Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Mutaffifin 83:22–36
83:22–28Page 588
إِنَّ ٱلۡأَبۡرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ٢٢
Indeed, the righteous will be in pleasure
عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ ٢٣
On adorned couches, observing.
تَعۡرِفُ فِي وُجُوهِهِمۡ نَضۡرَةَ ٱلنَّعِيمِ ٢٤
You will recognize in their faces the radiance of pleasure.
يُسۡقَوۡنَ مِن رَّحِيقٖ مَّخۡتُومٍ ٢٥
They will be given to drink [pure] wine1 [which was] sealed.
خِتَٰمُهُۥ مِسۡكٞۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلۡيَتَنَافَسِ ٱلۡمُتَنَٰفِسُونَ ٢٦
The last of it1 is musk. So for this let the competitors compete.
وَمِزَاجُهُۥ مِن تَسۡنِيمٍ ٢٧
And its mixture is of Tasneem,1
عَيۡنٗا يَشۡرَبُ بِهَا ٱلۡمُقَرَّبُونَ ٢٨
A spring from which those near [to Allāh] drink.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ وفي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا عَظَّمَ كِتابَهم في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَظَّمَ بِهَذِهِ الآيَةِ مَنزِلَتَهم، فَقالَ: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ثُمَّ وصَفَ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ النَّعِيمِ بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ قالَ القَفّالُ: الأرائِكُ الأسِرَّةُ في الحِجالِ، ولا تُسَمّى أرِيكَةً فِيما زَعَمُوا إلّا إذا كانَتْ كَذَلِكَ، وعَنِ الحَسَنِ: كُنّا لا نَدْرِي ما الأرِيكَةُ حَتّى لَقِينا رَجُلًا مِن أهْلِ اليَمَنِ أخْبَرَنا أنَّ الأرِيكَةَ عِنْدَهم ذَلِكَ.
أمّا قَوْلُهُ: (يُنْظَرُونَ) فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ.
أحَدُها: يَنْظُرُونَ إلى أنْواعِ نِعَمِهِمْ في الجَنَّةِ مِنَ الحُورِ العِينِ والوِلْدانِ، وأنْواعِ الأطْعِمَةِ والأشْرِبَةِ والمَلابِسِ والمَراكِبِ وغَيْرِها، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«يَلْحَظُ المُؤْمِنُ فَيُحِيطُ بِكُلِّ ما آتاهُ اللَّهُ وإنَّ أدْناهم يَتَراءى لَهُ مِثْلُ سَعَةِ الدُّنْيا» “ .
والثّانِي: قالَ مُقاتِلٌ: يَنْظُرُونَ إلى عَدُوِّهِمْ حِينَ يُعَذَّبُونَ في النّارِ.
والثّالِثُ: إذا اشْتَهَوْا شَيْئًا نَظَرُوا إلَيْهِ فَيَحْضُرُهم ذَلِكَ الشَّيْءُ في الحالِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الأوْجُهَ الثَّلاثَةَ مِن بابِ أنْواعِ جِنْسٍ واحِدٍ وهو المَنظُورُ إلَيْهِ، فَوَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى الكُلِّ، ويَخْطُرُ بِبالِي تَفْسِيرٌ رابِعٌ: وهو أشْرَفُ مِنَ الكُلِّ وهو أنَّهم يَنْظُرُونَ إلى رَبِّهِمْ ويَتَأكَّدُ هَذا التَّأْوِيلُ بِما إنَّهُ قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ والنَّظَرُ المَقْرُونُ بِالنَّضْرَةِ هو رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعالى عَلى ما قالَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢-٢٣]
صفحة ٩٠
ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا التَّأْوِيلُ أنَّهُ يَجِبُ الِابْتِداءُ بِذِكْرِ أعْظَمِ اللَّذّاتِ، وما هو إلّا رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعالى ؟ وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَعْنى إذا رَأيْتَهم عَرَفْتَ أنَّهم أهْلُ النِّعْمَةِ بِسَبَبِ ما تَرى في وُجُوهِهِمْ مِنَ القَرائِنِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ ثُمَّ في تِلْكَ القَرائِنِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ ما يُشاهَدُ في وُجُوهِهِمْ مِنَ الضَّحِكِ والِاسْتِبْشارِ، عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨] .
والثّانِي: قالَ عَطاءٌ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُزِيدُ في وُجُوهِهِمْ مِنَ النُّورِ والحُسْنِ والبَياضِ ما لا يَصِفُهُ واصِفٌ، وتَفْسِيرُ النَّضْرَةِ: قَدْ سَبَقَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ناضِرَةٌ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ: (تُعْرَفُ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ (جَنّاتُ النَّعِيمِ) بِالرَّفْعِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في بَيانِ أنَّ الرَّحِيقَ ما هو ؟ قالَ اللَّيْثُ: ”الرَّحِيقُ“ الخَمْرُ. وأنْشَدَ لِحَسّانَ.
بَرَدى يُصَفِّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والزَّجّاجُ: ”الرَّحِيقُ“ مِنَ الخَمْرِ ما لا غِشَّ فِيهِ ولا شَيْءَ يُفْسِدُهُ، ولَعَلَّهُ هو الخَمْرُ الَّذِي وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ [الصافات: ٤٧] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى لِهَذا: (الرَّحِيقِ) صِفاتٍ:
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿مَخْتُومٍ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ القَفّالُ: يَحْتَمِلُ أنْ هَؤُلاءِ يُسْقَوْنَ مِن شَرابٍ مَخْتُومٍ قَدْ خُتِمَ عَلَيْهِ تَكْرِيمًا لَهُ بِالصِّيانَةِ عَلى ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ مِن خَتْمِ ما يُكْرَمُ ويُصانُ، وهُناكَ خَمْرٌ آخَرُ تَجْرِي مِنها أنْهارٌ كَما قالَ: ﴿وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [محمد: ١٥] إلّا أنَّ هَذا المَخْتُومَ أشْرَفُ في الجارِي.
الثّانِي: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والمُبَرِّدُ والزَّجّاجُ: المَخْتُومُ الَّذِي لَهُ خِتامٌ أيْ عاقِبَةٌ.
والثّالِثُ: رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ في مَخْتُومٍ أنَّهُ مَمْزُوجٌ، قالَ الواحِدِيُّ: ولَيْسَ بِتَفْسِيرٍ لِأنَّ الخَتْمَ لا يَكُونُ تَفْسِيرُهُ المَزْجَ، ولَكِنْ لَمّا كانَتْ لَهُ عاقِبَةٌ هي رِيحُ المِسْكِ فَسَّرَهُ بِالمَمْزُوجِ، لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَمْتَزِجْ بِالمِسْكِ لَما حَصَلَ فِيهِ رِيحُ المِسْكِ.
الرّابِعُ: قالَ مُجاهِدٌ: مَخْتُومٌ مُطَيَّنٌ، قالَ الواحِدِيُّ: كَأنَّ مُرادَهُ مِنَ الخَتْمِ بِالطِّينِ، هو أنْ لا تَمَسَّهُ يَدٌ إلى أنْ يَفُكَّ خَتْمَهُ الأبْرارُ، والأقْرَبُ مِن جَمِيعِ هَذِهِ الوُجُوهِ الوَجْهُ الأوَّلُ الَّذِي ذَكَرَهُ القَفّالُ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: لِهَذا الرَّحِيقِ قَوْلُهُ: ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ القَفّالُ: مَعْناهُ أنَّ الَّذِي يُخْتَمُ بِهِ رَأسُ قارُورَةِ ذَلِكَ الرَّحِيقِ هو المِسْكُ، كالطِّينِ الَّذِي يُخْتَمُ بِهِ رُءُوسُ القَوارِيرِ، فَكانَ ذَلِكَ المِسْكُ رَطْبًا يَنْطَبِعُ فِيهِ الخاتَمُ، وهَذا الوَجْهُ مُطابِقٌ لِلْوَجْهِ الأوَّلِ الَّذِي حَكَيْناهُ عَنِ القَفّالِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿مَخْتُومٍ﴾ .
الثّانِي: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ أيْ عاقِبَتُهُ المِسْكُ أيْ يُخْتَمُ لَهُ آخِرُهُ بِرِيحِ المِسْكِ، وهَذا الوَجْهُ مُطابِقٌ لِلْوَجْهِ الَّذِي حَكَيْناهُ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿مَخْتُومٍ﴾ كَأنَّهُ تَعالى قالَ مِن رَحِيقٍ لَهُ عاقِبَةٌ، ثُمَّ فَسَّرَ تِلْكَ العاقِبَةَ فَقالَ: تِلْكَ العاقِبَةُ مِسْكٌ أيْ مَن شَرِبَهُ كانَ خَتْمُ شُرْبِهِ عَلى رِيحِ المِسْكِ، وهَذا قَوْلُ عَلْقَمَةَ والضَّحّاكِ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومُقاتِلٍ وقَتادَةَ قالُوا: إذا رَفَعَ الشّارِبُ فاهُ مِن آخِرِ شَرابِهِ وجَدَ رِيحَهُ كَرِيحِ المِسْكِ، والمَعْنى لَذاذَةُ
صفحة ٩١
المَقْطَعِ وذَكاءُ الرّائِحَةِ وأرَجُها، مَعَ طِيبِ الطَّعْمِ، والخِتامُ آخِرُ كُلِّ شَيْءٍ، ومِنهُ يُقالُ: خَتَمْتُ القُرْآنَ، والأعْمالُ بِخَواتِيمِها ويُؤَكِّدُهُ قِراءَةُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، واخْتِيارُ الكِسائِيِّ فَإنَّهُ يَقْرَأُ: ”خاتَمُهُ مِسْكٌ“ أيْ آخِرُهُ كَما يُقالُ: خاتَمُ النَّبِيِّينَ، قالَ الفَرّاءُ: وهُما مُتَقارِبانِ في المَعْنى إلّا أنَّ الخاتَمَ اسْمٌ والخِتامَ مَصْدَرٌ كَقَوْلِهِمْ: هو كَرِيمُ الطِّباعِ والطّابَعِ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ خَلَطَهُ مِسْكٌ، وذَكَرُوا أنَّ فِيهِ تَطْيِيبًا لِطَعْمِهِ. وقِيلَ: بَلْ لِرِيحِهِ وأقُولُ: لَعَلَّ المُرادَ أنَّ الخَمْرَ المَمْزُوجَ بِهَذِهِ الأفاوِيهِ الحارَّةِ مِمّا يُعِينُ عَلى الهَضْمِ وتَقْوِيَةِ الشَّهْوَةِ، فَلَعَلَّ المُرادَ مِنهُ الإشارَةُ إلى قُوَّةِ شَهْوَتِهِمْ وصِحَّةِ أبْدانِهِمْ، وهَذا القَوْلُ رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ الأسْوَدِ عَنْ عائِشَةَ، تَقُولُ المَرْأةُ لَقَدْ أخَذْتُ خَتْمَ طِينِيٍّ، أيْ لَقَدْ أخَذْتُ أخْلاطَ طِينِيٍّ، قالَ أبُو الدَّرْداءِ: هو شَرابٌ أبْيَضُ مِثْلُ الفِضَّةِ، يَخْتِمُونَ بِهِ آخِرَ شُرْبِهِمْ، لَوْ أنَّ رَجُلًا مِن أهْلِ الدُّنْيا أدْخَلَ فِيهِ يَدَهُ ثُمَّ أخْرَجَها لَمْ يَبْقَ ذُو رُوحٍ إلّا وجَدَ طِيبَ رِيحِهِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: يُقالُ: نَفَسْتُ عَلَيْهِ الشَّيْءَ أنْفَسُهُ نَفاسَةً إذا ضَنَنْتَ بِهِ ولَمْ تُحِبَّ أنْ يَصِيرَ إلَيْهِ، والتَّنافُسُ تَفاعُلٌ مِنهُ كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الشَّخْصَيْنِ يُرِيدُ أنْ يَسْتَأْثِرَ بِهِ، والمَعْنى: وفي ذَلِكَ فَلْيَرْغَبِ الرّاغِبُونَ بِالمُبادَرَةِ إلى طاعَةِ اللَّهِ.
واعْلَمْ أنَّ مُبالَغَةَ اللَّهِ تَعالى في التَّرْغِيبِ فِيهِ تَدُلُّ عَلى عُلُوِّ شَأْنِهِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ التَّنافُسَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ في مِثْلِ ذَلِكَ النَّعِيمِ العَظِيمِ الدّائِمِ، لا في النَّعِيمِ الَّذِي هو مُكَدَّرٌ سَرِيعُ الفَناءِ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: تَسْنِيمٌ عَلَمٌ لَعَيْنٍ بِعَيْنِها في الجَنَّةِ سُمِّيَتْ بِالتَّسْنِيمِ الَّذِي هو مَصْدَرُ سَنَّمَهُ إذا رَفَعَهُ، إمّا لِأنَّها أرْفَعُ شَرابٍ في الجَنَّةِ، وإمّا لِأنَّها تَأْتِيهِمْ مِن فَوْقُ، عَلى ما رُوِيَ أنَّها تَجْرِي في الهَواءِ مُسَنَّمَةً فَتَنْصَبُّ في أوانِيهِمْ، وإمّا لِأنَّها لِأجْلِ كَثْرَةِ مَلْئِها وسُرْعَتِهِ تَعْلُو عَلى كُلِّ شَيْءٍ تَمُرُّ بِهِ وهو تَسْنِيمُهُ، أوْ لِأنَّهُ عِنْدَ الجَرْيِ يُرى فِيهِ ارْتِفاعٌ وانْخِفاضٌ، فَهو التَّسْنِيمُ أيْضًا، وذَلِكَ لِأنَّ أصْلَ هَذِهِ الكَلِمَةِ لِلْعُلُوِّ والِارْتِفاعِ، ومِنهُ سَنامُ البَعِيرِ وتَسَنَّمْتُ الحائِطَ إذا عَلَوْتُهُ، وأمّا قَوْلُ المُفَسِّرِينَ: فَرَوى مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ سُئِلَ عَنْ تَسْنِيمَ، فَقالَ هَذا مِمّا يَقُولُ اللَّهُ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] ويَقْرُبُ مِنهُ ما قالَ الحَسَنُ: وهو أنَّهُ أمْرٌ أخْفاهُ اللَّهُ تَعالى لِأهْلِ الجَنَّةِ قالَ الواحِدِيُّ: وعَلى هَذا لا يُعْرَفُ لَهُ اشْتِقاقٌ وهو اسْمٌ مَعْرِفَةٌ، وعَنْ عِكْرِمَةَ: ”﴿مِن تَسْنِيمٍ﴾“ مِن تَشْرِيفٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّ تَسْنِيمَ عَيْنٌ يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أشْرَفُ شَرابِ أهْلِ الجَنَّةِ هو تَسْنِيمُ، لِأنَّهُ يَشْرَبُهُ المُقَرَّبُونَ صِرْفًا، ويُمْزَجُ لِأصْحابِ اليَمِينِ.
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قَسَّمَ المُكَلَّفِينَ في سُورَةِ الواقِعَةِ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: المُقَرَّبُونَ، وأصْحابُ اليَمِينِ وأصْحابُ الشِّمالِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ كَرامَةَ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ السُّورَةِ بِأنَّهُ يُمْزَجُ شَرابُهم مِن عَيْنٍ يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ؛ عَلِمْنا أنَّ المَذْكُورِينَ في هَذا المَوْضِعِ هم أصْحابُ اليَمِينِ، وأقُولُ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الأنْهارَ مُتَفاوِتَةٌ في الفَضِيلَةِ، فَتَسْنِيمُ أفْضَلُ أنْهارِ الجَنَّةِ، والمُقَرَّبُونَ أفْضَلُ أهْلِ الجَنَّةِ، والتَّسْنِيمُ في الجَنَّةِ الرُّوحانِيَّةِ هو مَعْرِفَةُ اللَّهِ ولَذَّةُ النَّظَرِ إلى وجْهِ اللَّهِ الكَرِيمِ، والرَّحِيقُ هو الِابْتِهاجُ بِمُطالَعَةِ عالَمِ المَوْجُوداتِ، فالمُقَرَّبُونَ لا يَشْرَبُونَ إلّا مِنَ التَّسْنِيمِ، أيْ لا يَشْتَغِلُونَ إلّا بِمُطالَعَةِ وجْهِهِ الكَرِيمِ، وأصْحابُ اليَمِينِ يَكُونُ شَرابُهم مَمْزُوجًا، فَتارَةً يَكُونُ نَظَرُهم إلَيْهِ وتارَةً إلى مَخْلُوقاتِهِ.
صفحة ٩٢
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: (عَيْنًا) نُصِبَ عَلى المَدْحِ وقالَ الزَّجّاجُ: نُصِبَ عَلى الحالِ، وقَوْلُهُ: ﴿يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] وقَدْ مَرَّ.
83:29–36Page 588
إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضۡحَكُونَ ٢٩
Indeed, those who committed crimes used to laugh at those who believed.
وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمۡ يَتَغَامَزُونَ ٣٠
And when they passed by them, they would exchange derisive glances.
وَإِذَا ٱنقَلَبُوٓاْ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ ٣١
And when they returned to their people, they would return jesting.
وَإِذَا رَأَوۡهُمۡ قَالُوٓاْ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ لَضَآلُّونَ ٣٢
And when they saw them, they would say, "Indeed, those are truly lost."
وَمَآ أُرۡسِلُواْ عَلَيۡهِمۡ حَٰفِظِينَ ٣٣
But they had not been sent as guardians over them.
فَٱلۡيَوۡمَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَ ٱلۡكُفَّارِ يَضۡحَكُونَ ٣٤
So Today1 those who believed are laughing at the disbelievers,
عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ ٣٥
On adorned couches, observing.
هَلۡ ثُوِّبَ ٱلۡكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ ٣٦
Have the disbelievers [not] been rewarded [this Day] for what they used to do?
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ ﴿وإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ ﴿وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ ﴿وإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ ﴿وما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا وصَفَ كَرامَةَ الأبْرارِ في الآخِرَةِ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ قُبْحَ مُعامَلَةِ الكُفّارِ مَعَهم في الدُّنْيا في اسْتِهْزائِهِمْ وضَحِكِهِمْ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ سَيَنْقَلِبُ عَلى الكُفّارِ في الآخِرَةِ، والمَقْصُودُ مِنهُ تَسْلِيَةُ المُؤْمِنِينَ وتَقْوِيَةُ قُلُوبِهِمْ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في سَبَبِ النُّزُولِ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ أكابِرُ المُشْرِكِينَ كَأبِي جَهْلٍ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ والعاصِي بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ كانُوا يَضْحَكُونَ مِن عَمّارٍ وصُهَيْبٍ وبِلالٍ وغَيْرِهِمْ مِن فُقَراءِ المُسْلِمِينَ ويَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ.
الثّانِي: جاءَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ في نَفَرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فَسَخِرَ مِنهُمُ المُنافِقُونَ وضَحِكُوا وتَغامَزُوا ثُمَّ رَجَعُوا إلى أصْحابِهِمْ فَقالُوا: رَأيْنا اليَوْمَ الأصْلَعَ فَضَحِكُوا مِنهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَبْلَ أنْ يَصِلَ عَلِيٌّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أرْبَعَةَ أشْياءَ مِنَ المُعامَلاتِ القَبِيحَةِ.
فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ أيْ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ وبِدِينِهِمْ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ أيْ يَتَفاعَلُونَ مِنَ الغَمْزِ، وهو الإشارَةُ بِالجَفْنِ والحاجِبِ ويَكُونُ الغَمْزُ أيْضًا بِمَعْنى العَيْبِ وغَمَزَهُ إذا عابَهُ، وما في فُلانٍ غَمِيزَةٌ أيْ ما يُعابُ بِهِ، والمَعْنى أنَّهم يُشِيرُونَ إلَيْهِمْ بِالأعْيُنِ اسْتِهْزاءً ويَعِيبُونَهم، ويَقُولُونَ: انْظُرُوا إلى هَؤُلاءِ يُتْعِبُونَ أنْفُسَهم ويَحْرِمُونَها لَذّاتِها ويُخاطِرُونَ بِأنْفُسِهِمْ في طَلَبِ ثَوابٍ لا يَتَيَقَّنُونَهُ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ مُعْجَبِينَ بِما هم فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ والمَعْصِيَةِ والتَّنَعُّمِ بِالدُّنْيا، أوْ يَتَفَكَّهُونَ بِذِكْرِ المُسْلِمِينَ بِالسُّوءِ، قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ عَنْهُ: ”فَكِهِينَ“ بِغَيْرِ ألِفٍ في هَذا المَوْضِعِ وحْدَهُ، وفي سائِرِ القُرْآنِ: (فاكِهِينَ) بِالألِفِ وقَرَأ الباقُونَ فاكِهِينَ بِالألِفِ، فَقِيلَ: هُما لُغَتانِ، وقِيلَ: فاكِهِينَ أيْ مُتَنَعِّمِينَ مَشْغُولِينَ بِما هم فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والتَّنَعُّمِ بِالدُّنْيا وفَكِهِينَ مُعْجَبِينَ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ أيْ هم عَلى ضَلالٍ في تَرْكِهِمُ التَّنَعُّمَ الحاضِرَ بِسَبَبِ طَلَبِ ثَوابٍ لا يُدْرى هَلْ لَهُ وُجُودٌ أمْ لا، وهَذا آخِرُ ما حَكاهُ تَعالى عَنِ الكُفّارِ.
صفحة ٩٣
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ يَعْنِي أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَبْعَثْ هَؤُلاءِ الكُفّارَ رُقَباءَ عَلى المُؤْمِنِينَ، يَحْفَظُونَ عَلَيْهِمْ أحْوالَهم ويَتَفَقَّدُونَ ما يَصْنَعُونَهُ مِن حَقٍّ أوْ باطِلٍ، فَيَعِيبُونَ عَلَيْهِمْ ما يَعْتَقِدُونَهُ ضَلالًا، بَلْ إنَّما أُمِرُوا بِإصْلاحِ أنْفُسِهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَعْنى أنَّ في هَذا اليَوْمِ الَّذِي هو يَوْمُ تَصْقَعُ الأعْمالُ والمُحاسَبَةُ يَضْحَكُ المُؤْمِنُ مِنَ الكافِرِ، وفي سَبَبِ هَذا الضَّحِكِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ الكُفّارَ كانُوا يَضْحَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا بِسَبَبِ ما هم فِيهِ مِنَ الضُّرِّ والبُؤْسِ، وفي الآخِرَةِ يَضْحَكُ المُؤْمِنُونَ عَلى الكافِرِينَ بِسَبَبِ ما هم فِيهِ مِن أنْواعِ العَذابِ والبَلاءِ، ولِأنَّهم عَلِمُوا أنَّهم كانُوا في الدُّنْيا عَلى غَيْرِ شَيْءٍ، وأنَّهم قَدْ باعُوا باقِيًا بِفانٍ ويَرَوْنَ أنْفُسَهم قَدْ فازُوا بِالنَّعِيمِ المُقِيمِ ونالُوا بِالتَّعَبِ اليَسِيرِ راحَةَ الأبَدِ، ودَخَلُوا الجَنَّةَ فَأُجْلِسُوا عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ كَيْفَ يُعَذَّبُونَ في النّارِ وكَيْفَ يَصْطَرِخُونَ فِيها ويَدْعُونَ بِالوَيْلِ والثُّبُورِ ويَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا.
الثّانِي: قالَ أبُو صالِحٍ: يُقالُ لِأهْلِ النّارِ وهم فِيها اخْرُجُوا وتُفْتَحُ لَهم أبْوابُها، فَإذا رَأوْها قَدْ فُتِحَتْ أقْبَلُوا إلَيْها يُرِيدُونَ الخُرُوجَ، والمُؤْمِنُونَ يَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ عَلى الأرائِكِ، فَإذا انْتَهَوْا إلى أبْوابِها غُلِّقَتْ دُونَهم، فَذاكَ هو سَبَبُ الضَّحِكِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ حالٌ مِن يَضْحَكُونَ أيْ يَضْحَكُونَ مِنهم ناظِرِينَ إلَيْهِمْ وإلى ما هم فِيهِ مِنَ الهَوانِ والصَّغارِ بَعْدَ العِزَّةِ والكِبْرِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ثُوِّبَ بِمَعْنى أُثِيبَ أيِ اللَّهُ المُثِيبُ، قالَ أوْسٌ:
سَأجْزِيكِ أوْ يَجْزِيكِ عَنِّي مُثَوِّبٌ وحَسْبُكِ أنْ يُثْنى عَلَيْكِ وتُحْمَدِي
قالَ المُبَرِّدُ: وهو فُعِّلَ مِنَ الثَّوابِ، وهو ما يَثُوبُ أيْ يَرْجِعُ إلى فاعِلِهِ جَزاءَ ما عَمِلَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، والثَّوابُ يُسْتَعْمَلُ في المُكافَأةِ بِالشَّرِّ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ:
ألا أبْلِغْ أبا حَسَنٍ رَسُولًا ∗∗∗ فَما لَكَ لا تَجِيءُ إلى الثَّوابِ
والأوْلى أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ كَقَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] والمَعْنى كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ: هَلْ جازَيْنا الكُفّارَ عَلى عَمَلِهِمُ الَّذِي كانَ مِن جُمْلَتِهِ ضَحِكُهم بِكم واسْتِهْزاؤُهم بِطَرِيقَتِكم، كَما جازَيْناكم عَلى أعْمالِكُمُ الصّالِحَةِ ؟ فَيَكُونُ هَذا القَوْلُ زائِدًا في سُرُورِهِمْ، لِأنَّهُ يَقْتَضِي زِيادَةً في تَعْظِيمِهِمْ والِاسْتِخْفافَ بِأعْدائِهِمْ، والمَقْصُودُ مِنها أحْوالُ القِيامَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences