Ar-RaziAl‑Anfal · 8:46–52

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Anfal 8:46–52

8:46–47Page 183

وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ وَٱصۡبِرُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ٤٦

And obey Allāh and His Messenger, and do not dispute and [thus] lose courage and [then] your strength would depart; and be patient. Indeed, Allāh is with the patient.

وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بَطَرٗا وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ ٤٧

And do not be like those who came forth from their homes insolently and to be seen by people and avert [them] from the way of Allāh. And Allāh is encompassing1 of what they do.

ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

صفحة ١٣٨

المَسْألَةُ الأُولى: بَيَّنَ تَعالى أنَّ النِّزاعَ يُوجِبُ أمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ يُوجِبُ حُصُولَ الفَشَلِ والضَّعْفِ.

والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: المُرادُ بِالرِّيحِ الدَّوْلَةُ، شُبِّهَتِ الدَّوْلَةُ وقْتَ نَفاذِها وتَمْشِيَةِ أمْرِها بِالرِّيحِ وهُبُوبِها، يُقالُ: هَبَّتْ رِياحُ فُلانٍ، إذا دانَتْ لَهُ الدَّوْلَةُ ونَفَذَ أمْرُهُ.

الثّانِي: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَطُّ نَصْرٌ إلّا بِرِيحٍ يَبْعَثُها اللَّهُ، وفي الحَدِيثِ: ”«نُصِرْتُ بِالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُورِ» “، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْوى؛ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ تَنازُعَهم مُؤَثِّرًا في ذَهابِ الرِّيحِ، ومَعْلُومٌ أنَّ اخْتِلافَهم لا يُؤَثِّرُ في هُبُوبِ الصَّبا، قالَ مُجاهِدٌ: ﴿وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أيْ نُصْرَتُكم، وذَهَبَتْ رِيحُ أصْحابِ مُحَمَّدٍ حِينَ تَنازَعُوا يَوْمَ أُحُدٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ نُفاةُ القِياسِ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: القَوْلُ بِالقِياسِ يُفْضِي إلى المُنازَعَةِ، والمُنازَعَةُ مُحَرَّمَةٌ، فَهَذِهِ الآيَةُ تُوجِبُ أنْ يَكُونَ العَمَلُ بِالقِياسِ حَرامًا، بَيانُ المُلازَمَةِ المُشاهَدَةُ، فَإنّا نَرى أنَّ الدُّنْيا صارَتْ مَمْلُوءَةً مِنَ الِاخْتِلافاتِ بِسَبَبِ القِياساتِ، وبَيانُ أنَّ المُنازَعَةَ مُحَرَّمَةٌ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنازَعُوا﴾ وأيْضًا القائِلُونَ بِأنَّ النَّصَّ لا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِالقِياسِ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ صَرِيحٌ في وُجُوبِ طاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ في كُلِّ ما نَصَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِأنْ قالَ: ﴿ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ مَن تَمَسَّكَ بِالقِياسِ المُخَصَّصِ بِالنَّصِّ فَقَدْ تَرَكَ طاعَةَ اللَّهِ وطاعَةَ رَسُولِهِ، وتَمَسَّكَ بِالقِياسِ الَّذِي يُوجِبُ التَّنازُعَ والفَشَلَ، وكُلُّ ذَلِكَ حَرامٌ، ومُثْبِتُو القِياسِ أجابُوا عَنِ الأوَّلِ بِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ قِياسٍ يُوجِبُ المُنازَعَةَ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ والمَقْصُودُ أنَّ كَمالَ أمْرِ الجِهادِ مَبْنِيٌّ عَلى الصَّبْرِ، فَأمَرَهم بِالصَّبْرِ، كَما قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٢٠٠] وبَيَّنَ أنَّهُ تَعالى مَعَ الصّابِرِينَ، ولا شُبْهَةَ أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ المَعِيَّةِ النُّصْرَةُ والمَعُونَةُ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ بَطَرًا ورِئاءَ النّاسِ ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ قُرَيْشٌ حِينَ خَرَجُوا مِن مَكَّةَ لِحِفْظِ العِيرِ، فَلَمّا ورَدُوا الجُحْفَةَ بَعَثَ الحَقّافُ الكِنانِيُّ وكانَ صَدِيقًا لِأبِي جَهْلٍ إلَيْهِ بِهَدايا مَعَ ابْنٍ لَهُ، فَلَمّا أتاهُ قالَ: إنَّ أبِي يُنْعِمُكَ صَباحًا ويَقُولُ لَكَ: إنْ شِئْتَ أنْ أمُدَّكَ بِالرِّجالِ أمْدَدْتُكَ، وإنْ شِئْتَ أنْ أزْحَفَ إلَيْكَ بِمَن مَعِي مِن قَرابَتِي فَعَلْتُ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: قُلْ لِأبِيكَ جَزاكَ اللَّهُ والرَّحِمَ خَيْرًا، إنْ كُنّا نُقاتِلُ اللَّهَ كَما يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ فَواللَّهِ ما لَنا بِاللَّهِ مِن طاقَةٍ، وإنْ كُنّا نُقاتِلُ النّاسَ فَواللَّهِ إنَّ بِنا عَلى النّاسِ لَقُوَّةً، واللَّهِ ما نَرْجِعُ عَنْ قِتالِ مُحَمَّدٍ حَتّى نَرِدَ بَدْرًا فَنَشْرَبَ فِيها الخُمُورَ وتَعْزِفَ عَلَيْنا فِيها القِيانُ، فَإنَّ بَدْرًا مَوْسِمٌ مِن مَواسِمِ العَرَبِ، وسُوقٌ مِن أسْواقِهِمْ حَتّى تَسْمَعَ العَرَبُ بِهَذِهِ الواقِعَةِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: فَوَرَدُوا بَدْرًا وشَرِبُوا كُئُوسَ المَنايا مَكانَ الخَمْرِ، وناحَتْ عَلَيْهِمُ النَّوائِحُ مَكانَ القِيانِ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِثَلاثَةِ أشْياءَ:

الأوَّلُ: البَطَرُ، قالَ الزَّجّاجُ: البَطَرُ الطُّغْيانُ في النِّعْمَةِ. والتَّحْقِيقُ أنَّ النِّعَمَ إذا كَثُرَتْ مِنَ اللَّهِ عَلى العَبْدِ فَإنْ صَرَفَها إلى مَرْضاتِهِ وعَرَفَ أنَّها مِنَ اللَّهِ تَعالى فَذاكَ هو الشُّكْرُ، وأمّا إنْ تَوَسَّلَ بِها إلى المُفاخَرَةِ عَلى الأقْرانِ والمُكاثَرَةِ عَلى أهْلِ الزَّمانِ فَذاكَ هو البَطَرُ.

والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ورِئاءَ النّاسِ﴾ والرِّئاءُ عِبارَةٌ عَنِ القَصْدِ إلى إظْهارِ الجَمِيلِ مَعَ أنَّ باطِنَهُ يَكُونُ قَبِيحًا، والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ النِّفاقِ أنَّ النِّفاقَ إظْهارُ الإيمانِ مَعَ إبْطانِ الكُفْرِ، والرِّئاءُ إظْهارُ الطّاعَةِ مَعَ إبْطانِ المَعْصِيَةِ، رُوِيَ أنَّهُ ﷺ لَمّا رَآهم في مَوْقِفِ بَدْرٍ قالَ: ”«اللَّهُمَّ إنَّ قُرَيْشًا أقْبَلَتْ بِفَخْرِها وخُيَلائِها لِمُعارَضَةِ دِينِكَ ومُحارَبَةِ رَسُولِكَ» “ .

والثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَصُدُّونَ عَنْ﴾

صفحة ١٣٩

﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فِعْلٌ مُضارِعٌ وعَطْفُ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ غَيْرُ حَسَنٍ، وذَكَرَ الواحِدِيُّ فِيهِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بِمَنزِلَةِ صادِّينَ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿بَطَرًا ورِئاءَ﴾ بِمَنزِلَةِ يَبْطَرُونَ ويُراءُونَ.

وأقُولُ: إنَّ شَيْئًا مِن هَذِهِ الوُجُوهِ لا يَشْفِي الغَلِيلَ؛ لِأنَّهُ تارَةً يُقِيمُ الفِعْلَ مَقامَ الِاسْمِ وأُخْرى يُقِيمُ الِاسْمَ مَقامَ الفِعْلِ، لِيَصِحَّ لَهُ كَوْنُ الكَلِمَةِ مَعْطُوفَةً عَلى جِنْسِها، وكانَ مِنَ الواجِبِ عَلَيْهِ أنْ يَذْكُرَ السَّبَبَ الَّذِي لِأجْلِهِ عَبَّرَ عَنِ الأوَّلَيْنِ بِالمَصْدَرِ، وعَنِ الثّالِثِ بِالفِعْلِ، وأقُولُ: إنَّ الشَّيْخَ عَبْدَ القاهِرِ الجُرْجانِيَّ ذَكَرَ أنَّ الِاسْمَ يَدُلُّ عَلى التَّمْكِينِ والِاسْتِمْرارِ، والفِعْلَ عَلى التَّجَدُّدِ والحُدُوثِ، قالَ: ومِثالُهُ في الِاسْمِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَلْبُهم باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالوَصِيدِ﴾ [الكَهْفِ: ١٨] وذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَ تِلْكَ الحالَةِ ثابِتَةً راسِخَةً، ومِثالُ الفِعْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [يُونُسَ: ٣١] وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُوصِلُ الرِّزْقَ إلَيْهِمْ ساعَةً فَساعَةً، هَذا ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ القاهِرِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ أبا جَهْلٍ ورَهْطَهُ وشِيعَتَهُ كانُوا مَجْبُولِينَ عَلى البَطَرِ والمُفاخَرَةِ والعُجْبِ، وأمّا صَدُّهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَإنَّما حَصَلَ في الزَّمانِ الَّذِي ادَّعى مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ النُّبُوَّةَ؛ ولِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ البَطَرَ والرِّئاءَ بِصِيغَةِ الِاسْمِ، وذَكَرَ الصَّدَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِصِيغَةِ الفِعْلِ واللَّهُ أعْلَمُ.

وحاصِلُ الكَلامِ: أنَّهُ تَعالى أمَرَهم عِنْدَ لِقاءِ العَدُوِّ بِالثَّباتِ والِاشْتِغالِ بِذِكْرِ اللَّهِ، ومَنَعَهَمْ مِن أنْ يَكُونَ الحامِلُ لَهم عَلى ذَلِكَ الثَّباتِ البَطَرَ والرِّئاءَ، بَلْ أوْجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ يَكُونَ الحامِلُ لَهم عَلَيْهِ طَلَبَ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ.

واعْلَمْ أنَّ حاصِلَ القُرْآنِ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ دَعْوَةُ الخَلْقِ مِنَ الِاشْتِغالِ بِالخَلْقِ، وأمْرُهم بِالعَناءِ في طَرِيقِ عُبُودِيَّةِ الحَقِّ، والمَعْصِيَةُ مَعَ الِانْكِسارِ أقْرَبُ إلى الإخْلاصِ مِنَ الطّاعَةِ مَعَ الِافْتِخارِ، ثُمَّ خَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ والمَقْصُودُ أنَّ الإنْسانَ رُبَّما أظْهَرَ مِن نَفْسِهِ أنَّ الحامِلَ لَهُ والدّاعِيَ إلى الفِعْلِ المَخْصُوصِ طَلَبُ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى مَعَ أنَّهُ لا يَكُونُ الأمْرُ كَذَلِكَ في الحَقِيقَةِ، فَبَيَّنَ تَعالى كَوْنَهُ عالِمًا بِما في دَواخِلِ القُلُوبِ، وذَلِكَ كالتَّهْدِيدِ والزَّجْرِ عَنِ الرِّئاءِ والتَّصَنُّعِ.

8:48Page 183

وَإِذۡ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ ٱلۡيَوۡمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّي جَارٞ لَّكُمۡۖ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلۡفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّنكُمۡ إِنِّيٓ أَرَىٰ مَا لَا تَرَوۡنَ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَۚ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٤٨

And [remember] when Satan made their deeds pleasing to them and said, "No one can overcome you today from among the people, and indeed, I am your protector." But when the two armies sighted each other, he turned on his heels and said, "Indeed, I am disassociated from you. Indeed, I see what you do not see; indeed, I fear Allāh. And Allāh is severe in penalty."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم وقالَ لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ وإنِّي جارٌ لَكم فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وقالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكم إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ إنِّي أخافُ اللَّهَ واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا مِن جُمْلَةِ النِّعَمِ الَّتِي خُصَّ أهْلُ بَدْرٍ بِها، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: العامِلُ في ”إذْ“ فِيهِ وُجُوهٌ: قِيلَ: تَقْدِيرُهُ اذْكُرْ إذْ زَيَّنَ لَهم، وقِيلَ: هو عَطْفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن تَذْكِيرِ النِّعَمِ، وتَقْدِيرُهُ: واذْكُرُوا إذْ يُرِيكُمُوهم وإذْ زَيَّنَ، وقِيلَ: هو عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: خَرَجُوا بَطَرًا ورِئاءَ

صفحة ١٤٠

النّاسِ، وتَقْدِيرُهُ: لا تَكُونُوا كالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ بَطَرًا ورِئاءَ النّاسِ وإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في كَيْفِيَّةِ هَذا التَّزْيِينِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ الشَّيْطانَ زَيَّنَ بِوَسْوَسَتِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَتَحَوَّلَ في صُورَةِ الإنْسانِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ والأصَمِّ.

والثّانِي: أنَّهُ ظَهَرَ في صُورَةِ الإنْسانِ، قالُوا: إنَّ المُشْرِكِينَ حِينَ أرادُوا المَسِيرَ إلى بَدْرٍ خافُوا مِن بَنِي بَكْرِ بْنِ كِنانَةَ؛ لِأنَّهم كانُوا قَتَلُوا مِنهم واحِدًا، فَلَمْ يَأْمَنُوا أنْ يَأْتُوهم مِن ورائِهِمْ، فَتَصَوَّرَ لَهم إبْلِيسُ بِصُورَةِ سُراقَةَ بْنِ مالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ وهو مِن بَنِي بَكْرِ بْنِ كِنانَةَ وكانَ مِن أشْرافِهِمْ في جُنْدٍ مِنَ الشَّياطِينِ، ومَعَهُ رايَةٌ، وقالَ: لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ وإنِّي جارٌ لَكم مُجِيرُكم مِن بَنِي كِنانَةَ، فَلَمّا رَأى إبْلِيسُ نُزُولَ المَلائِكَةِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ، وقِيلَ: كانَتْ يَدُهُ في يَدِ الحارِثِ بْنِ هِشامٍ، فَلَمّا نَكَصَ قالَ لَهُ الحارِثُ: أتَخْذِلُنا في هَذِهِ الحالِ ؟ فَقالَ: إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ ودَفَعَ في صَدْرِ الحارِثِ وانْهَزَمُوا، وفي هَذِهِ القِصَّةِ سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الفائِدَةُ في تَغْيِيرِ صُورَةِ إبْلِيسَ إلى صُورَةِ سُراقَةَ ؟

والجَوابُ: فِيهِ مُعْجِزَةٌ عَظِيمَةٌ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ لَمّا رَجَعُوا إلى مَكَّةَ قالُوا: هَزَمَ النّاسَ سُراقَةُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ سُراقَةَ فَقالَ: واللَّهِ ما شَعُرْتُ بِمَسِيرِكم حَتّى بَلَغَتْنِي هَزِيمَتُكم، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَبَيَّنَ لِلْقَوْمِ أنَّ ذَلِكَ الشَّخْصَ ما كانَ سُراقَةَ بَلْ كانَ شَيْطانًا.

فَإنْ قِيلَ: فَإذًا حَضَرَ إبْلِيسُ لِمُحارَبَةِ المُؤْمِنِينَ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ في غايَةِ القُوَّةِ، فَلِمَ لَمْ يَهْزِمُوا جُيُوشَ المُسْلِمِينَ ؟

قُلْنا: لِأنَّهُ رَأى في جَيْشِ المُسْلِمِينَ جِبْرِيلَ مَعَ ألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ خافَ وفَرَّ.

فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا الطَّرِيقِ وجَبَ أنْ يَنْهَزِمَ جَمِيعُ جُيُوشِ المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّهُ يَتَشَبَّهُ بِصُورَةِ البَشَرِ ويَحْضُرُ ويُعِينُ جَمْعَ الكُفّارِ ويَهْزِمُ جُمُوعَ المُسْلِمِينَ، والحاصِلُ: أنَّهُ إنْ قَدَرَ عَلى هَذا المَعْنى فَلِمَ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ في سائِرِ وقائِعِ المُسْلِمِينَ ؟ وإنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ فَكَيْفَ أضَفْتُمْ إلَيْهِ هَذا العَمَلَ في واقِعَةِ بَدْرٍ ؟

الجَوابُ: لَعَلَّهُ تَعالى إنَّما غَيَّرَ صُورَتَهُ إلى صُورَةِ البَشَرِ في تِلْكَ الواقِعَةِ، أمّا في سائِرِ الوَقائِعِ فَلا يَفْعَلُ ذَلِكَ التَّغْيِيرَ.

السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا غَيَّرَ صُورَتَهُ إلى صُورَةِ البَشَرِ فَما بَقِيَ شَيْطانًا بَلْ صارَ بَشَرًا.

الجَوابُ: أنَّ الإنْسانَ إنَّما كانَ إنْسانًا بِجَوْهَرِ نَفْسِهِ النّاطِقَةِ، ونُفُوسُ الشَّياطِينِ مُخالِفَةٌ لِنُفُوسِ البَشَرِ فَلَمْ يَلْزَمْ مِن تَغْيِيرِ الصُّورَةِ تَغْيِيرُ الحَقِيقَةِ، وهَذا البابُ أحَدُ الدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ عَلى أنَّ الإنْسانَ لَيْسَ إنْسانًا بِحَسَبِ بِنْيَتِهِ الظّاهِرَةِ وصُورَتِهِ المَخْصُوصَةِ.

السُّؤالُ الثّالِثُ: ما مَعْنى قَوْلِ الشَّيْطانِ﴿لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ﴾ وما الفائِدَةُ في هَذا الكَلامِ مَعَ أنَّهم كانُوا كَثِيرِينَ غالِبِينَ ؟

والجَوابُ: أنَّهم وإنْ كانُوا كَثِيرِينَ في العَدَدِ إلّا أنَّهم كانُوا يُشاهِدُونَ أنَّ دَوْلَةَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كُلَّ يَوْمٍ في التَّرَقِّي والتَّزايُدِ؛ ولِأنَّ مُحَمَّدًا كُلَّما أخْبَرَ عَنْ شَيْءٍ فَقَدْ وقَعَ فَكانُوا لِهَذا السَّبَبِ خائِفِينَ جِدًّا مِن قَوْمِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَذَكَرَ إبْلِيسُ هَذا الكَلامَ إزالَةً لِلْخَوْفِ عَنْ قُلُوبِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ كانَ يُؤَمِّنُهم مِن شَرِّ بَنِي بَكْرِ بْنِ كِنانَةَ خُصُوصًا وقَدْ تَصَوَّرَ بِصُورَةِ زَعِيمٍ مِنهم، وقالَ: ﴿وإنِّي جارٌ لَكُمْ﴾ والمَعْنى: إنِّي إذا كُنْتُ وقَوْمِي ظَهِيرًا لَكم فَلا يَغْلِبُكم أحَدٌ مِنَ النّاسِ ومَعْنى الجارِ هَهُنا: الدّافِعُ عَنْ صاحِبِهِ أنْواعَ الضَّرَرِ كَما

صفحة ١٤١

يَدْفَعُ الجارُ عَنْ جارِهِ، والعَرَبُ تَقُولُ: أنا جارٌ لَكَ مِن فُلانٍ أيْ حافِظٌ لَكَ مِن مَضَرَّتِهِ فَلا يَصِلُ إلَيْكَ مَكْرُوهٌ مِنهُ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ﴾ أيِ التَقى الجَمْعانِ بِحَيْثُ رَأتْ كُلُّ واحِدَةٍ الأُخْرى نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ، والنُّكُوصُ الإحْجامُ عَنِ الشَّيْءِ، والمَعْنى: رَجَعَ، وقالَ: إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ، وفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ رُوحانِيٌّ، فَرَأى المَلائِكَةَ فَخافَهم، قِيلَ: رَأى جِبْرِيلَ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: رَأى ألْفًا مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ.

الثّانِي: أنَّهُ رَأى أثَرَ النُّصْرَةِ والظَّفَرِ في حَقِّ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَعَلِمَ أنَّهُ لَوْ وقَفَ لَنَزَلَتْ عَلَيْهِ بَلِيَّةٌ.

ثُمَّ قالَ: ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ﴾ قالَ قَتادَةُ: صَدَقَ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ﴾ وكَذَبَ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ﴾ وقِيلَ: لَمّا رَأى المَلائِكَةَ يَنْزِلُونَ مِنَ السَّماءِ خافَ أنْ يَكُونَ الوَقْتُ الَّذِي أُنْظِرَ إلَيْهِ قَدْ حَضَرَ فَقالَ ما قالَ إشْفاقًا عَلى نَفْسِهِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بَقِيَّةِ كَلامِ إبْلِيسَ، ويَجُوزُ أنْ يَنْقَطِعَ كَلامُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: أخافُ اللَّهَ، ثُمَّ قالَ تَعالى بَعْدَهُ: ﴿واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ .

8:49Page 183

إِذۡ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمۡۗ وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٤٩

[Remember] when the hypocrites and those in whose hearts was disease [i.e., arrogance and disbelief] said, "Their religion has deluded those [Muslims]." But whoever relies upon Allāh - then indeed, Allāh is Exalted in Might and Wise.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهم ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: إنَّما لَمْ تَدْخُلِ الواوُ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ يَقُولُ﴾ ودَخَلَتْ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ زَيَّنَ لَهُمُ﴾ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإذْ زَيَّنَ﴾ عَطْفٌ عَلى هَذا التَّزْيِينِ عَلى حالِهِمْ وخُرُوجِهِمْ بَطَرًا ورِئاءً، وأمّا هُنا وهو قَوْلُهُ: ﴿إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ﴾ فَلَيْسَ فِيهِ عَطْفٌ لِهَذا الكَلامِ عَلى ما قَبْلَهُ بَلْ هو كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مُنْقَطِعٌ عَمّا قَبْلَهُ، وعامِلُ الإعْرابِ في ”إذْ“ فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ.

والثّانِي: اذْكُرُوا إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أمّا المُنافِقُونَ فَهم قَوْمٌ مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ، وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَهم قَوْمٌ مِن قُرَيْشٍ أسْلَمُوا وما قَوِيَ إسْلامُهم في قُلُوبِهِمْ ولَمْ يُهاجِرُوا، ثُمَّ إنَّ قُرَيْشًا لَمّا خَرَجُوا لِحَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ أُولَئِكَ: نَخْرُجُ مَعَ قَوْمِنا فَإنْ كانَ مُحَمَّدٌ في كَثْرَةٍ خَرَجْنا إلَيْهِ، وإنْ كانَ في قِلَّةٍ أقَمْنا في قَوْمِنا. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: ثُمَّ قُتِلَ هَؤُلاءِ جَمِيعًا مَعَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقَوْلُهُ: ﴿غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ أنَّهُ خَرَجَ بِثَلاثِمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ يُقاتِلُونَ ألْفَ رَجُلٍ، وما ذاكَ إلّا أنَّهُمُ اعْتَمَدُوا عَلى دِينِهِمْ، وقِيلَ المُرادُ: إنَّ هَؤُلاءِ يَسْعَوْنَ في قَتْلِ أنْفُسِهِمْ، رَجاءَ أنْ يُجْعَلُوا أحْياءً بَعْدَ المَوْتِ ويُثابُونَ عَلى هَذا القَتْلِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أيْ ومَن يُسَلِّمْ أمْرَهُ إلى اللَّهِ ويَثِقْ بِفَضْلِهِ

صفحة ١٤٢

ويُعَوِّلْ عَلى إحْسانِ اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ حافِظُهُ وناصِرُهُ؛ لِأنَّهُ عَزِيزٌ لا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ، حَكِيمٌ يُوَصِّلُ العَذابَ إلى أعْدائِهِ، والرَّحْمَةَ والثَّوابَ إلى أوْلِيائِهِ.

8:50–52Page 183

وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ ٥٠

And if you could but see when the angels take the souls of those who disbelieved...1 They are striking their faces and their backs and [saying], "Taste the punishment of the Burning Fire.

ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ ٥١

That is for what your hands have put forth [of evil] and because Allāh is not ever unjust to [His] servants."

كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيّٞ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٥٢

[Theirs is] like the custom of the people of Pharaoh and of those before them. They disbelieved in the signs of Allāh, so Allāh seized them for their sins. Indeed, Allāh is Powerful and severe in penalty.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهم وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ أحْوالَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ شَرَحَ أحْوالَ مَوْتِهِمْ، والعَذابَ الَّذِي يَصِلُ إلَيْهِمْ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ ”إذْ تَتَوَفّى“ بِالتّاءِ عَلى تَأْنِيثِ لَفْظِ المَلائِكَةِ والجَمْعِ، والباقُونَ بِالياءِ عَلى المَعْنى.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: جَوابُ ”لَوْ“ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لَرَأيْتَ مَنظَرًا هائِلًا، وأمْرًا فَظِيعًا، وعَذابًا شَدِيدًا.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ”ولَوْ تَرى“ ولَوْ عايَنْتَ وشاهَدْتَ؛ لِأنَّ ”لَوْ“ تَرُدُّ المُضارِعَ إلى الماضِي كَما تَرُدُّ ”إنْ“ الماضِيَ إلى المُضارِعِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: المَلائِكَةُ رَفْعُها بِالفِعْلِ، ويَضْرِبُونَ حالٌ مِنهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في قَوْلِهِ: ﴿يَتَوَفّى﴾ ضَمِيرٌ لِلَّهِ تَعالى، والمَلائِكَةُ مَرْفُوعَةٌ بِالِابْتِداءِ، ويَضْرِبُونَ خَبَرٌ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: مَعْنى يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا يَقْبِضُونَ أرْواحَهم عَلى اسْتِيفائِها وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ شَيْءٌ مُغايِرٌ لِهَذا الجَسَدِ، وأنَّهُ هو الرُّوحُ فَقَطْ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ اسْتَوْفى الذّاتَ الكافِرَةَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الذّاتَ الكافِرَةَ هي الَّتِي اسْتُوفِيَتْ مِن هَذا الجَسَدِ، وهَذا بُرْهانٌ ظاهِرٌ عَلى أنَّ الإنْسانَ شَيْءٌ مُغايِرٌ لِهَذا الجَسَدِ، وقَوْلُهُ: ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ المُشْرِكُونَ إذا أقْبَلُوا بِوُجُوهِهِمْ إلى المُسْلِمِينَ ضَرَبُوا وُجُوهَهم بِالسَّيْفِ، وإذا ولَّوْا ضَرَبُوا أدْبارَهم، فَلا جَرَمَ قابَلَهُمُ اللَّهُ بِمِثْلِهِ في وقْتِ نَزْعِ الرُّوحِ، وأقُولُ: فِيهِ مَعْنًى آخَرُ ألْطَفُ مِنهُ، وهو أنَّ رُوحَ الكافِرِ إذا خَرَجَ مِن جَسَدِهِ فَهو مُعْرِضٌ عَنْ عالَمِ الدُّنْيا مُقْبِلٌ عَلى الآخِرَةِ، وهو لِكُفْرِهِ لا يُشاهِدُ في عالَمِ الآخِرَةِ إلّا الظُّلُماتِ، وهو لِشِدَّةِ حُبِّهِ لِلْجُسْمانِيّاتِ، ومُفارَقَتِهِ لَها لا يَنالُ مِن مُباعَدَتِهِ عَنْها إلّا الآلامَ والحَسَراتِ، فَبِسَبَبِ مُفارَقَتِهِ لِعالَمِ الدُّنْيا تَحْصُلُ لَهُ الآلامُ بَعْدَ الآلامِ والحَسَراتِ، وبِسَبَبِ إقْبالِهِ عَلى الآخِرَةِ مَعَ عَدَمِ النُّورِ والمَعْرِفَةِ، يَنْتَقِلُ مِن ظُلُماتٍ إلى ظُلُماتٍ، فَهاتانِ الجِهَتانِ هُما المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ .

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ وفِيهِ إضْمارٌ، والتَّقْدِيرُ: ونَقُولُ: ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ، ونَظِيرُهُ في القُرْآنِ كَثِيرٌ، قالَ تَعالى: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا﴾ [البَقَرَةِ: ١٢٧] أيْ ويَقُولانِ: رَبَّنا، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أبْصَرْنا﴾ [السَّجْدَةِ: ١٢] أيْ يَقُولُونَ: رَبَّنا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَوْلُ المَلائِكَةِ لَهم: ﴿وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ إنَّما صَحَّ لِأنَّهُ كانَ مَعَ المَلائِكَةِ

صفحة ١٤٣

مَقامِعُ، وكُلَّما ضَرَبُوا بِها التَهَبَتِ النّارُ في الأجْزاءِ والأبْعاضِ، فَذاكَ قَوْلُهُ: ﴿وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: والصَّحِيحُ أنَّ هَذا تَقُولُهُ المَلائِكَةُ لَهم في الآخِرَةِ، وأقُولُ: أمّا العَذابُ الجُسْمانِيُّ فَحَقٌّ وصِدْقٌ، وأمّا الرُّوحانِيُّ فَحَقٌّ أيْضًا لِدَلالَةِ العَقْلِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الجاهِلَ إذا فارَقَ الدُّنْيا حَصَلَ لَهُ الحُزْنُ الشَّدِيدُ بِسَبَبِ مُفارَقَةِ الدُّنْيا المَحْبُوبَةِ، والخَوْفُ الشَّدِيدُ بِسَبَبِ تَراكُمِ الظُّلُماتِ عَلَيْهِ في عالَمِ الخَوْفِ والحُزْنِ، والخَوْفُ والحُزْنُ كِلاهُما يُوجِبانِ الحُرْقَةَ الرُّوحانِيَّةَ، والنّارَ الرُّوحانِيَّةَ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ قِيلَ: هَذا إخْبارٌ عَنْ قَوْلِ المَلائِكَةِ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: يَجُوزُ أنْ يُقالَ ذَلِكَ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ قَوْلُهُ: ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَحَلُّ ذَلِكَ نَصْبًا، والتَّقْدِيرُ: فَعَلْنا ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ هَذا، أيْ هَذا العَذابُ الَّذِي هو عَذابُ الحَرِيقِ، حَصَلَ بِسَبَبِ ما قَدَّمَتْ أيْدِيكم، وذَكَرْنا في قَوْلِهِ: ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البَقَرَةِ: ١، ٢] أنَّ مَعْناهُ هَذا الكِتابُ، وهَذا المَعْنى جائِزٌ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ﴾ يَقْتَضِي أنَّ فاعِلَ هَذا الفِعْلِ هو اليَدُ، وذَلِكَ مُمْتَنِعٌ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ هَذا العَذابَ إنَّما وصَلَ إلَيْهِمْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، ومَحَلُّ الكُفْرِ هو القَلْبُ لا اليَدُ.

وثانِيها: أنَّ اليَدَ لَيْسَتْ مَحَلًّا لِلْمَعْرِفَةِ والعِلْمِ، فَلا يَتَوَجَّهُ التَّكْلِيفُ عَلَيْها، فَلا يُمْكِنُ إيصالُ العَذابِ إلَيْها، فَوَجَبَ حَمْلُ اليَدِ هَهُنا عَلى القُدْرَةِ، وسَبَبُ هَذا المَجازِ أنَّ اليَدَ آلَةُ العَمَلِ، والقُدْرَةُ هي المُؤَثِّرَةُ في العَمَلِ، فَحَسُنَ جَعْلُ اليَدِ كِنايَةً عَنِ القُدْرَةِ.

واعْلَمْ أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ الإنْسانَ جَوْهَرٌ واحِدٌ وهو الفَعّالُ وهو الدَّرّاكُ وهو المُؤْمِنُ وهو الكافِرُ وهو المُطِيعُ والعاصِي، وهَذِهِ الأعْضاءُ آلاتٌ لَهُ وأدَواتٌ لَهُ في الفِعْلِ فَأُضِيفَ الفِعْلُ في الظّاهِرِ إلى الآلَةِ، وهو في الحَقِيقَةِ مُضافٌ إلى جَوْهَرِ ذاتِ الإنْسانِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ يَقْتَضِي أنَّ ذَلِكَ العِقابَ كالأمْرِ المُتَوَلِّدِ مِنَ الفِعْلِ الَّذِي صَدَرَ عَنْهُ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ العِقابَ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ العَقائِدِ الباطِلَةِ الَّتِي يَكْتَسِبُها الإنْسانُ، ومِنَ المَلَكاتِ الرّاسِخَةِ الَّتِي يَكْتَسِبُها الإنْسانُ، فَكانَ هَذا الكَلامُ مُطابِقًا لِلْمَعْقُولِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في مَحَلِّ ”أنَّ“ وجْهانِ:

أحَدُهُما: النَّصْبُ بِنَزْعِ الخافِضِ يَعْنِي بِأنَّ اللَّهَ.

والثّانِي: أنَّكَ إنْ جَعَلْتَ قَوْلَهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ جَعَلْتَ أنَّ في مَوْضِعِ رَفْعٍ أيْضًا، بِمَعْنى وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ، قالَ الكِسائِيُّ: ولَوْ كَسَرْتَ ألِفَ ”أنَّ“ عَلى الِابْتِداءِ كانَ صَوابًا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ هَذا كَلامًا مُبْتَدَأً مُنْقَطِعًا عَمّا قَبْلَهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لَوْ كانَ تَعالى يَخْلُقُ الكُفْرَ في الكافِرِ، ثُمَّ يُعَذِّبُهُ عَلَيْهِ لَكانَ ظالِمًا، وأيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما لَمْ يَكُنْ ظالِمًا بِهَذا العَذابِ؛ لِأنَّهُ قَدَّمَ ما اسْتَوْجَبَ عَلَيْهِ هَذا العَذابَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَوْ لَمْ يَصْدُرْ مِنهُ ذَلِكَ التَّقْدِيمُ لَكانَ اللَّهُ تَعالى ظالِمًا في هَذا العَذابِ، فَلَوْ كانَ المُوجِدُ لِلْكُفْرِ والمَعْصِيَةِ هو اللَّهُ لا العَبْدُ لَوَجَبَ كَوْنُ اللَّهِ ظالِمًا، وأيْضًا تَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى كَوْنِهِ قادِرًا عَلى الظُّلْمِ، إذْ لَوْ لَمْ يَصِحَّ مِنهُ لَما كانَ في التَّمَدُّحِ بِنَفْيِهِ فائِدَةٌ.

صفحة ١٤٤

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ قَدْ سَبَقَ ذِكْرُها عَلى الِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском