Ar-RaziAt‑Tawbah · 9:12–15

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:12–15

9:12Page 188

وَإِن نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُم مِّنۢ بَعۡدِ عَهۡدِهِمۡ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمۡ فَقَٰتِلُوٓاْ أَئِمَّةَ ٱلۡكُفۡرِ إِنَّهُمۡ لَآ أَيۡمَٰنَ لَهُمۡ لَعَلَّهُمۡ يَنتَهُونَ ١٢

And if they break their oaths after their treaty and defame your religion, then combat the leaders of disbelief, for indeed, there are no oaths [sacred] to them; [fight them that] they might cease.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَإخْوانُكم في الدِّينِ ونُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ إنَّهم لا أيْمانَ لَهم لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ حالَ مَن لا يَرْقُبُ في اللَّهِ إلًّا ولا ذِمَّةً، ويَنْقُضُ العَهْدَ ويَنْطَوِي عَلى النِّفاقِ ويَتَعَدّى ما حُدَّ لَهُ بَيَّنَ مِن بَعْدُ أنَّهم إنْ أقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ كَيْفَ حُكْمُهم، فَجَمَعَ ذَلِكَ الشَّيْءَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإخْوانُكم في الدِّينِ﴾ وهو يُفِيدُ جُمْلَةَ أحْكامِ الإيمانِ، ولَوْ شُرِحَ لَطالَ.

فَإنْ قِيلَ: المُعَلَّقُ عَلى الشَّيْءِ بِكَلِمَةِ ”إنْ“ عَدَمٌ عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ مَتى لَمْ تُوجَدُ هَذِهِ الثَّلاثَةُ لا يَحْصُلُ الأُخُوَّةُ في الدِّينِ، وهو مُشْكِلٌ؛ لِأنَّهُ رُبَّما كانَ فَقِيرًا، أوْ إنْ كانَ غَنِيًّا، لَكِنْ قَبْلَ انْقِضاءِ الحَوْلِ لا تَلْزَمُهُ الزَّكاةُ.

قُلْنا: قَدْ بَيَّنّا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النِّساءِ: ٣١] أنَّ المُعَلَّقَ عَلى الشَّيْءِ بِكَلِمَةِ ”إنْ“ لا يَلْزَمُ مِن عَدَمِهِ عَدَمُ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَزالَ هَذا السُّؤالُ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: المُعَلَّقُ عَلى

صفحة ١٨٦

الشَّيْءِ بِكَلِمَةِ ”إنْ“ عَدَمٌ عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَهَهُنا قالَ: المُؤاخاةُ بِالإسْلامِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ مَوْقُوفَةٌ عَلى فِعْلِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ جَمِيعًا، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى شَرَطَها في إثْباتِ المُؤاخاةِ، ومَن لَمْ يَكُنْ أهْلًا لِوُجُوبِ الزَّكاةِ عَلَيْهِ وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يُقِرَّ بِحُكْمِها، فَإذا أقَرَّ بِهَذا الحُكْمِ دَخَلَ في الشَّرْطِ الَّذِي بِهِ تَجِبُ الأُخُوَّةُ، وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ: رَحِمَ اللَّهُ أبا بَكْرٍ ما أفْقَهَهُ في الدِّينِ، أرادَ بِهِ ما ذَكَرَهُ أبُو بَكْرٍ في حَقِّ مانِعِي الزَّكاةِ، وهو قَوْلُهُ: واللَّهِ لا أُفَرِّقُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُما، بَقِيَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإخْوانُكم في الدِّينِ﴾ بَحْثانِ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿فَإخْوانُكُمْ﴾ قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ فَهم إخْوانُكم بِإضْمارِ المُبْتَدَأِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم فَإخْوانُكُمْ﴾ [الأحْزابِ: ٥] أيْ فَهم إخْوانُكم.

الثّانِي: قالَ أبُو حاتِمٍ: قالَ أهْلُ البَصْرَةِ أجْمَعُونَ: الإخْوَةُ في النَّسَبِ والإخْوانُ في الصَّداقَةِ، وهَذا غَلَطٌ؛ يُقالُ لِلْأصْدِقاءِ وغَيْرِ الأصْدِقاءِ إخْوَةٌ وإخْوانٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحُجُراتِ: ١٠] ولَمْ يَعْنِ النَّسَبَ، وقالَ تَعالى: ﴿أوْ بُيُوتِ إخْوانِكُمْ﴾ [النُّورِ: ٦١] وهَذا في النَّسَبِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حَرَّمَتْ هَذِهِ الآيَةُ دِماءَ أهْلِ القِبْلَةِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ونُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وهَذا اعْتِراضٌ وقَعَ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، والمَقْصُودُ الحَثُّ والتَّحْرِيضُ عَلى تَأمُّلِ ما فُصِّلَ مِن أحْكامِ المُشْرِكِينَ المُعاهِدِينَ، وعَلى المُحافَظَةِ عَلَيْها.

ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكُمْ﴾ يُقالُ: نَكَثَ فُلانٌ عَهْدَهُ إذا نَقَضَهُ بَعْدَ إحْكامِهِ كَما يُنْكَثُ خَيْطُ الصُّوفِ بَعْدَ إبْرامِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أنْكاثًا﴾ [النَّحْلِ: ٩٢] والأيْمانُ جَمْعُ يَمِينٍ بِمَعْنى الحَلِفِ والقَسَمِ، وقِيلَ لِلْحَلِفِ يَمِينٌ، وهو اسْمُ اليَدِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَبْسُطُونَ أيْمانَهم إذا حَلَفُوا أوْ تَحالَفُوا، وقِيلَ: سُمِّيَ القَسَمُ يَمِينًا لِيَمِينِ البِرِّ فِيهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وإنْ نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ أيْ نَقَضُوا عُهُودَهم، وفِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ: إنَّ المُرادَ نَكْثُهم لِعَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

والثّانِي: أنَّ المُرادَ حَمْلُ العَهْدِ عَلى الإسْلامِ بَعْدَ الإيمانِ، فَيَكُونُ المُرادُ رِدَّتَهم بَعْدَ الإيمانِ، ولِذَلِكَ قَرَأ بَعْضُهم: ”وإنْ نَكَثُوا إيمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ“ والأوَّلُ أوْلى لِلْقِراءَةِ المَشْهُورَةِ؛ ولِأنَّ الآيَةَ ورَدَتْ في ناقِضِي العَهْدِ لِأنَّهُ تَعالى صَنَّفَهم صِنْفَيْنِ، فَإذا مَيَّزَ مِنهم مَن تابَ لَمْ يَبْقَ إلّا مَن أقامَ عَلى نَقْضِ العَهْدِ.

وقَوْلُهُ: ﴿وطَعَنُوا في دِينِكُمْ﴾ يُقالُ: طَعَنَهُ بِالرُّمْحِ يَطْعُنُهُ، وطَعَنَ بِالقَوْلِ السَّيِّئِ يَطْعُنُ، قالَ اللَّيْثُ: وبَعْضُهم يَقُولُ: يَطْعُنُ بِالرُّمْحِ، ويَطْعَنُ بِالقَوْلِ فَيُفَرِّقُ بَيْنَهُما، والمَعْنى أنَّهم عابُوا دِينَكم، وقَدَحُوا فِيهِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ أيْ مَتى فَعَلُوا ذَلِكَ فافْعَلُوا هَذا، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ”أيِمَّةَ الكُفْرِ“ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ غَيْرِ مَمْدُودَةٍ وتَلْيِينِ الثّانِيَةِ، والباقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ عَلى التَّحْقِيقِ، قالَ الزَّجّاجُ: الأصْلُ في الأئِمَّةِ أأْمِمَةٌ؛ لِأنَّها جَمْعُ إمامٍ، مِثْلَ: مِثالٍ وأمْثِلَةٍ، لَكِنَّ المِيمَيْنِ إذا اجْتَمَعَتا أُدْغِمَتِ الأُولى في الثّانِيَةِ، وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى الهَمْزَةِ، فَصارَتْ أئِمَّةً، فَأُبْدِلَتْ مِنَ المَكْسُورَةِ الياءُ لِكَراهَةِ اجْتِماعِ الهَمْزَتَيْنِ في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ، هَذا هو الِاخْتِيارُ عِنْدَ جَمِيعِ النَّحْوِيِّينَ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: لَفْظَةُ ”أئِمَّةٍ“ هَمْزَةٌ بَعْدَها هَمْزَةٌ بَيْنَ بَيْنَ، والمُرادُ بَيْنَ مَخْرَجِ الهَمْزَةِ والياءِ. أمّا بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ فَقِراءَةٌ مَشْهُورَةٌ، وإنْ لَمْ تَكُنْ مَقْبُولَةً عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وأمّا التَّصْرِيحُ بِالياءِ فَلَيْسَ بِقِراءَةٍ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قِراءَةً، ومَن صَرَّحَ بِها فَهو لاحِنٌ مُحَرِّفٌ.

صفحة ١٨٧

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ مَعْناهُ قاتِلُوا الكُفّارَ بِأسْرِهِمْ، إلّا أنَّهُ تَعالى خَصَّ الأئِمَّةَ والسّادَةَ مِنهم بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يُحَرِّضُونَ الأتْباعَ عَلى هَذِهِ الأعْمالِ الباطِلَةِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ الآيَةُ تُوجِبُ قَتْلَ الذِّمِّيِّ إذا أظْهَرَ الطَّعْنَ في الإسْلامِ؛ لِأنَّ عَهْدَهُ مَشْرُوطٌ بِأنْ لا يَطْعَنُ فَإنْ طَعَنَ فَقَدْ نَكَثَ ونَقَضَ عَهْدَهم.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهم لا أيْمانَ لَهُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”لا إيمانَ لَهم“ بِكَسْرِ الألِفِ ولَها وجْهانِ:

أحَدُهُما: لا أمانَ لَهم، أيْ لا تُؤَمِّنُوهم، فَيَكُونُ مَصْدَرًا مِنَ الإيمانِ الَّذِي هو ضِدُّ الإخافَةِ.

والثّانِي: أنَّهم كَفَرَةٌ لا إيمانَ لَهم، أيْ لا تَصْدِيقَ ولا دِينَ لَهم، والباقُونَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وهو جَمْعُ يَمِينٍ، ومَعْناهُ لا أيْمانَ لَهم عَلى الحَقِيقَةِ، وأيْمانُهم لَيْسَتْ بِأيْمانٍ، وبِهِ تَمَسَّكَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ في أنَّ يَمِينَ الكافِرِ لا يَكُونُ يَمِينًا، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَمِينُهم يَمِينٌ، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ عِنْدَهُ: أنَّهم لَمّا لَمْ يَفُوا بِها صارَتْ أيْمانُهم كَأنَّها لَيْسَتْ بِأيْمانٍ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ أيْمانَهم لَيْسَتْ بِأيْمانٍ أنَّهُ تَعالى وصَفَها بِالنَّكْثِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ ولَوْ لَمْ يَكُنْ مُنْعَقِدًا لَما صَحَّ وصْفُها بِالنَّكْثِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ وهو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ أيْ لِيَكُنْ غَرَضُكم في مُقاتَلَتِهِمْ بَعْدَما وُجِدَ مِنَ العَظائِمِ أنْ تَكُونَ المُقاتَلَةُ سَبَبًا في انْتِهائِهِمْ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، وهَذا مِن غايَةِ كَرَمِ اللَّهِ وفَضْلِهِ عَلى الإحْسانِ.

9:13Page 188

أَلَا تُقَٰتِلُونَ قَوۡمٗا نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ وَهَمُّواْ بِإِخۡرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٍۚ أَتَخۡشَوۡنَهُمۡۚ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَوۡهُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٣

Would you not fight against a people who broke their oaths and determined to expel the Messenger, and they had begun [the attack upon] you the first time? Do you fear them? But Allāh has more right that you should fear Him, if you are [truly] believers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهم وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ وهم بَدَءُوكم أوَّلَ مَرَّةٍ أتَخْشَوْنَهم فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ السَّبَبِ الَّذِي يَبْعَثُهم عَلى مُقاتَلَتِهِمْ فَقالَ: ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ثَلاثَةَ أسْبابٍ كُلُّ واحِدٍ مِنها يُوجِبُ مُقاتَلَتَهم لَوِ انْفَرَدَ، فَكَيْفَ بِها حالَ الِاجْتِماعِ:

أحَدُها: نَكْثُهُمُ العَهْدَ، وكُلُّ المُفَسِّرِينَ حَمَلَهُ عَلى نَقْضِ العَهْدِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ والكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في كُفّارِ مَكَّةَ نَكَثُوا أيْمانَهم بَعْدَ عَهْدِ الحُدَيْبِيَةِ، وأعانُوا بَنِي بَكْرٍ عَلى خُزاعَةَ وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ قِتالَ النّاكِثِينَ أوْلى مِن قِتالِ غَيْرِهِمْ مِنَ الكُفّارِ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ زَجْرًا لِغَيْرِهِمْ.

وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ﴾ فَإنَّ هَذا مِن أوْكَدِ ما يَجِبُ القِتالُ لِأجْلِهِ، واخْتَلَفُوا فِيهِ فَقالَ بَعْضُهم: المُرادُ إخْراجُهُ مِن مَكَّةَ حِينَ هاجَرَ، وقالَ بَعْضُهم: بَلِ المُرادُ مِنَ المَدِينَةِ لِما أقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنَ المَشُورَةِ والِاجْتِماعِ عَلى قَصْدِهِ بِالقَتْلِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ هَمُّوا بِإخْراجِهِ مِن حَيْثُ أقْدَمُوا عَلى ما يَدْعُوهُ إلى الخُرُوجِ وهو نَقْضُ العَهْدِ، وإعانَةُ أعْدائِهِ، فَأُضِيفَ الإخْراجُ إلَيْهِمْ تَوَسُّعًا لِما وقَعَ مِنهم مِنَ الأُمُورِ الدّاعِيَةِ إلَيْهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ﴾ إمّا

صفحة ١٨٨

بِالفِعْلِ وإمّا بِالعَزْمِ عَلَيْهِ، وإنْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ الفِعْلُ بِتَمامِهِ.

وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وهم بَدَءُوكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يَعْنِي بِالقِتالِ يَوْمَ بَدْرٍ؛ لِأنَّهم حِينَ سَلِمَ العِيرُ قالُوا: لا نَنْصَرِفُ حَتّى نَسْتَأْصِلَ مُحَمَّدًا ومَن مَعَهُ.

والقَوْلُ الثّانِي: أرادَ أنَّهم قاتَلُوا حُلَفاءَ خُزاعَةَ فَبَدَءُوا بِنَقْضِ العَهْدِ، وهَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ، وإنَّما قالَ: ﴿بَدَءُوكُمْ﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ البادِئَ أظْلَمُ، ولَمّا شَرَحَ تَعالى هَذِهِ المُوجِباتِ الثَّلاثَةَ زادَ فِيها، فَقالَ: ﴿أتَخْشَوْنَهم فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وهَذا الكَلامُ يُقَوِّي داعِيَةَ القِتالِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ تَعْدِيدَ المُوجِباتِ القَوِيَّةِ وتَفْصِيلَها مِمّا يُقَوِّي هَذِهِ الدّاعِيَةَ.

والثّانِي: أنَّكَ إذا قُلْتَ لِلرَّجُلِ: أتَخْشى خَصْمَكَ ؟ كانَ ذَلِكَ تَحْرِيكًا مِنهُ لِأنْ يَسْتَنْكِفَ أنْ يُنْسَبَ إلى كَوْنِهِ خائِفًا مِن خَصْمِهِ.

والثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ﴾ يُفِيدُ ذَلِكَ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كُنْتَ تَخْشى أحَدًا فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ لِكَوْنِهِ في غايَةِ القُدْرَةِ والكِبْرِياءِ والجَلالَةِ، والضَّرَرُ المُتَوَقَّعُ مِنهم غايَتُهُ القَتْلُ، أمّا المُتَوَقَّعُ مِنَ اللَّهِ فالعِقابُ الشَّدِيدُ في القِيامَةِ، والذَّمُّ اللّازِمُ في الدُّنْيا.

والرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ مَعْناهُ: أنَّكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِالأيْمانِ وجَبَ عَلَيْكم أنْ تُقْدِمُوا عَلى هَذِهِ المُقاتَلَةِ، ومَعْناهُ أنَّكم إنْ لَمْ تُقْدِمُوا عَلَيْها وجَبَ أنْ لا تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ فَثَبَتَ أنَّ هَذا كَلامٌ مُشْتَمِلٌ عَلى سَبْعَةِ أنْواعٍ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تَحْمِلُهم عَلى مُقاتَلَةِ أُولَئِكَ الكُفّارِ النّاقِضِينَ لِلْعَهْدِ.

بَقِيَ في الآيَةِ أبْحاثٌ:

البَحْثُ الأوَّلُ: حَكى الواحِدِيُّ عَنْ أهْلِ المَعانِي أنَّهم قالُوا: إذا قُلْتَ: لا تَفْعَلْ كَذا، فَإنَّما يُسْتَعْمَلُ ذَلِكَ في فِعْلٍ مُقَدَّرٍ وُجُودُهُ، وإذا قُلْتَ: ألَسْتَ تَفْعَلُ، فَإنَّما تَقُولُ ذَلِكَ في فِعْلٍ تَحَقَّقَ وُجُودُهُ، والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ لا يُنْفى بِها المُسْتَقْبَلُ، فَإذا دَخَلَتْ عَلَيْها الألِفُ صارَ تَحْضِيضًا عَلى فِعْلِ ما يُسْتَقْبَلُ، ولَيْسَ إنَّما تُسْتَعْمَلُ لِنَفْيِ الحالِ. فَإذا دَخَلَتْ عَلَيْها الألِفُ صارَ لِتَحْقِيقِ الحالِ.

البَحْثُ الثّانِي: نُقِلَ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا﴾ تَرْغِيبٌ في فَتْحِ مَكَّةَ وقَوْلُهُ: ﴿قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ أيْ عَهْدَهم، يَعْنِي قُرَيْشًا حِينَ أعانُوا بَنِي الدِّيلِ بْنِ بَكْرٍ عَلى خُزاعَةَ خُلَفاءِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَأمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يَسِيرَ إلَيْهِمْ فَيَنْصُرَ خُزاعَةَ، فَفَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ، وأمَرَ النّاسَ أنْ يَتَجَهَّزُوا إلى مَكَّةَ، وأبُو سُفْيانَ عِنْدَ هِرَقْلَ بِالرُّومِ، فَرَجَعَ وقَدِمَ المَدِينَةَ ودَخَلَ عَلى فاطِمَةَ بِنْتِ الرَّسُولِ ﷺ يَسْتَجِيرُ بِها فَأبَتْ، وقالَ ذَلِكَ لِابْنَيْها الحَسَنِ والحُسَيْنِ فَأبَيا، فَخاطَبَ أبا بَكْرٍ فَأبى، ثُمَّ خاطَبَ عُمَرَ فَتَشَدَّدَ، ثُمَّ خاطَبَ عَلِيًّا فَلَمْ يُجِبْهُ، فاسْتَجارَ بِالعَبّاسِ وكانَ مُصافِيًا لَهُ فَأجارَهُ، وأجارَهُ الرَّسُولُ لِإجارَتِهِ وخَلّى سَبِيلَهُ. فَقالَ العَبّاسُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أبا سُفْيانَ فِيهِ أُبَّهَةٌ فاجْعَلْ لَهُ شَيْئًا ! فَقالَ: مَن دَخَلَ دارَ أبِي سُفْيانَ فَهو آمِنٌ، فَعادَ إلى مَكَّةَ ونادى مَن دَخَلَ دارِي فَهو آمِنٌ، فَقامُوا إلَيْهِ وضَرَبُوهُ ضَرْبًا شَدِيدًا وحَصَلَ الفَتْحُ عِنْدَ ذَلِكَ»، فَهَذا ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ الحَسَنُ: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ سُورَةَ بَراءَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ بِسَنَةٍ، وتَمْيِيزُ حَقِّ هَذا البابِ مِن باطِلِهِ لا يُعْرَفُ إلّا بِالأخْبارِ.

البَحْثُ الثّالِثُ: قالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهم كَرِهُوا هَذا القِتالَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١٦] فَآمَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الآياتِ.

قالَ القاضِي: إنَّهُ تَعالى قَدْ يَحُثُّ عَلى فِعْلِ الواجِبِ مَن لا يَكُونُ كارِهًا لَهُ ولا مُقَصِّرًا فِيهِ، فَإنْ أرادَ أنَّ مِثْلَ هَذا التَّحْرِيضِ عَلىَ الجِهادِ لا يَنْفَعُ إلّا

صفحة ١٨٩

وهُناكَ كُرْهٌ لِلْقِتالِ لَمْ يَصِحَّ أيْضًا؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَحُثَّ اللَّهُ تَعالى بِهَذا الجِنْسِ عَلى الجِهادِ لِكَيْ لا يَحْصُلَ الكُرْهُ الَّذِي لَوْلا هَذا التَّحْرِيضُ كانَ يَقَعُ.

البَحْثُ الرّابِعُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ يَنْبَغِي أنْ يَخْشى رَبَّهُ، وأنْ لا يَخْشى أحَدًا سِواهُ.

9:14–15Page 189

قَٰتِلُوهُمۡ يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ بِأَيۡدِيكُمۡ وَيُخۡزِهِمۡ وَيَنصُرۡكُمۡ عَلَيۡهِمۡ وَيَشۡفِ صُدُورَ قَوۡمٖ مُّؤۡمِنِينَ ١٤

Fight them; Allāh will punish them by your hands and will disgrace them and give you victory over them and satisfy the breasts [i.e., desires] of a believing people

وَيُذۡهِبۡ غَيۡظَ قُلُوبِهِمۡۗ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ١٥

And remove the fury in their [i.e., the believers'] hearts. And Allāh turns in forgiveness to whom He wills; and Allāh is Knowing and Wise.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا﴾ [التَّوْبَةِ: ١٣] ذَكَرَ عَقِيبَهُ سَبْعَةَ أشْياءَ كُلُّ واحِدٍ مِنها يُوجِبُ إقْدامَهم عَلى القِتالِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أعادَ الأمْرَ بِالقِتالِ، وذَكَرَ في ذَلِكَ القِتالِ خَمْسَةَ أنْواعٍ مِنَ الفَوائِدِ، كُلُّ واحِدٍ مِنها يَعْظُمُ مَوْقِعُهُ إذا انْفَرَدَ، فَكَيْفَ بِها إذا اجْتَمَعَتْ ؟

فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكُمْ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:

البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى سَمّى ذَلِكَ عَذابًا وهو حَقٌّ فَإنَّهُ تَعالى يُعَذِّبُ الكافِرِينَ فَإنْ شاءَ عَجَّلَهُ في الدُّنْيا، وإنْ شاءَ أخَّرَهُ إلى الآخِرَةِ.

البَحْثُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن هَذا التَّعْذِيبِ القَتْلُ تارَةً، والأسْرُ أُخْرى، واغْتِنامُ الأمْوالِ ثالِثًا، فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ما ذَكَرْناهُ.

فَإنْ قالُوا: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنْفالِ: ٣٣] فَكَيْفَ قالَ هَهُنا: ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكُمْ﴾ ؟ .

قُلْنا: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ عَذابُ الِاسْتِئْصالِ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكُمْ﴾ عَذابُ القَتْلِ والحَرْبِ، والفَرْقُ بَيْنَ البابَيْنِ أنَّ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ قَدْ يَتَعَدّى إلى غَيْرِ المُذْنِبِ، وإنْ كانَ في حَقِّهِ سَبَبًا لِمَزِيدِ الثَّوابِ، أمّا عَذابُ القَتْلِ فالظّاهِرُ أنَّهُ يَبْقى مَقْصُورًا عَلى المُذْنِبِ.

البَحْثُ الثّالِثُ: احْتَجَّ أصْحابُنا عَلى قَوْلِهِمْ بِأنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكُمْ﴾ فَإنَّ المُرادَ مِن هَذا التَّعْذِيبِ القَتْلُ والأسْرُ، وظاهِرُ النَّصِّ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ القَتْلَ والأسْرَ فِعْلُ اللَّهِ تَعالى، إلّا أنَّهُ تَعالى يُدْخِلُهُ في الوُجُودِ عَلى أيْدِي العِبادِ، وهو صَرِيحُ قَوْلِنا ومَذْهَبِنا.

أجابَ الجُبّائِيُّ عَنْهُ فَقالَ: لَوْ جازَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى يُعَذِّبُ الكُفّارَ بِأيْدِي المُؤْمِنِينَ لَجازَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ يُعَذِّبُ المُؤْمِنِينَ بِأيْدِي الكافِرِينَ، ولَجازَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ يُكَذِّبُ أنْبِياءَهُ عَلى ألْسِنَةِ الكُفّارِ، ويَلْعَنُ المُؤْمِنِينَ عَلى ألْسِنَتِهِمْ؛ لِأنَّهُ تَعالى خالِقٌ لِذَلِكَ، فَلَمّا لَمْ يَجُزْ

صفحة ٤

ذَلِكَ عِنْدَ المُجْبِرَةِ، عُلِمَ أنَّهُ تَعالى لَمْ يَخْلُقْ أعْمالَ العِبادِ، وإنَّما نَسَبَ ما ذَكَرْناهُ إلى نَفْسِهِ عَلى سَبِيلِ التَّوَسُّعِ مِن حَيْثُ إنَّهُ حَصَلَ بِأمْرِهِ وألْطافِهِ، كَما يُضِيفُ جَمِيعَ الطّاعاتِ إلَيْهِ بِهَذا التَّفْسِيرِ.

وأجابَ أصْحابُنا عَنْهُ فَقالُوا: أمّا الَّذِي ألْزَمْتُمُوهُ عَلَيْنا فالأمْرُ كَذَلِكَ إلّا أنّا لا نَقُولُهُ بِاللِّسانِ، كَما أنّا نَعْلَمُ أنَّهُ تَعالى هو الخالِقُ لِجَمِيعِ الأجْسامِ، ثُمَّ إنّا لا نَقُولُ: يا خالِقَ الأبْوالِ والعَذِراتِ، ويا مُكَوِّنَ الخَنافِسِ والدِّيدانِ، فَكَذا هَهُنا. وأيْضًا أنّا تَوافَقْنا عَلى أنَّ الزِّنا واللِّواطَ وسائِرَ القَبائِحِ إنَّما حَصَلَتْ بِأقْدارِ اللَّهِ تَعالى وتَيْسِيرِهِ، ثُمَّ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: يا مُسَهِّلَ الزِّنا واللِّواطِ، ويا دافِعَ المَوانِعِ عَنْها، فَكَذا هُنا، أمّا قَوْلُهُ: إنَّ المُرادَ إذَنِ الأقْدارُ فَنَقُولُ: هَذا صَرْفٌ لِلْكَلامِ عَنْ ظاهِرِهِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ إلّا لِدَلِيلٍ قاهِرٍ، والدَّلِيلُ القاهِرُ مِن جانِبِنا هَهُنا، فَإنَّ الفِعْلَ لا يَصْدُرُ إلّا عِنْدَ الدّاعِيَةِ الحاصِلَةِ، وحُصُولُ تِلْكَ الدّاعِيَةِ لَيْسَ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى.

وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُخْزِهِمْ﴾ مَعْناهُ: ما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ الذُّلِّ والهَوانِ حَيْثُ شاهَدُوا أنْفُسَهم مَقْهُورِينَ في أيْدِي المُؤْمِنِينَ ذَلِيلِينَ مَهِينِينَ. قالَ الواحِدِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿ويُخْزِهِمْ﴾ أيْ: بَعْدَ قَتْلِكم إيّاهم، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الإخْزاءَ إنَّما وقَعَ بِهِمْ في الآخِرَةِ، وهَذا ضَعِيفٌ لِما بَيَّنّا أنَّ الإخْزاءَ واقِعٌ في الدُّنْيا.

وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ﴾ والمَعْنى أنَّهُ لَمّا حَصَلَ الخِزْيُ لَهم بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ مَقْهُورِينَ فَقَدْ حَصَلَ النَّصْرُ لِلْمُسْلِمِينَ بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ قاهِرِينَ.

فَإنْ قالُوا: لَمّا كانَ حُصُولُ ذَلِكَ الخِزْيِ مُسْتَلْزِمًا لِحُصُولِ هَذا النَّصْرِ، كانَ إفْرادُهُ بِالذِّكْرِ عَبَثًا، فَنَقُولُ: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ مِنَ المُحْتَمَلِ أنْ يَحْصُلَ الخِزْيُ لَهم مِن جِهَةِ المُؤْمِنِينَ، إلّا أنَّ المُؤْمِنِينَ يَحْصُلُ لَهم آفَةٌ بِسَبَبٍ آخَرَ، فَلَمّا قالَ: ﴿ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ﴾ دَلَّ عَلى أنَّهم يَنْتَفِعُونَ بِهَذا النَّصْرِ والفَتْحِ والظَّفَرِ.

ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ خُزاعَةَ أسْلَمُوا، فَأعانَتْ قُرَيْشٌ بَنِي بَكْرٍ عَلَيْهِمْ حَتّى نَكَّلُوا بِهِمْ، فَشَفى اللَّهُ صُدُورَهم مِن بَنِي بَكْرٍ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ مَن طالَ تَأذِّيهِ مِن خَصْمِهِ، ثُمَّ مَكَّنَهُ اللَّهُ مِنهُ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ فَإنَّهُ يَعْظُمُ سُرُورُهُ بِهِ، ويَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِقُوَّةِ النَّفْسِ، وثَباتِ العَزِيمَةِ.

وخامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ .

ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: قَوْلُهُ: ﴿ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ يَشْفِي مِن ألَمِ الغَيْظِ، وهَذا هو عَيْنُ إذْهابِ الغَيْظِ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ تِكْرارًا.

والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى وعَدَهم بِحُصُولِ هَذا الفَتْحِ فَكانُوا في زَحْمَةِ الِانْتِظارِ، كَما قِيلَ: الِانْتِظارُ المَوْتُ الأحْمَرُ، فَشَفى صُدُورَهم مِن زَحْمَةِ الِانْتِظارِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَظْهَرُ الفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ فَهَذِهِ هي المَنافِعُ الخَمْسَةُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذا القِتالِ، وكُلُّها تَرْجِعُ إلى تَسْكِينِ الدَّواعِي النّاشِئَةِ مِنَ القُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ، وهي التَّشَفِّي ودَرْكُ الثَّأْرِ وإزالَةُ الغَيْظِ، ولَمْ يَذْكُرْ تَعالى فِيها وِجْدانَ الأمْوالِ والفَوْزَ بِالمَطاعِمِ والمَشارِبِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ العَرَبَ قَوْمٌ جُبِلُوا عَلى الحَمِيَّةِ والأنَفَةِ، فَرَغَّبَهم في هَذِهِ المَعانِي لَكِنَّها لائِقَةٌ بِطِباعِهِمْ، بَقِيَ هَهُنا مَباحِثُ:

البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الأوْصافَ مُناسِبَةٌ لِفَتْحِ مَكَّةَ؛ لِأنَّ الَّذِي جَرى في تِلْكَ الواقِعَةِ مُشاكِلٌ لِهَذِهِ الأحْوالِ، ولِهَذا المَعْنى جازَ أنْ يُقالَ: الآيَةُ وارِدَةٌ فِيهِ.

البَحْثُ الثّانِي: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى المُعْجِزَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْ حُصُولِ هَذِهِ الأحْوالِ، وقَدْ وقَعَتْ مُوافِقَةً لِهَذِهِ الأخْبارِ فَيَكُونُ ذَلِكَ إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ، والأخْبارُ عَنِ الغَيْبِ مُعْجِزٌ.

صفحة ٥

البَحْثُ الثّالِثُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى كَوْنِ الصَّحابَةِ مُؤْمِنِينَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى إيمانًا حَقِيقِيًّا؛ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ قُلُوبَهم كانَتْ مَمْلُوءَةً مِنَ الغَضَبِ، ومِنَ الحَمِيَّةِ لِأجْلِ الدِّينِ، ومِنَ الرَّغْبَةِ الشَّدِيدَةِ في عُلُوِّ دِينِ الإسْلامِ، وهَذِهِ الأحْوالُ لا تَحْصُلُ إلّا في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ.

واعْلَمْ أنَّ وصْفَ اللَّهِ لَهم بِذَلِكَ لا يَنْفِي كَوْنَهم مَوْصُوفِينَ بِالرَّحْمَةِ والرَّأْفَةِ، فَإنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَتِهِمْ: ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ [المائِدَةِ: ٥٤] وقالَ أيْضًا: ﴿أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفَتْحِ: ٢٩] .

ثُمَّ قالَ: ﴿ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ﴾ قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: هَذا مَذْكُورٌ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِقَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوهُمْ﴾ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ﴾ لا يُمْكِنُ جَعْلُهُ جَزاءً لِمُقاتَلَتِهِمْ مَعَ الكُفّارِ، قالُوا: ونَظِيرُهُ: ﴿فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشُّورى: ٢٤] وتَمَّ الكَلامُ هَهُنا، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ: ﴿ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ﴾ [الشُّورى: ٢٤] ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: يُمْكِنُ جَعْلُ هَذِهِ التَّوْبَةِ جَزاءً لِتِلْكَ المُقاتَلَةِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهم بِالمُقاتَلَةِ، فَرُبَّما شَقَّ ذَلِكَ عَلى بَعْضِهِمْ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الأصَمُّ، فَإذا أقْدَمُوا عَلى المُقاتَلَةِ صارَ ذَلِكَ العَمَلُ جارِيًا مَجْرى التَّوْبَةِ عَنْ تِلْكَ الكَراهِيَةِ.

الثّانِي: أنَّ حُصُولَ النُّصْرَةِ والظَّفَرِ إنْعامٌ عَظِيمٌ، والعَبْدُ إذا شاهَدَ تَوالِيَ نِعَمِ اللَّهِ لَمْ يَبْعُدْ أنْ يَصِيرَ ذَلِكَ داعِيًا لَهُ إلى التَّوْبَةِ مِن جَمِيعِ الذُّنُوبِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ إذا حَصَلَ النَّصْرُ والظَّفَرُ والفَتْحُ، وكَثُرَتِ الأمْوالُ والنِّعَمُ، وكانَتْ لَذّاتُهُ تُطْلَبُ بِالطَّرِيقِ الحَرامِ، فَإنَّ عِنْدَ حُصُولِ المالِ والجاهِ يُمْكِنُ تَحْصِيلُها بِطَرِيقٍ حَلالٍ، فَيَصِيرُ كَثْرَةُ المالِ والجاهِ داعِيًا إلى التَّوْبَةِ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ.

الرّابِعُ: قالَ بَعْضُهم: إنَّ النَّفْسَ شَدِيدَةُ المَيْلِ إلى الدُّنْيا ولَذّاتِها، فَإذا انْفَتَحَتْ أبْوابُ الدُّنْيا عَلى الإنْسانِ، وأرادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا عَرَفَ أنَّ لَذّاتِها حَقِيرَةٌ يَسِيرَةٌ، فَحِينَئِذٍ تَصِيرُ الدُّنْيا حَقِيرَةً في عَيْنِهِ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِانْقِباضِ النَّفْسِ عَنِ الدُّنْيا، وهَذا هو أحَدُ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥ ] يَعْنِي: أنَّ بَعْدَ حُصُولِ هَذا المُلْكِ لا يَبْقى لِلنَّفْسِ اشْتِغالٌ بِطَلَبِ الدُّنْيا، ثُمَّ يَعْرِفُ أنَّ عِنْدَ حُصُولِ هَذا المُلْكِ الَّذِي هو أعْظَمُ المَمالِكِ لا حاصِلَ لِلدُّنْيا، ولا فائِدَةَ في لَذّاتِها وشَهَواتِها، فَحِينَئِذٍ يُعْرِضُ القَلْبُ عَنِ الدُّنْيا، ولا يُقِيمُ لَها وزْنًا، فَثَبَتَ أنَّ حُصُولَ المُقاتَلَةِ يُفْضِي إلى المَنافِعِ الخَمْسَةِ المَذْكُورَةِ، وتِلْكَ المَنافِعُ حُصُولُها يُوجِبُ التَّوْبَةَ، فَكانَتِ التَّوْبَةُ مُتَعَلِّقَةً بِتِلْكَ المُقاتَلَةِ، وإنَّما قالَ: ﴿عَلى مَن يَشاءُ﴾؛ لِأنَّ وِجْدانَ الدُّنْيا، وانْفِتاحَ أبْوابِها عَلى الإنْسانِ قَدْ يَصِيرُ سَبَبًا لِانْقِباضِ القَلْبِ عَنِ الدُّنْيا، وذَلِكَ في حَقِّ مَن أرادَ بِهِ الخَيْرَ، وقَدْ يَصِيرُ سَبَبًا لِاسْتِغْراقِ الإنْسانِ فِيها، وتَهالُكِهِ عَلَيْها، وانْقِطاعِهِ بِسَبَبِها عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، فَلَمّا اخْتَلَفَ الأمْرُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ قالَ: ﴿ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ﴾ .

ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ أيْ: بِكُلِّ ما يُعْمَلُ، ويُفْعَلُ في مُلْكِهِ ومَلَكُوتِهِ﴿حَكِيمٌ﴾ مُصِيبٌ في أحْكامِهِ وأفْعالِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском