Ar-Razi'Abasa · 80:24–42

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

'Abasa 80:24–42

80:24–25Page 585

فَلۡيَنظُرِ ٱلۡإِنسَٰنُ إِلَىٰ طَعَامِهِۦٓ ٢٤

Then let mankind look at his food -

أَنَّا صَبَبۡنَا ٱلۡمَآءَ صَبّٗا ٢٥

How We poured down water in torrents,

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا لَمّا يَقْضِ ما أمَرَهُ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ (كَلّا) رَدْعٌ لِلْإنْسانِ عَنْ تَكَبُّرِهِ وتَرَفُّعِهِ، أوْ عَنْ كُفْرِهِ وإصْرارِهِ عَلى إنْكارِ التَّوْحِيدِ، وعَلى إنْكارِهِ البَعْثَ والحَشْرَ والنَّشْرَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لَمّا يَقْضِ ما أمَرَهُ﴾ وُجُوهٌ:

أحَدُها: قالَ مُجاهِدٌ: لا يَقْضِي أحَدٌ جَمِيعَ ما كانَ مَفْرُوضًا عَلَيْهِ أبَدًا، وهو إشارَةٌ إلى أنَّ الإنْسانَ لا يَنْفَكُّ عَنْ تَقْصِيرٍ البَتَّةَ، وهَذا التَّفْسِيرُ عِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَمّا يَقْضِ﴾ الضَّمِيرُ فِيهِ عائِدٌ إلى المَذْكُورِ السّابِقِ، وهو الإنْسانُ في قَوْلِهِ: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ ولَيْسَ المُرادُ مِنَ الإنْسانِ هاهُنا جَمِيعَ النّاسِ بَلِ الإنْسانُ الكافِرُ، فَقَوْلُهُ: ﴿لَمّا يَقْضِ﴾ كَيْفَ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى جَمِيعِ النّاسِ؟ .

وثانِيها: أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ الإنْسانَ المُتَرَفِّعَ المُتَكَبِّرَ لَمْ يَقْضِ ما أُمِرَ بِهِ مِن تَرْكِ التَّكَبُّرِ، إذِ المَعْنى أنَّ ذَلِكَ الإنْسانَ الكافِرَ لَمْ يَقْضِ ما أُمِرَ بِهِ مِنَ التَّأمُّلِ في دَلائِلِ اللَّهِ، والتَّدَبُّرِ في عَجائِبِ خَلْقِهِ وبَيِّناتِ حِكْمَتِهِ.

وثالِثُها: قالَ الأُسْتاذُ أبُو بَكْرِ بْنُ فُورَكٍ: كَلّا لَمْ يَقْضِ اللَّهُ لِهَذا الكافِرِ ما أمَرَهُ مِنَ الإيمانِ وتَرْكِ التَّكَبُّرِ، بَلْ أمَرَهُ بِما لَمْ يَقْضِ لَهُ بِهِ.

واعْلَمْ أنَّ عادَةَ اللَّهِ تَعالى جارِيَةٌ في القُرْآنِ بِأنَّهُ كُلَّما ذَكَرَ الدَّلائِلَ المَوْجُودَةَ في الأنْفُسِ، فَإنَّهُ يَذْكُرُ عَقِيبَها الدَّلائِلَ المَوْجُودَةَ في الآفاقِ فَجَرى هاهُنا عَلى تِلْكَ العادَةِ وذَكَرَ دَلائِلَ الآفاقِ وبَدَأ بِما يَحْتاجُ الإنْسانُ إلَيْهِ.

فَقالَ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ﴾ الَّذِي يَعِيشُ بِهِ كَيْفَ دَبَّرْنا أمْرَهُ، ولا شَكَّ أنَّهُ مَوْضِعُ الِاعْتِبارِ،

صفحة ٥٧

فَإنَّ الطَّعامَ الَّذِي يَتَناوَلُهُ الإنْسانُ لَهُ حالَتانِ: إحْداهُما: مُتَقَدِّمَةٌ وهي الأُمُورُ الَّتِي لا بُدَّ مِن وُجُودِها حَتّى يَدْخُلَ ذَلِكَ الطَّعامُ في الوُجُودِ. والثّانِيَةُ: مُتَأخِّرَةٌ، وهي الأُمُورُ الَّتِي لا بُدَّ مِنها في بَدَنِ الإنْسانِ حَتّى يَحْصُلَ لَهُ الِانْتِفاعُ بِذَلِكَ الطَّعامِ المَأْكُولِ، ولَمّا كانَ النَّوْعُ الأوَّلُ أظْهَرَ لِلْحُسْنِ وأبْعَدَ عَنِ الشُّبْهَةِ، لا جَرَمَ اكْتَفى اللَّهُ تَعالى بِذِكْرِهِ، لِأنَّ دَلائِلَ القُرْآنِ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ بِحَيْثُ يَنْتَفِعُ بِها كُلُّ الخَلْقِ، فَلا بُدَّ وأنْ تَكُونَ أبْعَدَ عَنِ اللَّبْسِ والشُّبْهَةِ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ﴾ واعْلَمْ أنَّ النَّبْتَ إنَّما يَحْصُلُ مِنَ القَطْرِ النّازِلِ مِنَ السَّماءِ الواقِعِ في الأرْضِ، فالسَّماءُ كالذَّكَرِ، والأرْضُ كالأُنْثى فَذُكِرَ في بَيانِ نُزُولِ القَطْرِ.

قَوْلُهُ: ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: (صَبَبْنا) المُرادُ مِنهُ الغَيْثُ، ثُمَّ انْظُرْ في أنَّهُ كَيْفَ حَدَثَ الغَيْثُ المُشْتَمِلُ عَلى هَذِهِ المِياهِ العَظِيمَةِ، وكَيْفَ بَقِيَ مُعَلَّقًا في جَوِّ السَّماءِ مَعَ غايَةِ ثِقَلِهِ، وتَأمَّلْ في أسْبابِهِ القَرِيبَةِ والبَعِيدَةِ، حَتّى يَلُوحَ لَكَ شَيْءٌ مِن آثارِ نُورِ اللَّهِ وعَدْلِهِ وحِكْمَتِهِ، وفي تَدْبِيرِ خِلْقَةِ هَذا العالَمِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ إنّا بِالكَسْرِ، وهو عَلى الِاسْتِئْنافِ، وأنّا بِالفَتْحِ عَلى البَدَلِ مِنَ الطَّعامِ والتَّقْدِيرُ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ﴾ إلى أنّا كَيْفَ ﴿صَبَبْنا الماءَ﴾ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: مَن قَرَأ بِكَسْرِ إنّا كانَ ذَلِكَ تَفْسِيرًا لِلنَّظَرِ إلى طَعامِهِ، كَما أنَّ قَوْلَهُ (لَهم مَغْفِرَةٌ) [النُّورِ: ٢٦] تَفْسِيرٌ لِلْوَعْدِ، ومَن فَتَحَ فَعَلى مَعْنى البَدَلِ بَدَلِ الِاشْتِمالِ، لِأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ تَشْتَمِلُ عَلى كَوْنِ الطَّعامِ وحُدُوثِهِ، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١٧] وقَوْلُهُ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ ﴿النّارِ﴾ [البُرُوجِ: ٤،٥] .

80:26–30Page 585

ثُمَّ شَقَقۡنَا ٱلۡأَرۡضَ شَقّٗا ٢٦

Then We broke open the earth, splitting [it with sprouts],

فَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا حَبّٗا ٢٧

And caused to grow within it grain

وَعِنَبٗا وَقَضۡبٗا ٢٨

And grapes and herbage

وَزَيۡتُونٗا وَنَخۡلٗا ٢٩

And olive and palm trees

وَحَدَآئِقَ غُلۡبٗا ٣٠

And gardens of dense shrubbery

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ والمُرادُ شَقُّ الأرْضِ بِالنَّباتِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى ثَمانِيَةَ أنْواعٍ مِنَ النَّباتِ:

أوَّلُها: الحَبُّ: وهو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ وهو كُلُّ ما حُصِدَ مِن نَحْوِ الحِنْطَةِ والشَّعِيرِ وغَيْرِهِما، وإنَّما قَدَّمَ ذَلِكَ لِأنَّهُ كالأصْلِ في الأغْذِيَةِ.

وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعِنَبًا﴾ وإنَّما ذَكَرَهُ بَعْدَ الحَبِّ لِأنَّهُ غِذاءٌ مِن وجْهٍ وفاكِهَةٌ مِن وجْهٍ.

وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَضْبًا﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ الرُّطَبَةُ وهي الَّتِي إذا يَبِسَتْ سُمِّيَتْ بِالقَتِّ، وأهْلُ مَكَّةَ يُسَمُّونَها بِالقَضْبِ وأصْلُهُ مِنَ القَطْعِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ يُقْضَبُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، وكَذَلِكَ القَضِيبُ لِأنَّهُ يُقْضَبُ أيْ يُقْطَعُ. وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والضِّحاكِ ومُقاتِلٍ واخْتِيارُ الفَرّاءِ وأبِي عُبَيْدَةَ والأصْمَعِيِّ.

والثّانِي: قالَ المُبَرِّدُ: القَضْبُ هو العَلَفُ بِعَيْنِهِ، وأصْلُهُ مِن أنَّهُ يُقْضَبُ أيْ يُقْطَعُ وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

والرّابِعُ والخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وزَيْتُونًا ونَخْلًا﴾ ومَنافِعُهُما قَدْ تَقَدَّمَتْ في هَذا الكِتابِ.

صفحة ٥٨

وسادِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحَدائِقَ غُلْبًا﴾ الأصْلُ في الوَصْفِ بِالغُلْبِ الرِّقابُ، فالغُلْبُ الغِلاظُ الأعْناقُ، الواحِدُ أغْلَبُ يُقالُ أسَدٌ أغْلَبُ. ثُمَّ هاهُنا قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ وصْفَ كُلِّ حَدِيقَةٍ بِأنَّ أشْجارَها مُتَكاثِفَةٌ مُتَقارِبَةٌ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ ومُقاتِلٍ قالا: الغُلْبُ المُلْتَفَّةُ الشَّجَرِ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، يُقالُ: اغْلَوْلَبَ العُشْبُ واغْلَوْلَبَتِ الأرْضُ إذا التَفَّ عُشْبُها.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ وصْفَ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأشْجارِ بِالغِلَظِ والعِظَمِ، قالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الشَّجَرَ العِظامَ، وقالَ الفَرّاءُ: الغُلْبُ ما غَلُظَ مِنَ النَّخْلِ.

80:31–37Page 585

وَفَٰكِهَةٗ وَأَبّٗا ٣١

And fruit and grass -

مَّتَٰعٗا لَّكُمۡ وَلِأَنۡعَٰمِكُمۡ ٣٢

[As] enjoyment [i.e., provision] for you and your grazing livestock.

فَإِذَا جَآءَتِ ٱلصَّآخَّةُ ٣٣

But when there comes the Deafening Blast1

يَوۡمَ يَفِرُّ ٱلۡمَرۡءُ مِنۡ أَخِيهِ ٣٤

On the Day a man will flee from his brother

وَأُمِّهِۦ وَأَبِيهِ ٣٥

And his mother and his father

وَصَٰحِبَتِهِۦ وَبَنِيهِ ٣٦

And his wife and his children,

لِكُلِّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُمۡ يَوۡمَئِذٖ شَأۡنٞ يُغۡنِيهِ ٣٧

For every man, that Day, will be a matter adequate for him.1

وسابِعُها: قَوْلُهُ: (وفاكِهَةً) وقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الفاكِهَةَ مَعْطُوفَةً عَلى العِنَبِ والزَّيْتُونِ والنَّخْلِ وجَبَ أنْ لا تَدْخُلَ هَذِهِ الأشْياءُ في الفاكِهَةِ، وهَذا قَرِيبٌ مِن جِهَةِ الظّاهِرِ، لِأنَّ المَعْطُوفَ مُغايِرٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.

وثامِنُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأبًّا﴾ والأبُّ هو المَرْعى، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: لِأنَّهُ يُؤَبُّ أيْ يُؤَمُّ ويُنْتَجَعُ، والأبُّ والأمُّ أخَوانِ، قالَ الشّاعِرُ:

جِذْمُنا قَيْسٌ ونَجْدٌ دارُنا لَنا الأبُّ بِهِ والمَكْرَعُ

وقِيلَ: الأبُّ الفاكِهَةُ اليابِسَةُ لِأنَّها تُؤَبُّ لِلشِّتاءِ أيْ تُعَدُّ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ما يَغْتَذِي بِهِ النّاسُ والحَيَوانُ قالَ: ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ .

قالَ الفَرّاءُ: خَلَقْناهُ مَنفَعَةً ومُتْعَةً لَكم ولِأنْعامِكُمْ، وقالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَأنْبَتْنا﴾ لِأنَّ إنْباتَهُ هَذِهِ الأشْياءَ إمْتاعٌ لِجَمِيعِ الحَيَوانِ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الأشْياءَ وكانَ المَقْصُودُ مِنها أُمُورًا ثَلاثَةً: أوَّلُها: الدَّلائِلُ الدّالَّةُ عَلى التَّوْحِيدِ.

وثانِيها: الدَّلائِلُ الدّالَّةُ عَلى القُدْرَةِ عَلى المَعادِ.

وثالِثُها: أنَّ هَذا الإلَهَ الَّذِي أحْسَنَ إلى عَبِيدِهِ بِهَذِهِ الأنْواعِ العَظِيمَةِ مِنَ الإحْسانِ، لا يَلِيقُ بِالعاقِلِ أنْ يَتَمَرَّدَ عَنْ طاعَتِهِ وأنْ يَتَكَبَّرَ عَلى عَبِيدِهِ؛ أتْبَعَ هَذِهِ الجُمْلَةَ بِما يَكُونُ مُؤَكِّدًا لِهَذِهِ الأغْراضِ وهو شَرْحُ أهْوالِ القِيامَةِ، فَإنَّ الإنْسانَ إذا سَمِعَها خافَ فَيَدْعُوهُ ذَلِكَ الخَوْفُ إلى التَّأمُّلِ في الدَّلائِلِ والإيمانِ بِها والإعْراضِ عَنِ الكُفْرِ، ويَدْعُوهُ ذَلِكَ أيْضًا إلى تَرْكِ التَّكَبُّرِ عَلى النّاسِ، وإلى إظْهارِ التَّواضُعِ إلى كُلِّ أحَدٍ فَلا جَرَمَ ذَكَرَ القِيامَةَ فَقالَ: ﴿فَإذا جاءَتِ الصّاخَّةُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي صَيْحَةَ القِيامَةِ وهي النَّفْخَةُ الأخِيرَةُ، قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُ الصَّخِّ في اللُّغَةِ الطَّعْنُ والصَّكُّ، يُقالُ صَخَّ رَأْسَهُ بِحَجَرٍ أيْ شَدَخَهُ، والغُرابُ يَصُخُّ بِمِنقارِهِ في دُبُرِ البَعِيرِ أيْ يَطْعَنُ، فَمَعْنى الصّاخَّةِ الصّاكَّةِ بِشِدَّةِ صَوْتِها لِلْآذانِ. وذَكَرَ صاحِبُ الكَشّافِ وجْهًا آخَرَ فَقالَ: يُقالُ صَخَّ لِحَدِيثِهِ مِثْلُ أصاخَ لَهُ، فَوُصِفَتِ النَّفْخَةُ بِالصّاخَّةِ مَجازًا لِأنَّ النّاسَ يَصِخُّونَ لَها أيْ يَسْتَمِعُونَ.

صفحة ٥٩

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ هَوْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ ﴿وأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ ﴿وصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الفِرارِ ما يُشْعِرُ بِهِ ظاهَرُهُ وهو التَّباعُدُ والِاحْتِرازُ والسَّبَبُ في ذَلِكَ الفِرارِ الِاحْتِرازُ عَنِ المُطالَبَةِ بِالتَّبِعاتِ، يَقُولُ الأخُ: ما واسَيْتَنِي بِمالِكَ، والأبَوانِ يَقُولانِ: قَصَّرْتَ في بِرِّنا، والصّاحِبَةُ تَقُولُ: أطْعَمْتَنِي الحَرامَ، وفَعَلْتَ وصَنَعْتَ، والبَنُونَ يَقُولُونَ: ما عَلَّمْتَنا وما أرْشَدْتَنا، وقِيلَ: أوَّلُ مَن يَفِرُّ مِن أخِيهِ هابِيلُ، ومِن أبَوَيْهِ إبْراهِيمُ، ومِن صاحَبَتِهِ نُوحٌ ولُوطٌ، ومِنِ ابْنِهِ نُوحٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الفِرارِ لَيْسَ هو التَّباعُدُ، بَلِ المَعْنى أنَّهُ يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن مُوالاةِ أخِيهِ لِاهْتِمامِهِ بِشَأْنِهِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البَقَرَةِ: ١٦٦] وأمّا الفِرارُ مِن نُصْرَتِهِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾ [الدُّخانِ: ٤١] وأمّا تَرْكُ السُّؤالِ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المَعارِجِ: ١٠] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ أنَّ الَّذِينَ كانَ المَرْءُ في دارِ الدُّنْيا يَفِرُّ إلَيْهِمْ ويَسْتَجِيرُ بِهِمْ، فَإنَّهُ يَفِرُّ مِنهم في دارِ الآخِرَةِ، ذَكَرُوا في فائِدَةِ التَّرْتِيبِ كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ بَلْ مِن أبَوَيْهِ فَإنَّهُما أقْرَبُ مِنَ الأخَوَيْنِ بَلْ مِنَ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ، لِأنَّ تَعَلُّقَ القَلْبِ بِهِما أشَدُّ مِن تَعَلُّقِهِ بِالأبَوَيْنِ.

80:38–39Page 585

وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ مُّسۡفِرَةٞ ٣٨

[Some] faces, that Day, will be bright -

ضَاحِكَةٞ مُّسۡتَبۡشِرَةٞ ٣٩

Laughing, rejoicing at good news.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذا الفِرارَ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ سَبَبِهِ فَقالَ تَعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿يُغْنِيهِ﴾ وجْهانِ:

الأوَّلُ: قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُغْنِيهِ أيْ يَصْرِفُهُ ويَصُدُّهُ عَنْ قَرابَتِهِ وأنْشَدَ:

سَيُغْنِيكَ حَرْبُ بَنِي مالِكٍ عَنِ الفُحْشِ والجَهْلِ في المَحْفِلِ

أيْ سَيَشْغَلُكَ، ويُقالُ: أغْنِ عَنِّي وجْهَكَ أيِ اصْرِفْهُ.

الثّانِي: قالَ أهْلُ المَعانِي: يُغْنِيهِ أيْ ذَلِكَ الهَمُّ الَّذِي بِسَبَبِ خاصَّةِ نَفْسِهِ قَدْ مَلَأ صَدْرَهُ، فَلَمْ يَبْقَ فِيهِ مُتَّسَعٌ لِهَمٍّ آخَرَ، فَصارَ شَبِيهًا بِالغَنِيِّ في أنَّهُ حَصَلَ عِنْدَهُ مِن ذَلِكَ المَمْلُوكِ شَيْءٌ كَثِيرٌ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حالَ يَوْمِ القِيامَةِ في الهَوْلِ، بَيَّنَ أنَّ المُكَلَّفِينَ فِيهِ عَلى قِسْمَيْنِ مِنهُمُ السُّعَداءُ، ومِنهُمُ الأشْقِياءُ فَوَصَفَ السُّعَداءَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ مُسْفِرَةٌ مُضِيئَةٌ مُتَهَلِّلَةٌ، مِن أسْفَرَ الصُّبْحُ إذا أضاءَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مِن قِيامِ اللَّيْلِ لِما رُوِيَ: «مَن كَثُرَتْ صَلاتُهُ بِاللَّيْلِ، حَسُنَ وجْهُهُ بِالنَّهارِ»، وعَنِ الضَّحّاكِ: مِن آثارِ الوُضُوءِ، وقِيلَ مِن طُولِ ما اغْبَرَّتْ في سَبِيلِ اللَّهِ، وعِنْدِي أنَّهُ بِسَبَبِ الخَلاصِ مِن عَلائِقِ الدُّنْيا والِاتِّصالِ بِعالَمِ القُدْسِ ومَنازِلِ الرِّضْوانِ والرَّحْمَةِ، ضاحِكَةٌ: قالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي بِالفَراغِ مِنَ الحِسابِ مُسْتَبْشِرَةٌ فَرِحَةٌ بِما نالَتْ مِن كَرامَةِ اللَّهِ ورِضاهُ، واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ مُسْفِرَةٌ إشارَةٌ إلى الخَلاصِ عَنْ هَذا العالَمِ وتَبِعاتِهِ، وأمّا الضّاحِكَةُ والمُسْتَبْشِرَةُ، فَهُما مَحْمُولَتانِ عَلى القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ، أوْ عَلى وِجْدانِ المَنفَعَةِ ووِجْدانِ التَّعْظِيمِ.

80:40–42Page 585

وَوُجُوهٞ يَوۡمَئِذٍ عَلَيۡهَا غَبَرَةٞ ٤٠

And [other] faces, that Day, will have upon them dust.

تَرۡهَقُهَا قَتَرَةٌ ٤١

Blackness will cover them.

أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَفَرَةُ ٱلۡفَجَرَةُ ٤٢

Those are the disbelievers, the wicked ones.

﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ قالَ المُبَرِّدُ: الغَبَرَةُ ما يُصِيبُ الإنْسانَ مِنَ الغُبارِ، وقَوْلُهُ: ﴿تَرْهَقُها﴾ أيْ تُدْرِكُها عَنْ قُرْبٍ، كَقَوْلِكَ: رَهِقْتُ الجَبَلَ إذا لَحِقْتُهُ بِسُرْعَةٍ، والرَّهَقُ عَجَلَةُ الهَلاكِ، والقَتَرَةُ سَوادٌ كالدُّخانِ، ولا يُرى أوْحَشُ مِنَ اجْتِماعِ الغَبَرَةِ والسَّوادِ في الوَجْهِ، كَما تَرى وُجُوهَ الزُّنُوجِ إذا اغْبَرَّتْ، وكَأنَّ اللَّهَ تَعالى جَمَعَ في وُجُوهِهِمْ بَيْنَ السَّوادِ والغَبَرَةِ، كَما جَمَعُوا بَيْنَ الكُفْرِ والفُجُورِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

واعْلَمْ أنَّ المُرْجِئَةَ والخَوارِجَ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، أمّا المُرْجِئَةُ فَقالُوا: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ أهْلَ القِيامَةِ قِسْمانِ: أهْلُ الثَّوابِ، وأهْلُ العِقابِ. ودَلَّتْ عَلى أنَّ أهِلَ العِقابِ هُمُ الكَفَرَةُ، وثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ الفُسّاقَ مِن أهْلِ الصَّلاةِ لَيْسُوا بِكَفَرَةٍ، وإذا لَمْ يَكُونُوا مِنَ الكَفَرَةِ كانُوا مِن أهْلِ الثَّوابِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ مِن أهْلِ الصَّلاةِ لَيْسَ لَهُ عِقابٌ، وأمّا الخَوارِجُ فَإنَّهم قالُوا: دَلَّتْ سائِرُ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ يُعاقَبُ، ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ كُلَّ مَن يُعاقَبُ فَإنَّهُ كافِرٌ، فَيَلْزَمُ أنَّ كُلَّ مُذْنِبٍ فَإنَّهُ كافِرٌ. والجَوابُ: أكْثَرُ ما في البابِ أنَّ المَذْكُورَ هاهُنا هو هَذا الفَرِيقانِ، وذَلِكَ لا يَقْتَضِي نَفْيَ الفَرِيقِ الثّالِثِ، واللَّهُ أعْلَمُ؛ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ وصَلاتُهُ عَلى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском