Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Ghashiyah 88:17–26
88:17–19Page 592
أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى ٱلۡإِبِلِ كَيۡفَ خُلِقَتۡ ١٧
Then do they not look at the camels - how they are created?
وَإِلَى ٱلسَّمَآءِ كَيۡفَ رُفِعَتۡ ١٨
And at the sky - how it is raised?
وَإِلَى ٱلۡجِبَالِ كَيۡفَ نُصِبَتۡ ١٩
And at the mountains - how they are erected?
قَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكَمَ بِمَجِيءِ يَوْمِ القِيامَةِ وقَسَّمَ أهْلَ القِيامَةِ إلى قِسْمَيْنِ الأشْقِياءِ والسُّعَداءِ، ووَصَفَ أحْوالَ الفَرِيقَيْنِ وعُلِمَ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى إثْباتِ ذَلِكَ إلّا بِواسِطَةِ إثْباتِ الصّانِعِ الحَكِيمِ، لا جَرَمَ أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ هَذِهِ الدَّلالَةِ فَقالَ: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ﴾ وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِذَلِكَ عَلى صِحَّةِ المَعادِ أنَّها تَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ، ومَتى ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ ثَبَتَ القَوْلُ بِصِحَّةِ المَعادِ.
أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّ الأجْسامَ مُتَساوِيَةٌ في الجِسْمِيَّةِ فاخْتِصاصُ كُلِّ واحِدٍ مِنها بِالوَصْفِ الَّذِي لِأجْلِهِ امْتازَ عَلى الآخَرِ، لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِتَخْصِيصِ مُخَصِّصٍ وإيجادِ قادِرٍ، ولَمّا رَأيْنا هَذِهِ الأجْسامَ مَخْلُوقَةً عَلى وجْهِ الإتْقانِ والإحْكامِ عَلِمْنا أنَّ ذَلِكَ الصّانِعَ عالِمٌ، ولَمّا عَلِمْنا أنَّ ذَلِكَ الصّانِعَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُخالِفًا لِخَلْقِهِ في نَعْتِ الحاجَةِ والحُدُوثِ والإمْكانِ عَلِمْنا أنَّهُ غَنِيٌّ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لِلْعالَمِ صانِعًا قادِرًا عالِمًا غَنِيًّا فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ في غايَةِ الحِكْمَةِ، ثُمَّ إنّا نَرى النّاسَ بَعْضَهم مُحْتاجًا إلى البَعْضِ، فَإنَّ الإنْسانَ الواحِدَ لا يُمْكِنُهُ القِيامُ بِمُهِمّاتِ نَفْسِهِ، بَلْ لا بُدَّ مِن بَلْدَةٍ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِن أهْلِها مَشْغُولًا بِمُهِمٍّ آخَرَ حَتّى يَنْتَظِمَ مِن مَجْمُوعِهِمْ مَصْلَحَةُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم، وذَلِكَ
صفحة ١٤٣
الِانْتِظامُ لا يَحْسُنُ إلّا مَعَ التَّكْلِيفِ المُشْتَمِلِ عَلى الوَعْدِ والوَعِيدِ، ذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا بِالبَعْثِ والقِيامَةِ وخَلْقِ الجَنَّةِ والنّارِ فَثَبَتَ أنَّ إقامَةَ الدَّلالَةِ عَلى الصّانِعِ الحَكِيمِ تُوجِبُ القَوْلَ بِصِحَّةِ البَعْثِ والقِيامَةِ فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ اللَّهُ دَلالَةَ التَّوْحِيدِ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَإنْ قِيلَ: فَأيُّ مُجانَسَةٍ بَيْنَ الإبِلِ والسَّماءِ والجِبالِ والأرْضِ، ثُمَّ لِمَ بَدَأ بِذِكْرِ الإبِلِ ؟
قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ مُتَساوِيَةٌ في هَذِهِ الدَّلالَةِ وذِكْرَ جَمِيعِها غَيْرُ مُمْكِنٍ لِكَثْرَتِها وأيُّ واحِدٍ مِنها ذُكِرَ دُونَ غَيْرِهِ كانَ هَذا السُّؤالُ عائِدًا، فَوَجَبَ الحُكْمُ بِسُقُوطِ هَذا السُّؤالِ عَلى جَمِيعِ التَّقادِيرِ، وأيْضًا فَلَعَلَّ الحِكْمَةَ في ذِكْرِ هَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي هي غَيْرُ مُتَناسِبَةٍ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ هَذا الوَجْهَ مِنَ الِاسْتِدْلالِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِنَوْعٍ دُونَ نَوْعٍ بَلْ هو عامٌّ في الكُلِّ عَلى ما قالَ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] ولَوْ ذَكَرَ غَيْرَها لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ لا جَرَمَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أُمُورًا غَيْرَ مُتَناسِبَةٍ بَلْ مُتَباعِدَةً جِدًّا، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ جَمِيعَ الأجْسامِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ صَغِيرِها وكَبِيرِها حَسَنِها وقَبِيحِها مُتَساوِيَةٌ في الدَّلالَةِ عَلى الصّانِعِ الحَكِيمِ، فَهَذا وجْهٌ حَسَنٌ مَعْقُولٌ وعَلَيْهِ الِاعْتِمادُ.
الوَجْهُ الثّانِي: وهو أنْ نُبَيِّنَ ما في كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأشْياءِ مِنَ المَنافِعِ والخَواصِّ الدّالَّةِ عَلى الحاجَةِ إلى الصّانِعِ المُدَبِّرِ، ثُمَّ نُبَيِّنَ أنَّهُ كَيْفَ يُجانِسُ بَعْضُها بَعْضًا.
أمّا المَقامُ الأوَّلُ: فَنَقُولُ: الإبِلُ لَهُ خَواصٌّ مِنها أنَّهُ تَعالى جَعَلَ الحَيَوانَ الَّذِي يُقْتَنى أصْنافًا شَتّى، فَتارَةً يُقْتَنى لِيُؤْكَلَ لَحْمُهُ وتارَةً لِيُشْرَبَ لَبَنُهُ وتارَةً لِيَحْمِلَ الإنْسانَ في الأسْفارِ وتارَةً لِيَنْقُلَ أمْتِعَةَ الإنْسانِ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ وتارَةً لِيَكُونَ لَهُ بِهِ زِينَةٌ وجَمالٌ، وهَذِهِ المَنافِعُ بِأسْرِها حاصِلَةٌ في الإبِلِ، وقَدْ أبانَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا فَهم لَها مالِكُونَ﴾ ﴿وذَلَّلْناها لَهم فَمِنها رَكُوبُهم ومِنها يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٧٢]، وقالَ: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ ﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ﴾ [النحل: ٧] وإنَّ شَيْئًا مِن سائِرِ الحَيَواناتِ لا يَجْتَمِعُ فِيهِ هَذِهِ الخِصالُ فَكانَ اجْتِماعُ هَذِهِ الخِصالِ فِيهِ مِنَ العَجائِبِ.
وثانِيها: أنَّهُ في كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الخِصالِ أفْضَلُ مِنَ الحَيَوانِ الَّذِي لا يُوجَدُ فِيهِ إلّا تِلْكَ الخَصْلَةُ لِأنَّها إنْ جُعِلَتْ حَلُوبَةً سَقَتْ فَأرْوَتِ الكَثِيرَ، وإنْ جُعِلَتْ أكُولَةً أطْعَمَتْ وأشْبَعَتِ الكَثِيرَ، وإنْ جُعِلَتْ رَكُوبَةً أمْكَنَ أنْ يُقْطَعَ بِها مِنَ المَسافاتِ المَدِيدَةِ ما لا يُمْكِنُ قَطْعُهُ بِحَيَوانٍ آخَرَ، وذَلِكَ لِما رُكِّبَ فِيها مِن قُوَّةِ احْتِمالِ المُداوَمَةِ عَلى السَّيْرِ والصَّبْرِ عَلى العَطَشِ والِاجْتِزاءِ مِنَ العُلُوفاتِ بِما لا يَجْتَزِئُ حَيَوانٌ آخَرُ، وإنْ جُعِلَتْ حَمَلَةً اسْتُغِلَّتْ بِحَمْلِ الأحْمالِ الثَّقِيلَةِ الَّتِي لا يَسْتَقِلُّ بِها سِواها، ومِنها أنَّ هَذا الحَيَوانَ كانَ أعْظَمَ الحَيَواناتِ وقْعًا في قَلْبِ العَرَبِ، ولِذَلِكَ فَإنَّهم جَعَلُوا دِيَةَ قَتْلِ الإنْسانِ إبِلًا، وكانَ الواحِدُ مِن مُلُوكِهِمْ إذا أرادَ المُبالَغَةَ في إعْطاءِ الشّاعِرِ الَّذِي جاءَهُ مِنَ المَكانِ البَعِيدِ أعْطاهُ مِائَةَ بَعِيرٍ، لِأنَّ امْتِلاءَ العَيْنِ مِنهُ أشَدُّ مِنِ امْتِلاءِ العَيْنِ مِن غَيْرِهِ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦] ومِنها أنِّي كُنْتُ مَعَ جَماعَةٍ في مَفازَةٍ فَضَلَلْنا الطَّرِيقَ فَقَدَّمُوا جَمَلًا وتَبِعُوهُ فَكانَ ذَلِكَ الجَمَلُ يَنْعَطِفُ مِن تَلٍّ إلى تَلٍّ ومِن جانِبٍ إلى جانِبٍ، والجَمِيعُ كانُوا يَتْبَعُونَهُ حَتّى وصَلَ إلى الطَّرِيقِ بَعْدَ زَمانٍ طَوِيلٍ فَتَعَجَّبْنا مِن قُوَّةِ تَخَيُّلِ ذَلِكَ بِالحَيَوانِ أنَّهُ بِالمَرَّةِ الواحِدَةِ كَيْفَ انْحَفَظَتْ في خَيالِهِ صُورَةُ تِلْكَ المَعاطِفِ حَتّى أنَّ الَّذِي عَجَزَ جَمْعٌ مِنَ العُقَلاءِ إلى الِاهْتِداءِ إلَيْهِ فَإنَّ ذَلِكَ الحَيَوانَ اهْتَدى إلَيْهِ، ومِنها أنَّها مَعَ كَوْنِها في غايَةِ القُوَّةِ عَلى العَمَلِ مُبايِنَةٌ لِغَيْرِها في الِانْقِيادِ والطّاعَةِ لِأضْعَفِ الحَيَواناتِ كالصَّبِيِّ الصَّغِيرِ، ومُبايَنَةٌ لِغَيْرِها أيْضًا في أنَّها يُحْمَلُ عَلَيْها وهي بارِكَةٌ ثُمَّ تَقُومُ، فَهَذِهِ الصِّفاتُ
صفحة ١٤٤
الكَثِيرَةُ المَوْجُودَةُ فِيها تُوجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ يَنْظُرَ في خِلْقَتِها وتَرْكِيبِها ويَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ سُبْحانَهُ، ثُمَّ إنَّ العَرَبَ مِن أعْرِفِ النّاسِ بِأحْوالِ الإبِلِ في صِحَّتِها وسَقَمِها ومَنافِعِها ومَضارِّها فَلِهَذِهِ الأسْبابِ حَسُنَ مِنَ الحَكِيمِ تَعالى أنْ يَأْمُرَ بِالتَّأمُّلِ في خِلْقَتِها.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإلى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ أيْ رَفْعًا بَعِيدَ المَدى بِلا إمْساكٍ وبِغَيْرِ عَمَدٍ.
﴿وإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ نَصْبًا ثابِتًا فَهي راسِخَةٌ لا تَمِيلُ ولا تَزُولُ.
﴿وإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ سَطْحًا بِتَمْهِيدٍ وتَوْطِئَةٍ، فَهي مِهادٌ لِلْمُتَقَلِّبِ عَلَيْها، ومِنَ النّاسِ مَنِ اسْتَدَلَّ بِهَذا عَلى أنَّ الأرْضَ لَيْسَتْ بِكُرَةٍ وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الكُرَةَ إذا كانَتْ في غايَةِ العَظَمَةِ يَكُونُ كُلُّ قِطْعَةٍ مِنها كالسَّطْحِ، وقَرَأ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ كَيْفَ خَلَقْتُ ورَفَعْتُ ونَصَبْتُ وسَطَحْتُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وتاءُ الضَّمِيرِ، والتَّقْدِيرُ: فَعَلْتُها، فَحُذِفَ المَفْعُولُ.
المَقامُ الثّانِي: في بَيانِ ما بَيْنَ هَذِهِ الأشْياءِ مِنَ المُناسَبَةِ اعْلَمْ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ الإبِلَ بِالسَّحابِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ولَعَلَّهُ لَمْ يُرِدْ أنَّ الإبِلَ مِن أسْماءِ السَّحابِ، كالغَمامِ والمُزْنِ والرَّبابِ والغَيْمِ والغَيْنِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وإنَّما رَأى السَّحابَ مُشَبَّهًا بِالإبِلِ في كَثِيرٍ مِن أشْعارِهِمْ، فَجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِها السَّحابُ عَلى طَرِيقِ التَّشْبِيهِ والمَجازِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالمُناسِبَةُ ظاهِرَةٌ. أمّا إذا حَمَلْنا الإبِلَ عَلى مَفْهُومِهِ المَشْهُورِ، فَوَجْهُ المُناسَبَةِ بَيْنَها وبَيْنَ السَّماءِ والجِبالِ والأرْضِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ القُرْآنَ نَزَلَ عَلى لُغَةِ العَرَبِ وكانُوا يُسافِرُونَ كَثِيرًا، لِأنَّ بَلْدَتَهم بَلْدَةٌ خالِيَةٌ مِنَ الزَّرْعِ، وكانَتْ أسْفارُهم في أكْثَرِ الأمْرِ عَلى الإبِلِ، فَكانُوا كَثِيرًا ما يَسِيرُونَ عَلَيْها في المَهامِهِ والقِفارِ مُسْتَوْحِشِينَ مُنْفَرِدِينَ عَنِ النّاسِ، ومِن شَأْنِ الإنْسانِ إذا انْفَرَدَ أنْ يُقْبِلَ عَلى التَّفَكُّرِ في الأشْياءِ، لِأنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ مَن يُحادِثُهُ، ولَيْسَ هُناكَ شَيْءٌ يُشْغِلُ بِهِ سَمْعَهُ وبَصَرَهُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِن أنْ يُشْغِلَ بالَهُ بِالفِكْرَةِ، فَإذا فَكَّرَ في ذَلِكَ الحالِ وقَعَ بَصَرُهُ أوَّلَ الأمْرِ عَلى الجَمَلِ الَّذِي رَكِبَهُ، فَيَرى مَنظَرًا عَجِيبًا، وإذا نَظَرَ إلى فَوْقُ لَمْ يَرَ غَيْرَ السَّماءِ، وإذا نَظَرَ يَمِينًا وشِمالًا لَمْ يَرَ غَيْرَ الجِبالِ، وإذا نَظَرَ إلى ما تَحْتُ لَمْ يَرَ غَيْرَ الأرْضِ، فَكَأنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِالنَّظَرِ وقْتَ الخَلْوَةِ والِانْفِرادِ عَنِ الغَيْرِ حَتّى لا تَحْمِلَهُ داعِيَةُ الكِبْرِ والحَسَدِ عَلى تَرْكِ النَّظَرِ، ثُمَّ إنَّهُ في وقْتِ الخَلْوَةِ في المَفازَةِ البَعِيدَةِ لا يَرى شَيْئًا سِوى هَذِهِ الأشْياءِ، فَلا جَرَمَ جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَها في هَذِهِ الآيَةِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ دالَّةٌ عَلى الصّانِعِ إلّا أنَّها عَلى قِسْمَيْنِ: مِنها ما يَكُونُ لِلْحِكْمَةِ ولِلشَّهْوَةِ فِيها نَصِيبٌ مَعًا، ومِنها ما يَكُونُ لِلْحِكْمَةِ فِيها نَصِيبٌ، ولَيْسَ لِلشَّهْوَةِ فِيها نَصِيبٌ.
والقِسْمُ الأوَّلُ: كالإنْسانِ الحَسَنِ الوَجْهِ، وبَساتِينِ النُّزْهَةِ، والذَّهَبِ والفِضَّةِ وغَيْرِها، فَهَذِهِ الأشْياءُ يُمْكِنُ الِاسْتِدْلالُ بِها عَلى الصّانِعِ الحَكِيمِ، إلّا أنَّها مُتَعَلَّقُ الشَّهْوَةِ ومَطْلُوبَةٌ لِلنَّفْسِ، فَلَمْ يَأْمُرْ تَعالى بِالنَّظَرِ فِيها؛ لِأنَّهُ لَمْ يُؤْمِن عِنْدَ النَّظَرِ إلَيْها وفِيها أنْ تَصِيرَ داعِيَةُ الشَّهْوَةِ غالِبَةً عَلى داعِيَةِ الحِكْمَةِ فَيَصِيرُ ذَلِكَ مانِعًا عَنْ إتْمامِ النَّظَرِ والفِكْرِ وسَبَبًا لِاسْتِغْراقِ النَّفْسِ في مَحَبَّتِهِ.
صفحة ١٤٥
أمّا القِسْمُ الثّانِي: فَهو كالحَيَواناتِ الَّتِي لا يَكُونُ في صُورَتِها حُسْنٌ، ولَكِنْ يَكُونُ في داعِيَةِ تَرْكِيبِها حِكَمٌ بِالِغَةٌ وهي مِثْلُ الإبِلِ وغَيْرِها، إلّا أنَّ ذِكْرَ الإبِلِ هَهُنا أوْلى لِأنَّ إلْفَ العَرَبِ بِها أكْثَرُ وكَذا السَّماءُ والجِبالُ والأرْضُ، فَإنَّ دَلائِلَ الحُدُوثِ والحاجَةِ فِيها ظاهِرَةٌ، ولَيْسَ فِيها ما يَكُونُ نَصِيبًا لِلشَّهْوَةِ، فَلَمّا كانَ هَذا القِسْمُ بِحَيْثُ يَكْمُلُ نَصِيبُ الحِكْمَةِ فِيهِ مَعَ الأمْنِ مِن زَحْمَةِ الشَّهْوَةِ لا جَرَمَ أمَرَ اللَّهُ بِالتَّدَبُّرِ فِيها، فَهَذا ما يَحْضُرُنا في هَذا المَوْضِعِ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
88:21–24Page 592
فَذَكِّرۡ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٞ ٢١
So remind, [O Muḥammad]; you are only a reminder.
لَّسۡتَ عَلَيۡهِم بِمُصَيۡطِرٍ ٢٢
You are not over them a controller.
إِلَّا مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ ٢٣
However, he who turns away and disbelieves –
فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَكۡبَرَ ٢٤
Then Allāh will punish him with the greatest punishment.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ الدَّلائِلَ عَلى صِحَّةِ التَّوْحِيدِ والمَعادِ، قالَ لِرَسُولِهِ ﷺ: ﴿فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ وتَذْكِيرُ الرَّسُولِ إنَّما يَكُونُ بِذِكْرِ هَذِهِ الأدِلَّةِ وأمْثالِها والبَعْثِ عَلى النَّظَرِ فِيها والتَّحْذِيرِ مِن تَرْكِ تِلْكَ، وذَلِكَ بَعْثٌ مِنهُ تَعالى لِلرَّسُولِ عَلى التَّذْكِيرِ والصَّبْرِ عَلى كُلِّ عارِضٍ مَعَهُ، وبَيانِ أنَّهُ إنَّما بُعِثَ لِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿بِمُسَيْطِرٍ﴾ بِمُسَلَّطٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ [ق: ٤٥] وقَوْلِهِ: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩] وقِيلَ: هو في لُغَةِ تَمِيمٍ مَفْتُوحُ الطّاءِ عَلى أنَّ سَيْطَرَ مُتَعَدٍّ عِنْدَهم، والمَعْنى أنَّكَ ما أُمِرْتَ إلّا بِالتَّذْكِيرِ، فَإمّا أنْ تَكُونَ مُسَلَّطًا عَلَيْهِمْ حَتّى تَقْتُلَهم، أوْ تُكْرِهَهم عَلى الإيمانِ فَلا، قالُوا: ثُمَّ نَسَخَتْها آيَةُ القِتالِ، هَذا قَوْلُ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ، والكَلامُ في تَفْسِيرِ هَذا الحَرْفِ قَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾
فَفِيهِ مَسائِلُ.
المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ حَقِيقِيٌّ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ هَذا الِاسْتِثْناءُ اسْتِثْناءٌ عَنْ ماذا ؟
فِيهِ احْتِمالانِ:
الأوَّلُ: أنْ يُقالَ التَّقْدِيرُ: فَذَكِّرْ إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ.
والثّانِي: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ عَنِ الضَّمِيرِ في ﴿عَلَيْهِمْ﴾ والتَّقْدِيرُ: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ إلّا مَن تَوَلّى. واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ حِينَئِذٍ مَأْمُورًا بِالقِتالِ وجَوابُهُ: لَعَلَّ المُرادَ أنَّكَ لا تَصِيرُ مُسَلَّطًا إلّا عَلى مَن تَوَلّى.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ عَمّا قَبْلَهُ، كَما تَقُولُ في الكَلامِ: قَعَدْنا نَتَذاكَرُ العِلْمَ، إلّا أنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ لا يَرْغَبُ، فَكَذا هَهُنا التَّقْدِيرُ لَسْتَ بِمَسْئُولٍ عَلَيْهِمْ، لَكِنَّ مَن تَوَلّى مِنهم فَإنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُهُ العَذابَ الأكْبَرَ الَّذِي هو عَذابُ جَهَنَّمَ، قالُوا وعَلامَةُ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا حُسْنُ دُخُولِ ”أنَّ“ في المُسْتَثْنى، وإذا كانَ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا لَمْ يَحْسُنْ ذَلِكَ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: عِنْدِي مِائَتانِ إلّا دِرْهُمًا، فَلا تَدْخُلُ عَلَيْهِ ”أنَّ“، وهَهُنا يَحْسُنُ ”أنَّ“، فَإنَّكَ تَقُولُ: إلّا أنَّ مَن تَوَلّى وكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ: (ألا مَن تَوَلّى) عَلى التَّنْبِيهِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (فَإنَّهُ يُعَذِّبُهُ) .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما سَمّاهُ العَذابَ الأكْبَرَ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ قَدْ بَلَغَ حَدَّ عَذابِ الكُفْرِ وهو الأكْبَرُ، لِأنَّ
صفحة ١٤٦
ما عَداهُ مِن عَذابِ الفِسْقِ دُونَهُ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿ولَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ﴾ [السجدة: ٢١] .
وثانِيها: هو العَذابُ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ في النّارِ.
وثالِثُها: أنَّهُ قَدْ يَكُونُ العَذابُ الأكْبَرُ حاصِلًا في الدُّنْيا، وذَلِكَ بِالقَتْلِ وسَبْيِ الذُّرِّيَّةِ وغَنِيمَةِ الأمْوالِ، القَوْلُ الأوَّلُ أوْلى وأقْرَبُ.
88:25–26Page 592
إِنَّ إِلَيۡنَآ إِيَابَهُمۡ ٢٥
Indeed, to Us is their return.
ثُمَّ إِنَّ عَلَيۡنَا حِسَابَهُم ٢٦
Then indeed, upon Us is their account.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾
وهَذا كَأنَّهُ مِن صِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ وإنَّما ذَكَرَ تَعالى ذَلِكَ لِيُزِيلَ بِهِ عَنْ قَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ حُزْنَهُ عَلى كُفْرِهِمْ، فَقالَ: طِبْ نَفْسًا عَلَيْهِمْ، وإنْ عانَدُوا وكَذَّبُوا وجَحَدُوا فَإنَّ مَرْجِعَهم إلى المَوْعِدِ الَّذِي وعَدْنا، فَإنَّ عَلَيْنا حِسابَهم وفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّ مُحاسَبَةَ الكُفّارِ إنَّما تَكُونُ لِإيصالِ العِقابِ إلَيْهِمْ وذَلِكَ حَقُّ اللَّهِ تَعالى، ولا يَجِبُ عَلى المالِكِ أنْ يَسْتَوْفِيَ حَقَّ نَفْسِهِ والجَوابُ: أنَّ ذَلِكَ واجِبٌ عَلَيْهِ إمّا بِحُكْمِ الوَعْدِ الَّذِي يَمْتَنِعُ وُقُوعُ الخُلْفِ فِيهِ، وإمّا في الحِكْمَةِ، فَإنَّهُ لَوْ لَمْ يَنْتَقِمْ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظّالِمِ لَكانَ ذَلِكَ شَبِيهًا بِكَوْنِهِ تَعالى راضِيًا بِذَلِكَ الظُّلْمِ وتَعالى اللَّهُ عَنْهُ، فَلِهَذا السَّبَبِ كانَتِ المُحاسَبَةُ واجِبَةً وهَهُنا مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ المَدَنِيُّ: (إيّابَهم) بِالتَّشْدِيدِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وجْهُهُ أنْ يَكُونَ فَيْعالًا مَصْدَرُ ”أيَّبَ“ فَيْعَلَ مِنَ الإيابِ، أوْ يَكُونُ أصْلُهُ أوّابًا فَعّالًا مِن أوَّبَ، ثُمَّ قِيلَ: إيوابًا كَدِيوانٍ في دَوَنَ، ثُمَّ فُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ بِأصْلِ سَيَدَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: فائِدَةُ تَقْدِيمِ الظَّرْفِ التَّشْدِيدُ بِالوَعِيدِ، فَإنَّ ﴿إيابَهُمْ﴾ لَيْسَ إلّا إلى الجَبّارِ المُقْتَدِرِ عَلى الِانْتِقامِ، وأنَّ حِسابَهم لَيْسَ بِواجِبٍ إلّا عَلَيْهِ، وهو الَّذِي يُحاسِبُ عَلى النَّقِيرِ والقِطْمِيرِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences