Ar-RaziAl‑Fajr · 89:6–19

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Fajr 89:6–19

89:6–14Page 593

أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ٦

Have you not considered how your Lord dealt with ʿAad -

إِرَمَ ذَاتِ ٱلۡعِمَادِ ٧

[With] Iram1 - who had lofty pillars,2

ٱلَّتِي لَمۡ يُخۡلَقۡ مِثۡلُهَا فِي ٱلۡبِلَٰدِ ٨

The likes of whom had never been created in the land?

وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخۡرَ بِٱلۡوَادِ ٩

And [with] Thamūd, who carved out the rocks in the valley?

وَفِرۡعَوۡنَ ذِي ٱلۡأَوۡتَادِ ١٠

And [with] Pharaoh, owner of the stakes?1

ٱلَّذِينَ طَغَوۡاْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ ١١

[All of] whom oppressed within the lands

فَأَكۡثَرُواْ فِيهَا ٱلۡفَسَادَ ١٢

And increased therein the corruption.

فَصَبَّ عَلَيۡهِمۡ رَبُّكَ سَوۡطَ عَذَابٍ ١٣

So your Lord poured upon them a scourge of punishment.

إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلۡمِرۡصَادِ ١٤

Indeed, your Lord is in observation.

صفحة ١٥١

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ﴾ ﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها في البِلادِ﴾ ﴿وثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالوادِي﴾ ﴿وفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتادِ﴾ ﴿الَّذِينَ طَغَوْا في البِلادِ﴾ ﴿فَأكْثَرُوا فِيها الفَسادَ﴾ ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾

واعْلَمْ أنَّ في جَوابِ القَسَمِ وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ جَوابَ القَسَمِ هو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ وما بَيْنَ المَوْضِعَيْنِ مُعْتَرِضٌ بَيْنَهُما.

الثّانِي: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: المُقْسَمُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ وهو لَنُعَذِّبَنَّ الكافِرِينَ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: (ألَمْ تَرَ) إلى قَوْلِهِ ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ﴾ وهَذا أوْلى مِنَ الوَجْهِ الأوَّلِ لِأنَّهُ لَمّا لَمْ يَتَعَيَّنِ المُقْسَمُ عَلَيْهِ ذَهَبَ الوَهْمُ إلى كُلِّ مَذْهَبٍ، فَكانَ أدْخَلَ في التَّخْوِيفِ، فَلَمّا جاءَ بَعْدَهُ بَيانُ عَذابِ الكافِرِينَ دَلَّ عَلى أنَّ المُقْسَمَ عَلَيْهِ أوَّلًا هو ذَلِكَ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: (ألَمْ تَرَ) فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: ألَمْ تَرَ، ألَمْ تَعْلَمْ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَصِحُّ أنْ يَراهُ الرَّسُولُ وإنَّما أُطْلِقَ لَفْظُ الرُّؤْيَةِ هَهُنا عَلى العِلْمِ، وذَلِكَ لِأنَّ أخْبارَ عادٍ وثَمُودَ وفِرْعَوْنَ كانَتْ مَنقُولَةً بِالتَّواتُرِ، أمّا عادٌ وثَمُودُ فَقَدْ كانا في بِلادِ العَرَبِ، وأمّا فِرْعَوْنُ فَقَدْ كانُوا يَسْمَعُونَهُ مِن أهْلِ الكِتابِ، وبِلادُ فِرْعَوْنَ أيْضًا مُتَّصِلَةٌ بِأرْضِ العَرَبِ وخَبَرُ التَّواتُرِ يُفِيدُ العِلْمَ الضَّرُورِيَّ، والعِلْمُ الضَّرُورِيُّ جارٍ مَجْرى الرُّؤْيَةِ في القُوَّةِ والجَلاءِ والبُعْدِ عَنِ الشُّبْهَةِ، فَلِذَلِكَ قالَ: (ألَمْ تَرَ) بِمَعْنى ألَمْ تَعْلَمْ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: (ألَمْ تَرَ) وإنْ كانَ في الظّاهِرِ خِطابًا لِلنَّبِيِّ ﷺ لَكِنَّهُ عامٌّ لِكُلِّ مَن عَلِمَ ذَلِكَ. والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى حِكايَتَهم أنْ يَكُونَ زَجْرًا لِلْكُفّارِ عَنِ الإقامَةِ عَلى مِثْلِ ما أدّى إلى هَلاكِ عادٍ وثَمُودَ وفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، ولِيَكُونَ بَعْثًا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى الثَّباتِ عَلى الإيمانِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِعادٍ﴾ ﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَهُنا قِصَّةَ ثَلاثِ فِرَقٍ مِنَ الكُفّارِ المُتَقَدِّمِينَ وهي عادٌ وثَمُودُ وقَوْمُ فِرْعَوْنَ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ حَيْثُ قالَ: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ﴾ ولَمْ يُبَيِّنْ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ العَذابِ، وذَكَرَ في سُورَةِ الحاقَّةِ بَيانَ ما أُبْهِمَ في هَذِهِ السُّورَةِ فَقالَ: ﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ ﴿وأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وجاءَ فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ والمُؤْتَفِكاتُ بِالخاطِئَةِ﴾ [الحاقة: ٩] الآيَةَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: عادٌ هو عادُ بْنُ عَوْصُ بْنُ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، ثُمَّ إنَّهم جَعَلُوا لَفْظَةَ عادٍ اسْمًا لِلْقَبِيلَةِ كَما يُقالُ لِبَنِي هاشِمٍ هاشِمٌ ولِبَنِي تَمِيمٍ تَمِيمٌ، ثُمَّ قالُوا لِلْمُتَقَدِّمِينَ مِن هَذِهِ القَبِيلَةِ: عادٌ الأُولى قالَ تَعالى: ﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ [النجم: ٥٠] ولِلْمُتَأخِّرِينَ: عادٌ الأخِيرَةُ، وأمّا إرَمُ فَهو اسْمٌ لِجَدِّ عادٍ، وفي المُرادِ مِنهُ في هَذِهِ الآيَةِ أقْوالٌ:

أحَدُها: أنَّ المُتَقَدِّمِينَ مِن قَبِيلَةِ عادٍ كانُوا يُسَمَّوْنَ بِعادٍ الأوْلى فَلِذَلِكَ يُسَمَّوْنَ بِإرَمَ تَسْمِيَةً لَهم بِاسْمِ جَدِّهِمْ.

والثّانِي: أنَّ إرَمَ اسْمٌ لِبَلْدَتِهِمُ الَّتِي كانُوا فِيها ثُمَّ قِيلَ تِلْكَ المَدِينَةُ هي الإسْكَنْدَرِيَّةُ وقِيلَ دِمَشْقُ.

والثّالِثُ: أنَّ إرَمَ أعْلامُ قَوْمِ عادٍ كانُوا يَبْنُونَها عَلى هَيْئَةِ المَنارَةِ وعَلى هَيْئَةِ القُبُورِ، قالَ أبُو الدُّقَيْشِ: الأُرُومُ قُبُورُ عادٍ، وأنْشَدَ:

بِها أُرُومُ كَهَوادِي البُخْتِ

صفحة ١٥٢

ومِنَ النّاسِ مَن طَعَنَ في قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ إرَمَ هي الإسْكَنْدَرِيَّةُ أوْ دِمَشْقُ، قالَ: لِأنَّ مَنازِلَ عادٍ كانَتْ بَيْنَ عَمّانَ إلى حَضْرَمَوْتَ وهي بِلادُ الرِّمالِ والأحْقافِ، كَما قالَ: ﴿واذْكُرْ أخا عادٍ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقافِ﴾ [الأحقاف: ٢١] وأمّا الإسْكَنْدَرِيَّةُ ودِمَشْقُ فَلَيْسَتا مِن بِلادِ الرِّمالِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إرَمُ لا تَنْصَرِفُ قَبِيلَةً كانَتْ أوْ أرْضًا لِلتَّعْرِيفِ والتَّأْنِيثِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿إرَمَ﴾ وجْهانِ وذَلِكَ لِأنّا إنْ جَعَلْناهُ اسْمَ القَبِيلَةِ كانَ قَوْلُهُ: ﴿إرَمَ﴾ عَطْفَ بَيانٍ لِعادٍ وإيذانًا بِأنَّهم عادٌ الأُولى القَدِيمَةُ وإنْ جَعَلْناهُ اسْمَ البَلْدَةِ أوِ الأعْلامِ كانَ التَّقْدِيرُ بِعادٍ أهْلِ إرَمَ ثُمَّ حُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ ابْنِ الزُّبَيْرِ ”بِعادِ إرَمَ“ عَلى الإضافَةِ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَرَأ الحَسَنُ: (بِعادَ إرَمَ) مَفْتُوحَيْنِ وقُرِئَ: (بِعادِ إرْمَ) بِسُكُونِ الرّاءِ عَلى التَّخْفِيفِ كَما قُرِئَ: (بِوَرْقِكم) وقُرِئَ: (بِعادٍ إرَمِ ذاتِ العِمادِ) بِإضافَةِ ﴿إرَمَ﴾ إلى ﴿ذاتِ العِمادِ﴾ وقُرِئَ: (بِعادٍ أرَمَ ذاتَ العِمادِ) بَدَلًا مِن ”فَعَلَ رَبُّكَ“، والتَّقْدِيرُ: ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ جَعَلَ ذاتَ العِمادِ رَمِيمًا، أمّا قَوْلُهُ: ﴿ذاتِ العِمادِ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: في إعْرابِهِ وجْهانِ وذَلِكَ لِأنّا إنْ جَعَلْنا: ﴿إرَمَ﴾ اسْمَ القَبِيلَةِ فالمَعْنى أنَّهم كانُوا بَدَوِيِّينَ يَسْكُنُونَ الأخْبِيَةَ والخِيامَ والخِباءَ لا بُدَّ فِيها مِنَ العِمادِ، والعِمادُ بِمَعْنى العَمُودِ. وقَدْ يَكُونُ جَمْعَ العَمَدِ أوْ يَكُونُ المُرادُ بِذاتِ العِمادِ أنَّهم طُوالُ الأجْسامِ عَلى تَشْبِيهِ قُدُودِهِمْ بِالأعْمِدَةِ وقِيلَ: ذاتُ البَنّاءِ الرَّفِيعِ، وإنْ جَعَلْناهُ اسْمَ البَلَدِ فالمَعْنى أنَّها ذاتُ أساطِينَ أيْ ذاتُ أبْنِيَةٍ مَرْفُوعَةٍ عَلى العُمُدِ وكانُوا يُعالِجُونَ الأعْمِدَةَ فَيَنْصِبُونَها ويَبْنُونَ فَوْقَها القُصُورَ، قالَ تَعالى في وصْفِهِمْ: ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨] أيْ عَلامَةً وبِناءً رَفِيعًا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ أنَّهُ كانَ لِعادٍ ابْنانِ شَدّادٌ وشَدِيدٌ فَمَلَكا وقَهَرا ثُمَّ ماتَ شَدِيدٌ وخَلَصَ الأمْرُ لِشَدّادٍ فَمَلَكَ الدُّنْيا ودانَتْ لَهُ مُلُوكُها. فَسَمِعَ بِذِكْرِ الجَنَّةِ فَقالَ: أبْنِي مِثْلَها، فَبَنى إرَمَ في بَعْضِ صَحارِي عَدَنَ في ثَلَثِمِائَةِ سَنَةٍ وكانَ عُمْرُهُ تِسْعَمِائَةِ سَنَةٍ وهي مَدِينَةٌ عَظِيمَةٌ قُصُورُها مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وأساطِينُها مِنَ الزَّبَرْجَدِ والياقُوتِ وفِيها أصْنافُ الأشْجارِ والأنْهارِ، فَلَمّا تَمَّ بِناؤُها سارَ إلَيْها بِأهْلِ مَمْلَكَتِهِ، فَلَمّا كانَ مِنها عَلى مَسِيرَةِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ صَيْحَةً مِنَ السَّماءِ فَهَلَكُوا، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قِلابَةَ أنَّهُ خَرَجَ في طَلَبِ إبِلٍ لَهُ فَوَصَلَ إلى جَنَّةِ شَدّادٍ فَحَمَلَ ما قَدَرَ عَلَيْهِ مِمّا كانَ هُناكَ، وبَلَغَ خَبَرُهُ مُعاوِيَةَ فاسْتَحْضَرَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ، فَبَعَثَ إلى كَعْبٍ فَسَألَهُ، فَقالَ: هي إرَمُ ذاتُ العِمادِ، وسَيَدْخُلُها رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ في زَمانِكَ أحْمَرُ أشْقَرُ قَصِيرٌ عَلى حاجِبِهِ خالٍ وعَلى عُنُقِهِ خالٍ، يَخْرُجُ في طَلَبِ إبِلٍ لَهُ، ثُمَّ التَفَتَ فَأبْصَرَ ابْنَ (أبِي) قِلابَةَ فَقالَ: هَذا واللَّهِ هو ذَلِكَ الرَّجُلُ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها في البِلادِ﴾ فالضَّمِيرُ في مِثْلِها إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: ﴿لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها﴾ أيْ مِثْلُ عادٍ في البِلادِ في عِظَمِ الجُثَّةِ وشِدَّةِ القُوَّةِ، كانَ طُولُ الرَّجُلِ مِنهم أرْبَعَمِائَةِ ذِراعٍ وكانَ يَحْمِلُ الصَّخْرَةَ العَظِيمَةَ فَيُلْقِيها عَلى الجَمْعِ فَيَهْلَكُوا.

الثّانِي: لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُ مَدِينَةِ شَدّادٍ في جَمِيعِ بِلادِ الدُّنْيا، وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ (لَمْ يَخْلُقْ مِثْلَها) أيْ لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ مِثْلَها.

الثّالِثُ: أنَّ الكِنايَةَ عائِدَةٌ إلى العِمادِ أيْ لَمْ

صفحة ١٥٣

يُخْلَقْ مِثْلُ تِلْكَ الأساطِينِ في البِلادِ، وعَلى هَذا فالعِمادُ جَمْعُ عَمَدٍ، والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الحِكايَةِ زَجْرُ الكُفّارِ بِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ أهْلَكَهم بِما كَفَرُوا وكَذَّبُوا الرُّسُلَ، مَعَ الَّذِي اخْتَصُّوا بِهِ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ، فَلَأنْ تَكُونُوا خائِفِينَ مِن مَثَلِ ذَلِكَ أيُّها الكُفّارُ إذا أقَمْتُمْ عَلى كُفْرِكم مَعَ ضَعْفِكم كانَ أوْلى.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالوادِي﴾ فَقالَ اللَّيْثُ: الجَوْبُ قَطْعُكَ الشَّيْءَ كَما يُجابُ الجَيْبُ يُقالُ: جابَ يَجُوبُ جَوْبًا. وزادَ الفَرّاءُ يُجِيبُ جَيْبًا ويُقالُ: جُبْتُ البِلادَ جَوْبًا أيْ جُلْتُ فِيها وقَطَعْتُها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا يَجُوبُونَ البِلادَ فَيَجْعَلُونَ مِنها بُيُوتًا وأحْواضًا وما أرادُوا مِنَ الأبْنِيَةِ، كَما قالَ: ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا﴾ [الشعراء: ١٤٩] قِيلَ: أوَّلُ مَن نَحَتَ الجِبالَ والصُّخُورَ والرُّخامَ ثَمُودُ، وبَنَوْا ألْفًا وسَبْعَمِائَةِ مَدِينَةٍ كُلُّها مِنَ الحِجارَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿بِالوادِي﴾ قالَ مُقاتِلٌ: بِوادِي القُرى.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتادِ﴾ فالِاسْتِقْصاءُ فِيهِ مَذْكُورٌ في سُورَةِ ”ص“، ونَقُولُ الآنَ: فِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّهُ سُمِّيَ ذا الأوْتادِ لِكَثْرَةِ جُنُودِهِ ومَضارِبِهِمُ الَّتِي كانُوا يَضْرِبُونَها إذا نَزَلُوا.

وثانِيها: أنَّهُ كانَ يُعَذِّبُ النّاسَ ويَشُدُّهم بِها إلى أنْ يَمُوتُوا، رُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ فِرْعَوْنَ وتَّدَ لِامْرَأتِهِ أرْبَعَةَ أوْتادٍ وجَعَلَ عَلى صَدْرِها رَحا واسْتَقْبَلَ بِها عَيْنَ الشَّمْسِ فَرَفَعَتْ رَأْسَها إلى السَّماءِ وقالَتْ: رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ، فَفَرَّجَ اللَّهُ عَنْ بَيْتِها في الجَنَّةِ فَرَأتْهُ.

وثالِثُها: ”ذِي الأوْتادِ“، أيْ: ذِي المُلْكِ والرِّجالِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:

فِي ظِلِّ مَلِكٍ راسِخِ الأوْتادِ

ورابِعُها: رَوى قَتادَةُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ تِلْكَ الأوْتادَ كانَتْ مُلاعِبَ يَلْعَبُونَ تَحْتَها لِأجْلِهِ، واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ مُحْتَمِلٌ لِكُلِّ ذَلِكَ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى لِرَسُولِهِ أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِمّا تَعْظُمُ بِهِ الشِّدَّةُ، والقَوْلُ والكَثْرَةُ لَمْ يَمْنَعْ مِن وُرُودِ هَلاكٍ عَظِيمٍ بِهِمْ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا في البِلادِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: يُحْتَمَلُ أنَّهُ يَرْجِعُ الضَّمِيرُ إلى فِرْعَوْنَ خاصَّةً لِأنَّهُ يَلِيهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَرْجِعَ إلى جَمِيعِ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، وهَذا هو الأقْرَبُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أحْسَنُ الوُجُوهِ في إعْرابِهِ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الذَّمِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى [ الإخْبارِ، أيْ: ] ”هُمُ الَّذِينَ طَغَوْا“ أوْ مَجْرُورًا عَلى وصْفِ المَذْكُورِينَ عادٍ وثَمُودَ وفِرْعَوْنَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ﴿طَغَوْا في البِلادِ﴾ أيْ: عَمِلُوا المَعاصِيَ وتَجَبَّرُوا عَلى أنْبِياءِ اللَّهِ والمُؤْمِنِينَ ثُمَّ فَسَّرَ طُغْيانَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأكْثَرُوا فِيها الفَسادَ﴾ ضِدَّ الصَّلاحِ، فَكَما أنَّ الصَّلاحَ يَتَناوَلُ جَمِيعَ أقْسامِ البِرِّ، فالفَسادُ يَتَناوَلُ جَمِيعَ أقْسامِ الإثْمِ، فَمَن عَمِلِ بِغَيْرِ أمْرِ اللَّهِ وحَكَمَ في عِبادِهِ بِالظُّلْمِ فَهو مُفْسِدٌ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ يُقالُ: صَبَّ عَلَيْهِ السَّوْطَ وغَشّاهُ وقَنَّعَهُ، وذِكْرُ السَّوْطِ إشارَةٌ إلى أنَّ ما أحَلَّهُ بِهِمْ في الدُّنْيا مِنَ العَذابِ العَظِيمِ بِالقِياسِ إلى ما أعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ، كالسَّوْطِ إذا قِيسَ إلى سائِرِ ما يُعَذَّبُ بِهِ. قالَ القاضِي: وشَبَّهَهُ بِصَبِّ السَّوْطِ الَّذِي يَتَواتَرُ عَلى المَضْرُوبِ فَيُهْلِكُهُ، وكانَ الحَسَنُ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: إنَّ عِنْدَ اللَّهِ أسْواطًا كَثِيرَةً فَأخَذَهم بِسَوْطٍ مِنها، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ﴾ [النحل: ٦١] يَقْتَضِي تَأْخِيرَ العَذابِ إلى الآخِرَةِ فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ ؟ قُلْنا: هَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي تَأْخِيرَ تَمامِ الجَزاءِ إلى الآخِرَةِ، والواقِعُ في الدُّنْيا شَيْءٌ مِن ذَلِكَ ومُقَدِّمَةٌ مِن مُقَدِّماتِهِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿كانَتْ مِرْصادًا﴾ [النبإ: ٢١]

صفحة ١٥٤

ونَقُولُ: المِرْصادُ المَكانُ الَّذِي يَتَرَقَّبُ فِيهِ الرّاصِدُ ”مِفْعالٌ“ مِن ”رَصَدَهُ“ كالمِيقاتِ مِن وقَتَهُ، وهَذا مَثَلٌ لِإرْصادِهِ العُصاةَ بِالعِقابِ وأنَّهم لا يَفُوتُونَهُ، وعَنْ بَعْضِ العَرَبِ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: أيْنَ رَبُّكَ ؟ فَقالَ: بِالمِرْصادِ، ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: قالَ الحَسَنُ: يَرْصُدُ أعْمالَ بَنِي آدَمَ.

وثانِيها: قالَ الفَرّاءُ: إلَيْهِ المَصِيرُ، وهَذانَ الوَجْهانِ عامّانِ لِلْمُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ.

ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن يَخُصُّ هَذِهِ الآيَةَ إمّا بِوَعِيدِ الكُفّارِ، أوْ بِوَعِيدِ العُصاةِ؛ أمّا الأوَّلُ فَقالَ الزَّجّاجُ: يَرْصُدُ مَن كَفَرَ بِهِ وعَدَلَ عَنْ طاعَتِهِ بِالعَذابِ.

وأمّا الثّانِي فَقالَ الضَّحّاكُ: يَرْصُدُ لِأهْلِ الظُّلْمِ والمَعْصِيَةِ، وهَذِهِ الوُجُوهُ مُتَقارِبَةٌ.

89:15–19Page 593

فَأَمَّا ٱلۡإِنسَٰنُ إِذَا مَا ٱبۡتَلَىٰهُ رَبُّهُۥ فَأَكۡرَمَهُۥ وَنَعَّمَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّيٓ أَكۡرَمَنِ ١٥

And as for man, when his Lord tries him and [thus] is generous to him and favors him, he says, "My Lord has honored me."1

وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبۡتَلَىٰهُ فَقَدَرَ عَلَيۡهِ رِزۡقَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّيٓ أَهَٰنَنِ ١٦

But when He tries him and restricts his provision, he says, "My Lord has humiliated me."

كـَلَّاۖ بَل لَّا تُكۡرِمُونَ ٱلۡيَتِيمَ ١٧

No!1 But you do not honor the orphan

وَلَا تَحَٰٓضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ ١٨

And you do not encourage one another to feed the poor.

وَتَأۡكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكۡلٗا لَّمّٗا ١٩

And you consume inheritance, devouring [it] altogether,1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِ﴾ ﴿وأمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿فَأمّا الإنْسانُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى لَبِالمِرْصادِ في الآخِرَةِ، فَلا يُرِيدُ إلّا السَّعْيَ لِلْآخِرَةِ، فَأمّا الإنْسانُ فَإنَّهُ لا يُهِمُّهُ إلّا الدُّنْيا ولَذّاتُها وشَهَواتُها، فَإنْ وجَدَ الرّاحَةَ في الدُّنْيا يَقُولُ: رَبِّي أكْرَمَنِي، وإنْ لَمْ يَجِدْ هَذِهِ الرّاحَةَ يَقُولُ: رَبِّي أهانَنِي، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في صِفَةِ الكُفّارِ: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ﴾ [الروم: ٧] وقالَ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأنَّ بِهِ وإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ﴾ [الحج: ١١] وهَذا خَطَأٌ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ سَعادَةَ الدُّنْيا وشَقاوَتَها في مُقابَلَةِ ما في الآخِرَةِ مِنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ كالقَطْرَةِ في البَحْرِ، فالمُتَنَعِّمُ في الدُّنْيا لَوْ كانَ شَقِيًّا في الآخِرَةِ فَذاكَ التَّنَعُّمُ لَيْسَ بِسَعادَةٍ، والمُتَألِّمُ المُحْتاجُ في الدُّنْيا لَوْ كانَ سَعِيدًا في الآخِرَةِ فَذاكَ لَيْسَ بِإهانَةٍ ولا شَقاوَةٍ، إذِ المُتَنَعِّمُ في الدُّنْيا لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَحْكُمَ عَلى نَفْسِهِ بِالسَّعادَةِ والكَرامَةِ، والمُتَألِّمُ في الدُّنْيا لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَحْكُمَ عَلى نَفْسِهِ بِالشَّقاوَةِ والهَوانِ.

وثانِيها: أنَّ حُصُولَ النِّعْمَةِ في الدُّنْيا وحُصُولَ الآلامِ في الدُّنْيا لا يَدُلُّ عَلى الِاسْتِحْقاقِ فَإنَّهُ تَعالى كَثِيرًا ما يُوَسِّعُ عَلى العُصاةِ والكَفَرَةِ، إمّا لِأنَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ، وإمّا بِحُكْمِ المَصْلَحَةِ، وإمّا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِدْراجِ والمَكْرِ، وقَدْ يُضَيِّقُ عَلى الصِّدِّيقِينَ لِأضْدادِ ما ذَكَرْنا، فَلا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أنْ يَظُنَّ أنَّ ذَلِكَ لِمُجازاةٍ.

وثالِثُها: أنَّ المُتَمِّمَ لا يَنْبَغِي أنْ يَغْفُلَ عَنِ العاقِبَةِ، فالأُمُورُ بِخَواتِيمِها، والفَقِيرُ والمُحْتاجُ لا يَنْبَغِي أنْ يَغْفُلَ عَمّا لِلَّهِ عَلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي لا حَدَّ لَها مِن سَلامَةِ البَدَنِ والعَقْلِ والدِّينِ ودَفْعِ الآفاتِ والآلامِ الَّتِي لا حَدَّ لَها ولا حَصْرَ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يَقْضِيَ عَلى نَفْسِهِ بِالإهانَةِ مُطْلَقًا.

ورابِعُها: أنَّ النَّفْسَ قَدْ ألِفَتْ هَذِهِ المَحْسُوساتِ، فَمَتى حَصَلَتْ هَذِهِ المُشْتَهَياتُ واللَّذّاتُ صَعُبَ عَلَيْها الِانْقِطاعُ عَنْها وعَدَمُ الِاسْتِغْراقِ فِيها، أمّا إذا لَمْ يَحْصُلْ لِلْإنْسانِ شَيْءٌ مِن هَذِهِ المَحْسُوساتِ رَجَعَتْ شاءَتْ أمْ أبَتْ إلى اللَّهِ، واشْتَغَلَتْ بِعُبُودِيَّةِ اللَّهِ، فَكانَ وِجْدانُ الدُّنْيا سَبَبًا لِلْحِرْمانِ مِنَ اللَّهِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ القَضاءُ بِالشَّقاوَةِ والإهانَةِ عِنْدَ عَدَمِ الدُّنْيا، مَعَ أنَّ ذَلِكَ أعْظَمُ الوَسائِلِ إلى أعْظَمِ السِّعاداتِ.

وخامِسُها: أنَّ كَثْرَةَ المُمارَسَةِ سَبَبٌ لِتَأكُّدِ المَحَبَّةِ، وتَأكُّدَ المَحَبَّةِ سَبَبٌ لِتَأكُّدِ الألَمِ عِنْدَ الفِراقِ، فَكُلُّ مَن كانَ

صفحة ١٥٥

وِجْدانُهُ الدُّنْيا أكْثَرَ وأدْوَمَ كانَتْ مَحَبَّتُهُ لَها أشَدَّ، فَكانَ تَألُّمُهُ بِمُفارَقَتِها عِنْدَ المَوْتِ أشَدَّ، والَّذِي بِالضِّدِّ فَبِالضِّدِّ، فَإذَنْ حُصُولُ لَذّاتِ الدُّنْيا سَبَبٌ لِلْألَمِ الشَّدِيدِ بَعْدَ المَوْتِ، وعَدَمُ حُصُولِها سَبَبٌ لِلسَّعادَةِ الشَّدِيدَةِ بَعْدَ المَوْتِ، فَكَيْفَ يُقالُ: إنَّ وِجْدانَ الدُّنْيا سَعادَةٌ وفِقْدانَها شَقاوَةٌ ؟ .

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ إنَّما تَصِحُّ مَعَ القَوْلِ بِإثْباتِ البَعْثِ رُوحانِيًّا كانَ أوْ جُسْمانِيًّا، فَأمّا مَن يُنْكِرُ البَعْثَ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ فَلا يَسْتَقِيمُ عَلى قَوْلِهِ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ، بَلْ يَلْزَمُهُ القَطْعُ بِأنَّ وِجْدانَ الدُّنْيا هو السَّعادَةُ وفِقْدانَها هو الشَّقاوَةُ، ولَكِنَّ فِيهِ دَقِيقَةً أُخْرى وهي أنَّهُ رُبَّما كانَ وِجْدانُ الدُّنْيا الكَثِيرَةِ سَبَبًا لِلْقَتْلِ والنَّهْبِ والوُقُوعِ في أنْواعِ العَذابِ، فَرُبَّما كانَ الحِرْمانُ سَبَبًا لِبَقاءِ السَّلامَةِ، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَجُوزُ أيْضًا لِمُنْكِرِ البَعْثِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ أنْ يَقْضِيَ عَلى صاحِبِ الدُّنْيا بِالسَّعادَةِ وعَلى فاقِدِها بِالهَوانِ، فَرُبَّما يَنْكَشِفُ لَهُ أنَّ الحالَ بَعْدَ ذَلِكَ بِالضِّدِّ. وفي الآيَةِ سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿فَأمّا الإنْسانُ﴾ المُرادُ مِنهُ شَخْصٌ مُعَيَّنٌ أوِ الجِنْسُ ؟

الجَوابُ: فِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ شَخْصٌ مُعَيَّنٌ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وأبُو حُذَيْفَةَ بْنُ المُغِيرَةِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: هو أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذا الوَصْفِ وهو الكافِرُ الجاحِدُ لِيَوْمِ الجَزاءِ.

السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ سَمّى بَسْطَ الرِّزْقِ وتَقْدِيرَهُ ابْتِلاءً ؟ الجَوابُ: لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما اخْتِبارٌ لِلْعَبْدِ، فَإذا بُسِطَ لَهُ فَقَدِ اخْتُبِرَ حالُهُ أيَشْكُرُ أمْ يَكْفُرُ، وإذا قُدِرَ عَلَيْهِ فَقَدِ اخْتُبِرَ حالُهُ أيَصْبِرُ أمْ يَجْزَعُ، فالحِكْمَةُ فِيهِما واحِدَةٌ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥] .

السُّؤالُ الثّالِثُ: لَمّا قالَ: ﴿فَأكْرَمَهُ﴾ فَقَدْ صَحَّ أنَّهُ أكْرَمَهُ وأثْبَتَ ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا حَكى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿رَبِّي أكْرَمَنِ﴾ ذَمَّهُ عَلَيْهِ فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُما ؟ والجَوابُ: لِأنَّ كَلِمَةَ الإنْكارِ هي قَوْلُهُ: (كَلّا) فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّها مُخْتَصَّةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّي أهانَنِ﴾ سَلَّمْنا أنَّ الإنْكارَ عائِدٌ إلَيْهِما مَعًا ولَكِنْ فِيهِ وُجُوهٌ ثَلاثَةٌ:

أحَدُها: أنَّهُ اعْتَقَدَ حُصُولَ الِاسْتِحْقاقِ في ذَلِكَ الإكْرامِ.

الثّانِي: أنَّ نِعَمَ اللَّهِ تَعالى كانَتْ حاصِلَةً قَبْلَ وِجْدانِ المالِ، وهي نِعْمَةُ سَلامَةِ البَدَنِ والعَقْلِ والدِّينِ، فَلَمّا لَمْ يَعْتَرِفْ بِالنِّعْمَةِ إلّا عِنْدَ وِجْدانِ المالِ، عَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ غَرَضُهُ مِن ذَلِكَ شُكْرَ نِعْمَةِ اللَّهِ، بَلِ التَّصَلُّفُ بِالدُّنْيا والتَّكَثُّرُ بِالأمْوالِ والأوْلادِ.

الثّالِثُ: أنَّ تَصَلُّفَهُ بِنِعْمَةِ الدُّنْيا وإعْراضَهُ عَنْ ذِكْرِ نِعْمَةِ الآخِرَةِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُنْكِرًا لِلْبَعْثِ، فَلا جَرَمَ اسْتَحَقَّ الذَّمَّ عَلى ما حَكى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ وهو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ [الكهف: ٣٥- ٣٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ [الكهف: ٣٧] .

السُّؤالُ الرّابِعُ: لِمَ قالَ في القِسْمِ الأوَّلِ: ﴿إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأكْرَمَهُ﴾ وفي القِسْمِ الثّانِي: ﴿وأمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ فَذَكَرَ الأوَّلَ بِالفاءِ والثّانِيَ بِالواوِ ؟

والجَوابُ: لِأنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ سابِقَةٌ عَلى غَضَبِهِ وابْتِلاءَهُ بِالنِّعَمِ سابِقٌ عَلى ابْتِلائِهِ بِإنْزالِ الآلامِ، فالفاءُ تَدُلُّ عَلى كَثْرَةِ ذَلِكَ القِسْمِ وقَبِلَهُ الثّانِي عَلى ما قالَ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] .

السُّؤالُ الخامِسُ: لَمّا قالَ في القِسْمِ الأوَّلِ: ﴿فَأكْرَمَهُ﴾، ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِ﴾ يَجِبُ أنْ يَقُولَ في القِسْمِ الثّانِي: ”فَأهانَهُ“ فَيَقُولُ: ﴿رَبِّي أهانَنِ﴾ لَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ، والجَوابُ: لِأنَّهُ في قَوْلِهِ: (أكْرَمَنِ)

صفحة ١٥٦

صادِقٌ وفي قَوْلِهِ: (أهانَنِ) غَيْرُ صادِقٍ فَهو ظَنَّ قِلَّةَ الدُّنْيا وتَقْتِيرَها إهانَةً، وهَذا جَهْلٌ واعْتِقادٌ فاسِدٌ، فَكَيْفَ يَحْكِي اللَّهُ سُبْحانَهُ ذَلِكَ عَنْهُ.

السُّؤالُ السّادِسُ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ”فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ“ ؟ الجَوابُ: ضَيَّقَ عَلَيْهِ بِأنْ جَعَلَهُ عَلى مِقْدارِ البُلْغَةِ، وقُرِئَ ”فَقَدَرَ“ عَلى التَّخْفِيفِ وبِالتَّشْدِيدِ أيْ قَتَّرَ، ”وأكْرَمَن“ ”وأهانَنْ“ بِسُكُونِ النُّونِ في الوَقْفِ فِيمَن تَرَكَ الياءَ في الدَّرَجِ مُكْتَفِيًا مِنها بِالكَسْرَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском