Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Buruj 85:8–22
85:8–9Page 590
وَمَا نَقَمُواْ مِنۡهُمۡ إِلَّآ أَن يُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ ٨
And they resented them not except because they believed in Allāh, the Exalted in Might, the Praiseworthy,
ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ٩
To whom belongs the dominion of the heavens and the earth. And Allāh, over all things, is Witness.1
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلّا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ المَعْنى وما عابُوا مِنهم وما أنْكَرُوا الإيمانَ، كَقَوْلِهِ:
ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ٥٩] وإنَّما قالَ: ﴿إلّا أنْ يُؤْمِنُوا﴾ لِأنَّ التَّعْذِيبَ إنَّما كانَ واقِعًا عَلى الإيمانِ في المُسْتَقْبَلِ، ولَوْ كَفَرُوا في المُسْتَقْبَلِ لَمْ يُعَذَّبُوا عَلى ما مَضى، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إلّا أنْ يَدُومُوا عَلى إيمانِهِمْ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: ”نَقِمُوا“ بِالكَسْرِ، والفَصِيحُ هو الفَتْحُ، ثُمَّ إنَّهُ ذَكَرَ الأوْصافَ الَّتِي بِها يَسْتَحِقُّ الإلَهُ أنْ يُؤْمَنَ بِهِ ويُعْبَدَ.
فَأوَّلُها: العَزِيزُ وهو القادِرُ الَّذِي لا يُغْلَبُ، والقاهِرُ الَّذِي لا يُدْفَعُ، وبِالجُمْلَةِ فَهو إشارَةٌ إلى القُدْرَةِ التّامَّةِ.
وثانِيها: الحَمِيدُ وهو الَّذِي يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ والثَّناءَ عَلى ألْسِنَةِ عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ وإنْ كانَ بَعْضُ الأشْياءِ لا يَحْمَدُهُ بِلِسانِهِ فَنَفْسُهُ شاهِدَةٌ عَلى أنَّ المَحْمُودَ في الحَقِيقَةِ هو هو، كَما قالَ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] وذَلِكَ إشارَةٌ إلى العِلْمِ لِأنَّ مَن لا يَكُونُ عالِمًا بِعَواقِبِ الأشْياءِ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَفْعَلَ الأفْعالَ الحَمِيدَةَ، فالحَمِيدُ يَدُلُّ عَلى العِلْمِ التّامِّ مِن هَذا الوَجْهِ.
وثالِثُها: الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وهو مالِكُها والقَيِّمُ بِهِما ولَوْ شاءَ لَأفْناهُما، وهو إشارَةٌ إلى المُلْكِ التّامِّ وإنَّما أخَّرَ هَذِهِ الصِّفَةَ عَنِ الأوَّلَيْنِ لِأنَّ المُلْكَ التّامَّ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ الكَمالِ في القُدْرَةِ والعِلْمِ، فَثَبَتَ أنَّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ كانَ هو المُسْتَحِقَّ لِلْإيمانِ بِهِ وغَيْرُهُ لا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ البَتَّةَ، فَكَيْفَ حَكَمَ أُولَئِكَ الكُفّارُ الجُهّالُ بِكَوْنِ مِثْلِ هَذا الإيمانِ ذَنْبًا.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أشارَ بِقَوْلِهِ: (العَزِيزِ) إلى أنَّهُ لَوْ شاءَ لَمَنَعَ أُولَئِكَ الجَبابِرَةَ مِن تَعْذِيبِ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ، ولَأطْفَأ نِيرانَهم ولَأماتَهم وأشارَ بِقَوْلِهِ: (الحَمِيدِ) إلى أنَّ المُعْتَبَرَ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ مِنَ الأفْعالِ عَواقِبُها فَهو وإنْ كانَ قَدْ أمْهَلَ لَكِنَّهُ ما أهْمَلَ، فَإنَّهُ تَعالى يُوصِلُ ثَوابَ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ إلَيْهِمْ، وعِقابَ أُولَئِكَ الكَفَرَةِ إلَيْهِمْ، ولَكِنَّهُ تَعالى لَمْ يُعالِجْهم بِذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ إلّا عَلى حَسَبِ المَشِيئَةِ أوِ المَصْلَحَةِ عَلى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ فَهو وعْدٌ عَظِيمٌ لِلْمُطِيعِينَ ووَعِيدٌ شَدِيدٌ لِلْمُجْرِمِينَ.
85:10Page 590
إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَتُوبُواْ فَلَهُمۡ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمۡ عَذَابُ ٱلۡحَرِيقِ ١٠
Indeed, those who have tortured1 the believing men and believing women and then have not repented will have the punishment of Hell, and they will have the punishment of the Burning Fire.
صفحة ١١١
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ قِصَّةَ أصْحابِ الأُخْدُودِ، أتْبَعَها بِما يَتَفَرَّعُ عَلَيْها مِن أحْكامِ الثَّوابِ والعِقابِ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ﴾ وهاهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أصْحابَ الأُخْدُودِ فَقَطْ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كُلَّ مَن فَعَلَ ذَلِكَ وهَذا أوْلى؛ لِأنَّ اللَّفْظَ عامٌّ والحُكْمَ عامٌّ فالتَّخْصِيصُ تَرْكٌ لِلظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أصْلُ الفِتْنَةِ الِابْتِلاءُ والِامْتِحانُ، وذَلِكَ لِأنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ امْتَحَنُوا أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ وعَرَضُوهم عَلى النّارِ وأحْرَقُوهم، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ الفِتْنَةُ هي الإحْراقُ بِالنّارِ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُقاتِلٌ: ﴿فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ﴾ حَرَّقُوهم بِالنّارِ، قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ فَتَنْتُ الشَّيْءَ أحْرَقْتُهُ والفَتْنُ أحْجارٌ سُودٌ كَأنَّها مُحْتَرِقَةٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم لَوْ تابُوا لَخَرَجُوا عَنْ هَذا الوَعِيدِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى القَطْعِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقْبَلُ التَّوْبَةَ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ تَوْبَةَ القاتِلِ عَمْدًا مَقْبُولَةٌ خِلافَ ما يُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ كِلا العَذابَيْنِ يَحْصُلانِ في الآخِرَةِ، إلّا أنَّ عَذابَ جَهَنَّمَ وهو العَذابُ الحاصِلُ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، وعَذابُ الحَرِيقُ هو العَذابُ الزّائِدُ عَلى عَذابِ الكُفْرِ بِسَبَبِ أنَّهم أحْرَقُوا المُؤْمِنِينَ، فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ العَذابُ الأوَّلُ عَذابَ بَرْدٍ والثّانِي عَذابَ إحْراقٍ وأنْ يَكُونَ الأوَّلُ عَذابَ إحْراقٍ والزّائِدُ عَلى الإحْراقِ أيْضًا إحْراقٌ، إلّا أنَّ العَذابَ الأوَّلَ كَأنَّهُ خَرَجَ عَنْ أنْ يُسَمّى إحْراقًا بِالنِّسْبَةِ إلى الثّانِي، لِأنَّ الثّانِي قَدِ اجْتَمَعَ فِيهِ نَوْعا الإحْراقِ فَتَكامَلَ جِدًّا فَكانَ الأوَّلُ ضَعِيفًا، فَلا جَرَمَ لَمْ يُسَمَّ إحْراقًا.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ﴾ إشارَةٌ إلى عَذابِ الآخِرَةِ: ﴿ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذَكَرْنا أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ ارْتَفَعَتْ عَلَيْهِمْ نارُ الأُخْدُودِ فاحْتَرَقُوا بِها.
85:11Page 590
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡكَبِيرُ ١١
Indeed, those who have believed and done righteous deeds will have gardens beneath which rivers flow. That is the great attainment.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ذَلِكَ الفَوْزُ الكَبِيرُ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ المُجْرِمِينَ ذَكَرَ وعْدَ المُؤْمِنِينَ وهو ظاهِرٌ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: إنَّما قالَ: ﴿ذَلِكَ الفَوْزُ﴾ ولَمْ يَقُلْ تِلْكَ لِدَقِيقَةٍ لَطِيفَةٍ وهي أنَّ قَوْلَهُ: (ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى إخْبارِ اللَّهِ تَعالى بِحُصُولِ هَذِهِ الجَنّاتِ، وقَوْلَهُ: (تِلْكَ) إشارَةٌ إلى الجَنّاتِ وإخْبارُ اللَّهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ راضِيًا والفَوْزُ الكَبِيرُ هو رِضا اللَّهِ لا حُصُولَ الجَنَّةِ.
صفحة ١١٢
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قِصَّةُ أصْحابِ الأُخْدُودِ ولا سِيَّما هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُكْرَهَ عَلى الكُفْرِ بِالإهْلاكِ العَظِيمِ الأوْلى بِهِ أنْ يَصْبِرَ عَلى ما خُوِّفَ مِنهُ، وأنَّ إظْهارَ كَلِمَةِ الكُفْرِ كالرُّخْصَةِ في ذَلِكَ، «رَوى الحَسَنُ أنَّ مُسَيْلِمَةَ أخَذَ رَجُلَيْنِ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ لِأحَدِهِما: تَشْهَدُ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَقالَ: نَعَمْ، فَتَرَكَهُ، وقالَ لِلْآخَرِ مِثْلَهُ فَقالَ: لا بَلْ أنْتَ كَذّابٌ فَقَتَلَهُ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”أمّا الَّذِي تُرِكَ فَأخَذَ بِالرُّخْصَةِ فَلا تَبِعَةَ عَلَيْهِ، وأمّا الَّذِي قُتِلَ فَأخَذَ بِالفَضْلِ فَهَنِيئًا لَهُ“» .
85:12–16Page 590
إِنَّ بَطۡشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ١٢
Indeed, the assault [i.e., vengeance] of your Lord is severe.
إِنَّهُۥ هُوَ يُبۡدِئُ وَيُعِيدُ ١٣
Indeed, it is He who originates [creation] and repeats.
وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلۡوَدُودُ ١٤
And He is the Forgiving, the Affectionate,
ذُو ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡمَجِيدُ ١٥
Honorable Owner of the Throne,
فَعَّالٞ لِّمَا يُرِيدُ ١٦
Effecter of what He intends.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ أوَّلًا وذَكَرَ وعْدَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ثانِيًا أرْدَفَ ذَلِكَ الوَعْدَ والوَعِيدَ بِالتَّأْكِيدِ فَقالَ لِتَأْكِيدِ الوَعِيدِ: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ والبَطْشُ هو الأخْذُ بِالعُنْفِ فَإذا وُصِفَ بِالشِّدَّةِ فَقَدْ تَضاعَفَ وتَفاقَمَ ونَظِيرُهُ ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] ثُمَّ إنَّ هَذا القادِرَ لا يَكُونُ إمْهالُهُ لِأجْلِ الإهْمالِ، لَكِنْ لِأجْلِ أنَّهُ حَكِيمٌ إمّا بِحُكْمِ المَشِيئَةِ أوْ بِحُكْمِ المَصْلَحَةِ، وتَأْخِيرُ هَذا الأمْرِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ أيْ إنَّهُ يَخْلُقُ خَلْقَهُ ثُمَّ يُفْنِيهِمْ ثُمَّ يُعِيدُهم أحْياءً لِيُجازِيَهم في القِيامَةِ، فَذَلِكَ الإمْهالُ لِهَذا السَّبَبِ لا لِأجْلِ الإهْمالِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ أهْلَ جَهَنَّمَ تَأْكُلُهُمُ النّارُ حَتّى يَصِيرُوا فَحْمًا ثُمَّ يُعِيدُهم خَلْقًا جَدِيدًا، فَذاكَ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ .
ثُمَّ قالَ لِتَأْكِيدِ الوَعْدِ: ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ فَذَكَرَ مِن صِفاتِ جَلالِهِ وكِبْرِيائِهِ خَمْسَةً.
أوَّلُها: الغَفُورُ قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هو الغَفُورُ لِمَن تابَ، وقالَ أصْحابُنا: إنَّهُ غَفُورٌ مُطْلَقًا لِمَن تابَ ولِمَن لَمْ يَتُبْ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] ولِأنَّ غُفْرانَ التّائِبِ واجِبٌ وأداءَ الواجِبِ لا يُوجِبُ التَّمَدُّحَ والآيَةُ مَذْكُورَةٌ في مَعْرِضِ التَّمَدُّحِ.
وثانِيها: الوَدُودُ وفِيهِ أقْوالٌ.
أحَدُها: المُحِبُّ هَذا قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، وهو مُطابِقٌ لِلدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ، فَإنَّ الخَيْرَ مُقْتَضًى بِالذّاتِ والشَّرَّ بِالعَرَضِ، ولا بُدَّ أنْ يَكُونَ الشَّرُّ أقَلَّ مِنَ الخَيْرِ فالغالِبُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ خَيْرًا فَيَكُونَ مَحْبُوبًا بِالذّاتِ.
وثانِيها: قالَ الكَلْبِيُّ: الوَدُودُ هو المُتَوَدِّدُ إلى أوْلِيائِهِ بِالمَغْفِرَةِ والجَزاءِ، والقَوْلُ هو الأوَّلُ.
وثالِثُها: قالَ الأزْهَرِيُّ: قالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ودُودٌ فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَرَكُوبٍ وحَلُوبٍ، ومَعْناهُ أنَّ عِبادَهُ الصّالِحِينَ يَوَدُّونَهُ ويُحِبُّونَهُ لِما عَرَفُوا مِن كَمالِهِ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، قالَ: وكِلْتا الصِّفَتَيْنِ مَدْحٌ لِأنَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ إذا أحَبَّ عِبادَهُ المُطِيعِينَ فَهو فَضْلٌ مِنهُ، وإنْ أحَبَّهُ عِبادُهُ العارِفُونَ فَلِما تَقَرَّرَ عِنْدَهم مِن كَرِيمِ إحْسانِهِ.
ورابِعُها: قالَ القَفّالُ: قِيلَ الوَدُودُ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الحَلِيمِ مِن قَوْلِهِمْ: دابَّةٌ ودُودٌ وهي المُطِيعَةُ القِيادِ الَّتِي كَيْفَ عَطَفْتَها انْعَطَفَتْ وأنْشَدَ قُطْرُبٌ:
وأعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ خَيْفانَةً ذَلُولَ القِيادِ وقاحًا ودُودًا
صفحة ١١٣
وثالِثُها: ذُو العَرْشِ، قالَ القَفّالُ: ذُو العَرْشِ أيْ ذُو المُلْكِ والسُّلْطانِ كَما يُقالُ: فُلانٌ عَلى سَرِيرِ مُلْكِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عَلى السَّرِيرِ، وكَما يُقالُ: ثُلَّ عَرْشُ فُلانٍ إذا ذَهَبَ سُلْطانُهُ، وهَذا مَعْنًى مُتَّفَقٌ عَلى صِحَّتِهِ، وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالعَرْشِ السَّرِيرَ، ويَكُونُ جَلَّ جَلالُهُ خَلَقَ سَرِيرًا في سَمائِهِ في غايَةِ العَظَمَةِ والجَلالَةِ بِحَيْثُ لا يَعْلَمُ عَظَمَتَهُ إلّا هو ومَن يُطْلِعُهُ عَلَيْهِ.
ورابِعُها: المَجِيدُ، وفِيهِ قِراءَتانِ.
إحْداهُما: الرَّفْعُ فَيَكُونُ ذَلِكَ صِفَةً لِلَّهِ سُبْحانَهُ، وهو اخْتِيارُ أكْثَرِ القُرّاءِ والمُفَسِّرِينَ لِأنَّ المَجْدَ مِن صِفاتِ التَّعالِي والجَلالِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِاللَّهِ سُبْحانَهُ، والفَصْلُ والِاعْتِراضُ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ في هَذا النَّحْوِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ.
والقِراءَةُ الثّانِيَةُ: بِالخَفْضِ وهي قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ، فَيَكُونُ ذَلِكَ صِفَةَ العَرْشِ، وهَؤُلاءِ قالُوا: القُرْآنُ دَلَّ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ وصْفُ غَيْرِ اللَّهِ بِالمَجِيدِ حَيْثُ قالَ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ ورَأيْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ العَرْشَ بِأنَّهُ كَرِيمٌ فَلا يَبْعُدُ أيْضًا أنْ يَصِفَهُ بِأنَّهُ مَجِيدٌ، ثُمَّ قالُوا: إنَّ مَجْدَ اللَّهِ عَظَمَتُهُ بِحَسَبِ الوُجُوبِ الذّاتِيِّ وكَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ والعِلْمِ، وعَظَمَةَ العَرْشِ عُلُوُّهُ في الجِهَةِ وعَظَمَةُ مِقْدارِهِ وحُسْنُ صُورَتِهِ وتَرْكِيبِهِ، فَإنَّهُ قِيلَ: العَرْشُ أحْسَنُ الأجْسامِ تَرْكِيبًا وصُورَةً.
وخامِسُها: أنَّهُ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: فَعّالٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ النَّحْوِيِّينَ مَن قالَ: ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ خَبَرانِ لِمُبْتَدَأٍ واحِدٍ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ المَقْصُودَ بِالإسْنادِ إلى المُبْتَدَأِ إمّا أنْ يَكُونَ مَجْمُوعَها أوْ كُلُّ واحِدٍ واحِدٌ مِنهُما، فَإنْ كانَ الأوَّلَ كانَ الخَبَرُ واحِدَ الآخَرِينَ وإنْ كانَ الثّانِيَ كانَتِ القَضِيَّةُ لا واحِدَ قَبْلَ قَضِيَّتَيْنِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَةِ خَلْقِ الأفْعالِ فَقالُوا: لا شَكَّ أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ الإيمانَ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ فاعِلًا لِلْإيمانِ بِمُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ وإذا كانَ فاعِلًا لِلْإيمانِ وجَبَ أنْ يَكُونَ فاعِلًا لِلْكُفْرِ ضَرُورَةَ أنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، قالَ القاضِي: ولا يُمْكِنُ أنْ يَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّ ما يُرِيدُهُ اللَّهُ تَعالى مِن طاعَةِ الخَلْقِ لا بُدَّ مِن أنْ يَقَعَ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ لا يَتَناوَلُ إلّا ما إذا وقَعَ كانَ فِعْلُهُ دُونَ ما إذا وقَعَ لَمْ يَكُنْ فِعْلًا لَهُ هَذِهِ ألْفاظُ القاضِي ولا يَخْفى ضَعْفُها.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَجِبُ لِأحَدٍ مِنَ المُكَلَّفِينَ عَلَيْهِ شَيْءٌ البَتَّةَ، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّهُ يُرِيدُ أنْ لا يُعْطِيَ الثَّوابَ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ القَفّالُ: فَعّالٌ لِما يُرِيدُ عَلى ما يَراهُ لا يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ مُعْتَرِضٌ ولا يَغْلِبُهُ غالِبٌ، فَهو يُدْخِلُ أوْلِياءَهُ الجَنَّةَ لا يَمْنَعُهُ مِنهُ مانِعٌ، ويُدْخِلُ أعْداءَهُ النّارَ لا يَنْصُرُهم مِنهُ ناصِرٌ، ويُمْهِلُ العُصاةَ عَلى ما يَشاءُ إلى أنْ يُجازِيَهم ويُعاجِلَ بَعْضَهم بِالعُقُوبَةِ إذا شاءَ ويُعَذِّبُ مَن شاءَ مِنهم في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ يَفْعَلُ مِن هَذِهِ الأشْياءِ ومِن غَيْرِها ما يُرِيدُ.
85:17–22Page 590
هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ٱلۡجُنُودِ ١٧
Has there reached you the story of the soldiers -
فِرۡعَوۡنَ وَثَمُودَ ١٨
[Those of] Pharaoh and Thamūd?
بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكۡذِيبٖ ١٩
But they who disbelieve are in [persistent] denial,
وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِم مُّحِيطُۢ ٢٠
While Allāh encompasses them from behind.1
بَلۡ هُوَ قُرۡءَانٞ مَّجِيدٞ ٢١
But this is an honored Qur’ān
فِي لَوۡحٖ مَّحۡفُوظِۭ ٢٢
[Inscribed] in a Preserved Slate.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ﴾ ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾
صفحة ١١٤
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ حالَ أصْحابِ الأُخْدُودِ في تَأذِّي المُؤْمِنِينَ بِالكُفّارِ، بَيَّنَ أنَّ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَهم كانُوا أيْضًا كَذَلِكَ، واعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ وثَمُودَ بَدَلٌ مِنَ الجُنُودِ، وأرادَ بِفِرْعَوْنَ إيّاهُ وقَوْمَهُ كَما في قَوْلِهِ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ، وثَمُودُ كانُوا في بِلادِ العَرَبِ، وقِصَّتُهم عِنْدَهم مَشْهُورَةٌ فَذَكَرَ تَعالى مِنَ المُتَأخِّرِينَ فِرْعَوْنَ، ومِنَ المُتَقَدِّمِينَ ثَمُودَ، والمَقْصُودُ بَيانُ أنَّ حالَ المُؤْمِنِينَ مَعَ الكُفّارِ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ مُسْتَمِرَّةٌ عَلى هَذا النَّهْجِ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ﴾ ولَمّا طَيَّبَ قَلْبَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِحِكايَةِ أحْوالِ الأوَّلِينَ في هَذا البابِ سَلّاهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِن وجْهٍ آخَرَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ المُرادَ وصْفُ اقْتِدارِهِ عَلَيْهِمْ وأنَّهم في قَبْضَتِهِ وحَوْزَتِهِ، كالمُحاطِ إذا أُحِيطَ بِهِ مِن ورائِهِ فَسُدَّ عَلَيْهِ مَسْلَكُهُ، فَلا يَجِدُ مَهْرَبًا يَقُولُ تَعالى: فَهو كَذا في قَبْضَتِي وأنا قادِرٌ عَلى إهْلاكِهِمْ ومُعاجَلَتِهِمْ بِالعَذابِ عَلى تَكْذِيبِهِمْ إيّاكَ فَلا تَجْزَعْ مِن تَكْذِيبِهِمْ إيّاكَ، فَلَيْسُوا يَفُوتُونَنِي إذا أرَدْتُ الِانْتِقامَ مِنهم.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الإحاطَةِ قُرْبَ هَلاكِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها﴾ [الفتح: ٢١] وقَوْلِهِ: ﴿وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] وقَوْلِهِ: ﴿وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢] فَهَذا كُلُّهُ عِبارَةٌ عَنْ مُشارَفَةِ الهَلاكِ، يَقُولُ: فَهَؤُلاءِ في تَكْذِيبِكَ قَدْ شارَفُوا الهَلاكَ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ واللَّهُ مُحِيطٌ بِأعْمالِهِمْ، أيْ عالِمٌ بِها، فَهو مُرْصِدٌ بِعِقابِهِمْ عَلَيْها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى سَلّى رَسُولَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِوَجْهٍ ثالِثٍ، وهو قَوْلُهُ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: تَعَلُّقُ هَذا بِما قَبْلَهُ، هو أنَّ هَذا القُرْآنَ مَجِيدٌ مَصُونٌ عَنِ التَّغَيُّرِ والتَّبَدُّلِ، فَلَمّا حَكَمَ فِيهِ بِسَعادَةِ قَوْمٍ وشَقاوَةِ قَوْمٍ، وبِتَأذِّي قَوْمٍ مِن قَوْمٍ، امْتَنَعَ تَغَيُّرُهُ وتَبَدُّلُهُ، فَوَجَبَ الرِّضا بِهِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا مِن أعْظَمِ مُوجِباتِ التَّسْلِيَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ: ”قُرْآنُ مَجِيدٍ“ بِالإضافَةِ، أيْ قُرْآنُ رَبٍّ مَجِيدٍ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ في لَوْحٍ واللَّوْحُ الهَواءُ يَعْنِي اللَّوْحَ فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ الَّذِي فِيهِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وقُرِئَ مَحْفُوظٌ بِالرَّفْعِ صِفَةً لِلْقُرْآنِ كَما قُلْنا: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى قالَ هاهُنا: ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٨] فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الكِتابُ المَكْنُونُ واللَّوْحُ المَحْفُوظُ واحِدًا ثُمَّ كَوْنُهُ مَحْفُوظًا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كَوْنَهُ مَحْفُوظًا عَنْ أنْ يَمَسَّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كَوْنَهُ مَحْفُوظًا مِنَ اطِّلاعِ الخَلْقِ عَلَيْهِ سِوى المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنْ لا يَجْرِيَ عَلَيْهِ تَغْيِيرٌ وتَبْدِيلٌ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ إنِّ اللَّوْحَ شَيْءٌ يَلُوحُ لِلْمَلائِكَةِ فَيَقْرَءُونَهُ ولَمّا كانَتِ الأخْبارُ والآثارُ وارِدَةً بِذَلِكَ وجَبَ التَّصْدِيقُ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences