Ar-RaziAl‑Anfal · 8:24–29

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Anfal 8:24–29

8:24Page 179

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمۡ لِمَا يُحۡيِيكُمۡۖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَقَلۡبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٢٤

O you who have believed, respond to Allāh and to the Messenger when he calls you to that which gives you life. And know that Allāh intervenes between a man and his heart and that to Him you will be gathered.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكم واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ وأنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أبُو عُبَيْدٍ والزَّجّاجُ ﴿اسْتَجِيبُوا﴾ مَعْناهُ أجِيبُوا وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ:

فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أكْثَرُ الفُقَهاءِ عَلى أنَّ ظاهِرَ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ، وتَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ مِن وجْهَيْنِ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ مَن أمَرَهُ اللَّهُ بِفِعْلٍ فَقَدْ دَعاهُ إلى ذَلِكَ الفِعْلِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الإجابَةِ في كُلِّ ما دَعاهُ اللَّهُ إلَيْهِ.

فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ﴾ أمْرٌ. فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّهُ يَدُلُّ عَلى الوُجُوبِ ؟ وهَلِ النِّزاعُ إلّا فِيهِ، فَيَرْجِعُ حاصِلُ هَذا الكَلامِ إلى إثْباتِ أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ بِناءً عَلى أنَّ هَذا الأمْرَ يُفِيدُ الوُجُوبَ، وهو يَقْتَضِي إثْباتَ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ وهو مُحالٌ.

والجَوابُ: أنَّ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ كُلَّ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ فَهو مُرَغَّبٌ فِيهِ مَندُوبٌ إلَيْهِ، فَلَوْ حَمَلْنا قَوْلَهُ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكُمْ﴾ عَلى هَذا المَعْنى كانَ هَذا جارِيًا مَجْرى إيضاحِ الواضِحاتِ وأنَّهُ عَبَثٌ،

صفحة ١١٨

فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى فائِدَةٍ زائِدَةٍ، وهي الوُجُوبُ صَوْنًا لِهَذا النَّصِّ عَنِ التَّعْطِيلِ، ويَتَأكَّدُ هَذا بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ وأنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ جارٍ مَجْرى التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِالإيجابِ.

الوَجْهُ الثّانِي: في الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى ثُبُوتِ هَذا المَطْلُوبِ، ما رَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ عَلى بابِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَناداهُ وهو في الصَّلاةِ فَعَجَّلَ في صَلاتِهِ ثُمَّ جاءَ فَقالَ: ”ما مَنَعَكَ عَنْ إجابَتِي“ قالَ: كُنْتُ أُصَلِّي، قالَ: ”ألَمْ تُخْبَرْ فِيما أُوحِيَ إلَيَّ اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ“ فَقالَ: لا جَرَمَ لا تَدْعُونِي إلّا أُجِيبُكَ»، والِاسْتِدْلالُ بِهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا دَعاهُ فَلَمْ يُجِبْهُ لامَهُ عَلى تَرْكِ الإجابَةِ، وتَمَسَّكَ في تَقْرِيرِ ذَلِكَ اللَّوْمِ بِهَذِهِ الآيَةِ فَلَوْلا دَلالَةُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى الوُجُوبِ، وإلّا لَما صَحَّ ذَلِكَ الِاسْتِدْلالُ، وقَوْلُ مَن يَقُولُ مَسْألَةُ أنَّ الأمْرَ يُفِيدُ الوُجُوبَ مَسْألَةٌ قَطْعِيَّةٌ، فَلا يَجُوزُ التَّمَسُّكُ فِيها بِخَبَرِ الواحِدِ ضَعِيفٌ، لِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ مَسْألَةَ الأمْرِ يُفِيدُ الوُجُوبَ مَسْألَةٌ قَطْعِيَّةٌ، بَلْ هي عِنْدَنا مَسْألَةٌ ظَنِّيَّةٌ، لِأنَّ المَقْصُودَ مِنها العَمَلُ، والدَّلائِلُ الظَّنِّيَّةُ كافِيَةٌ في المَطالِبِ العَمَلِيَّةِ.

فَإنْ قالُوا: إنَّهُ تَعالى ما أمَرَ بِالإجابَةِ عَلى الإطْلاقِ بَلْ بِشَرْطٍ خاصٍّ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾ فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّ هَذا الشَّرْطَ حاصِلٌ في جَمِيعِ الأوامِرِ ؟ .

قُلْنا: قِصَّةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ تَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الحُكْمَ عامٌّ وغَيْرُ مَخْصُوصٍ بِشَرْطٍ مُعَيَّنٍ، وأيْضًا فَلا يُمْكِنُ حَمْلُ الحَياةِ هَهُنا عَلى نَفْسِ الحَياةِ؛ لِأنَّ إحْياءَ الحَيِّ مُحالٌ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى شَيْءٍ آخَرَ وهو الفَوْزُ بِالثَّوابِ، وكُلُّ ما دَعا اللَّهُ إلَيْهِ ورَغَّبَ فِيهِ فَهو مُشْتَمِلٌ عَلى ثَوابٍ، فَكانَ هَذا الحُكْمُ عامًّا في جَمِيعِ الأوامِرِ وذَلِكَ يُفِيدُ المَطْلُوبَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرُوا في قَوْلِهِ: ﴿إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: قالَ السُّدِّيُّ: هو الإيمانُ والإسْلامُ وفِيهِ الحَياةُ لِأنَّ الإيمانَ حَياةُ القَلْبِ والكُفْرُ مَوْتُهُ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ [يُونُسَ: ٣١] قِيلَ المُؤْمِنُ مِنَ الكافِرِ.

الثّانِي: قالَ قَتادَةُ: يَعْنِي القُرْآنَ أيْ أجِيبُوهُ إلى ما في القُرْآنِ فَفِيهِ الحَياةُ والنَّجاةُ والعِصْمَةُ، وإنَّما سُمِّيَ القُرْآنُ بِالحَياةِ لِأنَّ القُرْآنَ سَبَبُ العِلْمِ، والعِلْمُ حَياةٌ، فَجازَ أنْ يُسَمّى سَبَبُ الحَياةِ بِالحَياةِ.

الثّالِثُ: قالَ الأكْثَرُونَ: ﴿لِما يُحْيِيكُمْ﴾ هو الجِهادُ، ثُمَّ في سَبَبِ تَسْمِيَةِ الجِهادِ بِالحَياةِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: هو أنَّ وهَنَ أحَدِ العَدُوَّيْنِ حَياةٌ لِلْعَدُوِّ الثّانِي، فَأمْرُ المُسْلِمِينَ إنَّما يَقْوى ويَعْظُمُ بِسَبَبِ الجِهادِ مَعَ الكُفّارِ.

وثانِيها: أنَّ الجِهادَ سَبَبٌ لِحُصُولِ الشَّهادَةِ وهي تُوجِبُ الحَياةَ الدّائِمَةَ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٦٩] .

وثالِثُها: أنَّ الجِهادَ قَدْ يُفْضِي إلى القَتْلِ، والقَتْلُ يُوصِلُ إلى الدّارِ الآخِرَةِ، والدّارُ الآخِرَةُ مَعْدِنُ الحَياةِ، قالَ تَعالى: ﴿وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٦٤] أيِ الحَياةُ الدّائِمَةُ.

والقَوْلُ الرّابِعُ: ﴿لِما يُحْيِيكُمْ﴾ أيْ لِكُلِّ حَقٍّ وصَوابٍ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَيَدْخُلُ فِيهِ القُرْآنُ والإيمانُ والجِهادُ وكُلُّ أعْمالِ البِرِّ والطّاعَةِ. والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِما يُحْيِيكُمْ﴾ الحَياةُ الطَّيِّبَةُ الدّائِمَةُ، قالَ تَعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ [النَّحْلِ: ٩٧] .

* * *

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ يَخْتَلِفُ تَفْسِيرُهُ بِحَسَبِ اخْتِلافِ

صفحة ١١٩

النّاسِ في الجَبْرِ والقَدَرِ. أمّا القائِلُونَ بِالجَبْرِ، فَقالَ الواحِدِيُّ حِكايَةً عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ: يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ الكافِرِ وطاعَتِهِ، ويَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ المُطِيعِ ومَعْصِيَتِهِ، فالسَّعِيدُ مَن أسْعَدَهُ اللَّهُ، والشَّقِيُّ مَن أضَلَّهُ اللَّهُ، والقُلُوبُ بِيَدِ اللَّهِ يُقَلِّبُها كَيْفَ يَشاءُ، فَإذا أرادَ الكافِرُ أنْ يُؤْمِنَ واللَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ إيمانَهُ يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَلْبِهِ، وإذا أرادَ المُؤْمِنُ أنْ يَكْفُرَ واللَّهُ لا يُرِيدُ كُفْرَهُ حالَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَلْبِهِ.

قُلْتُ: وقَدْ دَلَّلْنا بِالبَراهِينِ العَقْلِيَّةِ عَلى صِحَّةِ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ وذَلِكَ لِأنَّ الأحْوالَ القَلْبِيَّةَ إمّا العَقائِدَ وإمّا الإراداتِ والدَّواعِيَ. أمّا العَقائِدُ: فَهي إمّا العِلْمُ، وإمّا الجَهْلُ. أمّا العِلْمُ فَيَمْتَنِعُ أنْ يَقْصِدَ الفاعِلُ إلى تَحْصِيلِهِ إلّا إذا عَلِمَ كَوْنَهُ عِلْمًا، ولا يَعْلَمُ ذَلِكَ إلّا إذا عَلِمَ كَوْنَ ذَلِكَ الِاعْتِقادِ مُطابِقًا لِلْمَعْلُومِ، ولا يَعْلَمُ ذَلِكَ إلّا إذا سَبَقَ عِلْمُهُ بِالمَعْلُومِ، وذَلِكَ يُوجِبُ تَوَقُّفَ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ، وأمّا الجَهْلُ فالإنْسانُ البَتَّةَ لا يَخْتارُهُ ولا يُرِيدُهُ إلّا إذا ظَنَّ أنَّ ذَلِكَ الِاعْتِقادَ عِلْمٌ، ولا يَحْصُلُ لَهُ هَذا الظَّنُّ إلّا بِسَبْقِ جَهْلٍ آخَرَ، وذَلِكَ أيْضًا يُوجِبُ تَوَقُّفَ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ

وأمّا الدَّواعِي والإراداتُ فَحُصُولُها إنْ لَمْ يَكُنْ بِفاعِلٍ يَلْزَمُ الحُدُوثُ لا عَنْ مُحْدِثٍ، وإنْ كانَ بِفاعِلٍ فَذَلِكَ الفاعِلُ إمّا العَبْدُ وإمّا اللَّهُ تَعالى، والأوَّلُ باطِلٌ، وإلّا لَزِمَ تَوَقُّفُ ذَلِكَ القَصْدِ عَلى قَصْدٍ آخَرَ وهو مُحالٌ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ فاعِلُ الِاعْتِقاداتِ والإراداتِ والدَّواعِي هو اللَّهُ تَعالى، فَنَصُّ القُرْآنِ دَلَّ عَلى أنَّ أحْوالَ القُلُوبِ مِنَ اللَّهِ، والدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ دَلَّتْ عَلى ذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّ الحَقَّ ما ذَكَرْناهُ. أمّا القائِلُونَ بِالقَدَرِ فَقالُوا: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ ما ذَكَرْتُمْ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: قالَ الجُبّائِيُّ: إنَّ مَن حالَ اللَّهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الإيمانِ فَهو عاجِزٌ، وأمْرُ العاجِزِ سَفَهٌ، ولَوْ جازَ ذَلِكَ لَجازَ أنْ يَأْمُرَنا اللَّهُ بِصُعُودِ السَّماءِ، وقَدْ أجْمَعُوا عَلى أنَّ الزَّمِنَ لا يُؤْمَرُ بِالصَّلاةِ قائِمًا، فَكَيْفَ يَجُوزُ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ تَعالى ؟ وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٦] وقالَ في المُظاهِرِ: ﴿فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المُجادَلَةِ: ٤] فَأسْقَطَ فَرْضَ الصَّوْمِ عَمَّنْ لا يَسْتَطِيعُهُ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بِالِاسْتِجابَةِ لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ، وذَكَرَ هَذا الكَلامَ في مَعْرِضِ الذِّكْرِ والتَّحْذِيرِ عَنْ تَرْكِ الإجابَةِ، ولَوْ كانَ المُرادُ ما ذَكَرْتُمْ لَكانَ ذَلِكَ عُذْرًا قَوِيًّا في تَرْكِ الإجابَةِ، ولا يَكُونُ زَجْرًا عَنْ تَرْكِ الإجابَةِ.

الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى أنْزَلَ القُرْآنَ لِيَكُونَ حُجَّةً لِلرَّسُولِ عَلى الكُفّارِ، لا لِيَكُونَ حُجَّةً لِلْكُفّارِ عَلى الرَّسُولِ، ولَوْ كانَ المَعْنى ما ذَكَرْتُمْ لَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن أقْوى الدَّلائِلِ لِلْكُفّارِ عَلى الرَّسُولِ، ولَقالُوا إنَّهُ تَعالى لَمّا مَنَعَنا مِنَ الإيمانِ فَكَيْفَ يَأْمُرُنا بِهِ ؟ فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُ الآيَةِ عَلى ما قالَهُ أهْلُ الجَبْرِ.

قالُوا ونَحْنُ نَذْكُرُ في الآيَةِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وبَيْنَ الِانْتِفاعِ بِقَلْبِهِ بِسَبَبِ المَوْتِ، يَعْنِي بِذَلِكَ أنْ تُبادِرُوا في الِاسْتِجابَةِ فِيما ألْزَمْتُكم مِنَ الجِهادِ وغَيْرِهِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُمُ المَوْتُ الَّذِي لا بُدَّ مِنهُ ويَحُولَ بَيْنَكم وبَيْنَ الطّاعَةِ والتَّوْبَةِ. قالَ القاضِي: ولِذَلِكَ قالَ تَعالى عَقِيبَهُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وأنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ الحَثُّ عَلى الطّاعَةِ قَبْلَ نُزُولِ المَوْتِ الَّذِي يَمْنَعُ مِنها.

الثّانِي: أنَّ المُرادَ أنَّهُ تَعالى يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وبَيْنَ ما يَتَمَنّاهُ ويُرِيدُهُ بِقَلْبِهِ، فَإنَّ الأجَلَ يَحُولُ دُونَ الأمَلِ، فَكَأنَّهُ قالَ: بادِرُوا إلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ ولا تَعْتَمِدُوا عَلى ما يَقَعُ في قُلُوبِكم مِن تَوَقُّعِ طُولِ البَقاءِ، فَإنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَوْثُوقٍ بِهِ، وإنَّما حَسُنَ إطْلاقُ لَفْظِ القَلْبِ عَلى الأمانِي الحاصِلَةِ في القَلْبِ لِأنَّ تَسْمِيَةَ الشَّيْءِ بِاسْمِ ظَرْفِهِ جائِزَةٌ كَقَوْلِهِمْ: سالَ

صفحة ١٢٠

الوادِي.

الثّالِثُ: أنَّ المُؤْمِنِينَ كانُوا خائِفِينَ مِنَ القِتالِ يَوْمَ بَدْرٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهم: سارِعُوا إلى الطّاعَةِ ولا تَتَمَنَّعُوا عَنْها بِسَبَبِ ما تَجِدُونَ في قُلُوبِكم مِنَ الضَّعْفِ والجُبْنِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يُغَيِّرُ تِلْكَ الأحْوالَ فَيُبَدِّلُ الضَّعْفَ بِالقُوَّةِ، والجُبْنَ بِالشَّجاعَةِ، لِأنَّهُ تَعالى مُقَلِّبُ القُلُوبِ.

الرّابِعُ: قالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ مِنَ القَلْبِ هَهُنا العَقْلُ، فَكانَ المَعْنى أنَّهُ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ، والمَعْنى فَبادِرُوا إلى الأعْمالِ وأنْتُمْ تَعْقِلُونَ، فَإنَّكم لا تَأْمَنُونَ زَوالَ العُقُولِ الَّتِي عِنْدَ ارْتِفاعِها يَبْطُلُ التَّكْلِيفُ. وجَعْلُ القَلْبِ كِنايَةً عَنِ العَقْلِ جائِزٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧] أيْ لِمَن كانَ لَهُ عَقْلٌ.

الخامِسُ: قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ حائِلٌ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ، والمَعْنى أنَّ قُرْبَهُ تَعالى مِن عَبْدِهِ أشَدُّ مِن قُرْبِ قَلْبِ العَبْدِ مِنهُ، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمّا في باطِنِ العَبْدِ ومِمّا في ضَمِيرِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] فَهَذِهِ جُمْلَةُ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ في هَذا البابِ لِأصْحابِ الجَبْرِ والقَدَرِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أيْ واعْلَمُوا أنَّكم إلَيْهِ تُحْشَرُونَ أيْ إلى اللَّهِ ولا تُتْرَكُونَ مُهْمَلِينَ مُعَطَّلِينَ، وفِيهِ تَرْغِيبٌ شَدِيدٌ في العَمَلِ وتَحْذِيرٌ عَنِ الكَسَلِ والغَفْلَةِ.

8:25Page 179

وَٱتَّقُواْ فِتۡنَةٗ لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمۡ خَآصَّةٗۖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٢٥

And fear a trial1 which will not strike those who have wronged among you exclusively, and know that Allāh is severe in penalty.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى كَما حَذَّرَ الإنْسانَ أنْ يُحالَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَلْبِهِ، فَكَذَلِكَ حَذَّرَهُ مِنَ الفِتَنِ، والمَعْنى: واحْذَرُوا فِتْنَةً إنْ نَزَلَتْ بِكم لَمْ تَقْتَصِرْ عَلى الظّالِمِينَ خاصَّةً بَلْ تَتَعَدّى إلَيْكم جَمِيعًا وتَصِلُ إلى الصّالِحِ والطّالِحِ. عَنِ الحَسَنِ: نَزَلَتْ في عَلِيٍّ وعَمّارٍ وطَلْحَةَ والزُّبَيْرِ وهو يَوْمُ الجَمَلِ خاصَّةً. قالَ الزُّبَيْرُ: نَزَلَتْ فِينا وقَرَأْناها زَمانًا وما ظَنَنّا أنّا أهْلُها فَإذا نَحْنُ المَعْنِيُّونَ بِها، وعَنِ السُّدِّيِّ: نَزَلَتْ في أهْلِ بَدْرٍ اقْتَتَلُوا يَوْمَ الجَمَلِ، «ورُوِيَ أنَّ الزُّبَيْرَ كانَ يُسامِرُ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمًا إذْ أقْبَلَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَضَحِكَ إلَيْهِ الزُّبَيْرُ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: ”كَيْفَ حُبُّكَ لِعَلِيٍّ ؟“، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أُحِبُّهُ كَحُبِّي لِوَلَدِي أوْ أشَدَّ، فَقالَ: ”كَيْفَ أنْتَ إذا سِرْتَ إلَيْهِ تُقاتِلُهُ» “ .

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ دُخُولُ النُّونِ المُؤَكِّدَةِ في جَوابِ الأمْرِ ؟ .

قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ جَوابَ الأمْرِ جاءَ بِلَفْظِ النَّهْيِ، ومَتى كانَ كَذَلِكَ حَسُنَ إدْخالُ النُّونِ المُؤَكَّدَةِ في ذَلِكَ النَّهْيِ، كَقَوْلِكَ: انْزِلْ عَنِ الدّابَّةِ لا تَطْرَحْكَ أوْ لا تَطْرَحَنَّكَ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ﴾ [النَّمْلِ: ١٨] .

الثّانِي: أنَّ التَّقْدِيرَ: واتَّقُوا فِتْنَةً تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً، إلّا أنَّهُ جِيءَ بِصِيغَةِ النَّهْيِ مُبالَغَةً في نَفْيِ اخْتِصاصِ الفِتْنَةِ بِالظّالِمِينَ كَأنَّ الفِتْنَةَ نُهِيَتْ عَنْ ذَلِكَ الِاخْتِصاصِ، وقِيلَ لَها: لا تُصِيبِي الَّذِينَ ظَلَمُوا خاصَّةً، والمُرادُ مِنهُ: المُبالَغَةُ في عَدَمِ الِاخْتِصاصِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ والمُرادُ مِنهُ: الحَثُّ عَلى لُزُومِ الِاسْتِقامَةِ خَوْفًا مِن عِقابِ اللَّهِ.

فَإنْ قِيلَ: حاصِلُ الكَلامِ في الآيَةِ أنَّهُ تَعالى يُخَوِّفُهم مِن عَذابٍ لَوْ نَزَلَ لَعَمَّ المُذْنِبَ وغَيْرَهُ، وكَيْفَ يَلِيقُ

صفحة ١٢١

بِرَحْمَةِ الرَّحِيمِ الحَكِيمِ أنْ يُوصِلَ الفِتْنَةَ والعَذابَ إلى مَن لَمْ يُذْنِبْ ؟ .

قُلْنا: إنَّهُ تَعالى قَدْ يُنْزِلُ المَوْتَ والفَقْرَ والعَمى والزَّمانَةَ بِعَبْدِهِ ابْتِداءً، إمّا لِأنَّهُ يَحْسُنُ مِنهُ تَعالى ذَلِكَ بِحُكْمِ المالِكِيَّةِ، أوْ لِأنَّهُ تَعالى عَلِمَ اشْتِمالَ ذَلِكَ عَلى نَوْعٍ مِن أنْواعِ الصَّلاحِ عَلى اخْتِلافِ المَذْهَبَيْنِ، وإذا جازَ ذَلِكَ لِأحَدِ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ فَكَذا هَهُنا، واللَّهُ أعْلَمُ.

8:26–28Page 180

وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ أَنتُمۡ قَلِيلٞ مُّسۡتَضۡعَفُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَـَٔاوَىٰكُمۡ وَأَيَّدَكُم بِنَصۡرِهِۦ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٢٦

And remember when you were few and oppressed in the land, fearing that people might abduct you, but He sheltered you, supported you with His victory, and provided you with good things - that you might be grateful.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓاْ أَمَٰنَٰتِكُمۡ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٢٧

O you who have believed, do not betray Allāh and the Messenger or betray your trusts while you know [the consequence].

وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَأَوۡلَٰدُكُمۡ فِتۡنَةٞ وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ٢٨

And know that your properties and your children are but a trial and that Allāh has with Him a great reward.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ في الأرْضِ تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ فَآواكم وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهم بِطاعَةِ اللَّهِ وطاعَةِ الرَّسُولِ، ثُمَّ أمَرَهم بِاتِّقاءِ المَعْصِيَةِ، أكَّدَ ذَلِكَ التَّكْلِيفَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم كانُوا قَبْلَ ظُهُورِ الرَّسُولِ ﷺ في غايَةِ القِلَّةِ والذِّلَّةِ، وبَعْدَ ظُهُورِهِ صارُوا في غايَةِ العِزَّةِ والرِّفْعَةِ، وذَلِكَ يُوجِبُ عَلَيْهِمُ الطّاعَةَ وتَرْكَ المُخالَفَةِ. أمّا بَيانُ الأحْوالِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قَبْلَ ظُهُورِ مُحَمَّدٍ فَمِن وُجُوهٍ:

أوَّلُها: أنَّهم كانُوا قَلِيلِينَ في العَدَدِ.

وثانِيها: أنَّهم كانُوا مُسْتَضْعَفِينَ، والمُرادُ أنَّ غَيْرَهم يَسْتَضْعِفُهم، والمُرادُ مِن هَذا الِاسْتِضْعافِ أنَّهم كانُوا يَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَهُمُ النّاسُ، والمَعْنى: أنَّهم كانُوا إذا خَرَجُوا مِن بَلَدِهِمْ خافُوا أنْ يَتَخَطَّفَهُمُ العَرَبُ، لِأنَّهم كانُوا يَخافُونَ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ لِقُرْبِهِمْ مِنهم وشِدَّةِ عَداوَتِهِمْ لَهم، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم بَعْدَ أنْ كانُوا كَذَلِكَ قُلِبَتْ تِلْكَ الأحْوالُ بِالسَّعاداتِ والخَيْراتِ:

فَأوَّلُها: أنَّهُ آواهم والمُرادُ مِنهُ أنَّهُ تَعالى نَقَلَهم إلى المَدِينَةِ، فَصارُوا آمِنِينَ مِن شَرِّ الكُفّارِ.

وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ﴾ والمُرادُ مِنهُ وُجُودُ النَّصْرِ في يَوْمِ بَدْرٍ.

وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ وهو أنَّهُ تَعالى أحَلَّ لَهُمُ الغَنائِمَ بَعْدَ أنْ كانَتْ مُحَرَّمَةً عَلى مَن كانَ قَبْلَ هَذِهِ الأُمَّةِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ أيْ نَقَلْناكم مِنَ الشِّدَّةِ إلى الرَّخاءِ، ومِنَ البَلاءِ إلى النَّعْماءِ والآلاءِ، حَتّى تَشْتَغِلُوا بِالشُّكْرِ والطّاعَةِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِكم أنْ تَشْتَغِلُوا بِالمُنازَعَةِ والمُخاصَمَةِ بِسَبَبِ الأنْفالِ ؟ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكم وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ وأنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ رَزَقَهم مِنَ الطَّيِّباتِ، فَهَهُنا مَنَعَهم مِنَ الخِيانَةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِتِلْكَ الخِيانَةِ عَلى أقْوالٍ:

الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي لُبابَةَ حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى قُرَيْظَةَ لَمّا حاصَرَهم، وكانَ أهْلُهُ ووَلَدُهُ فِيهِمْ، فَقالُوا: يا أبا لُبابَةَ ما

صفحة ١٢٢

تَرى لَنا أنَنْزِلُ عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ فِينا ؟ فَأشارَ أبُو لُبابَةَ إلى حَلْقِهِ، أيْ إنَّهُ الذَّبْحُ فَلا تَفْعَلُوا، فَكانَ ذَلِكَ مِنهُ خِيانَةً لِلَّهِ ورَسُولِهِ.

الثّانِي: قالَ السُّدِّيُّ: كانُوا يَسْمَعُونَ الشَّيْءَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، فَيَشُقُّونَهُ ويُلْقُونَهُ إلى المُشْرِكِينَ، فَنَهاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.

الثّالِثُ: قالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَهاهُمُ اللَّهُ أنْ يَخُونُوا كَما صَنَعَ المُنافِقُونَ، يُظْهِرُونَ الإيمانَ ويُسِرُّونَ الكُفْرَ.

الرّابِعُ: عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أنَّ أبا سُفْيانَ خَرَجَ مِن مَكَّةَ، فَعَلِمَ النَّبِيُّ ﷺ خُرُوجَهُ وعَزَمَ عَلى الذَّهابِ إلَيْهِ، فَكَتَبَ إلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ المُنافِقِينَ أنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُكم فَخُذُوا حِذْرَكم، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.

الخامِسُ: قالَ الزُّهْرِيُّ والكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ حِينَ كَتَبَ إلى أهْلِ مَكَّةَ لَمّا هَمَّ النَّبِيُّ ﷺ بِالخُرُوجِ إلَيْها، حَكاهُ الأصَمُّ.

والسّادِسُ: قالَ القاضِي: الأقْرَبُ أنَّ خِيانَةَ اللَّهِ غَيْرُ خِيانَةِ رَسُولِهِ، وخِيانَةَ الرَّسُولِ غَيْرُ خِيانَةِ الأمانَةِ، لِأنَّ العَطْفَ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى أمَرَهم أنْ لا يَخُونُوا الغَنائِمَ، وجَعَلَ ذَلِكَ خِيانَةً لَهُ، لِأنَّهُ خِيانَةٌ لِعَطِيَّتِهِ وخِيانَةٌ لِرَسُولِهِ لِأنَّهُ القَيِّمُ بِقَسْمِها، فَمَن خانَها فَقَدْ خانَ الرَّسُولَ، وهَذِهِ الغَنِيمَةُ قَدْ جَعَلَها الرَّسُولُ أمانَةً في أيْدِي الغانِمِينَ وألْزَمَهم أنْ لا يَتَناوَلُوا لِأنْفُسِهِمْ مِنها شَيْئًا فَصارَتْ ودِيعَةً، والوَدِيعَةُ أمانَةٌ في يَدِ المُودِعِ، فَمِن خانَ مِنهم فِيها فَقَدْ خانَ أمانَةَ النّاسِ، إذِ الخِيانَةُ ضِدُّ الأمانَةِ، قالَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالأمانَةِ كُلَّ ما تُعُبِّدَ بِهِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فَيَدْخُلُ فِيهِ الغَنِيمَةُ وغَيْرُها، فَكانَ مَعْنى الآيَةِ: إيجابُ أداءِ التَّكالِيفِ بِأسْرِها عَلى سَبِيلِ التَّمامِ والكَمالِ مِن غَيْرِ نَقْصٍ ولا إخْلالٍ، وأمّا الوُجُوهُ المَذْكُورَةُ في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ فَهي داخِلَةٌ فِيها، لَكِنْ لا يَجِبُ قَصْرُ الآيَةِ عَلَيْها، لِأنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: مَعْنى الخَوْنِ النَّقْصُ، كَما أنَّ مَعْنى الوَفاءِ التَّمامُ. ومِنهُ تَخَوَّنَهُ إذا انْتَقَصَهُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في ضِدِّ الأمانَةِ والوَفاءِ، لِأنَّكَ إذا خُنْتَ الرَّجُلَ في شَيْءٍ فَقَدْ أدْخَلْتَ عَلَيْهِ النُّقْصانَ فِيهِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿وتَخُونُوا أماناتِكُمْ﴾ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ (ولا تَخُونُوا أماناتِكم) والدَّلِيلُ عَلَيْهِ ما رُوِيَ في حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ (ولا تَخُونُوا أماناتِكم) .

الثّانِي: التَّقْدِيرُ: لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ، فَإنَّكم إنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ خُنْتُمْ أماناتِكم، والعَرَبُ قَدْ تَذْكُرُ الجَوابَ تارَةً بِالفاءِ، وأُخْرى بِالواوِ، ومِنهم مَن أنْكَرَ ذَلِكَ.

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّكم تَخُونُونَ يَعْنِي أنَّ الخِيانَةَ تُوجَدُ مِنكم عَنْ تَعَمُّدٍ لا عَنْ سَهْوٍ.

الثّانِي: وأنْتُمْ عُلَماءُ تَعْلَمُونَ قُبْحَ القَبِيحِ، وحُسْنَ الحَسَنِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا كانَ الدّاعِي إلى الإقْدامِ عَلى الخِيانَةِ هو حُبُّ الأمْوالِ والأوْلادِ، نَبَّهَ تَعالى عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ يَحْتَرِزَ عَنِ المَضارِّ مِن ذَلِكَ الحُبِّ، فَقالَ: ﴿أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ لِأنَّها تَشْغَلُ القَلْبَ بِالدُّنْيا، وتَصِيرُ حِجابًا عَنْ خِدْمَةِ المَوْلى.

ثُمَّ قالَ: ﴿وأنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ سِعاداتِ الآخِرَةِ خَيْرٌ مِن سِعاداتِ الدُّنْيا لِأنَّها أعْظَمُ في الشَّرَفِ، وأعْظَمُ في الفَوْزِ، وأعْظَمُ في المُدَّةِ، لِأنَّها تَبْقى بَقاءً لا نِهايَةَ لَهُ، فَهَذا هو المُرادُ مِن وصْفِ اللَّهِ الأجْرَ الَّذِي عِنْدَهُ بِالعِظَمِ. ويُمْكِنُ أنْ يُتَمَسَّكَ بِهَذِهِ الآيَةِ في بَيانِ أنَّ الِاشْتِغالَ بِالنَّوافِلِ أفْضَلُ مِنَ الِاشْتِغالِ بِالنِّكاحِ لِأنَّ الِاشْتِغالَ بِالنَّوافِلِ يُفِيدُ الأجْرَ العَظِيمَ عِنْدَ اللَّهِ، والِاشْتِغالُ بِالنِّكاحِ يُفِيدُ الوَلَدَ ويُوجِبُ الحاجَةَ إلى

صفحة ١٢٣

المالِ، وذَلِكَ فِتْنَةٌ، ومَعْلُومٌ أنَّ ما أفْضى إلى الأجْرِ العَظِيمِ عِنْدَ اللَّهِ، فالِاشْتِغالُ بِهِ خَيْرٌ مِمّا أفْضى إلى الفِتْنَةِ.

8:29Page 180

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّكُمۡ فُرۡقَانٗا وَيُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٢٩

O you who have believed, if you fear Allāh, He will grant you a criterion1 and will remove from you your misdeeds and forgive you. And Allāh is the possessor of great bounty.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا ويُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَذَّرَ عَنِ الفِتْنَةِ بِالأمْوالِ والأوْلادِ، رَغَّبَ في التَّقْوى الَّتِي تُوجِبُ تَرْكَ المَيْلِ والهَوى في مَحَبَّةِ الأمْوالِ والأوْلادِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إدْخالُ الشَّرْطِ في الحُكْمِ إنَّما يَحْسُنُ في حَقِّ مَن كانَ جاهِلًا بِعَواقِبِ الأُمُورِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِاللَّهِ تَعالى.

والجَوابُ: أنَّ قَوْلَنا إنْ كانَ كَذا كانَ كَذا، لا يُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا لِلْجَزاءِ، فَأمّا أنَّ وُقُوعَ الشَّرْطِ مَشْكُوكٌ فِيهِ أوْ مَعْلُومٌ فَذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَفادٍ مِن هَذا اللَّفْظِ، سَلَّمْنا أنَّهُ يُفِيدُ هَذا الشَّكَّ إلّا أنَّهُ تَعالى يُعامِلُ العِبادَ في الجَزاءِ مُعامَلَةَ الشّاكِّ، وعَلَيْهِ يَخْرُجُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٣١] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ شَرْطُها شَيْءٌ واحِدٌ وهو تَقْوى اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ يَتَناوَلُ اتِّقاءَ اللَّهِ في جَمِيعِ الكَبائِرِ. وإنَّما خَصَصْنا هَذا بِالكَبائِرِ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الجَزاءِ تَكْفِيرَ السَّيِّئاتِ، والجَزاءُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُغايِرًا لِلشَّرْطِ، فَحَمَلْنا التَّقْوى عَلى تَقْوى الكَبائِرِ وحَمَلْنا السَّيِّئاتِ عَلى الصَّغائِرِ لِيَظْهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ، وأمّا الجَزاءُ المُرَتَّبُ عَلى هَذا الشَّرْطِ فَأُمُورٌ ثَلاثَةٌ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى يُفَرِّقُ بَيْنَكم وبَيْنَ الكُفّارِ، ولَمّا كانَ اللَّفْظُ مُطْلَقًا وجَبَ حَمْلُهُ عَلى جَمِيعِ الفُرُوقِ الحاصِلَةِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وبَيْنَ الكُفّارِ فَنَقُولُ: هَذا الفُرْقانُ إمّا أنْ يُعْتَبَرَ في أحْوالِ الدُّنْيا أوْ في أحْوالِ الآخِرَةِ. أمّا في أحْوالِ الدُّنْيا فَإمّا أنْ يُعْتَبَرَ في أحْوالِ القُلُوبِ وهي الأحْوالُ الباطِنَةُ أوْ في الأحْوالِ الظّاهِرَةِ، أمّا في أحْوالِ القُلُوبِ فَأُمُورٌ:

أحَدُها: أنَّهُ تَعالى يَخُصُّ المُؤْمِنِينَ بِالهِدايَةِ والمَعْرِفَةِ.

وثانِيها: أنَّهُ يَخُصُّ قُلُوبَهم وصُدُورَهم بِالِانْشِراحِ كَما قالَ: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ [الزُّمَرِ: ٢٢] .

وثالِثُها: أنَّهُ يُزِيلُ الغِلَّ والحِقْدَ والحَسَدَ عَنْ قُلُوبِهِمْ ويُزِيلُ المَكْرَ والخِداعَ عَنْ صُدُورِهِمْ، مَعَ أنَّ المُنافِقَ والكافِرَ يَكُونُ قَلْبُهُ مَمْلُوءًا مِن هَذِهِ الأحْوالِ الخَسِيسَةِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ، والسَّبَبُ في حُصُولِ هَذِهِ الأُمُورِ أنَّ القَلْبَ إذا صارَ مُشْرِقًا بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى زالَتْ عَنْهُ كُلُّ هَذِهِ الظُّلُماتِ لِأنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ نُورٌ، وهَذِهِ الأخْلاقُ ظُلُماتٌ، وإذا ظَهَرَ النُّورُ فَلا بُدَّ مِن زَوالِ الظُّلْمَةِ.

وأمّا في الأحْوالِ الظّاهِرَةِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَخُصُّ المُسْلِمِينَ بِالعُلُوِّ والفَتْحِ والنَّصْرِ والظَّفَرِ، كَما قالَ: ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المُنافِقُونَ: ٨] وكَما قالَ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٣] وأمْرُ الفاسِقِ والكافِرِ بِالعَكْسِ مِن ذَلِكَ. وأمّا في أحْوالِ الآخِرَةِ، فالثَّوابُ والمَنافِعُ الدّائِمَةُ والتَّعْظِيمُ مِنَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ وكُلُّ هَذِهِ الأحْوالِ داخِلَةٌ في الفُرْقانِ.

صفحة ١٢٤

والنَّوْعُ الثّانِي مِنَ الأجْزِيَةِ المُرَتَّبَةِ عَلى التَّقْوى: قَوْلُهُ: ﴿ويُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ فَنَقُولُ: إنْ حَمَلْنا قَوْلَهُ: ﴿إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ﴾ عَلى الِاتِّقاءِ مِنَ الكُفْرِ، كانَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ويُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ جَمِيعُ السَّيِّئاتِ الَّتِي وُجِدَتْ قَبْلَ الكُفْرِ، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى الِاتِّقاءِ عَنِ الكَبائِرِ، كانَ المُرادُ مِن هَذا تَكْفِيرَ الصَّغائِرِ.

والنَّوْعُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِن تَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ سَتْرُها في الدُّنْيا، ومِنَ المَغْفِرَةِ إزالَتُها في القِيامَةِ لِئَلّا يَلْزَمَ التَّكْرارُ. ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ ومَن كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ إذا وعَدَ بِشَيْءٍ وفّى بِهِ. وإنَّما قُلْنا: إنَّ أفْضالَ اللَّهِ أعْظَمُ مِن أفْضالِ غَيْرِهِ لِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ ما سِوى الحَقِّ فَإنَّهُ لا يَتَفَضَّلُ ولا يُحْسِنُ إلّا إذا حَصَلَتْ في قَلْبِهِ داعِيَةُ الإفْضالِ والإحْسانِ، وتِلْكَ الدّاعِيَةُ حادِثَةٌ فَلا تَحْصُلُ إلّا بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى، وعِنْدَ هَذا يَنْكَشِفُ أنَّ المُتَفَضِّلَ لَيْسَ إلّا اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ تِلْكَ الدّاعِيَةَ المُوجِبَةَ لِذَلِكَ الفِعْلِ.

الثّانِي: أنَّ كُلَّ مَن تَفَضَّلَ يَسْتَفِيدُ بِهِ نَوْعًا مِن أنْواعِ الكَمالِ إمّا عِوَضًا مِنَ المالِ أوْ عِوَضًا مِنَ المَدْحِ والثَّناءِ، وإمّا عِوَضًا مِن نَوْعٍ آخَرَ وهو دَفْعُ الألَمِ الحاصِلِ في القَلْبِ بِسَبَبِ الرِّقَّةِ الجِنْسِيَّةِ، واللَّهُ تَعالى يُعْطِي ويَتَفَضَّلُ ولا يَطْلُبُ بِهِ شَيْئًا مِنَ الأعْواضِ لِأنَّهُ كامِلٌ لِذاتِهِ، وما كانَ حاصِلًا لِلشَّيْءِ لِذاتِهِ امْتَنَعَ أنْ يَسْتَفِيدَهُ مِن غَيْرِهِ.

الثّالِثُ: أنَّ كُلَّ مَن تَفَضَّلَ عَلى الغَيْرِ فَإنَّ المُتَفَضَّلَ عَلَيْهِ يَصِيرُ مَمْنُونًا عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ المُتَفَضِّلِ، وذَلِكَ مُنَفِّرٌ، أمّا الحَقُّ سُبْحانَهُ وتَعالى فَهو المُوجِدُ لِذاتِ كُلِّ أحَدٍ بِجَمِيعِ صِفاتِهِ، فَلا يَحْصُلُ الِاسْتِنْكافُ مِن قَبُولِ إحْسانِهِ.

الرّابِعُ: أنَّ كُلَّ مَن تَفَضَّلَ عَلى غَيْرِهِ فَإنَّهُ لا يَنْتَفِعُ المُتَفَضَّلُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ التَّفَضُّلِ إلّا إذا حَصَلَتْ لَهُ عَيْنٌ باصِرَةٌ وأُذُنٌ سامِعَةٌ ومَعِدَةٌ هاضِمَةٌ، حَتّى يَنْتَفِعَ بِذَلِكَ الإحْسانِ، وعِنْدَ هَذا يَنْكَشِفُ أنَّ المُتَفَضِّلَ هو اللَّهُ في الحَقِيقَةِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ البَراهِينِ صِحَّةُ قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском