Ar-RaziAt‑Tawbah · 9:109–111

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:109–111

9:109–110Page 204

أَفَمَنۡ أَسَّسَ بُنۡيَٰنَهُۥ عَلَىٰ تَقۡوَىٰ مِنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٍ خَيۡرٌ أَم مَّنۡ أَسَّسَ بُنۡيَٰنَهُۥ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٖ فَٱنۡهَارَ بِهِۦ فِي نَارِ جَهَنَّمَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٠٩

Then is one who laid the foundation of his building on righteousness [with fear] from Allāh and [seeking] His approval better or one who laid the foundation of his building on the edge of a bank about to collapse, so it collapsed with him into the fire of Hell? And Allāh does not guide the wrongdoing people.

لَا يَزَالُ بُنۡيَٰنُهُمُ ٱلَّذِي بَنَوۡاْ رِيبَةٗ فِي قُلُوبِهِمۡ إِلَّآ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ١١٠

Their building which they built will not cease to be a [cause of] skepticism in their hearts until their hearts are cut [i.e., stopped]. And Allāh is Knowing and Wise.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:

البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى رَجَّحَ مَسْجِدَ التَّقْوى بِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بُنِيَ عَلى التَّقْوى، وهو الَّذِي تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ.

والثّانِي: أنَّ فِيهِ رِجالًا يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا، وفي تَفْسِيرِ هَذِهِ الطَّهارَةِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ التَّطَهُّرُ عَنِ الذُّنُوبِ والمَعاصِي، وهَذا القَوْلُ مُتَعَيِّنٌ لِوُجُوهٍ:

أوَّلُها: أنَّ التَّطَهُّرَ عَنِ الذُّنُوبِ والمَعاصِي هو المُؤَثِّرُ في القُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى واسْتِحْقاقِ ثَوابِهِ ومَدْحِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ تَعالى وصَفَ أصْحابَ مَسْجِدِ الضِّرارِ بِمُضارَّةِ المُسْلِمِينَ والكُفْرِ بِاللَّهِ والتَّفْرِيقِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، فَوَجَبَ كَوْنُ هَؤُلاءِ بِالضِّدِّ مِن صِفاتِهِمْ. وما ذاكَ إلّا كَوْنُهم مُبَرَّئِينَ عَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي.

والثّالِثُ: أنَّ طَهارَةَ الظّاهِرِ إنَّما يَحْصُلُ لَها أثَرٌ وقَدْرٌ عِنْدَ اللَّهِ لَوْ حَصَلَتْ طَهارَةُ الباطِنِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، أمّا لَوْ حَصَلَتْ طَهارَةُ الباطِنِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، ولَمْ تَحْصُلْ نَظافَةُ الظّاهِرِ،

صفحة ١٥٦

كَأنَّ طَهارَةَ الباطِنِ لَها أثَرٌ، فَكانَ طَهارَةُ الباطِنِ أوْلى.

الرّابِعُ: رَوى صاحِبُ ”الكَشّافِ“: أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَشى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ومَعَهُ المُهاجِرُونَ حَتّى وقَفَ عَلى بابِ مَسْجِدِ قُباءَ، فَإذا الأنْصارُ جُلُوسٌ، فَقالَ: ”أمُؤْمِنُونَ أنْتُمْ“ ؟ فَسَكَتَ القَوْمُ ثُمَّ أعادَها. فَقالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهم لَمُؤْمِنُونَ وأنا مَعَهم؛ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”أتَرْضُونَ بِالقَضاءِ“ ؟ قالُوا نَعَمْ. قالَ: ”أتَصْبِرُونَ عَلى البَلاءِ“ ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ: ”أتَشْكُرُونَ في الرَّخاءِ“ ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”مُؤْمِنُونَ ورَبِّ الكَعْبَةِ“ ثُمَّ قالَ: ”يا مَعْشَرَ الأنْصارِ إنَّ اللَّهَ أثْنى عَلَيْكم فَما الَّذِي تَصْنَعُونَ في الوُضُوءِ“ قالُوا: نُتْبِعُ الماءَ الحَجَرَ. فَقَرَأ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا»﴾ الآيَةَ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ الطَّهارَةُ بِالماءِ بَعْدَ الحَجَرِ. وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ مِن أهْلِ الأخْبارِ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى كِلا الأمْرَيْنِ، وفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّ لَفْظَ الطَّهارَةِ حَقِيقَةٌ في الطَّهارَةِ عَنِ النَّجاساتِ العَيْنِيَّةِ، ومَجازٌ في البَراءَةِ عَنِ المَعاصِي والذُّنُوبِ، واسْتِعْمالُ اللَّفْظِ الواحِدِ في الحَقِيقَةِ والمَجازِ مَعًا لا يَجُوزُ.

والجَوابُ: أنَّ لَفْظَ النَّجَسِ اسْمٌ لِلْمُسْتَقْذَرِ، وهو القَدْرُ مَفْهُومٌ مُشْتَرَكٌ فِيهِ بَيْنَ القِسْمَيْنِ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ، فَإنَّهُ يَزُولُ السُّؤالُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أعادَ السَّبَبَ الأوَّلَ، وهو كَوْنُ المَسْجِدِ مَبْنِيًّا عَلى التَّقْوى، فَقالَ: ﴿أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٍ خَيْرٌ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ.

البَحْثُ الأوَّلُ: البُنْيانُ مَصْدَرٌ كالغُفْرانِ، والمُرادُ هَهُنا المَبْنِيُّ، وإطْلاقُ لِفَظِ المَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ مَجازٌ مَشْهُورٌ، يُقالُ هَذا ضَرْبُ الأمِيرِ ونَسْجُ زَيْدٍ، والمُرادُ مَضْرُوبُهُ ومَنسُوجُهُ، وقالَ الواحِدِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بُنْيانٌ جَمْعَ بُنْيانَةٍ إذا جَعَلْتَهُ اسْمًا، لِأنَّهم قالُوا: بُنْيانَةٌ في الواحِدِ.

البَحْثُ الثّانِي: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ (أفَمَن أُسِّسَ بُنْيانُهُ) عَلى فِعْلِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وذَلِكَ الفاعِلُ هو البانِي والمُؤَسِّسُ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٍ﴾ أيْ: لِلْخَوْفِ مِن عِقابِ اللَّهِ والرَّغْبَةِ في ثَوابِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الطّاعَةَ لا تَكُونُ طاعَةً إلّا عِنْدَ هَذِهِ الرَّهْبَةِ والرَّغْبَةِ، وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ البانِيَ لَمّا بَنى ذَلِكَ البِناءَ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى ولِلرَّهْبَةِ مِن عِقابِهِ، والرَّغْبَةِ في ثَوابِهِ، كانَ ذَلِكَ البِناءُ أفْضَلَ وأكْمَلَ مِنَ البِناءِ الَّذِي بَناهُ البانِي لِداعِيَةِ الكُفْرِ بِاللَّهِ والإضْرارِ بِعِبادِ اللَّهِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿أمْ مَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ﴾ فَفِيهِ مَباحِثُ:

البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (جُرْفٍ ) ساكِنَةَ الرّاءِ والباقُونَ بِضَمِّ الرّاءِ وهُما لُغَتانِ، جُرُفٌ وجُرْفٌ كَشُغُلٍ وشُغْلٍ وعُنُقٍ وعُنْقٍ.

البَحْثُ الثّانِي: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الشَّفا الشَّفِيرُ، وشَفا الشَّيْءِ حَرْفُهُ، ومِنهُ يُقالُ: أشَفى عَلى كَذا إذا دَنا مِنهُ، والجُرُفُ: هو ما إذا سالَ السَّيْلُ وانْحَرَفَ الوادِي ويَبْقى عَلى طَرَفِ السَّيْلِ طِينٌ واهٍ مُشْرِفٌ عَلى السُّقُوطِ ساعَةً فَساعَةً. فَذَلِكَ الشَّيْءُ هو الجُرُفُ، وقَوْلُهُ: ﴿هارٍ﴾ قالَ اللَّيْثُ: الهَوْرُ مَصْدَرُ هارَ الجُرُفُ يَهُورُ، إذا انْصَدَعَ مِن خَلْفِهِ، وهو ثابِتٌ بَعْدُ في مَكانِهِ، وهو جُرُفٌ هارٌ هائِرٌ، فَإذا سَقَطَ فَقَدِ انْهارَ وتَهَوَّرَ.

إذا عَرَفْتَ هَذِهِ الألْفاظَ فَنَقُولُ: المَعْنى أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَ دِينِهِ عَلى قاعِدَةٍ قَوِيَّةٍ مُحْكَمَةٍ وهي الحَقُّ الَّذِي هو تَقْوى اللَّهِ ورِضْوانُهُ خَيْرٌ، أمَّنْ أسَّسَ عَلى قاعِدَةٍ هي أضْعَفُ القَواعِدِ وأقَلُّها بَقاءً، وهو الباطِلُ ؟ والنِّفاقُ

صفحة ١٥٧

الَّذِي مِثْلُهُ مِثْلُ شَفا جُرُفٍ هارٍ مِن أوْدِيَةِ جَهَنَّمَ فَلِكَوْنِهِ﴿شَفا جُرُفٍ هارٍ﴾ كانَ مُشْرِفًا عَلى السُّقُوطِ، ولِكَوْنِهِ عَلى طَرَفِ جَهَنَّمَ، كانَ إذا انْهارَ فَإنَّما يَنْهارُ في قَعْرِ جَهَنَّمَ، ولا نَرى في العالَمِ مِثالا أكْثَرَ مُطابَقَةً لِأمْرِ المُنافِقِينَ مِن هَذا المِثالِ، وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ أحَدَ البِناءَيْنِ قَصَدَ بانِيهِ بِبِنائِهِ تَقْوى اللَّهِ ورِضْوانَهُ، والبِناءَ الثّانِيَ قَصَدَ بانِيهِ بِبِنائِهِ المَعْصِيَةَ والكُفْرَ، فَكانَ البِناءُ الأوَّلُ شَرِيفًا واجِبَ الإبْقاءِ، وكانَ الثّانِي خَسِيسًا واجِبَ الهَدْمِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ﴾ والمَعْنى: أنَّ بِناءَ ذَلِكَ البُنْيانِ صارَ سَبَبًا لِحُصُولِ الرِّيبَةِ في قُلُوبِهِمْ، فَجَعَلَ نَفْسَ ذَلِكَ البُنْيانِ رِيبَةً لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِلرِّيبَةِ. وفي كَوْنِهِ سَبَبًا لِلرِّيبَةِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ المُنافِقِينَ عَظُمَ فَرَحُهم بِبِناءِ مَسْجِدِ الضِّرارِ، فَلَمّا أمَرَ الرَّسُولُ ﷺ بِتَخْرِيبِهِ ثَقُلَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وازْدادَ بُغْضُهم لَهُ وازْدادَ ارْتِيابُهم في نُبُوَّتِهِ.

الثّانِي: أنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمّا أمَرَ بِتَخْرِيبِ ذَلِكَ المَسْجِدِ ظَنُّوا أنَّهُ إنَّما أمَرَ بِتَخْرِيبِهِ لِأجْلِ الحَسَدِ، فارْتَفَعَ أمانُهم عَنْهُ وعَظُمَ خَوْفُهم مِنهُ في كُلِّ الأوْقاتِ، وصارُوا مُرْتابِينَ في أنَّهُ هَلْ يَتْرُكُهم عَلى ما هم فِيهِ أوْ يَأْمُرُ بِقَتْلِهِمْ ونَهْبِ أمْوالِهِمْ ؟ .

الثّالِثُ: أنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّهم كانُوا مُحْسِنِينَ في بِناءِ ذَلِكَ المَسْجِدِ، فَلَمّا أمَرَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِتَخْرِيبِهِ بَقُوا شاكِّينَ مُرْتابِينَ في أنَّهُ لِأيِّ سَبَبٍ أمَرَ بِتَخْرِيبِهِ ؟ .

الرّابِعُ: بَقُوا شاكِّينَ مُرْتابِينَ في أنَّ اللَّهَ تَعالى هَلْ يَغْفِرُ تِلْكَ المَعْصِيَةَ ؟ أعْنِي سَعْيَهم في بِناءِ ذَلِكَ المَسْجِدِ، والصَّحِيحُ هو الوَجْهُ الأوَّلُ.

ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:

البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وحَمْزَةُ (أنْ تَقَطَّعَ) بِفَتْحِ التّاءِ والطّاءِ مُشَدَّدَةً بِمَعْنى تَتَقَطَّعُ، فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ، والباقُونَ بِضَمِّ التّاءِ وتَشْدِيدِ الطّاءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ (تَقْطَعُ) بِفَتْحِ الطّاءِ وتَسْكِينِ القافِ (قُلُوبَهم) بِالنَّصْبِ أيْ تَفْعَلُ أنْتَ بِقُلُوبِهِمْ هَذا القَطْعَ، وقَوْلُهُ: ﴿تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ: تُجْعَلُ قُلُوبُهم قِطَعًا، وتُفَرَّقُ أجْزاءً إمّا بِالسَّيْفِ وإمّا بِالحُزْنِ والبُكاءِ، فَحِينَئِذٍ تَزُولُ تِلْكَ الرِّيبَةُ، والمَقْصُودُ أنَّ هَذِهِ الرِّيبَةَ باقِيَةٌ في قُلُوبِهِمْ أبَدًا ويَمُوتُونَ عَلى هَذا النِّفاقِ. وقِيلَ: مَعْناهُ إلّا أنْ يَتُوبُوا تَوْبَةً تَنْقَطِعُ بِها قُلُوبُهم نَدَمًا وأسَفًا عَلى تَفْرِيطِهِمْ. وقِيلَ حَتّى تَنْشَقَّ قُلُوبُهم غَمًّا وحَسْرَةً، وقَرَأ الحَسَنُ (إلى أنْ) وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ (ولَوْ قُطِّعَتْ قُلُوبُهم) وعَنْ طَلْحَةَ (ولَوْ قَطَّعْتَ قُلُوبَهم) عَلى خِطابِ الرَّسُولِ ﷺ أوْ كُلِّ مُخاطِبٍ.

ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ والمَعْنى: عَلِيمٌ بِأحْوالِهِمْ، حَكِيمٌ في الأحْكامِ الَّتِي يَحْكُمُ بِها عَلَيْهِمْ.

9:111Page 204

۞ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقۡتُلُونَ وَيُقۡتَلُونَۖ وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ وَٱلۡقُرۡءَانِۚ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِۚ فَٱسۡتَبۡشِرُواْ بِبَيۡعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعۡتُم بِهِۦۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١١١

Indeed, Allāh has purchased from the believers their lives and their properties [in exchange] for that they will have Paradise. They fight in the cause of Allāh, so they kill and are killed. [It is] a true promise [binding] upon Him in the Torah and the Gospel and the Qur’ān. And who is truer to his covenant than Allāh? So rejoice in your transaction which you have contracted. And it is that which is the great attainment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ ومَن أوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾

صفحة ١٥٨

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَعَ في شَرْحِ فَضائِحِ المُنافِقِينَ وقَبائِحِهِمْ لِسَبَبِ تَخَلُّفِهِمْ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَلَمّا تَمَّمَ ذَلِكَ الشَّرْحَ والبَيانَ وذَكَرَ أقْسامَهم، وفَرَّعَ عَلى كُلِّ قِسْمٍ ما كانَ لائِقًا بِهِ، عادَ إلى بَيانِ فَضِيلَةِ الجِهادِ وحَقِيقَتِهِ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهُمْ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ القُرْطُبِيُّ: «لَمّا بايَعَتِ الأنْصارُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ العَقَبَةِ بِمَكَّةَ وهم سَبْعُونَ نَفْسًا، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ: اِشْتَرِطْ لِرَبِّكَ ولِنَفْسِكَ ما شِئْتَ. فَقالَ: ”أشْتَرِطُ لِرَبِّي أنْ تَعْبُدُوهُ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، ولِنَفْسِي أنْ تَمْنَعُونِي ما تَمْنَعُونَ مِنهُ أنْفُسَكم وأمْوالَكُمْ“ قالُوا: فَإذا فَعَلْنا ذَلِكَ فَماذا لَنا ؟ قالَ: ”الجَنَّةُ“ قالُوا: رَبِحَ البَيْعُ لا نَقِيلُ ولا نَسْتَقِيلُ» . فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنٌ ومُقاتِلٌ: ثامَنَهم فَأغْلى ثَمَنَهم.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أهْلُ المَعانِي: لا يَجُوزُ أنْ يَشْتَرِيَ اللَّهُ شَيْئًا في الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ المُشْتَرِيَ إنَّما يَشْتَرِي ما لا يَمْلِكُ، ولِهَذا قالَ الحَسَنُ: اشْتَرى أنْفُسًا هو خَلَقَها، وأمْوالًا هو رَزَقَها، لَكِنْ هَذا ذَكَرَهُ تَعالى لِحُسْنِ التَّلَطُّفِ في الدُّعاءِ إلى الطّاعَةِ، وحَقِيقَةُ هَذا، أنَّ المُؤْمِنَ مَتى قاتَلَ في سَبِيلِ اللَّهِ حَتّى يُقْتَلَ، فَتَذْهَبَ رُوحُهُ، ويُنْفَقَ مالُهُ في سَبِيلِ اللَّهِ، أخَذَ مِنَ اللَّهِ في الآخِرَةِ الجَنَّةَ جَزاءً لِما فَعَلَ. فَجَعَلَ هَذا اسْتِبْدالًا وشِراءً. هَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ أيْ بِالجَنَّةِ، وكَذا قِراءَةُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ والأعْمَشِ. قالَ الحَسَنُ: اسْمَعُوا واللَّهِ بَيْعَةٌ رابِحَةٌ وكَفَّةٌ راجِحَةٌ، بايَعَ اللَّهُ بِها كُلَّ مُؤْمِنٍ، واللَّهِ ما عَلى الأرْضِ مُؤْمِنٌ إلّا وقَدْ دَخَلَ في هَذِهِ البَيْعَةِ. وقالَ الصّادِقُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«لَيْسَ لِأبْدانِكم ثَمَنٌ إلّا الجَنَّةُ فَلا تَبِيعُوها إلّا بِها» “ وقَوْلُهُ:(وأمْوالَهم) يُرِيدُ الَّتِي يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ وعَلى أنْفُسِهِمْ وأهْلِيهِمْ وعِيالِهِمْ، وفي الآيَةِ لَطائِفُ:

اللَّطِيفَةُ الأُولى: المُشْتَرِي لا بُدَّ لَهُ مِن بائِعٍ، وهَهُنا البائِعُ هو اللَّهُ والمُشْتَرِي هو اللَّهُ، وهَذا إنَّما يَصِحُّ في حَقِّ القَيِّمِ بِأمْرِ الطِّفْلِ الَّذِي لا يُمْكِنُهُ رِعايَةُ المَصالِحِ في البَيْعِ والشِّراءِ، وصِحَّةُ هَذا البَيْعِ مَشْرُوطَةٌ بِرِعايَةِ الغِبْطَةِ العَظِيمَةِ، فَهَذا المَثَلُ جارٍ مَجْرى التَّنْبِيهِ عَلى كَوْنِ العَبْدِ شَبِيهًا بِالطِّفْلِ الَّذِي لا يَهْتَدِي إلى رِعايَةِ مَصالِحِ نَفْسِهِ، وأنَّهُ تَعالى هو المُراعِي لِمَصالِحِهِ بِشَرْطِ الغِبْطَةِ التّامَّةِ، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى السُّهُولَةِ والمُسامَحَةِ، والعَفْوِ عَنِ الذُّنُوبِ، والإيصالِ إلى دَرَجاتِ الخَيْراتِ ومَراتِبِ السَّعاداتِ.

واللَّطِيفَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى أضافَ الأنْفُسَ والأمْوالَ إلَيْهِمْ، فَوَجَبَ أنَّ كَوْنَ الأنْفُسِ والأمْوالِ مُضافَةً إلَيْهِمْ يُوجِبُ أمْرَيْنِ مُغايِرَيْنِ لَهم، والأمْرُ في نَفْسِهِ كَذَلِكَ، لِأنَّ الإنْسانَ عِبارَةٌ عَنِ الجَوْهَرِ الأصْلِيِّ الباقِي، وهَذا البَدَنُ يَجْرِي مَجْرى الآلَةِ والأدَواتِ والمُرَكَّبِ، وكَذَلِكَ المالُ خُلِقَ وسِيلَةً إلى رِعايَةِ مَصالِحِ هَذا المُرَكَّبِ، فالحَقُّ سُبْحانَهُ اشْتَرى مِنَ الإنْسانِ هَذا المُرَكَّبَ وهَذا المالَ بِالجَنَّةِ، وهو التَّحْقِيقُ. لِأنَّ الإنْسانَ ما دامَ يَبْقى مُتَعَلِّقَ القَلْبِ بِمَصالِحِ عالَمِ الجِسْمِ المُتَغَيِّرِ المُتَبَدِّلِ، وهو البَدَنُ والمالُ، امْتَنَعَ وُصُولُهُ إلى السَّعاداتِ العالِيَةِ والدَّرَجاتِ الشَّرِيفَةِ، فَإذا انْقَطَعَ التِفاتُهُ إلَيْها وبَلَغَ ذَلِكَ الِانْقِطاعُ إلى أنْ عَرَّضَ البَدَنَ لِلْقَتْلِ، والمالَ لِلْإنْفاقِ في طَلَبِ رِضْوانِ اللَّهِ، فَقَدْ بَلَغَ إلى حَيْثُ رَجَّحَ الهُدى عَلى الهَوى، والمَوْلى عَلى الدُّنْيا، والآخِرَةَ عَلى الأُولى، فَعِنْدَ هَذا يَكُونُ مِنَ السُّعَداءِ الأبْرارِ والأفاضِلِ الأخْيارِ، فالبائِعُ هو جَوْهَرُ الرُّوحِ القُدْسِيَّةِ والمُشْتَرِي هو اللَّهُ، وأحَدُ العِوَضَيْنِ الجَسَدُ البالِي والمالُ الفانِي، والعِوَضُ الثّانِي الجَنَّةُ الباقِيَةُ والسَّعاداتُ الدّائِمَةُ، فالرِّبْحُ حاصِلٌ والهَمُّ والغَمُّ زائِلٌ، ولِهَذا قالَ: ﴿فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ﴾ .

صفحة ١٥٩

ثُمَّ قالَ: ﴿يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَوْلُهُ:(يُقاتِلُونَ) فِيهِ مَعْنى الأمْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ [الصف: ١١] وقِيلَ جَعَلَ(يُقاتِلُونَ) كالتَّفْسِيرِ لِتِلْكَ المُبايَعَةِ، وكالأمْرِ اللّازِمِ لَها. قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِتَقْدِيمِ المَفْعُولِ عَلى الفاعِلِ وهو كَوْنُهم مَقْتُولِينَ عَلى كَوْنِهِمْ قاتِلِينَ، والباقُونَ بِتَقْدِيمِ الفاعِلِ عَلى المَفْعُولِ. أمّا تَقْدِيمُ الفاعِلِ عَلى المَفْعُولِ فَظاهِرٌ؛ لِأنَّ المَعْنى أنَّهم يَقْتُلُونَ الكُفّارَ ولا يَرْجِعُونَ عَنْهم إلى أنْ يَصِيرُوا مَقْتُولِينَ. وأمّا تَقْدِيمُ المَفْعُولِ عَلى الفاعِلِ، فالمَعْنى: أنَّ طائِفَةً كَبِيرَةً مِنَ المُسْلِمِينَ، وإنْ صارُوا مَقْتُولِينَ لَمْ يَصِرْ ذَلِكَ رادِعًا لِلْباقِينَ عَنِ المُقاتَلَةِ، بَلْ يَبْقُونَ بَعْدَ ذَلِكَ مُقاتِلِينَ مَعَ الأعْداءِ. قاتِلِينَ لَهم بِقَدْرِ الإمْكانِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَما وهَنُوا لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ١٤٦) أيْ ما وهَنَ مَن بَقِيَ مِنهم. واخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ دَخَلَ تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ مُجاهَدَةُ الأعْداءِ بِالحُجَّةِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ أمْ لا ؟ فَمِنهم مَن قالَ: هو مُخْتَصٌّ بِالجِهادِ بِالمُقاتَلَةِ، لِأنَّهُ تَعالى فَسَرَّ تِلْكَ المُبايَعَةَ بِالمُقاتَلَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ﴾ ومِنهم مَن قالَ: كُلُّ أنْواعِ الجِهادِ داخِلٌ فِيهِ، بِدَلِيلِ الخَبَرِ الَّذِي رَوَيْناهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ. وأيْضًا فالجِهادُ بِالحُجَّةِ والدَّعْوَةِ إلى دَلائِلِ التَّوْحِيدِ أكْمَلُ آثارًا مِنَ القِتالِ، ولِذَلِكَ «قالَ ﷺ لَعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ”لَأنْ يَهْدِيَ اللَّهُ عَلى يَدِكَ رَجُلًا خَيْرٌ لَكَ مِمّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ» “ ولِأنَّ الجِهادَ بِالمُقاتَلَةِ لا يَحْسُنُ أثَرُها إلّا بَعْدَ تَقْدِيمِ الجِهادِ بِالحُجَّةِ. وأمّا الجِهادُ بِالحُجَّةِ فَإنَّهُ غَنِيٌّ عَنِ الجِهادِ بِالمُقاتَلَةِ. والأنْفُسُ جَوْهَرُها جَوْهَرٌ شَرِيفٌ خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِمَزِيدِ الإكْرامِ في هَذا العالَمِ، ولا فَسادَ في ذاتِهِ، إنَّما الفَسادُ في الصِّفَةِ القائِمَةِ بِهِ، وهي الكُفْرُ والجَهْلُ. ومَتى أمْكَنَ إزالَةُ الصِّفَةِ الفاسِدَةِ، مَعَ إبْقاءِ الذّاتِ والجَوْهَرِ كانَ أوْلى. ألا تَرى أنَّ جِلْدَ المَيْتَةِ لَمّا كانَ مُنْتَفَعًا بِهِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، لا جَرَمَ حَثَّ الشَّرْعِ عَلى إبْقائِهِ، فَقالَ: ”«هَلّا أخَذْتُمْ إهابَها فَدَبَغْتُمُوهُ فانْتَفَعْتُمْ بِهِ» “ فالجِهادُ بِالحُجَّةِ يَجْرِي مَجْرى الدِّباغَةِ، وهو إبْقاءُ الذّاتِ مَعَ إزالَةِ الصِّفَةِ الفاسِدَةِ، والجِهادُ بِالمُقاتَلَةِ يَجْرِي مَجْرى إفْناءِ الذّاتِ، فَكانَ المَقامُ الأوَّلُ أوْلى وأفْضَلَ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: نُصِبَ (وعْدًا) عَلى المَعْنى، لِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ أنَّهُ وعَدَهُمُ الجَنَّةَ، فَكانَ وعْدًا مَصْدَرًا مُؤَكِّدًا. واخْتَلَفُوا في أنَّ هَذا الَّذِي حَصَلَ في الكُتُبِ ما هو ؟

فالقَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ هَذا الوَعْدَ الَّذِي وعَدَهُ لِلْمُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ وعْدٌ ثابِتٌ، فَقَدْ أثْبَتَهُ اللَّهُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ كَما أثْبَتَهُ في القُرْآنِ.

والقَوْلُ الثّانِي: المُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ أنَّهُ اشْتَرى مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ، كَما بَيَّنَ في القُرْآنِ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ الأمْرَ بِالقِتالِ والجِهادِ هو مَوْجُودٌ في جَمِيعِ الشَّرائِعِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن أوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ والمَعْنى: أنَّ نَقْضَ العَهْدِ كَذِبٌ. وأيْضًا أنَّهُ مَكْرٌ وخَدِيعَةٌ، وكُلُّ ذَلِكَ مِنَ القَبائِحِ، وهي قَبِيحَةٌ مِنَ الإنْسانِ مَعَ احْتِياجِهِ إلَيْها، فالغَنِيُّ عَنْ كُلِّ الحاجاتِ أوْلى أنْ يَكُونَ مُنَزَّهًا عَنْها. وقَوْلُهُ: ﴿ومَن أوْفى بِعَهْدِهِ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ، أيْ لا أحَدَ أوْفى بِما وعَدَ مِنَ اللَّهِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى

صفحة ١٦٠

أنْواعٍ مِنَ التَّأْكِيداتِ:

فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهُمْ﴾ فَيَكُونُ المُشْتَرِي هو اللَّهُ المُقَدَّسُ عَنِ الكَذِبِ والخِيانَةِ، وذَلِكَ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى تَأْكِيدِ هَذا العَهْدِ.

والثّانِي: أنَّهُ عَبَّرَ عَنْ إيصالِ هَذا الثَّوابِ بِالبَيْعِ والشِّراءِ، وذَلِكَ حَقٌّ مُؤَكَّدٌ.

وثالِثُها: قَوْلُهُ:(وعْدًا) ووَعْدُ اللَّهِ حَقٌّ.

ورابِعُها: قَوْلُهُ:(عَلَيْهِ) وكَلِمَةُ ”عَلى“ لِلْوُجُوبِ.

وخامِسُها: قَوْلُهُ:(حَقًّا) وهو التَّأْكِيدُ لِلتَّحْقِيقِ.

وسادِسُها: قَوْلُهُ: ﴿فِي التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ﴾ وذَلِكَ يَجْرِي مَجْرى إشْهادِ جَمِيعِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ وجَمِيعِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ عَلى هَذِهِ المُبايَعَةِ.

وسابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿ومَن أوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ وهو غايَةٌ في التَّأْكِيدِ.

وثامِنُها: قَوْلُهُ: ﴿فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ﴾ وهو أيْضًا مُبالَغَةٌ في التَّأْكِيدِ.

وتاسِعُها: قَوْلُهُ: ﴿وذَلِكَ هو الفَوْزُ﴾ .

وعاشَرُها: قَوْلُهُ:(العَظِيمُ) فَثَبَتَ اشْتِمالُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ العَشْرَةِ في التَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ والتَّحْقِيقِ. ونَخْتِمُ الآيَةَ بِخاتِمَةٍ وهي أنَّ أبا القاسِمِ البَلْخِيَّ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن حُصُولِ الأعْواضِ عَنْ آلامِ الأطْفالِ والبَهائِمِ. قالَ لِأنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ إيصالُ ألَمِ القَتْلِ وأخْذِ الأمْوالِ إلى البالِغِينَ إلّا بِثَمَنٍ هو الجَنَّةُ، فَلا جَرَمَ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الحالُ كَذَلِكَ في الأطْفالِ والبَهائِمِ، ولَوْ جازَ عَلَيْهِمُ التَّمَنِّي لَتَمَنَّوْا أنَّ آلامَهم تَتَضاعَفُ حَتّى تَحْصُلَ لَهم تِلْكَ الأعْواضُ الرَّفِيعَةُ الشَّرِيفَةُ، ونَحْنُ نَقُولُ: لا نُنْكِرُ حُصُولَ الخَيْراتِ لِلْأطْفالِ والحَيَواناتِ في مُقابَلَةِ هَذِهِ الآلامِ، وإنَّما الخِلافُ وقَعَ في أنَّ ذَلِكَ العِوَضَ عِنْدَنا غَيْرُ واجِبٍ، وعِنْدَكم واجِبٌ، والآيَةُ ساكِتَةٌ عَنْ بَيانِ الوُجُوبِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском