Ar-RaziAl‑A'la · 87:15–19

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-A'la 87:15–19

87:15Page 591

وَذَكَرَ ٱسۡمَ رَبِّهِۦ فَصَلَّىٰ ١٥

And mentions the name of his Lord and prays.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ فِيهِ وُجُوهًا:

أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذَكَرَ مَعادَهُ ومَوْقِفَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ فَصَلّى لَهُ. وأقُولُ: هَذا التَّفْسِيرُ مُتَعَيِّنٌ وذَلِكَ لِأنَّ مَراتِبَ أعْمالِ المُكَلَّفِ ثَلاثَةٌ:

أوَّلُها: إزالَةُ العَقائِدِ الفاسِدَةِ عَنِ القَلْبِ.

وثانِيها: اسْتِحْضارُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى بِذاتِهِ وصِفاتِهِ وأسْمائِهِ.

وثالِثُها: الِاشْتِغالُ بِخِدْمَتِهِ.

فالمَرْتَبَةُ الأُولى: هي المُرادُ بِالتَّزْكِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ .

وثانِيها: هي المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ فَإنَّ الذِّكْرَ بِالقَلْبِ لَيْسَ إلّا المَعْرِفَةَ.

وثالِثُها: الخِدْمَةُ وهي المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَصَلّى﴾ فَإنَّ الصَّلاةَ عِبارَةٌ عَنِ التَّواضُعِ والخُشُوعِ فَمَنِ اسْتَنارَ قَلْبُهُ بِمَعْرِفَةِ جَلالِ اللَّهِ تَعالى وكِبْرِيائِهِ، لا بُدَّ وأنْ يَظْهَرَ في جَوارِحِهِ وأعْضائِهِ أثَرُ الخُضُوعِ والخُشُوعِ.

وثانِيها: قالَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ قَوْلُهُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ يَعْنِي مَن تَصَدَّقَ قَبْلَ مُرُورِهِ إلى العِيدِ: ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ يَعْنِي ثُمَّ صَلّى صَلاةَ العِيدِ بَعْدَ ذَلِكَ مَعَ الإمامِ. وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ وأبِي العالِيَةِ وابْنِ سِيرِينَ وابْنِ عُمَرَ ورُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ ﷺ، وهَذا التَّفْسِيرُ فِيهِ إشْكالٌ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ عادَةَ اللَّهِ تَعالى في القُرْآنِ تَقْدِيمُ ذِكْرِ الصَّلاةِ عَلى ذِكْرِ الزَّكاةِ لا تَقْدِيمُ الزَّكاةِ عَلى الصَّلاةِ.

والثّانِي: قالَ الثَّعْلَبِيُّ: هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ بِالإجْماعِ ولَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ عِيدٌ ولا زَكاةُ فِطْرٍ. أجابَ الواحِدِيُّ عَنْهُ بِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يُقالَ: لَمّا كانَ في مَعْلُومِ اللَّهِ تَعالى أنَّ ذَلِكَ سَيَكُونُ أثْنى عَلى مَن فَعَلَ ذَلِكَ.

وثالِثُها: قالَ مُقاتِلٌ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ أيْ تَصَدَّقَ مِن مالِهِ وذَكَرَ رَبَّهُ بِالتَّوْحِيدِ في الصَّلاةِ فَصَلّى لَهُ، والفَرْقُ بَيْنَ هَذا الوَجْهِ وما قَبْلَهُ أنَّ هَذا يَتَناوَلُ الزَّكاةَ والصَّلاةَ المَفْرُوضَتَيْنِ، والوَجْهُ الأوَّلُ لَيْسَ كَذَلِكَ.

ورابِعُها: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ زَكاةَ المالِ بَلْ زَكاةَ الأعْمالِ أيْ مَن تَطَهَّرَ في أعْمالِهِ مِنَ الرِّياءِ والتَّقْصِيرِ، لِأنَّ اللَّفْظَ المُعْتادَ أنْ يُقالَ: في المالِ ”زَكّى“ ولا يُقالُ ”تَزَكّى“ قالَ تَعالى: ﴿ومَن تَزَكّى فَإنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ١٨] .

وخامِسُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ أيْ كَبَّرَ في خُرُوجِهِ إلى العِيدِ وصَلّى صَلاةَ العِيدِ.

وسادِسُها: المَعْنى: وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ في صِلاتِهِ، ولا تَكُونُ صِلاتُهُ كَصَلاةِ المُنافِقِينَ حَيْثُ يُراءُونَ النّاسَ ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الفُقَهاءُ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى وُجُوبِ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتاحِ، واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ بِها عَلى أنَّ تَكْبِيرَةَ الِافْتِتاحِ لَيْسَتْ مِنَ الصَّلاةِ، قالَ: لِأنَّ الصَّلاةَ مَعْطُوفَةٌ عَلَيْها والعَطْفَ يَسْتَدْعِي المُغايَرَةَ، واحْتَجَّ أيْضًا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الِافْتِتاحَ جائِزٌ بِكُلِّ اسْمٍ مِن أسْمائِهِ وأجابَ أصْحابُنا بِأنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ، وصَلّى فَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ ولا فَرْقَ بَيْنَ أنْ تَقُولَ أكْرَمْتَنِي فَزُرْتَنِي وبَيْنَ أنْ تَقُولَ زُرْتَنِي فَأكْرَمْتَنِي، ولِأبِي حَنِيفَةَ أنْ يَقُولَ: تَرْكُ العَمَلِ بِفاءِ التَّعْقِيبِ لا يَجُوزُ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ والأوْلى في الجَوابِ أنْ يُقالَ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى مَدْحِ كُلِّ مَن ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ فَصَلّى عَقِيبَهُ ولَيْسَ في الآيَةِ بَيانُ أنَّ ذَلِكَ الذِّكْرَ هو تَكْبِيرَةُ الِافْتِتاحِ. فَلَعَلَّ المُرادَ بِهِ أنَّ مَن ذَكَرَ اللَّهَ بِقَلْبِهِ وذَكَرَ ثَوابَهُ وعِقابَهُ دَعاهُ ذَلِكَ إلى فِعْلِ الصَّلاةِ، فَحِينَئِذٍ يَأْتِي بِالصَّلاةِ الَّتِي أحَدُ أجْزائِها التَّكْبِيرُ، وحِينَئِذٍ يَنْدَفِعُ الِاسْتِدْلالُ.

87:16–18Page 592

بَلۡ تُؤۡثِرُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا ١٦

But you prefer the worldly life,

وَٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰٓ ١٧

While the Hereafter is better and more enduring.

إِنَّ هَٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلۡأُولَىٰ ١٨

Indeed, this is in the former scriptures,

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ وفِيهِ قِراءَتانِ: قِراءَةُ العامَّةِ بِالتّاءِ ويُؤَكِّدُهُ حَرْفُ أُبَيٍّ، أيْ: بَلْ أنْتُمْ تُؤْثِرُونَ عَمَلَ الدُّنْيا عَلى عَمَلِ الآخِرَةِ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّ الدُّنْيا أُحْضِرَتْ، وعُجِّلَ لَنا طَعامُها وشَرابُها ونِساؤُها ولَذّاتُها وبَهْجَتُها، وإنَّ الآخِرَةَ لَغَيْبٌ لَنا وزُوِيَتْ عَنّا، فَأخَذْنا بِالعاجِلِ وتَرَكْنا الآجِلَ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ”يُؤْثِرُونَ“ بِالياءِ يَعْنِي: الأشْقى.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾

وتَمامُهُ أنَّ كُلَّ ما كانَ خَيْرًا وأبْقى فَهو آثَرُ، فَيَلْزَمُ أنْ تَكُونَ الآخِرَةُ آثَرَ مِنَ الدُّنْيا وهم كانُوا يُؤْثِرُونَ الدُّنْيا، وإنَّما قُلْنا: إنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ لِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ الآخِرَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى السَّعادَةِ الجُسْمانِيَّةِ والرُّوحانِيَّةِ، والدُّنْيا لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فالآخِرَةُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا.

وثانِيها: أنَّ الدُّنْيا لَذّاتُها مَخْلُوطَةٌ بِالآلامِ، والآخِرَةَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ.

وثالِثُها: أنَّ الدُّنْيا فانِيَةٌ، والآخِرَةَ باقِيَةٌ، والباقِيَ خَيْرٌ مِنَ الفانِي.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ واخْتَلَفُوا في المُشارِ إلَيْهِ بِلَفْظِ ”هَذا“ مِنهم مَن قالَ: جَمِيعُ السُّورَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ السُّورَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والوَعِيدِ عَلى الكُفْرِ بِاللَّهِ والوَعْدِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى.

ومِنهم مَن قالَ: بَلِ المُشارُ إلَيْهِ بِهَذِهِ الإشارَةِ هو مِن قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ إشارَةً إلى تَطْهِيرِ النَّفْسِ عَنْ كُلِّ ما لا يَنْبَغِي.

أمّا القُوَّةُ النَّظَرِيَّةُ فَعَنْ جَمِيعِ العَقائِدِ الفاسِدَةِ، وأمّا في القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ فَعَنْ جَمِيعِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ فَهو إشارَةٌ إلى تَكْمِيلِ الرُّوحِ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَصَلّى﴾ فَهو إشارَةٌ إلى تَكْمِيلِ الجَوارِحِ وتَزْيِينِها بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ فَهو إشارَةٌ إلى الزَّجْرِ عَنِ الِالتِفاتِ إلى الدُّنْيا.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ فَهو إشارَةٌ إلى التَّرْغِيبِ في الآخِرَةِ وفي ثَوابِ اللَّهِ تَعالى، وهَذِهِ أُمُورٌ لا يَجُوزُ أنْ تَخْتَلِفَ بِاخْتِلافِ الشَّرائِعِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ وهَذا الوَجْهُ كَما تَأكَّدَ بِالفِعْلِ فالخَبَرُ يَدُلُّ عَلَيْهِ، رُوِيَ عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّهُ قالَ: قُلْتُ: هَلْ في الدُّنْيا مِمّا في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى ؟ فَقالَ: اقْرَأْ يا أبا ذَرٍّ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ وقالَ آخَرُونَ: إنَّ قَوْلَهُ ”هَذا“ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الإشارَةَ راجِعَةٌ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ وذَلِكَ هو هَذِهِ الآيَةُ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَفِي الصُّحُفِ الأُولى﴾ فَهو نَظِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦] وقَوْلِهِ: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] .

87:19Page 592

صُحُفِ إِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ ١٩

The scriptures of Abraham and Moses.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ بَيانٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فِي الصُّحُفِ الأُولى﴾ .

والثّانِي: أنَّ المُرادَ أنَّهُ مَذْكُورٌ في صُحُفِ جَمِيعِ الأنْبِياءِ الَّتِي مِنها صُحُفُ إبْراهِيمَ ومُوسى

صفحة ١٣٦

رُوِيَ عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّهُ «سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَمْ أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ ؟ فَقالَ: مِائَةً وأرْبَعَةَ كُتُبٍ عَلى آدَمَ عَشْرَ صُحُفٍ وعَلى شِيثٍ خَمْسِينَ صَحِيفَةً وعَلى إدْرِيسَ ثَلاثِينَ صَحِيفَةً وعَلى إبْراهِيمَ عَشْرَ صَحائِفَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ والزَّبُورَ والفَرْقانَ»، وقِيلَ: إنَّ في صُحُفِ إبْراهِيمَ: يَنْبَغِي لِلْعاقِلِ أنْ يَكُونَ حافِظًا لِلِسانِهِ عارِفًا بِزَمانِهِ مُقْبِلًا عَلى شَأْنِهِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском