Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
الطارق
At-Tariq
The Nightcommer · Meccan · 17 ayahs
86:1–4Page 591
وَٱلسَّمَآءِ وَٱلطَّارِقِ ١
By the sky and the knocker
وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا ٱلطَّارِقُ ٢
And what can make you know what is the knocker?
ٱلنَّجۡمُ ٱلثَّاقِبُ ٣
It is the piercing star1.
إِن كُلُّ نَفۡسٖ لَّمَّا عَلَيۡهَا حَافِظٞ ٤
There is no soul but that it has over it a protector.
صفحة ١١٥
[ سُورَةُ الطّارِقِ ]
سَبْعَ عَشْرَةَ آيَةً مَكِّيَّةً وهي مُشْتَمِلَةٌ عَلى التَّرْغِيبِ في مَعْرِفَةِ المَبْدَأِ والمَعادِ
﷽
﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾
﷽
﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أكْثَرَ في كِتابِهِ ذِكْرَ السَّماءِ والشَّمْسِ والقَمَرِ؛ لِأنَّ أحْوالَها في أشْكالِها وسَيْرِها ومَطالِعِها ومَغارِبِها عَجِيبَةٌ، وأمّا الطّارِقُ فَهو كُلُّ ما أتاكَ لَيْلًا سَواءً كانَ كَوْكَبًا أوْ غَيْرَهُ فَلا يَكُونُ الطّارِقُ نَهارًا، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُ المُسْلِمِينَ في دُعائِهِمْ: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن طَوارِقِ اللَّيْلِ ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«نَهى عَنْ أنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ أهْلَهُ طُرُوقًا» “ والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ الطُّرُوقُ في صِفَةِ الخَيالِ لِأنَّ تِلْكَ الحالَةَ إنَّما تَحْصُلُ في الأكْثَرِ في اللَّيْلِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿والطّارِقِ﴾ كانَ هَذا مِمّا لا يَسْتَغْنِي سامِعُهُ عَنْ مَعْرِفَةِ المُرادِ مِنهُ، فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: كُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ ما أدْراكَ فَقَدْ أخْبَرَ الرَّسُولُ بِهِ وكُلُّ شَيْءٍ فِيهِ ما يُدْرِيكَ لَمْ يُخْبِرْ بِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧] ثُمَّ قالَ: ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ أيْ هو طارِقٌ عَظِيمُ الشَّأْنِ، رَفِيعُ القَدْرِ وهو النَّجْمُ الَّذِي يُهْتَدى بِهِ في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ويُوقَفُ بِهِ عَلى أوْقاتِ الأمْطارِ، وهاهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: إنَّما وُصِفَ النَّجْمُ بِكَوْنِهِ ثاقِبًا لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ يَثْقُبُ الظَّلامَ بِضَوْئِهِ فَيَنْفُذُ فِيهِ كَما قِيلَ: دُرِّيٌّ لِأنَّهُ يَدْرَؤُهُ أيْ يَدْفَعُهُ.
وثانِيها: أنَّهُ يَطْلُعُ مِنَ المَشْرِقِ نافِذًا في الهَواءِ كالشَّيْءِ الَّذِي يَثْقُبُ الشَّيْءَ.
وثالِثُها: أنَّهُ الَّذِي يُرى بِهِ الشَّيْطانُ فَيَثْقُبُهُ أيْ يَنْفُذُ فِيهِ ويَحْرِقُهُ.
ورابِعُها: قالَ الفَرّاءُ: ”النَّجْمُ الثّاقِبُ“ هو النَّجْمُ المُرْتَفِعُ عَلى النُّجُومِ، والعَرَبُ تَقُولُ لِلطّائِرِ إذا لَحِقَ بِبَطْنِ السَّماءِ ارْتِفاعًا: قَدْ ثَقَبَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما وُصِفَ النَّجْمُ بِكَوْنِهِ طارِقًا، لِأنَّهُ يَبْدُو بِاللَّيْلِ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ ذَلِكَ يُسَمّى طارِقًا، أوْ لِأنَّهُ يَطْرُقُ الجِنِّيَّ، أيْ يَصُكُّهُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ قالَ بَعْضُهم: أُشِيرَ بِهِ إلى جَماعَةِ النَّحْوِ فَقِيلَ
صفحة ١١٦
الطّارِقُ، كَما قِيلَ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ نَجْمٌ بِعَيْنِهِ، ثُمَّ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّهُ الثُّرَيّا، وقالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ زُحَلُ، لِأنَّهُ يَثْقُبُ بِنُورِهِ سَمْكَ سَبْعِ سَماواتٍ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ الشُّهُبُ الَّتِي يُرْجَمُ بِها الشَّياطِينُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] .
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: رُوِيَ «أنَّ أبا طالِبٍ أتى النَّبِيَّ ﷺ، فَأتْحَفَهُ بِخُبْزٍ ولَبَنٍ، فَبَيْنَما هو جالِسٌ يَأْكُلُ إذِ انْحَطَّ نَجْمٌ فامْتَلَأ ماءً ثُمَّ نارًا، فَفَزِعَ أبُو طالِبٍ، وقالَ: أيُّ شَيْءٍ هَذا ؟ فَقالَ: هَذا نَجْمٌ رُمِيَ بِهِ، وهو آيَةٌ مِن آياتِ اللَّهِ، فَعَجِبَ أبُو طالِبٍ، ونَزَلَتِ السُّورَةُ» .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ المُقْسَمَ بِهِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: (لَمّا) قِراءَتانِ:
إحْداهُما: قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو ونافِعٍ والكِسائِيِّ، وهي بِتَخْفِيفِ المِيمِ.
والثّانِيَةُ: قِراءَةُ عاصِمٍ وحَمْزَةَ والنَّخَعِيِّ بِتَشْدِيدِ المِيمِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: مَن خَفَّفَ كانَتْ ”إنْ“ عِنْدَهُ المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ في ”لَمّا“ هي الَّتِي تَدْخُلُ مَعَ هَذِهِ المُخَفَّفَةِ لِتُخَلِّصَها مِن إنِ النّافِيَةِ، وما صِلَةٌ كالَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] (وعَمّا قَلِيلٍ) وتَكُونُ (إنْ) مُتَلَقِّيَةً لِلْقَسَمِ، كَما تَتَلَقّاهُ مُثَقَّلَةً. وأمّا مَن ثَقَّلَ فَتَكُونُ (إنْ) عِنْدَهُ النّافِيَةَ، كالَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿فِيما إنْ مَكَّنّاكُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٦] و(لَمّا) في مَعْنى ألّا، قالَ: وتُسْتَعْمَلُ (لَمّا) بِمَعْنى ألّا في مَوْضِعَيْنِ.
أحَدُهُما: هَذا والآخَرُ: في بابِ القَسَمِ، تَقُولُ: سَألْتُكَ بِاللَّهِ لَمّا فَعَلْتَ، بِمَعْنى ألّا فَعَلْتَ. ورُوِيَ عَنِ الأخْفَشِ والكِسائِيِّ وأبِي عُبَيْدَةَ أنَّهم قالُوا: لَمْ تُوجَدْ لَمّا بِمَعْنى ألّا في كَلامِ العَرَبِ. قالَ ابْنُ عَوْنٍ: قَرَأْتُ عِنْدَ ابْنِ سِيرِينَ ”لَمّا“ بِالتَّشْدِيدِ، فَأنْكَرَهُ وقالَ: سُبْحانَ اللَّهِ، سُبْحانَ اللَّهِ، وزَعَمَ العُتْبِيُّ أنَّ ”لَمّا“ بِمَعْنى ألّا، مَعَ أنَّ الخَفِيفَةَ الَّتِي تَكُونُ بِمَعْنى ما مَوْجُودَةٌ في لُغَةِ هُذَيْلٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَيْسَ في الآيَةِ بَيانُ أنَّ هَذا الحافِظَ مَن هو، ولَيْسَ فِيها أيْضًا بَيانُ أنَّ الحافِظَ يَحْفَظُ النَّفْسَ عَمّاذا. أمّا الأوَّلُ: فَفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قَوْلُ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ: إنَّ ذَلِكَ الحافِظَ هو اللَّهُ تَعالى. أمّا في التَّحْقِيقِ فَلِأنَّ كُلَّ وُجُودٍ سِوى اللَّهِ مُمْكِنٌ، وكُلُّ مُمْكِنٍ فَإنَّهُ لا يَتَرَجَّحُ وُجُودُهُ عَلى عَدَمِهِ إلّا لِمُرَجِّحٍ ويَنْتَهِي ذَلِكَ إلى الواجِبِ لِذاتِهِ، فَهو سُبْحانُهُ القَيُّومُ الَّذِي بِحِفْظِهِ وإبْقائِهِ تَبْقى المَوْجُوداتُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ هَذا المَعْنى في السَّماواتِ والأرْضِ عَلى العُمُومِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ [فاطر: ٤١] وبَيَّنَهُ في هَذِهِ الآيَةِ في حَقِّ الإنْسانِ عَلى الخُصُوصِ وحَقِيقَةُ الكَلامِ تَرْجِعُ إلى أنَّهُ تَعالى أقْسَمَ أنَّ كُلَّ ما سِواهُ، فَإنَّهُ مُمْكِنُ الوُجُودِ مُحْدَثٌ مُحْتاجٌ مَخْلُوقٌ مَرْبُوبٌ، هَذا إذا حَمَلْنا النَّفْسَ عَلى مُطْلَقِ الذّاتِ، أمّا إذا حَمَلْناها عَلى النَّفْسِ المُتَنَفِّسَةِ وهي النَّفْسُ الحَيَوانِيَّةُ أمْكَنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن كَوْنِهِ تَعالى حافِظًا لَها كَوْنَهُ تَعالى عالِمًا بِأحْوالِها ومُوَصِّلًا إلَيْها جَمِيعَ مَنافِعِها ودافِعًا عَنْها جَمِيعَ مَضارِّها.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ الحافِظَ هُمُ المَلائِكَةُ كَما قالَ: ﴿ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً﴾ [الأنعام: ٦١] وقالَ: ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٧ - ١٨] وقالَ: ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٠] وقالَ: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] .
صفحة ١١٧
وأمّا البَحْثُ الثّانِي: وهو أنَّهُ ما الَّذِي يَحْفَظُهُ هَذا الحافِظُ ؟ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ هَؤُلاءِ الحَفَظَةَ يَكْتُبُونَ عَلَيْهِ أعْمالَهُ دَقِيقَها وجَلِيلَها حَتّى تَخْرُجَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا.
وثانِيها: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ يَحْفَظُ عَمَلَها ورِزْقَها وأجَلَها، فَإذا اسْتَوْفى الإنْسانُ أجَلَهُ ورِزْقَهُ قَبَضَهُ إلى رَبِّهِ، وحاصِلُهُ يَرْجِعُ إلى وعِيدِ الكُفّارِ وتَسْلِيَةِ النَّبِيِّ ﷺ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾ [مريم: ٨٤] ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ عَنْ قَرِيبٍ إلى الآخِرَةِ فَيُجازَوْنَ بِما يَسْتَحِقُّونَهُ.
وثالِثُها: إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ، يَحْفَظُها مِنَ المَعاطِبِ والمَهالِكِ فَلا يُصِيبُها إلّا ما قَدَّرَ اللَّهُ عَلَيْها.
ورابِعُها: قالَ الفَرّاءُ: إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ يَحْفَظُها حَتّى يُسَلِّمَها إلى المَقابِرِ، وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أقْسَمَ عَلى أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ حافِظًا يُراقِبُها ويَعُدُّ عَلَيْها أعْمالَها، فَحِينَئِذٍ يَحِقُّ لِكُلِّ أحَدٍ أنْ يَجْتَهِدَ ويَسْعى في تَحْصِيلِ أهَمِّ المُهِمّاتِ، وقَدْ تَطابَقَتِ الشَّرائِعُ والعُقُولُ عَلى أنَّ أهَمَّ المُهِمّاتِ مَعْرِفَةُ المَبْدَأِ ومَعْرِفَةُ المَعادِ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّ مَعْرِفَةَ المَبْدَأِ مُقَدَّمَةٌ عَلى مَعْرِفَةِ المَعادِ، فَلِهَذا السَّبَبِ بَدَأ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ بِما يَدُلُّ عَلى المَبْدَأِ.
86:5–7Page 591
فَلۡيَنظُرِ ٱلۡإِنسَٰنُ مِمَّ خُلِقَ ٥
So let man observe from what he was created.
خُلِقَ مِن مَّآءٖ دَافِقٖ ٦
He was created from a fluid, ejected,
يَخۡرُجُ مِنۢ بَيۡنِ ٱلصُّلۡبِ وَٱلتَّرَآئِبِ ٧
Emerging from between the backbone and the ribs.
فَقالَ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الدَّفْقُ صَبُّ الماءِ، يُقالُ: دَفَقْتُ الماءَ، أيْ صَبَبْتُهُ وهو مَدْفُوقٌ، أيْ مَصْبُوبٌ، ومُنْدَفِقٌ أيْ مُنْصَبٌّ، ولَمّا كانَ هَذا الماءُ مَدْفُوقًا اخْتَلَفُوا في أنَّهُ لِمَ وُصِفَ بِأنَّهُ دافِقٌ عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ ذُو انْدِفاقٍ، كَما يُقالُ: دارِعٌ وفارِسٌ ونابِلٌ ولابِنٌ وتامِرٌ، أيْ دَرَعَ وفَرَسَ ونَبَلَ ولَبَنَ وتَمَرَ، وذَكَرَ الزَّجّاجُ أنَّ هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ.
الثّانِي: أنَّهم يُسَمُّونَ المَفْعُولَ بِاسْمِ الفاعِلِ. قالَ الفَرّاءُ: وأهْلُ الحِجازِ أفْعَلُ لِهَذا مِن غَيْرِهِمْ، يَجْعَلُونَ المَفْعُولَ فاعِلًا إذا كانَ في مَذْهَبِ النَّعْتِ، كَقَوْلِهِ سِرٌّ كاتِمٌ، وهَمٌّ ناصِبٌ، ولَيْلٌ نائِمٌ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ أيْ مَرْضِيَّةٍ.
الثّالِثُ: ذَكَرَ الخَلِيلُ في الكِتابِ المَنسُوبِ إلَيْهِ: دَفَقَ الماءُ دَفْقًا ودُفُوقًا إذا انْصَبَّ بِمَرَّةٍ، وانْدَفَقَ الكُوزُ إذا انْصَبَّ بِمَرَّةٍ، ويُقالُ في الطِّيَرَةِ عِنْدَ انْصِبابِ الكُوزِ ونَحْوِهِ: دافِقُ خَيْرٍ، وفي كِتابِ قُطْرُبٍ: دَفَقَ الماءُ يَدْفُقُ إذا انْصَبَّ.
الرّابِعُ: صاحِبُ الماءِ لَمّا كانَ دافِقًا أُطْلِقَ ذَلِكَ عَلى الماءِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ الصَّلَبِ بِفَتْحَتَيْنِ، والصُّلُبِ بِضَمَّتَيْنِ، وفِيهِ أرْبَعُ لُغاتٍ: صُلْبٌ وصَلَبٌ وصُلُبٌ وصالِبٌ:
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَرائِبُ المَرْأةِ عِظامُ صَدْرِها حَيْثُ تَكُونُ القِلادَةُ، وكُلُّ عَظْمٍ مِن ذَلِكَ تَرِيبَةٌ، وهَذا قَوْلُ جَمِيعِ أهْلِ اللُّغَةِ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
تَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَّجَنْجَلِ
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الوَلَدَ مَخْلُوقٌ مِنَ الماءِ الَّذِي يَخْرُجُ مِن صُلْبِ
صفحة ١١٨
الرَّجُلِ وتَرائِبِ المَرْأةِ. وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنَ الماءِ الَّذِي يَخْرُجُ مِن صُلْبِ الرَّجُلِ وتَرائِبِهِ، واحْتَجَّ صاحِبُ القَوْلِ الثّانِي عَلى مَذْهَبِهِ بِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ ماءَ الرَّجُلِ خارِجٌ مِنَ الصُّلْبِ فَقَطْ، وماءَ المَرْأةِ خارِجٌ مِنَ التَّرائِبِ فَقَطْ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَحْصُلُ هُناكَ ماءٌ خارِجٌ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ، وذَلِكَ عَلى خِلافِ الآيَةِ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ الإنْسانَ مَخْلُوقٌ: ﴿مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ والَّذِي يُوصَفُ بِذَلِكَ هو ماءُ الرَّجُلِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ بِأنْ وصَفَهُ بِأنَّهُ يَخْرُجُ، يَعْنِي هَذا الدّافِقَ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَلَدَ مَخْلُوقٌ مِن ماءِ الرَّجُلِ فَقَطْ. أجابَ القائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ عَنِ الحُجَّةِ الأُولى: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ لِلشَّيْئَيْنِ المُتَبايِنَيْنِ: أنَّهُ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ هَذَيْنِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، ولِأنَّ الرَّجُلَ والمَرْأةَ عِنْدَ اجْتِماعِهِما يَصِيرانِ كالشَّيْءِ الواحِدِ، فَحَسُنَ هَذا اللَّفْظُ هُناكَ، وأجابُوا عَنِ الحُجَّةِ الثّانِيَةِ: بِأنَّ هَذا مِن بابِ إطْلاقِ اسْمِ البَعْضِ عَلى الكُلِّ، فَلَمّا كانَ أحَدُ قِسْمَيِ المَنِيِّ دافِقًا أُطْلِقَ هَذا الِاسْمُ عَلى المَجْمُوعِ، ثُمَّ قالُوا: والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَلَدَ مَخْلُوقٌ مِن مَجْمُوعِ الماءَيْنِ أنَّ مَنِيَّ الرَّجُلِ وحْدَهُ صَغِيرٌ فَلا يَكْفِي، ولِأنَّهُ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«إذا غَلَبَ ماءُ الرَّجُلِ يَكُونُ الوَلَدُ ذَكَرًا، ويَعُودُ الشَّبَهُ إلَيْهِ وإلى أقارِبِهِ، وإذا غَلَبَ ماءُ المَرْأةِ فَإلَيْها وإلى أقارِبِها يَعُودُ الشَّبَهُ» “ وذَلِكَ يَقْتَضِي صِحَّةَ القَوْلِ الأوَّلِ.
واعْلَمْ أنَّ المُلْحِدِينَ طَعَنُوا في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: إنْ كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ أنَّ المَنِيَّ إنَّما يَنْفَصِلُ مِن تِلْكَ المَواضِعِ فَلَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِن فَضْلَةِ الهَضْمِ الرّابِعِ، ويَنْفَصِلُ عَنْ جَمِيعِ أجْزاءِ البَدَنِ حَتّى يَأْخُذَ مِن كُلِّ عُضْوٍ طَبِيعَتَهُ وخاصِّيَّتَهُ، فَيَصِيرُ مُسْتَعِدًّا لِأنْ يَتَوَلَّدَ مِنهُ مِثْلُ تِلْكَ الأعْضاءِ، ولِذَلِكَ فَإنَّ المُفْرِطَ في الجِماعِ يَسْتَوْلِي الضَّعْفُ عَلى جَمِيعِ أعْضائِهِ، وإنْ كانَ المُرادُ أنَّ مُعْظَمَ أجْزاءِ المَنِيِّ يَتَوَلَّدُ هُناكَ فَهو ضَعِيفٌ، بَلْ مُعْظَمُ أجْزائِهِ إنَّما يَتَرَبّى في الدِّماغِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ صُورَتَهُ يُشْبِهُ الدِّماغَ، ولِأنَّ المُكْثِرَ مِنهُ يَظْهَرُ الضَّعْفُ أوَّلًا في عَيْنَيْهِ، وإنْ كانَ المُرادُ أنَّ مُسْتَقَرَّ المَنِيِّ هُناكَ فَهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ مُسْتَقَرَّ المَنِيِّ هو أوْعِيَةُ المَنِيِّ، وهي عُرُوقٌ مُلْتَفٌّ بَعْضُها بِالبَعْضِ عِنْدَ البَيْضَتَيْنِ، وإنْ كانَ المُرادُ أنَّ مَخْرَجَ المَنِيِّ هُناكَ فَهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الحِسَّ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ.
الجَوابُ: لا شَكَّ أنَّ أعْظَمَ الأعْضاءِ مَعُونَةً في تَوْلِيدِ المَنِيِّ هو الدِّماغُ، والدِّماغُ خَلِيفَةٌ وهي النُّخاعُ، وهو في الصُّلْبِ، ولَهُ شُعَبٌ كَثِيرَةٌ نازِلَةٌ إلى مُقَدَّمِ البَدَنِ وهو التَّرِيبَةُ، فَلِهَذا السَّبَبِ خَصَّ اللَّهُ تَعالى هَذَيْنِ العُضْوَيْنِ بِالذِّكْرِ، عَلى أنَّ كَلامَكم في كَيْفِيَّةِ تَوَلُّدِ المَنِيِّ، وكَيْفِيَّةِ تَوَلُّدِ الأعْضاءِ مِنَ المَنِيِّ مَحْضُ الوَهْمِ والظَّنِّ الضَّعِيفِ، وكَلامُ اللَّهِ تَعالى أوْلى بِالقَبُولِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَدْ بَيَّنّا في مَواضِعَ مِن هَذا الكِتابِ أنَّ دَلالَةَ تَوَلُّدِ الإنْسانِ عَنِ النُّطْفَةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ المُخْتارِ مِن أظْهَرِ الدَّلائِلِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ التَّرْكِيباتِ العَجِيبَةَ في بَدَنِ الإنْسانِ أكْثَرُ، فَيَكُونُ تَوَلُّدُهُ عَنِ المادَّةِ البَسِيطَةِ أدَلَّ عَلى القادِرِ المُخْتارِ.
وثانِيها: أنَّ اطِّلاعَ الإنْسانِ عَلى أحْوالِ نَفْسِهِ أكْثَرُ مِنَ اطِّلاعِهِ عَلى أحْوالِ غَيْرِهِ، فَلا جَرَمَ كانَتْ هَذِهِ الدَّلالَةُ أتَمَّ.
وثالِثُها: أنَّ مُشاهَدَةَ الإنْسانِ لِهَذِهِ الأحْوالِ في أوْلادِهِ وأوْلادِ سائِرِ الحَيَواناتِ دائِمَةٌ، فَكانَ الِاسْتِدْلالُ بِهِ عَلى الصّانِعِ المُخْتارِ أقْوى.
ورابِعُها: وهو أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِهَذا البابِ، كَما أنَّهُ يَدُلُّ قَطْعًا عَلى وُجُودِ الصّانِعِ المُخْتارِ الحَكِيمِ، فَكَذَلِكَ يَدُلُّ قَطْعًا عَلى صِحَّةِ البَعْثِ والحَشْرِ والنَّشْرِ، وذَلِكَ لِأنَّ حُدُوثَ الإنْسانِ إنَّما كانَ بِسَبَبِ اجْتِماعِ أجْزاءٍ كانَتْ مُتَفَرِّقَةً في بَدَنِ الوالِدَيْنِ، بَلْ
صفحة ١١٩
فِي جَمِيعِ العالَمِ، فَلَمّا قَدَرَ الصّانِعُ عَلى جَمْعِ تِلْكَ الأجْزاءِ المُتَفَرِّقَةِ حَتّى خَلَقَ مِنها إنْسانًا سَوِيًّا، وجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ بَعْدَ مَوْتِهِ وتَفَرُّقِ أجْزائِهِ لا بُدَّ وأنْ يَقْدِرَ الصّانِعُ عَلى جَمْعِ تِلْكَ الأجْزاءِ وجَعْلِها خَلْقًا سَوِيًّا كَما كانَ أوَّلًا، ولِهَذا السِّرِّ لَمّا بَيَّنَ تَعالى دَلالَتَهُ عَلى المَبْدَأِ، فَرَّعَ عَلَيْهِ أيْضًا دَلالَتَهُ عَلى صِحَّةِ المَعادِ.
86:8–10Page 591
إِنَّهُۥ عَلَىٰ رَجۡعِهِۦ لَقَادِرٞ ٨
Indeed, He [i.e., Allāh], to return him [to life], is Able.
يَوۡمَ تُبۡلَى ٱلسَّرَآئِرُ ٩
The Day when secrets will be put on trial,1
فَمَا لَهُۥ مِن قُوَّةٖ وَلَا نَاصِرٖ ١٠
Then he [i.e., man] will have no power or any helper.
فَقالَ:
﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: الضَّمِيرُ في أنَّهُ لِلْخالِقِ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ، والسَّبَبُ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: دَلالَةُ (خُلِقَ) عَلَيْهِ، والمَعْنى أنَّ ذَلِكَ الَّذِي خَلَقَ قادِرٌ عَلى رَجْعِهِ.
الثّانِي: أنَّهُ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ لَفْظًا، ولَكِنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ تَقَرَّرَ في بَداءَةِ العُقُولِ أنَّ القادِرَ عَلى هَذِهِ التَّصَرُّفاتِ، هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَلَمّا كانَ ذَلِكَ في غايَةِ الظُّهُورِ كانَ كالمَذْكُورِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الرَّجْعُ مَصْدَرُ رَجَعْتُ الشَّيْءَ إذا رَدَدْتَهُ، والكِنايَةُ في قَوْلِهِ ﴿عَلى رَجْعِهِ﴾ إلى أيِّ شَيْءٍ تَرْجِعُ ؟ فِيهِ وجْهانِ:
أوَّلُهُما: وهو الأقْرَبُ أنَّهُ راجِعٌ إلى الإنْسانِ، والمَعْنى أنَّ الَّذِي قَدَرَ عَلى خَلْقِ الإنْسانِ ابْتِداءً وجَبَ أنْ يَقْدِرَ بَعْدَ مَوْتِهِ عَلى رَدِّهِ حَيًّا، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] وقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] .
وثانِيهِما: أنَّ الضَّمِيرَ غَيْرُ عائِدٍ إلى الإنْسانِ، ثُمَّ قالَ مُجاهِدٌ: قادِرٌ عَلى أنْ يَرُدَّ الماءَ في الإحْلِيلِ، وقالَ عِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ: عَلى أنْ يَرُدَّ الماءَ في الصُّلْبِ. ورُوِيَ أيْضًا عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ قادِرٌ عَلى رَدِّ الإنْسانِ ماءً كَما كانَ قَبْلُ، وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: إنْ شِئْتُ رَدَدْتُهُ مِنَ الكِبَرِ إلى الشَّبابِ، ومِنَ الشَّبابِ إلى الصِّبا، ومِنَ الصِّبا إلى النُّطْفَةِ. واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أصَحُّ، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ أيْ أنَّهُ قادِرٌ عَلى بَعْثِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أقامَ الدَّلِيلَ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ، وصَفَ حالَهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ فَقالَ: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: (يَوْمَ) مَنصُوبٌ بِرَجْعِهِ ومَن جَعَلَ الضَّمِيرَ في رَجْعِهِ لِلْماءِ وفَسَّرَهُ بِرَجْعِهِ إلى مَخْرَجِهِ مِنَ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ أوْ إلى الحالَةِ الأُولى نَصَبَ الظَّرْفَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ﴾ أيْ ما لَهُ مِن قُوَّةٍ ذَلِكَ اليَوْمَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿تُبْلى﴾ أيْ تُخْتَبَرُ، والسَّرائِرُ ما أُسِرَّ في القُلُوبِ مِنَ العَقائِدِ والنِّيّاتِ، وما أُخْفِيَ مِنَ الأعْمالِ، وفي كَيْفِيَّةِ الِابْتِلاءِ والِاخْتِبارِ هاهُنا أقْوالٌ:
الأوَّلُ: ما ذَكَرَهُ القَفّالُ مَعْنى الِاخْتِبارِ هاهُنا أنَّ أعْمالَ الإنْسانِ يَوْمَ القِيامَةِ تُعْرَضُ عَلَيْهِ ويَنْظُرُ أيْضًا في الصَّحِيفَةِ الَّتِي كَتَبَتِ المَلائِكَةُ فِيها تَفاصِيلَ أعْمالِهِمْ لِيَعْلَمَ أنَّ المَذْكُورَ هَلْ هو مُطابِقٌ لِلْمَكْتُوبِ، ولَمّا كانَتِ المُحاسَبَةُ يَوْمَ القِيامَةِ واقِعَةً عَلى هَذا الوَجْهِ جازَ أنْ يُسَمّى هَذا المَعْنى ابْتِلاءً، وهَذِهِ التَّسْمِيَةُ غَيْرُ بَعِيدَةٍ لِعِبادِهِ لِأنَّها ابْتِلاءٌ وامْتِحانٌ، وإنْ كانَ عالِمًا بِتَفاصِيلِ ما عَمِلُوهُ وما لَمْ يَعْمَلُوهُ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الأفْعالَ إنَّما يَسْتَحِقُّ عَلَيْها الثَّوابَ والعِقابَ لِوُجُوهِها، فَرُبَّ فِعْلٍ يَكُونُ ظاهِرُهُ حَسَنًا
صفحة ١٢٠
وباطِنُهُ قَبِيحًا، ورُبَّما كانَ بِالعَكْسِ. فاخْتِبارُها ما يُعْتَبَرُ بَيْنَ تِلْكَ الوُجُوهِ المُتَعارِضَةِ مِنَ المُعارَضَةِ والتَّرْجِيحِ، حَتّى يَظْهَرَ أنَّ الوَجْهَ الرّاجِحَ ما هو، والمَرْجُوحَ ما هو.
الثّالِثُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: بَلَوْتُ يَقَعُ عَلى إظْهارِ الشَّيْءِ ويَقَعُ عَلى امْتِحانِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ونَبْلُوَ أخْبارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١] وقَوْلِهِ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ ثُمَّ قالَ المُفَسِّرُونَ: ”السَّرائِرُ“ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ العَبْدِ تُخْتَبَرُ يَوْمَ القِيامَةِ حَتّى يَظْهَرَ خَبَرُها مِن سِرِّها ومُؤَدِّيها مِن مُضَيِّعِها، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُبْدِي اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ كُلَّ سِرٍّ مِنها، فَيَكُونُ زَيْنًا في الوُجُوهِ وشَيْنًا في الوُجُوهِ، يَعْنِي مَن أدّاها كانَ وجْهُهُ مُشْرِقًا ومَن ضَيَّعَها كانَ وجْهُهُ أغْبَرَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لا قُوَّةَ لِلْعَبْدِ ذَلِكَ اليَوْمَ، لِأنَّ قُوَّةَ الإنْسانِ إمّا أنْ تَكُونَ لَهُ لِذاتِهِ أوْ مُسْتَفادَةً مِن غَيْرِهِ، فالأوَّلُ مَنفِيٌّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ﴾ والثّانِي مَنفِيٌّ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا ناصِرٍ﴾ والمَعْنى ما لَهُ مِن قُوَّةٍ يَدْفَعُ بِها عَنْ نَفْسِهِ ما حَلَّ مِنَ العَذابِ ﴿ولا ناصِرٍ﴾ يَنْصُرُهُ في دَفْعِهِ ولا شَكَّ أنَّهُ زَجْرٌ وتَحْذِيرٌ، ومَعْنى دُخُولِ مِن في قَوْلِهِ: ﴿مِن قُوَّةٍ﴾ عَلى وجْهِ النَّفْيِ لِقَلِيلِ ذَلِكَ وكَثِيرِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهُ مِن شَيْءٍ مِنَ القُوَّةِ ولا أحَدٍ مِنَ الأنْصارِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: يُمْكِنُ أنْ يُتَمَسَّكَ بِهَذِهِ الآيَةِ في نَفْيِ الشَّفاعَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ١٢٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ١٢٣]، الجَوابُ: ما تَقَدَّمَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences