَيۡتَ إِذۡ رَمَيۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ وَلِيُبۡلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡهُ بَلَآءً حَسَنًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ١٧
And you did not kill them, but it was Allāh who killed them.1 And you threw not, [O Muḥammad], when you threw, but it was Allāh who threw2 that He might test the believers with a good test.3 Indeed, Allāh is Hearing and Knowing.
ذَٰلِكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيۡدِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٨
That [is so], and [also] that Allāh will weaken the plot of the disbelievers.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى ولِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ مُجاهِدٌ: اخْتَلَفُوا يَوْمَ بَدْرٍ. فَقالَ هَذا: أنا قَتَلْتُ، وقالَ الآخَرُ: أنا قَتَلْتُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ يَعْنِي أنَّ هَذِهِ الكَسْرَةَ الكَبِيرَةَ لَمْ تَحْصُلْ مِنكم وإنَّما حَصَلَتْ بِمَعُونَةِ اللَّهِ، رُوِيَ أنَّهُ «لَمّا طَلَعَتْ قُرَيْشٌ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ جاءَتْ بِخُيَلائِها وفَخْرِها يُكَذِّبُونَ رَسُولَكَ، اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ ما وعَدْتَنِي“ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ وقالَ: خُذْ قَبْضَةً مِن تُرابٍ فارْمِهِمْ بِها، فَلَمّا التَقى الجَمْعانِ قالَ لِعَلِيٍّ: أعْطِنِي قَبْضَةً مِنَ التُّرابِ مِن حَصْباءِ الوادِي، فَرَمى بِها في وُجُوهِهِمْ، وقالَ: شاهَتِ الوُجُوهُ، فَلَمْ يَبْقَ مُشْرِكٌ إلّا شُغِلَ بِعَيْنِهِ فانْهَزَمُوا» . قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ إنِ افْتَخَرْتُمْ بِقَتْلِهِمْ فَأنْتُمْ لَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم.
ثُمَّ قالَ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ يَعْنِي أنَّ القَبْضَةَ مِنَ الحَصْباءِ الَّتِي رَمَيْتَها، فَأنْتَ ما رَمَيْتَها في الحَقِيقَةِ، لِأنَّ رَمْيَكَ لا يَبْلُغُ أثَرُهُ إلّا ما يَبْلُغُهُ رَمْيُ سائِرِ البَشَرِ، ولَكِنَّ اللَّهَ رَماها حَيْثُ نَفَّذَ أجْزاءَ ذَلِكَ التُّرابِ وأوْصَلَها إلى عُيُونِهِمْ، فَصُورَةُ الرَّمْيَةِ صَدَرَتْ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأثَرُها إنَّما صَدَرَ مِنَ اللَّهِ، فَلِهَذا المَعْنى صَحَّ فِيهِ النَّفْيُ والإثْباتُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى، وجْهُ الِاسْتِدْلالِ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهم جُرِحُوا، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ حُدُوثَ تِلْكَ الأفْعالِ إنَّما حَصَلَ مِنَ اللَّهِ. وأيْضًا قَوْلُهُ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾ أثْبَتَ كَوْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رامِيًا، ونَفى عَنْهُ كَوْنَهُ رامِيًا، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى أنَّهُ رَماهُ كَسْبًا وما رَماهُ خَلْقًا.
فَإنْ قِيلَ: أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ قَتْلَ الكُفّارِ إنَّما تَيَسَّرَ بِمَعُونَةِ اللَّهِ ونَصْرِهِ وتَأْيِيدِهِ، فَصَحَّتْ هَذِهِ الإضافَةُ.
الثّانِي: أنَّ الجُرْحَ كانَ إلَيْهِمْ، وإخْراجُ الرُّوحِ كانَ إلى اللَّهِ تَعالى، والتَّقْدِيرُ: فَلَمْ تُمِيتُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ أماتَهم.
صفحة ١١٣
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ .
قالَ القاضِي: فِيهِ أشْياءُ:
مِنها: أنَّ الرَّمْيَةَ الواحِدَةَ لا تُوجِبُ وُصُولَ التُّرابِ إلى عُيُونِهِمْ، وكانَ إيصالُ أجْزاءِ التُّرابِ إلى عُيُونِهِمْ لَيْسَ إلّا بِإيصالِ اللَّهِ تَعالى.
ومِنها: أنَّ التُّرابَ الَّذِي رَماهُ كانَ قَلِيلًا، فَيَمْتَنِعُ وصُولُ ذَلِكَ القَدْرِ إلى عُيُونِ الكُلِّ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ تَعالى ضَمَّ إلَيْها أشْياءَ أُخَرَ مِن أجْزاءِ التُّرابِ وأوْصَلَها إلى عُيُونِهِمْ.
ومِنها: أنَّ عِنْدَ رَمْيَتِهِ ألْقى اللَّهُ تَعالى الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ، فَكانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ هو أنَّهُ تَعالى رَمى قُلُوبَهم بِذَلِكَ الرُّعْبِ.
والجَوابُ: أنَّ كُلَّ ما ذَكَرْتُمُوهُ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ، والأصْلُ في الكَلامِ الحَقِيقَةُ.
فَإنْ قالُوا: الدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ تَمْنَعُ مِنَ القَوْلِ بِأنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى، فَنَقُولُ: هَيْهاتَ فَإنَّ الدَّلائِلَ العَقْلِيَّةَ في جانِبِنا والبَراهِينَ النَّقْلِيَّةَ قائِمَةٌ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا، فَلا يُمْكِنُكم أنْ تَعْدِلُوا عَنِ الظّاهِرِ إلى المَجازِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قُرِئَ (ولَكِنِ اللَّهُ قَتَلَهم. ولَكِنِ اللَّهُ رَمى) بِتَخْفِيفِ ولَكِنْ ورَفْعِ ما بَعْدَهُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
الأوَّلُ: وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ أنَّها نَزَلَتْ في يَوْمِ بَدْرٍ، والمُرادُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخَذَ قَبْضَةً مِنَ الحَصْباءِ ورَمى بِها وُجُوهَ القَوْمِ وقالَ شاهَتِ الوُجُوهُ، فَلَمْ يَبْقَ مُشْرِكٌ إلّا ودَخَلَ في عَيْنَيْهِ ومَنخَرَيْهِ مِنها شَيْءٌ، فَكانَتْ تِلْكَ الرَّمْيَةُ سَبَبًا لِلْهَزِيمَةِ، وفِيهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ يَوْمَ خَيْبَرَ، رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخَذَ قَوْسًا وهو عَلى بابِ خَيْبَرَ فَرَمى سَهْمًا، فَأقْبَلَ السَّهْمُ حَتّى قَتَلَ ابْنَ أبِي الحَقِيقِ، وهو عَلى فَرَسِهِ»، فَنَزَلَتْ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ .
والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في يَوْمِ أُحُدٍ في قَتْلِ أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ، وذَلِكَ أنَّهُ «أتى النَّبِيَّ ﷺ بِعَظْمٍ رَمِيمٍ وقالَ: يا مُحَمَّدُ مَن يُحْيِي هَذا وهو رَمِيمٌ ؟ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: يُحْيِيهِ اللَّهُ ثُمَّ يُمِيتُكَ ثُمَّ يُحْيِيكَ ثُمَّ يُدْخِلُكَ النّارَ، فَأُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَلَمّا افْتُدِيَ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ: إنَّ عِنْدِي فَرَسًا أعْتَلِفُها كُلَّ يَوْمٍ فَرْقًا مِن ذُرَةٍ كَيْ أقْتُلَكَ عَلَيْها، فَقالَ ﷺ: ”بَلْ أنا أقْتُلُكَ إنْ شاءَ اللَّهُ“ فَلَمّا كانَ أُحُدٌ أقْبَلَ أُبَيٌّ يَرْكُضُ عَلى ذَلِكَ الفَرَسِ حَتّى دَنا مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فاعْتَرَضَ لَهُ رِجالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ لِيَقْتُلُوهُ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”اسْتَأْخِرُوا“ ورَماهُ بِحَرْبَةٍ فَكَسَرَ ضِلْعًا مِن أضْلاعِهِ، فَحُمِلَ فَماتَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ» . فَفي ذَلِكَ نَزَلَتِ الآيَةُ، والأصَحُّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في يَوْمِ بَدْرٍ، وإلّا لَدَخَلَ في أثْناءِ القِصَّةِ كَلامٌ أجْنَبِيٌّ عَنْها، وذَلِكَ لا يَلِيقُ، بَلْ لا يَبْعُدُ أنْ يَدْخُلَ تَحْتَهُ سائِرُ الوَقائِعِ، لِأنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ فَهَذا مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ والمُرادُ مِن هَذا البَلاءِ الإنْعامُ، أيْ يُنْعِمُ عَلَيْهِمْ نِعْمَةً عَظِيمَةً بِالنُّصْرَةِ والغَنِيمَةِ والأجْرِ والثَّوابِ.
قالَ القاضِي: ولَوْلا أنَّ المُفَسِّرِينَ اتَّفَقُوا عَلى حَمْلِ الِابْتِلاءِ هَهُنا عَلى النِّعْمَةِ، وإلّا لَكانَ يَحْتَمِلُ المِحْنَةَ بِالتَّكْلِيفِ فِيما بَعْدَهُ مِنَ الجِهادِ، حَتّى يُقالَ: إنَّ الَّذِي فَعَلَهُ تَعالى يَوْمَ بَدْرٍ كانَ السَّبَبَ في حُصُولِ تَكْلِيفٍ شاقٍّ عَلَيْهِمْ فِيما بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الغَزَواتِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ سَمِيعٌ لِكَلامِكم عَلِيمٌ بِأحْوالِ قُلُوبِكم، وهَذا يَجْرِي مَجْرى التَّحْذِيرِ والتَّرْهِيبِ، لِئَلّا يَغْتَرَّ العَبْدُ بِظَواهِرِ الأُمُورِ، ويَعْلَمَ أنَّ الخالِقَ تَعالى مُطَّلِعٌ عَلى كُلِّ ما في الضَّمائِرِ والقُلُوبِ.
8:19Page 179
إِن تَسۡتَفۡتِحُواْ فَقَدۡ جَآءَكُمُ ٱلۡفَتۡحُۖ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدۡ وَلَن تُغۡنِيَ عَنكُمۡ فِئَتُكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَوۡ كَثُرَتۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٩
If you [disbelievers] seek the decision [i.e., victory] - the decision [i.e., defeat] has come to you. And if you desist [from hostilities], it is best for you; but if you return [to war], We will return, and never will you be availed by your [large] company at all, even if it should increase; and [that is] because Allāh is with the believers.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكم وأنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الكافِرِينَ﴾ ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ وإنْ تَنْتَهُوا فَهو خَيْرٌ لَكم وإنْ تَعُودُوا نَعُدْ ولَنْ تُغْنِيَ عَنْكم فِئَتُكم شَيْئًا ولَوْ كَثُرَتْ وأنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو (مُوَهِّنُ) بِتَشْدِيدِ الهاءِ مِنَ التَّوْهِينِ﴿كَيْدِ﴾ بِالنَّصْبِ، وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿مُوهِنُ كَيْدِ﴾ بِالإضافَةِ، والباقُونَ﴿مُوهِنُ﴾ بِالتَّخْفِيفِ﴿كَيْدِ﴾ بِالنَّصْبِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿كاشِفاتُ ضُرِّهِ﴾ [الزُّمَرِ: ٣٨] بِالتَّنْوِينِ وبِالإضافَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الكَلامُ في ذَلِكَ ومَحَلُّهُ مِنَ الإعْرابِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكم فَذُوقُوهُ﴾ .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَوْهِينُ اللَّهِ تَعالى كَيْدَهَمْ يَكُونُ بِأشْياءَ: بِإطْلاعِ المُؤْمِنِينَ عَلى عَوْراتِهِمْ، وإلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ، وتَفْرِيقِ كَلِمَتِهِمْ، ونَقْضِ ما أبْرَمُوا بِسَبَبِ اخْتِلافِ عَزائِمِهِمْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «يُنْبِئُ رَسُولَ اللَّهِ ويَقُولُ: إنِّي قَدْ أوْهَنْتُ كَيْدَ عَدُوِّكَ حَتّى قَتَلْتَ خِيارَهم وأسَرْتَ أشْرافَهم» .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ أنَّهُ خِطابٌ لِلْكُفّارِ، رُوِيَ أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ يَوْمَ بَدْرٍ: اللَّهُمَّ انْصُرْ أفْضَلَ الدِّينَيْنِ وأحَقَّهُ بِالنَّصْرِ، ورُوِيَ أنَّهُ قالَ: اللَّهُمَّ أيُّنا كانَ أقْطَعَ لِلرَّحِمِ وأفْجَرَ فَأهْلِكْهُ الغَداةَ، وقالَ السُّدِّيُّ: إنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا أرادُوا الخُرُوجَ إلى بَدْرٍ أخَذُوا أسْتارَ الكَعْبَةِ وقالُوا اللَّهُمَّ انْصُرْ أعْلى الجُنْدَيْنِ وأهْدى الفِئَتَيْنِ وأكْرَمَ الحِزْبَيْنِ وأفْضَلَ الدِّينَيْنِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، والمَعْنى: إنْ تَسْتَفْتِحُوا أيْ تَسْتَنْصِرُوا لِأهْدى الفِئَتَيْنِ وأكْرَمِ الحِزْبَيْنِ فَقَدْ جاءَكُمُ النَّصْرُ. وقالَ آخَرُونَ: إنْ تَسْتَقْضُوا فَقَدْ جاءَكُمُ القَضاءُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَأى المُشْرِكِينَ وكَثْرَةَ عَدَدِهِمُ اسْتَغاثَ بِاللَّهِ، وكَذَلِكَ الصَّحابَةُ، وطَلَبَ ما وعَدَهُ اللَّهُ بِهِ مِن إحْدى الطّائِفَتَيْنِ وتَضَرَّعَ إلى اللَّهِ فَقالَ: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ والمُرادُ أنَّهُ طَلَبَ النُّصْرَةَ الَّتِي تَقَدَّمَ بِها الوَعْدُ، فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ، أيْ حَصَلَ ما وُعِدْتُمْ بِهِ فاشْكُرُوا اللَّهَ والزَمُوا طاعَتَهُ. قالَ القاضِي: وهَذا القَوْلُ أوْلى لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ لا يَلِيقُ إلّا بِالمُؤْمِنِينَ، أمّا لَوْ حَمَلْنا الفَتْحَ عَلى البَيانِ والحُكْمِ والقَضاءِ لَمْ يَمْتَنِعْ أنْ يُرادَ بِهِ الكُفّارُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنْ تَنْتَهُوا فَهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فَتَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ يَتَفَرَّعُ عَلى ما ذَكَرْنا مِن أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ خِطابٌ لِلْكُفّارِ أوْ لِلْمُؤْمِنِينَ.
فَإنْ قُلْنا: إنَّ ذَلِكَ خِطابٌ لِلْكُفّارِ، كانَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ: إنْ تَنْتَهُوا عَنْ قِتالِ الرَّسُولِ وعَداوَتِهِ وتَكْذِيبِهِ فَهو خَيْرٌ لَكم، أمّا في الدِّينِ فَبِالخَلاصِ مِنَ العِقابِ والفَوْزِ بِالثَّوابِ. وأمّا في الدُّنْيا فَبِالخَلاصِ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ والنَّهْبِ.
صفحة ١١٥
ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ تَعُودُوا﴾ أيْ إلى القَتْلِ﴿نَعُدْ﴾ أيْ نُسَلِّطْهم عَلَيْكم، فَقَدْ شاهَدْتُمْ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ وعَرَفْتُمْ تَأْثِيرَ نُصْرَةِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْكُمْ﴿ولَنْ تُغْنِيَ عَنْكم فِئَتُكُمْ﴾ أيْ كَثْرَةُ الجُمُوعِ كَما لَمْ يُغْنِ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ. وأمّا إنْ قُلْنا إنَّ ذَلِكَ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ كانَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ وإنْ تَنْتَهُوا عَنِ المُنازَعَةِ في أمْرِ الأنْفالِ وتَنْتَهُوا عَنْ طَلَبِ الفِداءِ عَلى الأسْرى فَقَدْ كانَ وقَعَ مِنهم نِزاعٌ يَوْمَ بَدْرٍ في هَذِهِ الأشْياءِ حَتّى عاتَبَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنْفالِ: ٦٨] فَقالَ تَعالى: ﴿وإنْ تَنْتَهُوا﴾ عَنْ مِثْلِهِ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكم وإنْ تَعُودُوا﴾ إلى تِلْكَ المُنازَعاتِ﴿نَعُدْ﴾ إلى تَرْكِ نُصْرَتِكم لِأنَّ الوَعْدَ بِنُصْرَتِكم مَشْرُوطٌ بِشَرْطِ اسْتِمْرارِكم عَلى الطّاعَةِ وتَرْكِ المُخالَفَةِ، ثُمَّ لا تَنْفَعُكُمُ الفِئَةُ والكَثْرَةُ، فَإنَّ اللَّهَ لا يَكُونُ إلّا مَعَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لا يَرْتَكِبُونَ الذُّنُوبَ.
واعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ المُفَسِّرِينَ حَمَلُوا قَوْلَهُ: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾ عَلى أنَّهُ خِطابٌ لِلْكُفّارِ، واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾ فَظَنُّوا أنَّ ذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِالقِتالِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ يَحْتَمِلُ الحَمْلَ عَلى ما ذَكَرْناهُ مِن أحْوالِ المُؤْمِنِينَ، فَسَقَطَ هَذا التَّرْجِيحُ.
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ فَقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿وأنَّ اللَّهَ﴾ بِفَتْحِ الألِفِ في أنَّ والباقُونَ بِكَسْرِها. أمّا الفَتْحُ فَقِيلَ: عَلى تَقْدِيرِ: ولِأنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ هو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وأنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الكافِرِينَ﴾ وأمّا الكَسْرُ فَعَلى الِابْتِداءِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
8:20–22Page 179
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَوَلَّوۡاْ عَنۡهُ وَأَنتُمۡ تَسۡمَعُونَ ٢٠
O you who have believed, obey Allāh and His Messenger and do not turn from him while you hear [his order].
وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَهُمۡ لَا يَسۡمَعُونَ ٢١
And do not be like those who say, "We have heard," while they do not hear.
۞ إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلۡبُكۡمُ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡقِلُونَ ٢٢
Indeed, the worst of living creatures in the sight of Allāh are the deaf and dumb who do not use reason [i.e., the disbelievers].
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وهم لا يَسْمَعُونَ﴾ ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا خاطَبَ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَنْتَهُوا فَهو خَيْرٌ لَكم وإنْ تَعُودُوا نَعُدْ ولَنْ تُغْنِيَ عَنْكم فِئَتُكم شَيْئًا﴾ أتْبَعَهُ بِتَأْدِيبِهِمْ فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ ولَمْ يُبَيِّنْ أنَّهم ماذا يَسْمَعُونَ إلّا أنَّ الكَلامَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا لَمّا كانَ واقِعًا في الجِهادِ عُلِمَ أنَّ المُرادَ وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ دُعاءَهُ إلى الجِهادِ، ثُمَّ إنَّ الجِهادَ اشْتَمَلَ عَلى أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: المُخاطَرَةُ بِالنَّفْسِ.
والثّانِي: الفَوْزُ بِالأمْوالِ.
ولَمّا كانَتِ المُخاطَرَةُ بِالنَّفْسِ شاقَّةٌ شَدِيدَةٌ عَلى كُلِّ أحَدٍ، وكانَ تَرْكُ المالِ بَعْدَ القُدْرَةِ عَلى أخْذِهِ شاقًّا شَدِيدًا، لا جَرَمَ بالَغَ اللَّهُ تَعالى في التَّأْدِيبِ في هَذا البابِ فَقالَ: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ في الإجابَةِ إلى الجِهادِ، وفي الإجابَةِ إلى تَرْكِ المالِ إذا أمَرَهُ اللَّهُ بِتَرْكِهِ، والمَقْصُودُ تَقْرِيرُ ما ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ [الأنْفالِ: ١] .
فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قالَ ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ فَجَعَلَ الكِنايَةَ واحِدَةً مَعَ أنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اللَّهِ ورَسُولِهِ ؟ .
صفحة ١١٦
قُلْنا: إنَّهُ تَعالى أمَرَ بِطاعَةِ اللَّهِ وبِطاعَةِ رَسُولِهِ. ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَوَلَّوْا﴾ لِأنَّ التَّوَلِّيَ إنَّما يَصِحُّ في حَقِّ الرَّسُولِ بِأنْ يُعْرِضُوا عَنْهُ وعَنْ قَبُولِ قَوْلِهِ وعَنْ مَعُونَتِهِ في الجِهادِ.
ثُمَّ قالَ مُؤَكِّدًا لِذَلِكَ: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وهم لا يَسْمَعُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّ الإنْسانَ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَقْبَلَ التَّكْلِيفَ وأنْ يَلْتَزِمَهُ إلّا بَعْدَ أنْ يَسْمَعَهُ، فَجَعَلَ السَّماعَ كِنايَةً عَنِ القَبُولِ، ومِنهُ قَوْلُهم سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ، والمَعْنى: ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ أنّا قَبِلْنا تَكالِيفَ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ إنَّهم بِقُلُوبِهِمْ لا يَقْبَلُونَها. وهو صِفَةٌ لِلْمُنافِقِينَ كَما أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٤] .
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ واخْتَلَفُوا في الدَّوابِّ، فَقِيلَ: شَبَّهَهم بِالدَّوابِّ لِجَهْلِهِمْ وعُدُولِهِمْ عَنِ الِانْتِفاعِ بِما يَقُولُونَ ويُقالُ لَهُمْ؛ ولِذَلِكَ وصَفَهم بِالصُّمِّ والبُكْمِ وبِأنَّهم لا يَعْقِلُونَ. وقِيلَ: بَلْ هم مِنَ الدَّوابِّ لِأنَّهُ اسْمٌ لِما دَبَّ عَلى الأرْضِ ولَمْ يَذْكُرْهُ في مَعْرِضِ التَّشْبِيهِ، بَلْ وصَفَهم بِصِفَةٍ تَلِيقُ بِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ الذَّمِّ، كَما يُقالُ لِمَن لا يَفْهَمُ الكَلامَ هو شَبَحٌ وجَسَدٌ وطَلَلٌ عَلى جِهَةِ الذَّمِّ.
ثُمَّ قالَ: ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ كُلَّ ما كانَ حاصِلًا فَإنَّهُ يَجِبُ أنْ يَعْلَمَهُ اللَّهُ، فَعَدَمُ عِلْمِ اللَّهِ بِوُجُودِهِ مِن لَوازِمِ عَدَمِهِ، فَلا جَرَمَ حَسُنَ التَّعْبِيرُ عَنْ عَدَمِهِ في نَفْسِهِ بِعَدَمِ عِلْمِ اللَّهِ بِوُجُودِهِ، وتَقْرِيرُ الكَلامِ: لَوْ حَصَلَ فِيهِمْ خَيْرٌ لَأسْمَعَهُمُ اللَّهُ الحُجَجَ والمَواعِظَ سَماعَ تَعْلِيمٍ وتَفْهِيمٍ، ولَوْ أسْمَعَهم بَعْدَ أنْ عَلِمَ أنَّهُ لا خَيْرَ فِيهِمْ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِها، ولَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ. قِيلَ: إنَّ الكُفّارَ سَألُوا الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُحْيِيَ لَهم قُصَيَّ بْنَ كِلابٍ وغَيْرَهُ مِن أمْواتِهِمْ لِيُخْبِرُوهم بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لَوْ عَلِمَ فِيهِمْ خَيْرًا وهو انْتِفاعُهم بِقَوْلِ هَؤُلاءِ الأمْواتِ لَأحْياهم حَتّى يَسْمَعُوا كَلامَهم، ولَكِنَّهُ تَعالى عَلِمَ مِنهم أنَّهم لا يَقُولُونَ هَذا الكَلامَ إلّا عَلى سَبِيلِ العِنادِ والتَّعَنُّتِ، وأنَّهُ لَوْ أسْمَعَهُمُ اللَّهُ كَلامَهم لَتَوَلَّوْا عَنْ قَبُولِ الحَقِّ ولَأعْرَضُوا عَنْهُ.
8:23Page 179
وَلَوۡ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمۡ خَيۡرٗا لَّأَسۡمَعَهُمۡۖ وَلَوۡ أَسۡمَعَهُمۡ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعۡرِضُونَ ٢٣
Had Allāh known any good in them, He would have made them hear. And if He had made them hear, they would [still] have turned away, while they were refusing.
وفي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالتَّوَلِّي عَنِ الدَّلائِلِ وبِالإعْراضِ عَنِ الحَقِّ وأنَّهم لا يَقْبَلُونَهُ البَتَّةَ، ولا يَنْتَفِعُونَ بِهِ البَتَّةَ. فَنَقُولُ: وجَبَ أنْ يَكُونَ صُدُورُ الإيمانِ مِنهم مُحالًا، لِأنَّهُ لَوْ صَدَرَ الإيمانُ لَكانَ إمّا أنْ يُوجَدَ ذَلِكَ الإيمانُ مَعَ بَقاءِ هَذا الخَبَرِ صِدْقًا أوْ مَعَ انْقِلابِهِ كَذِبًا، والأوَّلُ مُحالٌ، لِأنَّ وُجُودَ الإيمانِ مَعَ الإخْبارِ بِعَدَمِ الإيمانِ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ وهو مُحالٌ.
والثّانِي مُحالٌ، لِأنَّ انْقِلابَ خَبَرِ اللَّهِ الصِّدْقِ كَذِبًا مُحالٌ، لا سِيَّما في الزَّمانِ الماضِي المُنْقَضِي، وهَكَذا القَوْلُ في انْقِلابِ عِلْمِ اللَّهِ جَهْلًا، وتَقْرِيرُهُ سَبَقَ مِرارًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: النَّحْوِيُّونَ يَقُولُونَ: كَلِمَةُ﴿ولَوْ﴾ وُضِعَتْ لِلدَّلالَةِ عَلى انْتِفاءِ الشَّيْءِ لِأجْلِ انْتِفاءِ غَيْرِهِ، فَإذا قُلْتَ: لَوْ جِئْتَنِي لَأكْرَمْتُكَ، أفادَ أنَّهُ ما حَصَلَ المَجِيءُ، وما حَصَلَ الإكْرامُ. ومِنَ الفُقَهاءِ مَن قالَ: إنَّهُ لا يُفِيدُ إلّا الِاسْتِلْزامَ، فَأمّا الِانْتِفاءُ لِأجْلِ انْتِفاءِ الغَيْرِ، فَلا يُفِيدُهُ هَذا اللَّفْظُ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ الآيَةُ والخَبَرُ، أمّا الآيَةُ، فَهي هَذِهِ الآيَةُ، وتَقْرِيرُهُ: أنَّ كَلِمَةَ﴿ولَوْ﴾ لَوْ أفادَتْ ما ذَكَرُوهُ لَكانَ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهُمْ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى ما عَلِمَ فِيهِمْ خَيْرًا وما أسْمَعَهم. ثُمَّ قالَ: ﴿ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا﴾ فَيَكُونُ مَعْناهُ: أنَّهُ ما أسْمَعَهم وأنَّهم ما تَوَلَّوْا؛ لَكِنَّ عَدَمَ التَّوَلِّي خَيْرٌ مِنَ الخَيْراتِ، فَأوَّلُ الكَلامِ يَقْتَضِي نَفْيَ الخَيْرِ، وآخِرُهُ يَقْتَضِي حُصُولَ الخَيْرِ، وذَلِكَ مُتَناقِضٌ. فَثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِأنَّ كَلِمَةَ﴿ولَوْ﴾ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ يُوجِبُ هَذا التَّناقُضَ، فَوَجَبَ أنْ
صفحة ١١٧
لا يُصارَ إلَيْهِ. وأمّا الخَبَرُ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”نِعْمَ الرَّجُلُ صُهَيْبٌ لَوْ لَمْ يَخِفِ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ» “ فَلَوْ كانَتْ لَفْظَةُ ”لَوْ“ تُفِيدُ ما ذَكَرُوهُ لَصارَ المَعْنى أنَّهُ خافَ اللَّهَ وعَصاهُ، وذَلِكَ مُتَناقِضٌ. فَثَبَتَ أنَّ كَلِمَةَ﴿ولَوْ﴾ لا تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، وإنَّما تُفِيدُ مُجَرَّدَ الِاسْتِلْزامِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا الدَّلِيلَ أحْسَنُ إلّا أنَّهُ عَلى خِلافِ قَوْلِ جُمْهُورِ الأُدَباءِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ مَعْلُوماتِ اللَّهِ تَعالى عَلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ:
أحَدُها: جُمْلَةُ المَوْجُوداتِ.
والثّانِي: جُمْلَةُ المَعْدُوماتِ.
والثّالِثُ: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المَوْجُوداتِ لَوْ كانَ مَعْدُومًا فَكَيْفَ يَكُونُ حالُهُ.
الرّابِعُ: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المَعْدُوماتِ لَوْ كانَ مَوْجُودًا كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ، والقِسْمانِ الأوَّلانِ عِلْمٌ بِالواقِعِ، والقِسْمانِ الثّانِيانِ عِلْمٌ بِالمُقَدَّرِ الَّذِي هو غَيْرُ واقِعٍ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهُمْ﴾ مِنَ القِسْمِ الثّانِي وهو العِلْمُ بِالمُقَدَّراتِ، ولَيْسَ مِن أقْسامِ العِلْمِ بِالواقِعاتِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنِ المُنافِقِينَ: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾﴿وإنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ [الحَشْرِ: ١١] وقالَ تَعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهم ولَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهم ولَئِنْ نَصَرُوهم لَيُوَلُّنَّ الأدْبارَ﴾ [الحَشْرِ: ١٢] فَعَلِمَ تَعالى في المَعْدُومِ أنَّهُ لَوْ كانَ مَوْجُودًا كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ، وأيْضًا قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ فَأخْبَرَ عَنِ المَعْدُومِ أنَّهُ لَوْ كانَ مَوْجُودًا كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences