Ar-RaziAl‑A'la · 87:7–14

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-A'la 87:7–14

87:7Page 591

إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلۡجَهۡرَ وَمَا يَخۡفَىٰ ٧

Except what Allāh should will. Indeed, He knows what is declared and what is hidden.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ مُحَمَّدًا بِالتَّسْبِيحِ فَقالَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ وعَلَّمَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ ذَلِكَ التَّسْبِيحَ لا يَتِمُّ ولا يَكْمُلُ إلّا بِقِراءَةِ ما أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ، لِما بَيَّنّا أنَّ التَّسْبِيحَ الَّذِي يَلِيقُ بِهِ هو الَّذِي يَرْتَضِيهِ لِنَفْسِهِ، فَلا جَرَمَ كانَ يَتَذَكَّرُ القُرْآنَ في نَفْسِهِ مَخافَةَ أنْ يَنْسى فَأزالَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ الخَوْفَ عَنْ قَلْبِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: ”﴿سَنُقْرِئُكَ﴾“ أيْ سَنَجْعَلُكَ قارِئًا بِأنْ نُلْهِمَكَ القِراءَةَ فَلا تَنْسى ما تَقْرَؤُهُ، والمَعْنى نَجْعَلُكَ قارِئًا لِلْقُرْآنِ تَقْرَؤُهُ فَلا تَنْساهُ، قالَ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ أكْثَرَ تَحْرِيكَ لِسانِهِ مَخافَةَ أنْ يَنْسى، وكانَ جِبْرِيلُ لا يَفْرَغُ مِن آخِرِ الوَحْيِ حَتّى يَتَكَلَّمَ هو بِأوَّلِهِ مَخافَةَ النِّسْيانِ، فَقالَ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ أيْ سَنُعَلِّمُكَ هَذا القُرْآنَ حَتّى تَحْفَظَهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤] وقَوْلُهُ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] ثُمَّ ذَكَرُوا في كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ الِاسْتِقْراءِ والتَّعْلِيمِ وُجُوهًا.

أحَدُها: أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَيَقْرَأُ عَلَيْكَ القُرْآنَ مَرّاتٍ حَتّى تَحْفَظَهُ حِفْظًا لا تَنْساهُ.

وثانِيها: أنّا نَشْرَحُ صَدْرَكَ ونُقَوِّي خاطِرَكَ حَتّى تَحْفَظَ بِالمَرَّةِ الواحِدَةِ حِفْظًا لا تَنْساهُ.

وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهُ في أوَّلِ السُّورَةِ بِالتَّسْبِيحِ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: واظِبْ عَلى ذَلِكَ ودُمْ عَلَيْهِ فَإنّا سَنُقْرِئُكَ القُرْآنَ الجامِعَ لِعُلُومِ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ ويَكُونُ فِيهِ ذِكْرُكَ وذِكْرُ قَوْمِكَ ونَجْمَعُهُ في قَلْبِكَ، ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى وهو العَمَلُ بِهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى المُعْجِزَةِ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ كانَ رَجُلًا أُمِّيًّا فَحِفْظُهُ لِهَذا الكِتابِ المُطَوَّلِ مِن غَيْرِ دِراسَةٍ ولا تَكْرارٍ ولا كَتَبَةٍ، خارِقٌ لِلْعادَةِ فَيَكُونُ مُعْجِزًا.

الثّانِي: أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مِن أوائِلِ ما نَزَلَ بِمَكَّةَ، فَهَذا إخْبارٌ عَنْ أمْرٍ عَجِيبٍ غَرِيبٍ مُخالِفٍ لِلْعادَةِ سَيَقَعُ في المُسْتَقْبَلِ وقَدْ وقَعَ فَكانَ هَذا إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ فَيَكُونُ مُعْجِزًا، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَنْسى﴾ فَقالَ بَعْضُهم: ﴿فَلا تَنْسى﴾ مَعْناهُ النَّهْيُ، والألِفُ مَزِيدَةٌ لِلْفاصِلَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٦٧] يَعْنِي فَلا تُغْفِلْ قِراءَتَهُ وتَكْرِيرَهُ فَتَنْساهُ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يُنْسِكَهُ، والقَوْلُ المَشْهُورُ أنَّ هَذا خَبَرٌ والمَعْنى سَنُقْرِئُكَ إلى أنْ تَصِيرَ بِحَيْثُ لا تَنْسى وتَأْمَنُ النِّسْيانَ، كَقَوْلِكَ سَأكْسُوكَ فَلا تَعْرى أيْ فَتَأْمَنُ العُرْيَ، واحْتَجَّ أصْحابُ هَذا القَوْلِ عَلى ضَعْفِ القَوْلِ الأوَّلِ بِأنَّ ذَلِكَ القَوْلَ لا يَتِمُّ إلّا عِنْدَ التِزامِ مَجازاتٍ في هَذِهِ الآيَةِ مِنها أنَّ النِّسْيانَ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ تَعالى، فَلا يَصِحُّ وُرُودُ الأمْرِ والنَّهْيِ بِهِ، فَلا بُدَّ وأنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى المُواظَبَةِ عَلى الأشْياءِ الَّتِي تُنافِي النِّسْيانَ مِثْلَ الدِّراسَةِ وكَثْرَةِ

صفحة ١٢٩

التَّذَكُّرِ. وكُلُّ ذَلِكَ عُدُولٌ عَنْ ظاهِرِ اللَّفْظِ. ومِنها أنْ تُجْعَلَ الألِفُ مَزِيدَةً لِلْفاصِلَةِ وهو أيْضًا خِلافُ الأصْلِ ومِنها أنّا إذا جَعَلْناهُ خَبَرًا كانَ مَعْنى الآيَةِ بِشارَةَ اللَّهِ إيّاهُ بِأنِّي أجْعَلُكَ بِحَيْثُ لا تَنْساهُ، وإذا جَعَلْناهُ نَهْيًا كانَ مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ بِأنْ يُواظِبَ عَلى الأسْبابِ المانِعَةِ مِنَ النِّسْيانِ وهي الدِّراسَةُ والقِراءَةُ، وهَذا لَيْسَ في البِشارَةِ، وتَعْظِيمُ حالِهِ مِثْلُ الأوَّلِ، ولِأنَّهُ عَلى خِلافِ قَوْلِهِ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] .

أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ فَفِيهِ احْتِمالانِ:

أحَدُهُما: أنْ يُقالَ: هَذا الِاسْتِثْناءُ غَيْرُ حاصِلٍ في الحَقِيقَةِ وأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَنْسَ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا، قالَ الكَلْبِيُّ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَنْسَ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ شَيْئًا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ الغَرَضُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ أحَدَ أُمُورٍ:

أحَدُها: التَّبَرُّكُ بِذِكْرِ هَذِهِ الكَلِمَةِ عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣] وكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: أنا مَعَ أنِّي عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ وعالِمٌ بِعَواقِبِ الأُمُورِ عَلى التَّفْصِيلِ لا أُخْبِرُ عَنْ وُقُوعِ شَيْءٍ في المُسْتَقْبَلِ إلّا مَعَ هَذِهِ الكَلِمَةِ فَأنْتَ وأُمَّتُكَ يا مُحَمَّدُ أوْلى بِها.

وثانِيها: قالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ تَعالى ما شاءَ أنْ يَنْسى مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ شَيْئًا، إلّا أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ هَذا الِاسْتِثْناءِ بَيانُ أنَّهُ تَعالى لَوْ أرادَ أنْ يَصِيرَ ناسِيًا لِذَلِكَ لَقَدَرَ عَلَيْهِ، كَما قالَ: ﴿ولَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٨٦] ثُمَّ إنّا نَقْطَعُ بِأنَّهُ تَعالى ما شاءَ ذَلِكَ وقالَ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ مَعَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما أشْرَكَ البَتَّةَ، وبِالجُمْلَةِ فَفائِدَةُ هَذا الِاسْتِثْناءِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُعَرِّفُهُ قُدْرَةَ رَبِّهِ حَتّى يَعْلَمَ أنَّ عَدَمَ النِّسْيانِ مِن فَضْلِ اللَّهِ وإحْسانِهِ لا مِن قُوَّتِهِ.

وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذا الِاسْتِثْناءَ جَوَّزَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في كُلِّ ما يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنَ الوَحْيِ قَلِيلًا كانَ أوْ كَثِيرًا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ هو المُسْتَثْنى، فَلا جَرَمَ كانَ يُبالِغُ في التَّثَبُّتِ والتَّحَفُّظِ والتَّيَقُّظِ في جَمِيعِ المَواضِعِ، فَكانَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذا الِاسْتِثْناءِ بَقاءَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى التَّيَقُّظِ في جَمِيعِ الأحْوالِ.

ورابِعُها: أنْ يَكُونَ الغَرَضُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ نَفْيَ النِّسْيانِ رَأْسًا، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِصاحِبِهِ: أنْتَ سَهِيمِي فِيما أمْلِكُ إلّا فِيما شاءَ [ اللَّهُ ]، ولا يَقْصِدُ اسْتِثْناءَ شَيْءٍ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ اسْتِثْناءٌ في الحَقِيقَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَحْتَمِلُ الآيَةُ وُجُوهًا:

أحَدُها: قالَ الزَّجّاجُ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَنْسى، فَإنَّهُ يَنْسى ثُمَّ يَتَذَكَّرُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإذًا قَدْ يَنْسى ولَكِنَّهُ يَتَذَكَّرُ فَلا يَنْسى نِسْيانًا كُلِّيًّا دائِمًا، رُوِيَ أنَّهُ أسْقَطَ آيَةً في قِراءَتِهِ في الصَّلاةِ، فَحَسِبَ أُبَيٌّ أنَّها نُسِخَتْ، فَسَألَهُ فَقالَ: نَسِيتُها.

وثانِيها: قالَ مُقاتِلٌ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يُنْسِيَهُ، ويَكُونُ المُرادُ مِنَ الإنْساءِ هَهُنا نُسْخَةً، كَما قالَ: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها﴾ [البقرة: ١٠٦] فَيَكُونُ المَعْنى إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَنْساهُ عَلى الأوْقاتِ كُلِّها، فَيَأْمُرُكَ أنْ لا تَقْرَأهُ ولا تُصَلِّيَ بِهِ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِنِسْيانِهِ وزَوالِهِ عَنِ الصُّدُورِ.

وثالِثُها: أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ القِلَّةَ والنُّدْرَةَ، ويُشْتَرَطُ أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ القَلِيلُ مِن واجِباتِ الشَّرْعِ، بَلْ مِنَ الآدابِ والسُّنَنِ، فَإنَّهُ لَوْ نَسِيَ شَيْئًا مِنَ الواجِباتِ ولَمْ يَتَذَكَّرْهُ أدّى ذَلِكَ إلى الخَلَلِ في الشَّرْعِ، وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ عالِمٌ بِجَهْرِكَ في القِراءَةِ مَعَ قِراءَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وعالِمٌ بِالسِّرِّ الَّذِي في قَلْبِكَ وهو أنَّكَ تَخافُ النِّسْيانَ، فَلا تَخَفْ فَأنا أكْفِيكَ ما تَخافُهُ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: فَلا تَنْسى إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَنْسَخَ، فَإنَّهُ أعْلَمُ بِمَصالِحِ العَبِيدِ، فَيَنْسَخُ حَيْثُ يَعْلَمُ أنَّ المَصْلَحَةَ في النَّسْخِ.

87:8Page 591

وَنُيَسِّرُكَ لِلۡيُسۡرَىٰ ٨

And We will ease you toward ease.1

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اليُسْرى هي أعْمالُ الخَيْرِ الَّتِي تُؤَدِّي إلى اليُسْرِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: لِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ونُيَسِّرُكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ وقَوْلَهُ: ﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ اعْتِراضٌ، والتَّقْدِيرُ: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى، ونُوَفِّقُكَ لِلطَّرِيقَةِ الَّتِي هي أسْهَلُ وأيْسَرُ، يَعْنِي في حِفْظِ القُرْآنِ.

وثانِيها: قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: اليُسْرى الجَنَّةُ، والمَعْنى نُيَسِّرُكَ لِلْعَمَلِ المُؤَدِّي إلَيْها.

وثالِثُها: نُهَوِّنُ عَلَيْكَ الوَحْيَ حَتّى تَحْفَظَهُ وتَعْلَمَهُ وتَعْمَلَ بِهِ.

ورابِعُها: نُوَفِّقُكَ لِلشَّرِيعَةِ وهي الحَنِيفِيَّةُ السَّهْلَةُ السَّمْحَةُ، والوَجْهُ الأوَّلُ أقْرَبُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِسائِلٍ أنْ يَسْألَ فَيَقُولَ العِبارَةَ المُعْتادَةَ أنْ يُقالَ: جُعِلَ الفِعْلُ الفُلانِيُّ مُيَسَّرًا لِفُلانٍ، ولا يُقالُ: جُعِلَ فُلانٌ مُيَسَّرًا لِلْفِعْلِ الفُلانِيِّ فَما الفائِدَةُ فِيهِ هَهُنا ؟ .

الجَوابُ: أنَّ هَذِهِ العِبارَةَ كَما أنَّها اخْتِيارُ القُرْآنِ في هَذا المَوْضِعِ، وفي سُورَةِ اللَّيْلِ أيْضًا، فَكَذا هي اخْتِيارُ الرَّسُولِ في قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ» “ وفِيهِ لَطِيفَةٌ عِلْمِيَّةٌ، وذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ في نَفْسِهِ ماهِيَّةٌ مُمْكِنَةٌ قابِلَةٌ لِلْوُجُودِ والعَدَمِ عَلى السَّوِيَّةِ، فَما دامَ القادِرُ يَبْقى بِالنِّسْبَةِ إلى فِعْلِها وتَرْكِها عَلى السَّوِيَّةِ امْتَنَعَ صُدُورُ الفِعْلِ عَنْهُ، فَإذا تَرَجَّحَ جانِبُ الفاعِلِيَّةِ عَلى جانِبِ التّارِكِيَّةِ، فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ الفِعْلُ، فَثَبَتَ أنَّ الفِعْلَ ما لَمْ يَجِبْ لَمْ يُوجَدْ، وذَلِكَ الرُّجْحانُ هو المُسَمّى بِالتَّيْسِيرِ، فَثَبَتَ أنَّ الأمْرَ بِالتَّحْقِيقِ هو أنَّ الفاعِلَ يَصِيرُ مُيَسَّرًا لِلْفِعْلِ، لا أنَّ الفِعْلَ يَصِيرُ مُيَسَّرًا لِلْفاعِلِ، فَسُبْحانَ مَن لَهُ تَحْتَ كُلِّ كَلِمَةٍ حِكْمَةٌ خَفِيَّةٌ وسِرٌّ عَجِيبٌ يُبْهِرُ العُقُولَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما قالَ: ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ بِنُونِ التَّعْظِيمِ لِتَكُونَ عَظَمَةُ المُعْطِي دالَّةً عَلى عَظَمَةِ العَطاءِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩] ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ فَتَحَ عَلَيْهِ مِن أبْوابِ التَّيْسِيرِ والتَّسْهِيلِ ما لَمْ يَفْتَحْهُ عَلى أحَدٍ غَيْرِهِ، وكَيْفَ لا وقَدْ كانَ صَبِيًّا لا أبَ لَهُ ولا أُمَّ لَهُ نَشَأ في قَوْمٍ جُهّالٍ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى جَعَلَهُ في أفْعالِهِ وأقْوالِهِ قُدْوَةً لِلْعالَمِينَ، وهَدْيًا لِلْخَلْقِ أجْمَعِينَ.

87:9Page 591

فَذَكِّرۡ إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكۡرَىٰ ٩

So remind, if the reminder should benefit;1

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾

فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا تَكَفَّلَ بِتَيْسِيرِ جَمِيعِ مَصالِحِ الدُّنْيا والآخِرَةِ أمَرَ بِدَعْوَةِ الخَلْقِ إلى الحَقِّ، لِأنَّ كَمالَ حالِ الإنْسانِ في أنْ يَتَخَلَّقَ بِأخْلاقِ اللَّهِ سُبْحانَهُ تامًّا وفَوْقَ التَّمامِ، فَلَمّا صارَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تامًّا بِمُقْتَضى قَوْلِهِ: ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ أمَرَهُ بِأنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ فَوْقَ التَّمامِ بِمُقْتَضى قَوْلِهِ: (فَذَكِّرْ) لِأنَّ التَّذْكِيرَ يَقْتَضِي تَكْمِيلَ النّاقِصِينَ وهِدايَةَ الجاهِلِينَ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ فَيّاضًا لِلْكَمالِ، فَكانَ تامًّا وفَوْقَ التَّمامِ، وهَهُنا سُؤالاتٌ:

صفحة ١٣١

السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَبْعُوثًا إلى الكُلِّ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُذَكِّرَهم سَواءٌ نَفَعَتْهُمُ الذِّكْرى أوْ لَمْ تَنْفَعْهم، فَما المُرادُ مِن تَعْلِيقِهِ عَلى الشَّرْطِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ ؟ الجَوابُ: أنَّ المُعَلَّقَ بِـ ”إنْ“ عَلى الشَّيْءِ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ عَدَمًا عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ آياتٌ مِنها هَذِهِ الآيَةُ ومِنها قَوْلُهُ: ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣] ومِنها قَوْلُهُ: ﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢] ومِنها قَوْلُهُ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١] فَإنَّ القَصْرَ جائِزٌ وإنْ لَمْ يُوجَدِ الخَوْفُ، ومِنها قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ تَجِدُوا كاتِبًا فَرِهانٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] والرَّهْنُ جائِزٌ مَعَ الكِتابَةِ، ومِنها قَوْلُهُ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا إنْ ظَنّا أنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠] والمُراجَعَةُ جائِزَةٌ بِدُونِ هَذا الظَّنِّ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ ذَكَرُوا لِذِكْرِ هَذا الشَّرْطِ فَوائِدَ:

إحْداها: أنَّ مَن باشَرَ فِعْلًا لِغَرَضٍ فَلا شَكَّ أنَّ الصُّورَةَ الَّتِي عُلِمَ فِيها إفْضاءُ تِلْكَ الوَسِيلَةِ إلى ذَلِكَ الغَرَضِ كانَ إلى ذَلِكَ الفِعْلِ أوْجَبَ مِنَ الصُّورَةِ الَّتِي عُلِمَ فِيها عَدَمُ ذَلِكَ الإفْضاءِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ .

وثانِيها: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أشْرَفَ الحالَتَيْنِ، ونَبَّهَ عَلى الأُخْرى كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ والتَّقْدِيرُ: ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ أوْ لَمْ تَنْفَعْ.

وثالِثُها: أنَّ المُرادَ مِنهُ البَعْثُ عَلى الِانْتِفاعِ بِالذِّكْرى، كَما يَقُولُ المَرْءُ لِغَيْرِهِ إذا بَيَّنَ لَهُ الحَقَّ: قَدْ أوْضَحْتُ لَكَ إنْ كُنْتَ تَعْقِلُ فَيَكُونُ مُرادُهُ البَعْثَ عَلى القَبُولِ والِانْتِفاعِ بِهِ.

ورابِعُها: أنَّ هَذا يَجْرِي مَجْرى تَنْبِيهِ الرَّسُولِ ﷺ أنَّهُ لا تَنْفَعُهُمُ الذِّكْرى كَما يُقالُ لِلرَّجُلِ: ادْعُ فُلانًا إنْ أجابَكَ، والمَعْنى: وما أراهُ يُجِيبُكَ.

وخامِسُها: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ دَعاهم إلى اللَّهِ كَثِيرًا، وكُلَّما كانَتْ دَعْوَتُهُ أكْثَرَ كانَ عُتُوُّهم أكْثَرَ، وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَتَحَرَّقُ حَسْرَةً عَلى ذَلِكَ فَقِيلَ لَهُ: ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾ [ق: ٤٥] إذِ التَّذْكِيرُ العامُّ واجِبٌ في أوَّلِ الأمْرِ فَأمّا التَّكْرِيرُ فَلَعَلَّهُ إنَّما يَجِبُ عِنْدَ رَجاءِ حُصُولِ المَقْصُودِ فَلِهَذا المَعْنى قَيَّدَهُ بِهَذا الشَّرْطِ.

السُّؤالُ الثّانِي: التَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ إنَّما يَحْسُنُ في حَقِّ مَن يَكُونُ جاهِلًا بِالعَواقِبِ، أمّا عَلّامُ الغُيُوبِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ ؟ الجَوابُ: رُوِيَ في الكُتُبِ أنَّهُ تَعالى كانَ يَقُولُ لِمُوسى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤] وأنا أشْهَدُ أنَّهُ لا يَتَذَكَّرُ ولا يَخْشى. فَأمْرُ الدَّعْوَةِ والبَعْثَةِ شَيْءٌ وعِلْمُهُ تَعالى بِالمُغَيَّباتِ وعَواقِبِ الأُمُورِ غَيْرُهُ ولا يُمْكِنُ بِناءُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ.

السُّؤالُ الثّالِثُ: التَّذْكِيرُ المَأْمُورُ بِهِ هَلْ مَضْبُوطٌ مِثْلُ أنْ يُذَكِّرَهم عَشَراتِ المَرّاتِ، أوْ غَيْرُ مَضْبُوطٍ، وحِينَئِذٍ كَيْفَ يَكُونُ الخُرُوجُ عَنْ عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ ؟ والجَوابُ: أنَّ الضّابِطَ فِيهِ هو العُرْفُ. واللَّهُ أعْلَمُ.

87:10Page 591

سَيَذَّكَّرُ مَن يَخۡشَىٰ ١٠

He who fears [Allāh] will be reminded.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾

فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ النّاسَ في أمْرِ المَعادِ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ مِنهم مَن قَطَعَ بِصِحَّتِهِ، ومِنهم مَن جَوَّزَ وُجُودَهُ ولَكِنَّهُ غَيْرُ قاطِعٍ فِيهِ لا بِالنَّفْيِ ولا بِالثَّباتِ، ومِنهم مَن أصَرَّ عَلى إنْكارِهِ وقَطَعَ بِأنَّهُ لا يَكُونُ فالقِسْمانِ الأوَّلانِ تَكُونُ الخَشْيَةُ حاصِلَةً لَهُما، وأمّا القِسْمُ الثّالِثُ فَلا خَشْيَةَ لَهُ ولا خَوْفَ، إذا عَرَفْتَ ذَلِكَ ظَهَرَ أنَّ

صفحة ١٣٢

الآيَةَ تَحْتَمِلُ تَفْسِيرَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يُقالَ: الَّذِي يَخْشى هو الَّذِي يَكُونُ عارِفًا بِاللَّهِ وعارِفًا بِكَمالِ قُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ قاطِعًا بِصِحَّةِ المَعادِ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطر: ٢٨] فَكَأنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الَّذِي تَنْفَعُهُ الذِّكْرى مَن هو، ولَمّا كانَ الِانْتِفاعُ بِالذِّكْرى مَبْنِيًّا عَلى حُصُولِ الخَشْيَةِ في القَلْبِ، وصِفاتُ القُلُوبِ مِمّا لا اطِّلاعَ لِأحَدٍ عَلَيْها إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وجَبَ عَلى الرَّسُولِ تَعْمِيمُ الدَّعْوَةِ تَحْصِيلًا لِلْمَقْصُودِ، فَإنَّ المَقْصُودَ تَذْكِيرُ مَن يَنْتَفِعُ بِالتَّذْكِيرِ، ولا سَبِيلَ إلَيْهِ إلّا بِتَعْمِيمِ التَّذْكِيرِ.

الثّانِي: أنْ يُقالَ: إنَّ الخَشْيَةَ حاصِلَةٌ لِلْعامِلِينَ ولِلْمُتَوَقِّفِينَ غَيْرِ المُعانِدِينَ وأكْثَرُ الخَلْقِ مُتَوَقِّفُونَ غَيْرُ مُعانِدِينَ، والمُعانِدُ فِيهِمْ قَلِيلٌ، فَإذا ضُمَّ إلى المُتَوَقِّفِينَ الَّذِينَ لَهُمُ الغَلَبَةُ العارِفُونَ كانَتِ الغَلَبَةُ العَظِيمَةُ لِغَيْرِ المُعانِدِينَ، ثُمَّ إنَّ كَثِيرًا مِنَ المُعانِدِينَ، إنَّما يُعانِدُونَ بِاللِّسانِ، فَأمّا المُعانِدُ في قَلْبِهِ بَيْنَهُ وبَيْنَ نَفْسِهِ فَذَلِكَ مِمّا لا يَكُونُ أوْ إنْ كانَ فَهو في غايَةِ النُّدْرَةِ والقِلَّةِ، ثُمَّ إنَّ الإنْسانَ إذا سَمِعَ التَّخْوِيفَ بِأنَّهُ ﴿يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ وأنَّهُ ﴿لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ انْكَسَرَ قَلْبُهُ فَلا بُدَّ وأنْ يَسْتَمِعَ ويَنْتَفِعَ أغْلَبُ الخَلْقِ في أغْلَبِ الأحْوالِ، وأمّا ذَلِكَ المُعْرِضُ فَنادِرٌ، وتَرْكُ الخَيْرِ الكَثِيرِ لِأجْلِ الشَّرِّ القَلِيلِ شَرٌّ كَثِيرٌ، فَمِن هَذا الوَجْهِ كانَ قَوْلُهُ: ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ يُوجِبُ تَعْمِيمَ التَّذْكِيرِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: السِّينُ في قَوْلِهِ: ﴿سَيَذَّكَّرُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى: سَوْفَ يَذَّكَّرُ، وسَوْفَ مِنَ اللَّهِ واجِبٌ كَقَوْلِهِ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ مَن خَشِيَ اللَّهَ فَإنَّهُ يَتَذَكَّرُ وإنْ كانَ بَعْدَ حِينٍ بِما يَسْتَعْمِلُهُ مِنَ التَّدَبُّرِ والنَّظَرِ فَهو بَعْدَ طُولِ المُدَّةِ يَذَّكَّرُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: العِلْمُ إنَّما يُسَمّى تَذَكُّرًا إذا كانَ قَدْ حَصَلَ العِلْمُ أوَّلًا ثُمَّ نَسِيَهُ وهَذِهِ الحالَةُ غَيْرُ حاصِلَةٍ لِلْكَفّارِ فَكَيْفَ سَمّى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِالتَّذَكُّرِ ؟ وجَوابُهُ: أنَّ لِقُوَّةِ الدَّلائِلِ وظُهُورِها كَأنَّ ذَلِكَ العِلْمَ كانَ حاصِلًا، ثُمَّ إنَّهُ زالَ بِسَبَبِ التَّقْلِيدِ والعِنادِ. فَلِهَذا أسْماهُ اللَّهُ تَعالى بِالتَّذَكُّرِ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ.

87:11–12Page 591

وَيَتَجَنَّبُهَا ٱلۡأَشۡقَى ١١

But the wretched one will avoid it –

ٱلَّذِي يَصۡلَى ٱلنَّارَ ٱلۡكُبۡرَىٰ ١٢

[He] who will [enter and] burn in the greatest Fire,

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ فاعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّ أقْسامَ الخَلْقِ ثَلاثَةٌ؛ العارِفُونَ والمُتَوَقِّفُونَ والمُعانِدُونَ، وبَيَّنّا أنَّ القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لَهُما خَوْفٌ وخَشْيَةٌ، وصاحِبُ الخَشْيَةِ لا بُدَّ وأنْ يَسْتَمِعَ إلى الدَّعْوَةِ ويَنْتَفِعَ بِها، فَيَكُونُ الأشْقى هو المُعانِدُ الَّذِي لا يَسْتَمِعُ إلى الدَّعْوَةِ ولا يَنْتَفِعُ بِها، فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿ويَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ ﴿النّارَ الكُبْرى﴾ وُجُوهًا:

أحَدُها: قالَ الحَسَنُ: الكُبْرى نارُ جَهَنَّمَ، والصُّغْرى نارُ الدُّنْيا.

وثانِيها: أنَّ في الآخِرَةِ نِيرانًا ودَرَكاتٍ مُتَفاضِلَةً كَما أنَّ في الدُّنْيا ذُنُوبًا ومَعاصِيَ مُتَفاضِلَةً، وكَما أنَّ الكافِرَ أشْقى العُصاةِ كَذَلِكَ يَصْلى أعْظَمَ النِّيرانِ.

وثالِثُها: أنَّ النّارَ الكُبْرى هي النّارُ السُّفْلى، وهي تُصِيبُ الكُفّارَ عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] .

صفحة ١٣٣

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالُوا: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الوَلِيدِ وعَتَبَةَ وأُبَيٍّ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، لا سِيَّما وقَدْ بَيَّنّا صِحَّةَ هَذا التَّرْتِيبِ بِالبُرْهانِ العَقْلِيِّ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ هَهُنا قِسْمَيْنِ:

أحَدُهُما: الَّذِي يَذَّكَّرُ ويَخْشى.

والثّانِي: الأشْقى الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى، لَكِنَّ وُجُودَ الأشْقى يَسْتَدْعِي وُجُودَ الشَّقِيِّ فَكَيْفَ حالُ هَذا القِسْمِ ؟

وجَوابُهُ: أنَّ لَفْظَةَ الأشْقى لا تَقْتَضِي وُجُودَ الشَّقِيِّ إذْ قَدْ يَجْرِي مِثْلُ هَذا اللَّفْظِ مِن غَيْرِ مُشارِكَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] وقِيلَ: المَعْنى: ويَتَجَنَّبُها الشَّقِيُّ الَّذِي يَصْلى كَما في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] أيْ هَيِّنٌ عَلَيْهِ، ومِثْلَ قَوْلِ القائِلِ:

إنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّماءَ بَنى لَنا بَيْتًا دَعائِمُهُ أعَزُّ وأطْوَلُ

هَذا ما قِيلَ، لَكِنَّ التَّحْقِيقَ ما ذَكَرْنا أنَّ الفِرَقَ الثَّلاثَةَ، العارِفُ والمُتَوَقِّفُ والمُعانِدُ؛ فالسَّعِيدُ هو العارِفُ، والمُتَوَقِّفُ لَهُ بَعْضُ الشَّقاءِ والأشْقى هو المُعانِدُ الَّذِي بَيَّنا أنَّهُ هو الَّذِي لا يَلْتَفِتُ إلى الدَّعْوَةِ ولا يَصْغى إلَيْها ويَتَجَنَّبُها. ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾

87:13–14Page 591

ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحۡيَىٰ ١٣

Neither dying therein nor living.

قَدۡ أَفۡلَحَ مَن تَزَكَّىٰ ١٤

He has certainly succeeded who purifies himself

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: لِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: لا يَمُوتُ فَيَسْتَرِيحُ ولا يَحْيا حَياةً تَنْفَعُهُ، كَما قالَ: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ولا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها﴾ [فاطر: ٣٦] وهَذا عَلى مَذْهَبِ العَرَبِ تَقُولُ لِلْمُبْتَلى بِالبَلاءِ الشَّدِيدِ: لا هو حَيٌّ ولا هو مَيِّتٌ.

وثانِيهِما: مَعْناهُ أنَّ نَفْسَ أحَدِهِمْ في النّارِ تَصِيرُ في حَلْقِهِ فَلا تَخْرُجُ فَيَمُوتُ ولا تَرْجِعُ إلى مَوْضِعِها مِنَ الجِسْمِ فَيَحْيا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما قِيلَ: (ثُّمَ) لِأنَّ هَذِهِ الحالَةَ أفْظَعُ وأعْظَمُ مِنَ الصَّلى فَهو مُتَراخٍ عَنْهُ في مَراتِبِ الشِّدَّةِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى:

﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ مَن أعْرَضَ عَنِ النَّظَرِ والتَّأمُّلِ في دَلائِلِ اللَّهِ تَعالى أتْبَعَهُ بِالوَعْدِ لِمَن تَزَكّى وتَطَهَّرَ مِن دَنَسِ الشِّرْكِ.

وثانِيهِما: وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ: تُكْثِرُ مِنَ التَّقْوى لِأنَّ مَعْنى الزّاكِي النّامِي الكَثِيرُ، وهَذا الوَجْهُ مُعْتَضِدٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١] أثْبَتَ الفَلاحَ لِلْمُسْتَجْمِعِينَ لِتِلْكَ الخِصالِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في أوَّلِ البَقَرَةِ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] .

وأمّا الوَجْهُ الأوَّلُ فَإنَّهُ مُعْتَضِدٌ بِوَجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا لَمْ يَذْكُرْ في الآيَةِ ما يَجِبُ التَّزَكِّي عَنْهُ عَلِمْنا أنَّ المُرادَ هو التَّزَكِّي عَمّا مَرَّ ذِكْرُهُ قَبْلَ الآيَةِ، وذَلِكَ هو الكُفْرُ، فَعَلِمْنا أنَّ المُرادَ هَهُنا: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ عَنِ الكُفْرِ الَّذِي مَرَّ ذِكْرُهُ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ.

والثّانِي: أنَّ الِاسْمَ المُطْلَقَ يَنْصَرِفُ إلى المُسَمّى الكامِلِ، وأكْمَلُ أنْواعِ التَّزْكِيَةِ هو تَزْكِيَةُ القَلْبِ عَنْ ظُلْمَةِ الكُفْرِ فَوَجَبَ صَرْفُ هَذا المُطْلَقِ إلَيْهِ، ويَتَأكَّدُ هَذا التَّأْوِيلُ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ مَعْنى: ﴿تَزَكّى﴾ قَوْلُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском