Ar-RaziAt‑Tawbah · 9:105–108

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:105–108

9:105–106Page 203

وَقُلِ ٱعۡمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٠٥

And say, "Do [as you will], for Allāh will see your deeds, and [so will] His Messenger and the believers. And you will be returned to the Knower of the unseen and the witnessed, and He will inform you of what you used to do."

وَءَاخَرُونَ مُرۡجَوۡنَ لِأَمۡرِ ٱللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمۡ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيۡهِمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ١٠٦

And [there are] others deferred until the command of Allāh - whether He will punish them or whether He will forgive them. And Allāh is Knowing and Wise.

صفحة ١٤٩

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ وسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ جامِعٌ لِلتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَعْبُودَ إذا كانَ لا يَعْلَمُ أفْعالَ العِبادِ لَمْ يَنْتَفِعِ العَبْدُ بِفِعْلِهِ، ولِهَذا قالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأبِيهِ: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ (مَرْيَمَ: ٤٢) وقُلْتُ في بَعْضِ المَجالِسِ لَيْسَ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الحُجَّةِ الَّتِي ذَكَرَها إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - القَدْحَ في إلَهِيَّةِ الصَّنَمِ؛ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ حَجَرٌ وخَشَبٌ وأنَّهُ مُعَرَّضٌ لِتَصَرُّفِ المُتَصَرِّفِينَ، فَمَن شاءَ أحْرَقَهُ، ومَن شاءَ كَسَرَهُ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كَيْفَ يَتَوَهَّمُ العاقِلُ كَوْنَهُ إلَهًا ؟ بَلِ المَقْصُودُ أنَّ أكْثَرَ عَبْدَةِ الأصْنامِ كانُوا في زَمانِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أتْباعَ الفَلاسِفَةِ القائِلِينَ بِأنَّ إلَهَ العالَمِ مُوجَبٌ بِالذّاتِ، ولَيْسَ بِمُوجَدٍ بِالمَشِيئَةِ والِاخْتِيارِ، فَقالَ: المُوجَبُ بِالذّاتِ إذا لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِالخَيْراتِ ولَمْ يَكُنْ قادِرًا عَلى الإنْفاعِ والإضْرارِ، ولا يَسْمَعُ دُعاءَ المُحْتاجِينَ ولا يَرى تَضَرُّعَ المَساكِينِ، فَأيُّ فائِدَةٍ في عِبادَتِهِ ؟ فَكانَ المَقْصُودُ مِن دَلِيلِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الطَّعْنَ في قَوْلِ مَن يَقُولُ: إلَهُ العالَمِ مُوجَبٌ بِالذّاتِ. أمّا إذا كانَ فاعِلًا مُخْتارًا وكانَ عالِمًا بِالجُزْئِيّاتِ فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ لِلْعِبادِ الفَوائِدُ العَظِيمَةُ، وذَلِكَ لِأنَّ العَبْدَ إذا أطاعَ عَلِمَ المَعْبُودُ طاعَتَهُ وقَدَرَ عَلى إيصالِ الثَّوابِ إلَيْهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وإنْ عَصاهُ عَلِمَ المَعْبُودُ ذَلِكَ، وقَدَرَ عَلى إيصالِ العِقابِ إلَيْهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ تَرْغِيبٌ عَظِيمٌ لِلْمُطِيعِينَ، وتَرْهِيبٌ عَظِيمٌ لِلْمُذْنِبِينَ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: اجْتَهَدُوا في المُسْتَقْبَلِ، فَإنَّ لِعَمَلِكم في الدُّنْيا حُكْمًا وفي الآخِرَةِ حُكْمًا. أمّا حُكْمُهُ في الدُّنْيا فَهو أنَّهُ يَراهُ اللَّهُ ويَراهُ الرَّسُولُ ويَراهُ المُسْلِمُونَ، فَإنْ كانَ طاعَةً حَصَلَ مِنهُ الثَّناءُ العَظِيمُ والثَّوابُ العَظِيمُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وإنْ كانَ مَعْصِيَةً حَصَلَ مِنهُ الذَّمُّ العَظِيمُ في الدُّنْيا والعِقابُ الشَّدِيدُ في الآخِرَةِ. فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ الواحِدَةَ جامِعَةٌ لِجَمِيعِ ما يَحْتاجُ المَرْءُ إلَيْهِ في دِينِهِ ودُنْياهُ ومَعاشِهِ ومَعادِهِ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى مَسائِلَ أُصُولِيَّةٍ.

الحُكْمُ الأوَّلُ

أنَّها تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى رائِيًا لِلْمَرْئِيّاتِ؛ لِأنَّ الرُّؤْيَةَ المُعَدّاةَ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، هي الإبْصارُ، والمُعَدّاةَ إلى مَفْعُولَيْنِ هي العِلْمُ، كَما تَقُولُ رَأيْتُ زَيْدًا فَقِيهًا، وهَهُنا الرُّؤْيَةُ مُعَدّاةٌ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ فَتَكُونُ بِمَعْنى الإبْصارِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُبْصِرًا لِلْأشْياءِ كَما أنَّ قَوْلَ إبْراهِيمِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ﴾ (مَرْيَمَ: ٤٢) يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى مُبْصِرًا ورائِيًا لِلْأشْياءِ، ومِمّا يُقَوِّي أنَّ الرُّؤْيَةَ لا يُمْكِنُ حَمْلُها هَهُنا عَلى العِلْمِ أنَّهُ تَعالى وصَفَ نَفْسَهُ بِالعِلْمِ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: ﴿وسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ ولَوْ كانَتْ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ هي العِلْمُ لَزِمَ حُصُولُ التَّكْرِيرِ الخالِي عَنِ الفائِدَةِ وهو باطِلٌ.

الحُكْمُ الثّانِي

مَذْهَبُ أصْحابِنا أنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ فَإنَّهُ يَصِحُّ رُؤْيَتُهُ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِهَذِهِ الآيَةِ وقالُوا: قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ الرُّؤْيَةَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآيَةِ مُعَدّاةٌ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، والقَوانِينُ اللُّغَوِيَّةُ شاهِدَةٌ أنَّ الرُّؤْيَةَ المُعَدّاةَ إلى

صفحة ١٥٠

المَفْعُولِ الواحِدِ مَعْناها الإبْصارُ. فَكانَتْ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ مَعْناها الإبْصارُ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عَدّى هَذِهِ الرُّؤْيَةَ إلى عَمَلِهِمْ والعَمَلُ يَنْقَسِمُ إلى أعْمالِ القُلُوبِ، كالإراداتِ والكَراهاتِ والأنْظارِ. وإلى أعْمالِ الجَوارِحِ، كالحَرَكاتِ والسَّكَناتِ. فَوَجَبَ كَوْنُهُ تَعالى رائِيًا لِلْكُلِّ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ كُلَّها مَرْئِيَّةٌ لِلَّهِ تَعالى، وأمّا الجُبّائِيُّ فَإنَّهُ كانَ يَحْتَجُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى كَوْنِهِ تَعالى رائِيًا لِلْحَرَكاتِ والسَّكَناتِ والِاجْتِماعاتِ والاِفْتِراقاتِ، فَلَمّا قِيلَ لَهُ: إنْ صَحَّ هَذا الِاسْتِدْلالُ، فَيَلْزَمُكَ كَوْنُهُ تَعالى رائِيًا لِأعْمالِ القُلُوبِ، فَأجابَ عَنْهُ أنَّهُ تَعالى عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ورَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ﴾ وهم إنَّما يَرَوْنَ أفْعالَ الجَوارِحِ، فَلَمّا تَقَيَّدَتْ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ بِأعْمالِ الجَوارِحِ في حَقِّ المَعْطُوفِ وجَبَ تَقْيِيدُها بِهَذا القَيْدِ في حَقِّ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وهَذا بِعِيدٌ لِأنَّ العَطْفَ لا يُفِيدُ إلّا أصْلَ التَّشْرِيكِ. فَأمّا التَّسْوِيَةُ في كُلِّ الأُمُورِ فَغَيْرُ واجِبٍ، فَدُخُولُ التَّخْصِيصِ في المَعْطُوفِ، لا يُوجِبُ دُخُولَ التَّخْصِيصَ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، ويُمْكِنُ الجَوابُ عَنْ أصْلِ الِاسْتِدْلالِ فَيُقالُ: رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعالى حاصِلَةٌ في الحالِ. والمَعْنى الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ الآيَةِ هو قَوْلُهُ: ﴿فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ أمْرٌ غَيْرُ حاصِلٍ في الحالِ؛ لِأنَّ السِّينَ تَخْتَصُّ بِالِاسْتِقْبالِ. فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ مِنهُ الجَزاءُ عَلى الأعْمالِ. فَقَوْلُهُ: ﴿فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ أيْ: فَسَيُوصِلُ لَكم جَزاءَ أعْمالِكم. ولِمُجِيبٍ أنْ يُجِيبَ عَنْهُ، بِأنَّ إيصالَ الجَزاءِ إلَيْهِمْ مَذْكُورٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فَلَوْ حَمَلْنا هَذِهِ الرُّؤْيَةَ عَلى إيصالِ الجَزاءِ لَزِمَ التَّكْرارُ، وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ﴾ سُؤالٌ: وهو أنَّ عَمَلَهم لا يَراهُ كُلُّ أحَدٍ، فَما مَعْنى هَذا الكَلامِ ؟

والجَوابُ: مَعْناهُ وصُولُ خَبَرِ ذَلِكَ العَمَلِ إلى الكُلِّ. قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ ”«لَوْ أنَّ رَجُلًا عَمِلَ عَمَلًا في صَخْرَةٍ لا بابَ لَها ولا كُوَّةَ لَخَرَجَ عَمَلُهُ إلى النّاسِ كائِنًا ما كانَ» “ .

فَإنْ قِيلَ: فَما الفائِدَةُ في ذِكْرِ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ بَعْدَ ذِكْرِ اللَّهِ في أنَّهم يَرَوْنَ أعْمالَ هَؤُلاءِ التّائِبِينَ ؟

قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ أجْدَرَ ما يَدْعُو المَرْءَ إلى العَمَلِ الصّالِحِ ما يَحْصُلُ لَهُ مِنَ المَدْحِ والتَّعْظِيمِ والعِزِّ الَّذِي يَلْحَقُهُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَإذا عَلِمَ أنَّهُ إذا فَعَلَ ذَلِكَ الفِعْلَ عَظَّمَهُ الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ، عَظُمَ فَرَحُهُ بِذَلِكَ وقَوِيَتْ رَغْبَتُهُ فِيهِ، ومِمّا يُنَبِّهُ عَلى هَذِهِ الدَّقِيقَةِ أنَّهُ ذَكَرَ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعالى أوَّلًا، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَها رُؤْيَةَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والمُؤْمِنِينَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كُنْتَ مِنَ المُحِقِّينَ المُحَقِّقِينَ في عُبُودِيَّةِ الحَقِّ، فاعْمَلِ الأعْمالَ الصّالِحَةَ لِلَّهِ تَعالى، وإنْ كُنْتَ مِنَ الضُّعَفاءِ المَشْغُولِينَ بِثَناءِ الخَلْقِ فاعْمَلِ الأعْمالَ الصّالِحَةَ لِتَفُوزَ بِثَناءِ الخَلْقِ، وهو الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ.

الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: ما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ: أنَّ المُؤْمِنِينَ شُهَداءُ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ كَما قالَ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ (البَقَرَةِ: ١٤٣) الآيَةَ، والرَّسُولُ شَهِيدُ الأُمَّةِ، كَما قالَ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ (النِّساءِ: ٤١) فَثَبَتَ أنَّ الرَّسُولَ والمُؤْمِنِينَ شُهَداءُ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ، والشَّهادَةُ لا تَصِحُّ إلّا بَعْدَ الرُّؤْيَةِ، فَذَكَرَ اللَّهُ أنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ أعْمالَهم، والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهم يَشْهَدُونَ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ حُضُورِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، بِأنَّهم أهْلُ الصِّدْقِ والسَّدادِ والعَفافِ والرَّشادِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

صفحة ١٥١

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: الغَيْبُ ما يُسِرُّونَهُ، والشَّهادَةُ ما يُظْهِرُونَهُ. وأقُولُ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الغَيْبُ ما حَصَلَ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الدَّواعِي والصَّوارِفِ، والشَّهادَةُ الأعْمالُ الَّتِي تَظْهَرُ عَلى جَوارِحِهِمْ، وأقُولُ أيْضًا مَذْهَبُ حُكَماءِ الإسْلامِ أنَّ المَوْجُوداتِ الغائِبَةَ عَنِ الحَواسِّ عِلَلٌ أوْ كالعِلَلِ لِلْمَوْجُوداتِ المَحْسُوساتِ، وعِنْدَهم أنَّ العِلْمَ بِالعِلَّةِ عِلَّةٌ لِلْعَلَمِ بِالمَعْلُولِ. فَوَجَبَ كَوْنُ العِلْمِ بِالغَيْبِ سابِقًا عَلى العِلْمِ بِالشَّهادَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أيْنَما جاءَ هَذا الكَلامُ في القُرْآنِ كانَ الغَيْبُ مُقَدَّمًا عَلى الشَّهادَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنْ حَمَلْنا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ عَلى الرُّؤْيَةِ، فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ أنَّ مَعْناهُ مُغايِرٌ لِمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ وإنْ حَمَلْنا تِلْكَ الرُّؤْيَةَ عَلى العِلْمِ أوْ عَلى إيصالِ الثَّوابِ جَعَلْنا قَوْلَهُ: ﴿وسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ جارِيًا مَجْرى التَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ مَعْناهُ: بِإظْهارِ المَدْحِ والثَّناءِ والإعْزازِ في الدُّنْيا، أوْ بِإظْهارِ أضْدادِها. وقَوْلُهُ: ﴿وسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ مَعْناهُ: ما يَظْهَرُ في القِيامَةِ مِن حالِ الثَّوابِ والعِقابِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ والمَعْنى يُعَرِّفُكم أحْوالَ أعْمالِكم ثُمَّ يُجازِيكم عَلَيْها، لِأنَّ المُجازاةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا تَحْصُلُ في الآخِرَةِ إلّا بَعْدَ التَّعْرِيفِ؛ لِيَعْرِفَ كُلُّ أحَدٍ أنَّ الَّذِي وصَلَ إلَيْهِ عَدْلٌ لا ظُلْمٌ، فَإنْ كانَ مِن أهْلِ الثَّوابِ كانَ فَرَحُهُ وسَعادَتُهُ أكْثَرَ، وإنْ كانَ مِن أهْلِ العِقابِ كانَ غَمُّهُ وخُسْرانُهُ أكْثَرَ. وقالَ حُكَماءُ الإسْلامِ، المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ الإشارَةُ إلى الثَّوابِ الرُّوحانِيِّ، وذَلِكَ لِأنَّ العَبْدَ إذا تَحَمَّلَ أنْواعًا مِنَ المَشاقِّ في الأُمُورِ الَّتِي أمَرَهُ بِها مَوْلاهُ، فَإذا عَلِمَ العَبْدُ أنَّ مَوْلاهُ يَرى كَوْنَهُ مُتَحَمِّلًا لِتِلْكَ المَشاقِّ، عَظُمَ فَرَحُهُ وقَوِيَ ابْتِهاجُهُ بِها، وكانَ ذَلِكَ عِنْدَهُ ألَذَّ مِنَ الخِلَعِ النَّفِيسَةِ والأمْوالِ العَظِيمَةِ.

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ فالمُرادُ مِنهُ تَعْرِيفُ عِقابِ الخِزْيِ والفَضِيحَةِ. ومِثالُهُ أنَّ العَبْدَ الَّذِي خَصَّهُ السُّلْطانُ بِالوُجُوهِ الكَثِيرَةِ مِنَ الإحْسانِ إذا أتى بِأنْواعٍ كَثِيرَةٍ مِنَ المَعاصِي، فَإذا حَضَرَ ذَلِكَ العَبْدُ عِنْدَ ذَلِكَ السُّلْطانِ وعَدَّدَ عَلَيْهِ أنْواعَ قَبائِحِهِ وفَضائِحِهِ، قَوِيَ حُزْنُهُ وعَظُمَ غَمُّهُ وكَمُلَتْ فَضِيحَتُهُ، وهَذا نَوْعٌ مِنَ العَذابِ الرُّوحانِيِّ، ورُبَّما رَضِيَ العاقِلُ بِأشَدِّ أنْواعِ العَذابِ الجُسْمانِيِّ حَذَرًا مِنهُ. والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَعْرِيفُ هَذا النَّوْعِ مِنَ العِقابِ الرُّوحانِيِّ، نَسْألُ اللَّهَ العِصْمَةَ مِنهُ ومِن سائِرِ العَذابِ.

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ إمّا يُعَذِّبُهم وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ ونافِعٌ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ مُرْجَوْنَ بِغَيْرِ هَمْزٍ والباقُونَ بِالهَمْزِ وهُما لُغَتانِ. أرْجَأتُ الأمْرَ وأرْجَيْتُهُ، بِالهَمْزِ وتَرْكِهِ، إذا أخَّرْتَهُ. وسُمِّيَتِ المُرْجِئَةُ بِهَذا الِاسْمِ لِأنَّهم لا يُجْزِمُونَ القَوْلَ بِمَغْفِرَةِ التّائِبِ ولَكِنْ يُؤَخِّرُونَها إلى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ الأوْزاعِيُّ: لِأنَّهم يُؤَخِّرُونَ العَمَلَ عَنِ الإيمانِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قَسَّمَ المُتَخَلِّفِينَ عَنِ الجِهادِ ثَلاثَةَ أقْسامٍ:

القِسْمُ الأوَّلُ: المُنافِقُونَ الَّذِينَ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ.

صفحة ١٥٢

القِسْمُ الثّانِي: التّائِبُونَ وهُمُ المُرادُونَ بِقَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ وبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ قَبِلَ تَوْبَتَهم.

والقِسْمُ الثّالِثُ: الَّذِينَ بَقُوا مَوْقُوفِينَ وهُمُ المَذْكُورُونَ في هَذِهِ الآيَةِ، والفَرْقُ بَيْنَ القِسْمِ الثّانِي وبَيْنَ هَذا الثّالِثِ، أنَّ أُولَئِكَ سارَعُوا إلى التَّوْبَةِ وهَؤُلاءِ لَمْ يُسارِعُوا إلَيْها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في كَعْبِ بْنِ مالِكٍ ومُرارَةَ بْنِ الرَّبِيعِ، وهِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ، فَقالَ كَعْبٌ: أنا أفْرَهُ أهْلِ المَدِينَةِ جَمَلًا، فَمَتى شِئْتُ لَحِقْتُ الرَّسُولَ، فَتَأخَّرَ أيّامًا وأيِسَ بَعْدَها مِنَ اللُّحُوقِ بِهِ فَنَدِمَ عَلى صَنِيعِهِ وكَذَلِكَ صاحِباهُ، فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ قِيلَ لِكَعْبٍ اعْتَذِرْ إلَيْهِ مِن صَنِيعِكَ، فَقالَ: لا واللَّهِ حَتّى تَنْزِلَ تَوْبَتِي، وأمّا صاحِباهُ فاعْتَذَرا إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: ”ما خَلَّفَكُما عَنِّي“ فَقالا: لا عُذْرَ لَنا إلّا الخَطِيئَةُ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ﴾ فَوَقَفَهُمُ الرَّسُولُ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ونَهى النّاسَ عَنْ مُجالَسَتِهِمْ، وأمَرَهم بِاعْتِزالِ نِسائِهِمْ وإرْسالِهِنَّ إلى أهالِيهِنَّ، فَجاءَتِ امْرَأةُ هِلالٍ تَسْألُ أنْ تَأْتِيَهُ بِطَعامٍ فَإنَّهُ شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَأذِنَ لَها في ذَلِكَ خاصَّةً، وجاءَ رَسُولٌ مِنَ الشّامِ إلى كَعْبٍ يُرَغِّبُهُ في اللَّحاقِ بِهِمْ، فَقالَ كَعْبٌ: بَلَغَ مِن خَطِيئَتِي أنْ طَمِعَ فِيَّ المُشْرِكُونَ، قالَ: فَضاقَتْ عَلَيَّ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ. وبَكى هِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ حَتّى خِيفَ عَلى بَصَرِهِ، فَلَمّا مَضى خَمْسُونَ يَوْمًا نَزَلَتْ تَوْبَتُهم بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ﴾ (التَّوْبَةِ: ١١٧) وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ﴾ (التَّوْبَةِ: ١١٨) الآيَةَ» . وقالَ الحَسَنُ: يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ﴾ قَوْمًا مِنَ المُنافِقِينَ أرْجَأهم رَسُولُ اللَّهِ عَنْ حَضْرَتِهِ. وقالَ الأصَمُّ: يَعْنِي المُنافِقِينَ وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ﴾ أرْجَأهُمُ اللَّهُ فَلَمْ يُخْبِرْ عَنْهم ما عَلِمَهُ مِنهم وحَذَّرَهم بِهَذِهِ الآيَةِ إنْ لَمْ يَتُوبُوا أنْ يُنَزِّلَ فِيهِمْ قُرْآنًا.

* * *

فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إمّا يُعَذِّبُهم وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ كَلِمَةَ (إمّا) و(إمّا) لِلشَّكِّ، واللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْهُ.

وجَوابُهُ المُرادُ مِنهُ لِيَكُنْ أمْرُهم عَلى الخَوْفِ والرَّجاءِ، فَجَعَلَ أُناسٌ يَقُولُونَ هَلَكُوا إذا لَمْ يُنْزِلِ اللَّهُ تَعالى لَهم عُذْرًا، وآخَرُونَ يَقُولُونَ عَسى اللَّهُ أنْ يَغْفِرَ لَهم.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لا شَكَّ أنَّ القَوْمَ كانُوا نادِمِينَ عَلى تَأخُّرِهِمْ عَنِ الغَزْوِ وتَخَلُّفِهِمْ عَنِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمْ يَحْكم بِكَوْنِهِمْ تائِبِينَ بَلْ قالَ: ﴿إمّا يُعَذِّبُهم وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّدَمَ وحْدَهُ لا يَكُونُ كافِيًا في صِحَّةِ التَّوْبَةِ.

فَإنْ قِيلَ: فَما تِلْكَ الشَّرائِطُ ؟

قُلْنا: لَعَلَّهم خافُوا مِن أمْرِ الرَّسُولِ بِإيذائِهِمْ أوْ خافُوا مِنَ الخَجْلَةِ والفَضِيحَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَتَوْبَتُهم غَيْرُ صَحِيحَةٍ ولا مَقْبُولَةٍ، فاسْتَمَرَّ عَدَمُ قَبُولِ التَّوْبَةِ إلى أنْ سَهُلَ أحْوالُ الخَلْقِ في قَدْحِهِمْ ومَدْحِهِمْ عِنْدَهم، فَعِنْدَ ذَلِكَ نَدِمُوا عَلى المَعْصِيَةِ لِنَفْسِ كَوْنِها مَعْصِيَةً، وعِنْدَ ذَلِكَ صَحَّتْ تَوْبَتُهم.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَعْفُو عَنْ غَيْرِ التّائِبِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ قالَ في حَقِّ هَؤُلاءِ المُذْنِبِينَ﴿إمّا يُعَذِّبُهم وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا حُكْمَ إلّا أحَدُ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، وهو إمّا التَّعْذِيبُ وإمّا التَّوْبَةُ، وأمّا العَفْوُ عَنِ الذَّنْبِ مِن غَيْرِ التَّوْبَةِ، فَهو قِسْمٌ ثالِثٌ. فَلَمّا أهْمَلَ اللَّهُ تَعالى ذِكْرَهُ دَلَّ عَلى أنَّهُ باطِلٌ وغَيْرُ مُعْتَبَرٍ.

صفحة ١٥٣

والجَوابُ: أنّا لا نَقْطَعُ بِحُصُولِ العَفْوِ عَنْ جَمِيعِ المُذْنِبِينَ، بَلْ نَقْطَعُ بِحُصُولِ العَفْوِ في الجُمْلَةِ، وأمّا في حَقِّ كُلِّ واحِدٍ بِعَيْنِهِ، فَذَلِكَ مَشْكُوكٌ فِيهِ. ألا تَرى أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فَقَطَعَ بِغُفْرانِ ما سِوى الشِّرْكِ، لَكِنْ لا في حَقِّ كُلِّ أحَدٍ، بَلْ في حَقِّ مَن يَشاءُ. فَلَمْ يَلْزَمْ مِن عَدَمِ العَفْوِ في حَقِّ هَؤُلاءِ، عَدَمُ العَفْوِ عَلى الإطْلاقِ. وأيْضًا فَعَدَمُ الذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى العَدَمِ، ألا تَرى أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ (عَبَسَ: ٣٩) وهُمُ المُؤْمِنُونَ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ (عَبَسَ: ٤٠) فَهَهُنا المَذْكُورُونَ، إمّا المُؤْمِنُونَ، وإمّا الكافِرُونَ، ثُمَّ إنَّ عَدَمَ ذِكْرِ القِسْمِ الثّالِثِ، لَمْ يَدُلَّ عِنْدَ الجُبّائِيِّ عَلى نَفْيِهِ، فَكَذا هَهُنا.

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أيْ﴿عَلِيمٌ﴾ بِما في قُلُوبِ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ﴿حَكِيمٌ﴾ فِيما يَحْكُمُ فِيهِمْ ويَقْضِي عَلَيْهِمْ.

9:107Page 204

وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسۡجِدٗا ضِرَارٗا وَكُفۡرٗا وَتَفۡرِيقَۢا بَيۡنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَإِرۡصَادٗا لِّمَنۡ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ مِن قَبۡلُۚ وَلَيَحۡلِفُنَّ إِنۡ أَرَدۡنَآ إِلَّا ٱلۡحُسۡنَىٰۖ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١٠٧

And [there are] those [hypocrites] who took for themselves a mosque for causing harm and disbelief and division among the believers and as a station for whoever had warred against Allāh and His Messenger before. And they will surely swear, "We intended only the best." And Allāh testifies that indeed they are liars.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وكُفْرًا وتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وإرْصادًا لِمَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ مِن قَبْلُ ولَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلّا الحُسْنى واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أصْنافَ المُنافِقِينَ وطَرائِقَهُمُ المُخْتَلِفَةَ قالَ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وكُفْرًا وتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ (الَّذِينَ اتَّخَذُوا) بِغَيْرِ واوٍ، وكَذَلِكَ هو في مَصاحِفِ أهْلِ المَدِينَةِ، والباقُونَ بِالواوِ، وكَذَلِكَ هو في مَصاحِفِ مَكَّةَ والعِراقِ. فالأوَّلُ: عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾ والثّانِي أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ومِنهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وعامَّةُ أهْلِ التَّفْسِيرِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -: الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ بَنَوْا مَسْجِدًا يُضارُّونَ بِهِ مَسْجِدَ قُباءَ، وأقُولُ إنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِصِفاتٍ أرْبَعَةٍ:

الصِّفَةُ الأُولى: ضِرارًا، والضِّرارُ مُحاوَلَةُ الضُّرِّ، كَما أنَّ الشِّقاقَ مُحاوَلَةُ ما يَشُقُّ. قالَ الزَّجّاجُ: وانْتَصَبَ قَوْلُهُ: ﴿ضِرارًا﴾ لِأنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، والمَعْنى: اتَّخَذُوهُ لِلضِّرارِ ولِسائِرِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ بَعْدَهُ، فَلَمّا حُذِفَتِ اللّامُ اقْتَضاهُ الفِعْلُ فَنُصِبَ. قالَ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مَحْمُولًا عَلى المَعْنى، والتَّقْدِيرُ: اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضَرُّوا بِهِ ضِرارًا.

والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وكُفْرًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: يُرِيدُ بِهِ ضِرارًا لِلْمُؤْمِنِينَ وكُفْرًا بِالنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وبِما جاءَ بِهِ. وقالَ غَيْرُهُ اتَّخَذُوهُ لِيَكْفُرُوا فِيهِ بِالطَّعْنِ عَلى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، والإسْلامِ.

الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ يُفَرِّقُونَ بِواسِطَتِهِ جَماعَةَ المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ لِأنَّ

صفحة ١٥٤

المُنافِقِينَ قالُوا: نَبْنِي مَسْجِدًا فَنُصَلِّي فِيهِ، ولا نُصَلِّي خَلْفَ مُحَمَّدٍ، فَإنْ أتانا فِيهِ صَلَّيْنا مَعَهُ. وفَرَّقَنا بَيْنَهُ وبَيْنَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ في مَسْجِدِهِ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلى اخْتِلافِ الكَلِمَةِ، وبُطْلانِ الأُلْفَةِ.

والصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وإرْصادًا لِمَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ قالُوا: المُرادُ أبُو عامِرٍ الرّاهِبُ، والِدُ حَنْظَلَةَ الَّذِي غَسَّلَتْهُ المَلائِكَةُ، وسَمّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الفاسِقَ، وكانَ قَدْ تَنَصَّرَ في الجاهِلِيَّةِ، وتَرَهَّبَ وطَلَبَ العِلْمَ، فَلَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عاداهُ؛ لِأنَّهُ زالَتْ رِياسَتُهُ وقالَ: لا أجِدُ قَوْمًا يُقاتِلُونَكَ إلّا قاتَلْتُكَ مَعَهم، ولَمْ يَزَلْ يُقاتِلُهُ إلى يَوْمِ حُنَيْنٍ، فَلَمّا انْهَزَمَتْ هَوازِنُ خَرَجَ إلى الشَّأْمِ، وأرْسَلَ إلى المُنافِقِينَ أنِ اسْتَعِدُّوا بِما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ وسِلاحٍ، وابْنُوا لِي مَسْجِدًا فَإنِّي ذاهِبٌ إلى قَيْصَرَ، وآتٍ مِن عِنْدِهِ بِجُنْدٍ، فَأُخْرِجُ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ. فَبَنَوْا هَذا المَسْجِدَ، وانْتَظَرُوا مَجِيءَ أبِي عامِرٍ لِيُصَلِّيَ بِهِمْ في ذَلِكَ المَسْجِدِ. قالَ الزَّجّاجُ: الإرْصادُ: الِانْتِظارُ.وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الإرْصادُ: الِانْتِظارُ مَعَ العَداوَةِ. وقالَ الأكْثَرُونَ: الإرْصادُ، الإعْدادُ. قالَ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ (الفَجْرِ: ١٤) .

وقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ يَعْنِي مِن قَبْلِ بِناءِ مَسْجِدِ الضِّرارِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ هَذا المَسْجِدَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الأرْبَعَةِ قالَ: ﴿ولَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلّا الحُسْنى﴾ أيْ: لَيَحْلِفُنَّ ما أرَدْنا بِبِنائِهِ إلّا الفِعْلَةَ الحُسْنى وهو الرِّفْقُ بِالمُسْلِمِينَ في التَّوْسِعَةِ عَلى أهْلِ الضَّعْفِ والعِلَّةِ والعَجْزِ عَنِ المَصِيرِ إلى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وذَلِكَ أنَّهم قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنّا قَدْ بَنَيْنا مَسْجِدًا لِذِي العِلَّةِ والحاجَةِ واللَّيْلَةِ المُمْطِرَةِ واللَّيْلَةِ الشّاتِيَةِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ تَعالى أطْلَعَ الرَّسُولَ عَلى أنَّهم حَلَفُوا كاذِبِينَ.

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ﴾ مَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ ومِمَّنْ ذَكَرْنا الَّذِينَ.

9:108Page 204

لَا تَقُمۡ فِيهِ أَبَدٗاۚ لَّمَسۡجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقۡوَىٰ مِنۡ أَوَّلِ يَوۡمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِۚ فِيهِ رِجَالٞ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُطَّهِّرِينَ ١٠٨

Do not stand [for prayer] within it - ever. A mosque founded on righteousness from the first day1 is more worthy for you to stand in. Within it are men who love to purify themselves; and Allāh loves those who purify themselves.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾ ﴿أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٍ خَيْرٌ أمْ مَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ إلّا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾

قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ المُنافِقِينَ لَمّا بَنَوْا ذَلِكَ المَسْجِدَ لِتِلْكَ الأغْراضِ الفاسِدَةِ عِنْدَ ذِهابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ

صفحة ١٥٥

إلى غَزْوَةِ تَبُوكَ، «قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ بَنَيْنا مَسْجِدًا لِذِي العِلَّةِ واللَّيْلَةِ المُمْطِرَةِ والشّاتِيَةِ، ونَحْنُ نُحِبُّ أنْ تُصَلِّيَ لَنا فِيهِ وتَدْعُوَ لَنا بِالبَرَكَةِ. فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنِّي عَلى جَناحِ سَفَرٍ وإذا قَدِمْنا إنْ شاءَ اللَّهُ صَلَّيْنا فِيهِ، فَلَمّا رَجَعَ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ سَألُوهُ إتْيانَ المَسْجِدِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَدَعا بَعْضَ القَوْمِ وقالَ: انْطَلِقُوا إلى هَذا المَسْجِدِ الظّالِمِ أهْلُهُ فاهْدِمُوهُ وخَرِّبُوهُ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ وأمَرَ أنْ يُتَّخَذَ مَكانُهُ كُناسَةً يُلْقى فِيها الجِيَفُ والقُمامَةُ» . وقالَ الحَسَنُ: هَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَذْهَبَ إلى ذَلِكَ المَسْجِدِ فَنادى جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ﴾ نَهْيٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ أنْ يَقُومَ فِيهِ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَرَغُوا مِن إتْمامِ ذَلِكَ المَسْجِدِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَصَلَّوْا فِيهِ ذَلِكَ اليَوْمَ ويَوْمَ السَّبْتِ والأحَدِ، وانْهارَ في يَوْمِ الِاثْنَيْنِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ العِلَّةَ في هَذا النَّهْيِ، وهي أنَّ أحَدَ المَسْجِدَيْنِ لَمّا كانَ مَبْنِيًّا عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ، وكانَتِ الصَّلاةُ في مَسْجِدٍ آخَرَ تَمْنَعُ مِنَ الصَّلاةِ في مَسْجِدِ التَّقْوى، كانَ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنْ يَمْنَعَ مِنَ الصَّلاةِ في المَسْجِدِ الثّانِي.

فَإنْ قِيلَ: كَوْنُ أحَدِ المَسْجِدَيْنِ أفْضَلُ لا يُوجِبُ المَنعَ مِن إقامَةِ الصَّلاةِ في المَسْجِدِ الثّانِي.

قُلْنا: التَّعْلِيلُ وقَعَ بِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ، أعْنِي كَوْنَ مَسْجِدِ الضِّرارِ سَبَبًا لِلْمَفاسِدِ الأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ، ومَسْجِدِ التَّقْوى مُشْتَمِلًا عَلى الخَيْراتِ الكَثِيرَةِ. ومِنَ الرَّوافِضِ مَن يَقُولُ: بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ المَسْجِدَ الَّذِي بُنِيَ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى التَّقْوى أحَقُّ بِالقِيامِ فِيهِ مِنَ المَسْجِدِ الَّذِي لا يَكُونُ كَذَلِكَ. وثَبَتَ أنَّ عَلِّيًا ما كَفَرَ بِاللَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ أوْلى بِالقِيامِ بِالإمامَةِ مِمَّنْ كَفَرَ بِاللَّهِ في أوَّلِ أمْرِهِ. وجَوابُنا أنَّ التَّعْلِيلَ وقَعَ بِمَجْمُوعِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ، فَزالَ هَذا السُّؤالُ. واخْتَلَفُوا في أنَّ مَسْجِدَ التَّقْوى ما هو ؟ قِيلَ: إنَّهُ مَسْجِدُ قُباءَ، وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَأْتِيهِ في كُلِّ سَنَةٍ فَيُصَلِّي فِيهِ، والأكْثَرُونَ أنَّهُ مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: المَسْجِدُ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مَسْجِدُ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، «وذَكَرَ أنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَلَفا فِيهِ، فَقالَ أحَدُهُما: مَسْجِدُ الرَّسُولِ، وقالَ آخَرٌ: قُباءُ. فَسَألاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ هو مَسْجِدِي هَذا» . وقالَ القاضِي: لا يَمْنَعُ دُخُولُهُما جَمِيعًا تَحْتَ هَذا الذِّكْرِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى﴾ هو كَقَوْلِ القائِلِ: لَرَجُلٌ صالِحٌ أحَقُّ أنْ تُجالِسَهُ. فَلا يَكُونُ ذَلِكَ مَقْصُورًا عَلى واحِدٍ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ، مَعَ أنَّهُ لا يَجُوزُ قِيامُهُ في الآخَرِ ؟

قُلْنا: المَعْنى أنَّهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ جائِزًا لَكانَ هَذا أوْلى، لِلسَّبَبِ المَذْكُورِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском