Ar-RaziAt‑Tawbah · 9:122–126

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:122–126

9:122Page 206

۞ وَمَا كَانَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةٗۚ فَلَوۡلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةٖ مِّنۡهُمۡ طَآئِفَةٞ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوۡمَهُمۡ إِذَا رَجَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَحۡذَرُونَ ١٢٢

And it is not for the believers to go forth [to battle] all at once. For there should separate from every division of them a group [remaining] to obtain understanding in the religion and warn [i.e., advise] their people when they return to them that they might be cautious.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهم إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ﴾

صفحة ١٧٩

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: هَذِهِ الآيَةُ مِن بَقِيَّةِ أحْكامِ الجِهادِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّها كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لا تَعَلُّقَ لَها بِالجِهادِ.

أمّا الِاحْتِمالُ الأوَّلُ: نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ إذا خَرَجَ إلى الغَزْوِ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ إلّا مُنافِقٌ أوْ صاحِبُ عُذْرٍ. فَلَمّا بالَغَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في عُيُوبِ المُنافِقِينَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ قالَ المُؤْمِنُونَ: واللَّهِ لا نَتَخَلَّفُ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الغَزَواتِ مَعَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولا عَنْ سَرِيَّةٍ. فَلَمّا قَدِمَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - المَدِينَةَ، وأرْسَلَ السَّرايا إلى الكُفّارِ، نَفَرَ المُسْلِمُونَ جَمِيعًا إلى الغَزْوِ وتَرَكُوهُ وحْدَهُ بِالمَدِينَةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . والمَعْنى: أنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَنْفِرُوا بِكُلِّيَّتِهِمْ إلى الغَزْوِ والجِهادِ، بَلْ يَجِبُ أنْ يَصِيرُوا طائِفَتَيْنِ؛ تَبْقى طائِفَةٌ في خِدْمَةِ الرَّسُولِ، وتَنْفِرُ طائِفَةٌ أُخْرى إلى الغَزْوِ، وذَلِكَ لِأنَّ الإسْلامَ في ذَلِكَ الوَقْتِ كانَ مُحْتاجًا إلى الغَزْوِ والجِهادِ وقَهْرِ الكُفْرِ، وأيْضًا كانَتِ التَّكالِيفُ تَحْدُثُ والشَّرائِعُ تَنْزِلُ، وكانَ بِالمُسْلِمِينَ حاجَةٌ إلى مَن يَكُونُ مُقِيمًا بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَيَتَعَلَّمُ تِلْكَ الشَّرائِعَ، ويَحْفَظُ تِلْكَ التَّكالِيفَ ويُبَلِّغُها إلى الغائِبِينَ، فَثَبَتَ أنَّ في ذَلِكَ الوَقْتِ كانَ الواجِبُ انْقِسامَ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى قِسْمَيْنِ؛ أحَدُ القِسْمَيْنِ يَنْفِرُونَ إلى الغَزْوِ والجِهادِ، والثّانِي: يَكُونُونَ مُقِيمِينَ بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ، فالطّائِفَةُ النّافِرَةُ إلى الغَزْوِ يَكُونُونَ نائِبِينَ عَنِ المُقِيمِينَ في الغَزْوِ، والطّائِفَةُ المُقِيمَةُ يَكُونُونَ نائِبِينَ عَنِ النّافِرِينَ في التَّفَقُّهِ، وبِهَذا الطَّرِيقِ يَتِمُّ أمْرُ الدِّينِ بِهاتَيْنِ الطّائِفَتَيْنِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ عَلى هَذا القَوْلِ احْتِمالانِ:

أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ الطّائِفَةُ المُقِيمَةُ هُمُ الَّذِينَ يَتَفَقَّهُونَ في الدِّينِ بِسَبَبِ أنَّهم لَمّا لازَمُوا خِدْمَةَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وشاهَدُوا الوَحْيَ والتَّنْزِيلَ فَكُلَّما نَزَلَ تَكْلِيفٌ وحَدَثَ شَرْعٌ عَرَفُوهُ وضَبَطُوهُ، فَإذا رَجَعَتِ الطّائِفَةُ النّافِرَةُ مِنَ الغَزْوِ إلَيْهِمْ، فالطّائِفَةُ المُقِيمَةُ يُنْذِرُونَهم ما تَعَلَّمُوهُ مِنَ التَّكالِيفِ والشَّرائِعِ، وبِهَذا التَّقْرِيرِ فَلا بُدَّ في الآيَةِ مِن إضْمارٍ، والتَّقْدِيرُ: فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ وأقامَتْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهَ المُقِيمُونَ في الدِّينِ ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهم، يَعْنِي النّافِرِينَ إلى الغَزْوِ، إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ مَعاصِيَ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ ذَلِكَ التَّعَلُّمِ.

والِاحْتِمالُ الثّانِي: هو أنْ يُقالَ: التَّفَقُّهُ صِفَةٌ لِلطّائِفَةِ النّافِرَةِ وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ. ومَعْنى الآيَةِ فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ حَتّى تَصِيرَ هَذِهِ الطّائِفَةُ النّافِرَةُ فُقَهاءَ في الدِّينِ، وذَلِكَ التَّفَقُّهُ المُرادُ مِنهُ أنَّهم يُشاهِدُونَ ظُهُورَ المُسْلِمِينَ عَلى المُشْرِكِينَ، وأنَّ العَدَدَ القَلِيلَ مِنهم يَغْلِبُونَ العالَمَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَحِينَئِذٍ يَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَصَّهم بِالنُّصْرَةِ والتَّأْيِيدِ وأنَّهُ تَعالى يُرِيدُ إعْلاءَ دِينِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وتَقْوِيَةَ شَرِيعَتِهِ، فَإذا رَجَعُوا مِن ذَلِكَ النَّفْرِ إلى قَوْمِهِمْ مِنَ الكُفّارِ أنْذَرُوهم بِما شاهَدُوا مِن دَلائِلِ النَّصْرِ والفَتْحِ والظَّفَرِ لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ، فَيَتْرُكُوا الكُفْرَ والشَّكَّ والنِّفاقَ، فَهَذا القَوْلُ أيْضًا مُحْتَمَلٌ، وطَعَنَ القاضِي في هَذا القَوْلِ، قالَ: لِأنَّ هَذا الحِسَّ لا يُعَدُّ فِقْهًا في الدِّينِ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّهم إذا شاهَدُوا أنَّ القَوْمَ القَلِيلَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم سِلاحٌ ولا زادٌ يَغْلِبُونَ الجَمْعَ العَظِيمَ مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ كَثُرَ زادُهم وسِلاحُهم، وقَوِيَتْ شَوْكَتُهم، فَحِينَئِذٍ انْتَبَهُوا لِما هو المَقْصُودُ وهو أنَّ هَذا الأمْرَ مِنَ اللَّهِ تَعالى ولَيْسَ مِنَ البَشَرِ، إذْ لَوْ كانَ مِنَ البَشَرِ لَما غَلَبَ القَلِيلُ الكَثِيرَ، ولَما بَقِيَ هَذا الدِّينُ في التَّزايُدِ والتَّصاعُدِ كُلَّ يَوْمٍ، فالتَّنَبُّهُ لِفَهْمِ هَذِهِ الدَّقائِقِ

صفحة ١٨٠

واللَّطائِفِ لا شَكَّ أنَّهُ تَفَقَّهٌ.

وأمّا الِاحْتِمالُ الثّالِثُ: وهو أنْ يُقالَ هَذِهِ الآيَةُ لَيْسَتْ مِن بَقايا أحْكامِ الجِهادِ، بَلْ هو حُكْمٌ مُبْتَدَأٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ، وتَقْرِيرُهُ أنْ يُقالَ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في هَذِهِ السُّورَةِ أمْرَ الهِجْرَةِ، ثُمَّ أمْرَ الجِهادِ، وهُما عِبادَتانِ بِالسَّفَرِ، بَيَّنَ أيْضًا عِبادَةَ التَّفَقُّهِ مِن جِهَةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولَهُ تَعَلُّقٌ بِالسَّفَرِ. فَقالَ: وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً إلى حَضْرَةِ الرَّسُولِ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ بَلْ ذَلِكَ غَيْرُ واجِبٍ وغَيْرُ جائِزٍ، ولَيْسَ حالُهُ كَحالِ الجِهادِ مَعَهُ الَّذِي يَجِبُ أنْ يَخْرُجَ فِيهِ كُلُّ مَن لا عُذْرَ لَهُ.

ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهُمْ﴾ يَعْنِي مِنَ الفِرَقِ السّاكِنِينَ في البِلادِ، طائِفَةٌ إلى حَضْرَةِ الرَّسُولِ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ، ولِيَعْرِفُوا الحَلالَ والحَرامَ، ويَعُودُوا إلى أوْطانِهِمْ، فَيُنْذِرُوا ويُحَذِّرُوا قَوْمَهم لِكَيْ يَرْجِعُوا عَنْ كُفْرِهِمْ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ المُرادُ وُجُوبَ الخُرُوجِ إلى حَضْرَةِ الرَّسُولِ لِلتَّفَقُّهِ والتَّعَلُّمِ.

فَإنْ قِيلَ: أفَتَدُلُّ الآيَةُ عَلى وُجُوبِ الخُرُوجِ لِلتَّفَقُّهِ في كُلِّ زَمانٍ ؟

قُلْنا: مَتى عَجَزَ عَنِ التَّفَقُّهِ إلّا بِالسَّفَرِ وجَبَ عَلَيْهِ السَّفَرُ، وفي زَمانِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، لِأنَّ الشَّرِيعَةَ ما كانَتْ مُسْتَقِرَّةً، بَلْ كانَ يَحْدُثُ كُلُّ يَوْمٍ تَكْلِيفٌ جَدِيدٌ وشَرْعٌ حادِثٌ. أمّا في زَمانِنا فَقَدْ صارَتِ الشَّرِيعَةُ مُسْتَقِرَّةً، فَإذا أمْكَنَهُ تَحْصِيلُ العِلْمِ في الوَطَنِ لَمْ يَكُنِ السَّفَرُ واجِبًا إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ لَفْظُ الآيَةِ دَلِيلًا عَلى السَّفَرِ لا جَرَمَ رَأيْنا أنَّ العِلْمَ المُبارَكَ المُنْتَفَعَ بِهِ لا يَحْصُلُ إلّا في السَّفَرِ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَفْسِيرِ الألْفاظِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ ”لَوْلا“ إذا دَخَلَ عَلى الفِعْلِ كانَ بِمَعْنى التَّحْضِيضِ مِثْلَ هَلّا، وإنَّما جازَ أنْ يَكُونَ لَوْلا بِمَعْنى هَلّا، لِأنَّ هَلّا كَلِمَتانِ هَلْ وهو اسْتِفْهامٌ وعَرْضٌ، لِأنَّكَ إذا قُلْتَ لِلرَّجُلِ هَلْ تَأْكُلُ ؟ هَلْ تَدْخُلُ ؟ فَكَأنَّكَ عَرَضْتَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، و”لا“ وهو جَحْدٌ، فَهَلّا مُرَكَّبٌ مِن أمْرَيْنِ: العَرْضُ، والجَحْدُ. فَإذا قُلْتَ: هَلّا فَعَلْتَ كَذا ؟ فَكَأنَّكَ قُلْتَ: هَلْ فَعَلْتَ ؟ ثُمَّ قُلْتَ مَعَهُ ”لا“ أيْ ما فَعَلْتُهُ، فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى وُجُوبِ الفِعْلِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ حَصَلَ الإخْلالُ بِهَذا الواجِبِ، وهَكَذا الكَلامُ في ”لَوْلا“ لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: لَوْلا دَخَلْتَ عَلَيَّ، ولَوْلا أكَلْتَ عِنْدِي، فَمَعْناهُ أيْضًا عَرْضٌ وإخْبارٌ عَنْ سُرُورِكَ بِهِ، لَوْ فَعَلَ، وهَكَذا الكَلامُ في ”لَوْمًا“ ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ﴾ (الحِجْرِ: ٧) فَثَبَتَ أنَّ لَوْلا وهَلّا ولَوْما ألْفاظٌ مُتَقارِبَةٌ، والمَقْصُودُ مِنَ الكُلِّ التَّرْغِيبُ والتَّحْضِيضُ فَقَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ﴾ أيْ فَهَلّا فَعَلُوا ذَلِكَ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذِهِ الآيَةُ حُجَّةٌ قَوِيَّةٌ لِمَن يَرى أنَّ خَبَرَ الواحِدِ حَجَّةٌ، وقَدْ أطْنَبْنا في تَقْرِيرِهِ في كِتابِ ”المَحْصُولِ مِنَ الأُصُولِ“، والَّذِي نَقُولُهُ هَهُنا أنَّ كُلَّ ثَلاثَةٍ فِرْقَةٌ. وقَدْ أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُخْرَجَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ طائِفَةٌ، والخارِجُ مِنَ الثَّلاثَةِ يَكُونُ اثْنَيْنِ أوْ واحِدًا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الطّائِفَةُ إمّا اثْنَيْنِ وإمّا واحِدًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أوْجَبَ العَمَلَ بِأخْبارِهِمْ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ عِبارَةٌ عَنْ إخْبارِهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ﴾ إيجابٌ عَلى قَوْمِهِمْ أنْ يَعْلَمُوا بِإخْبارِهِمْ وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ خَبَرُ الواحِدِ أوْ الِاثْنَيْنِ حُجَّةٌ في الشَّرْعِ. قالَ القاضِي: هَذِهِ الآيَةُ لا تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ العَمَلِ بِخَبَرِ الواحِدِ؛ لِأنَّ الطّائِفَةَ قَدْ تَكُونُ جَماعَةً يَقَعُ بِخَبَرِها الحُجَّةُ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ يَصِحُّ وإنْ لَمْ يَجِبِ القَبُولُ كَما أنَّ الشّاهِدَ الواحِدَ يَلْزَمُهُ الشَّهادَةُ، وإنْ لَمْ يَلْزَمِ القَبُولُ، ولِأنَّ الإنْذارَ يَتَضَمَّنُ التَّخْوِيفَ، وهَذا القَدْرُ لا يَقْتَضِي وُجُوبَ العَمَلِ بِهِ.

صفحة ١٨١

والجَوابُ: أمّا قَوْلُهُ: ”الطّائِفَةُ“ قَدْ تَكُونُ جَماعَةً، فَجَوابُهُ: أنّا بَيَّنّا أنَّ كُلَّ ثَلاثَةٍ فِرْقَةٌ، فَلَمّا أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُخْرَجَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ طائِفَةٌ لَزِمَ كَوْنُ الطّائِفَةِ، إمّا اثْنَيْنِ أوْ واحِدًا، وذَلِكَ يُبْطِلُ كَوْنَ الطّائِفَةِ جَماعَةً يَحْصُلُ العِلْمُ بِخَبَرِهِمْ.

فَإنْ قالُوا: إنَّهُ تَعالى أوْجَبَ العَمَلَ بِقَوْلِ أُولَئِكَ الطَّوائِفِ ولَعَلَّهم بَلَغُوا في الكَثْرَةِ إلى حَيْثُ يَحْصُلُ العِلْمُ بِقَوْلِهِمْ.

قُلْنا: إنَّهُ تَعالى أوْجَبَ عَلى كُلِّ طائِفَةٍ أنْ يَرْجِعُوا إلى قَوْمِهِمْ وذَلِكَ يَقْتَضِي رُجُوعَ كُلِّ طائِفَةٍ إلى قَوْمٍ خاصٍّ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أوْجَبَ العِلْمَ بِقَوْلِ تِلْكَ الطّائِفَةِ وذَلِكَ يُفِيدُ المَطْلُوبَ.

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ يَصِحُّ وإنْ لَمْ يَجِبِ القَبُولُ. فَنَقُولُ إنّا لا نَتَمَسَّكُ في وُجُوبِ العَمَلِ بِخَبَرِ الواحِدِ بِقَوْلِهِ:(ولِيُنْذِرُوا) بَلْ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ﴾ تَرْغِيبٌ مِنهُ تَعالى في الحَذَرِ، بِناءً عَلى أنَّ ذَلِكَ الإنْذارَ يَقْتَضِي إيجابَ العَمَلِ عَلى وفْقِ ذَلِكَ الإنْذارِ، وبِهَذا الجَوابِ خَرَجَ الجَوابُ عَنْ سُؤالِهِ الثّالِثِ وهو قَوْلُهُ: الإنْذارُ يَتَضَمَّنُ التَّخْوِيفَ، وهَذا القَدْرُ لا يَقْتَضِي وُجُوبَ العَمَلِ بِهِ.

* * *

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنَ التَّفَقُّهِ والتَّعَلُّمِ دَعْوَةَ الخَلْقِ إلى الحَقِّ، وإرْشادَهم إلى الدِّينِ القَوِيمِ والصِّراطِ المُسْتَقِيمِ؛ لِأنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أمَرَهم بِالتَّفَقُّهِ في الدِّينِ، لِأجْلِ أنَّهم إذا رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ أنْذَرُوهم بِالدِّينِ الحَقِّ، وأُولَئِكَ يَحْذَرُونَ الجَهْلَ والمَعْصِيَةَ ويَرْغَبُونَ في قَبُولِ الدِّينِ. فَكُلُّ مَن تَفَقَّهَ وتَعَلَّمَ لِهَذا الغَرَضِ كانَ عَلى المَنهَجِ القَوِيمِ والصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، ومَن عَدَلَ عَنْهُ وطَلَبَ الدُّنْيا بِالدِّينِ كانَ مِنَ الأخْسَرِينَ أعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا.

9:123Page 207

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ٱلۡكُفَّارِ وَلۡيَجِدُواْ فِيكُمۡ غِلۡظَةٗۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ ١٢٣

O you who have believed, fight against those adjacent to you of the disbelievers and let them find in you harshness. And know that Allāh is with the righteous.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ ولْيَجِدُوا فِيكم غِلْظَةً واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ نُقِلَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ قَبْلَ الأمْرِ بِقِتالِ المُشْرِكِينَ كافَّةً، ثُمَّ إنَّها صارَتْ مَنسُوخَةً بِقَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ (التَّوْبَةِ: ٣٦) وأمّا المُحَقِّقُونَ فَإنَّهم أنْكَرُوا هَذا النَّسْخَ وقالُوا: إنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِقِتالِ المُشْرِكِينَ كافَّةً أرْشَدَهم في ذَلِكَ البابِ إلى الطَّرِيقِ الأصْوَبِ الأصْلَحِ، وهو أنْ يَبْتَدِئُوا مِنَ الأقْرَبِ فالأقْرَبِ مُنْتَقِلًا إلى الأبْعَدِ فالأبْعَدِ. ألا تَرى أنَّ أمْرَ الدَّعْوَةِ وقَعَ عَلى هَذا التَّرْتِيبِ قالَ تَعالى: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ (الشُّعَراءِ: ٢١٤) وأمْرَ الغَزَواتِ وقَعَ عَلى هَذا التَّرْتِيبِ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حارَبَ قَوْمَهُ، ثُمَّ انْتَقَلَ مِنهم إلى غَزْوِ سائِرِ العَرَبِ ثُمَّ انْتَقَلَ مِنهم إلى غَزْوِ الشّامِ، والصَّحابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - لَمّا فَرَغُوا مِن أمْرِ الشّامِ دَخَلُوا العِراقَ. وإنَّما قُلْنا: إنَّ الِابْتِداءَ بِالغَزْوِ مِنَ المَواضِعِ القَرِيبَةِ أوْلى لِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ مُقابَلَةَ الكُلِّ دُفْعَةً واحِدَةً مُتَعَذِّرَةٌ، ولَمّا تَساوى الكُلُّ في وُجُوبِ القِتالِ لِما فِيهِمْ مِنَ الكُفْرِ والمُحارَبَةِ وامْتَنَعَ الجَمْعُ، وجَبَ التَّرْجِيحُ،

صفحة ١٨٢

والقُرْبُ مُرَجِّحٌ ظاهِرٌ كَما في الدَّعْوَةِ، وكَما في سائِرِ المُهِمّاتِ، ألا تَرى أنَّ في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ الِابْتِداءَ بِالحاضِرِ أوْلى مِنَ الذَّهابِ إلى البِلادِ البَعِيدَةِ لِهَذا المُهِمِّ، فَوَجَبَ الِابْتِداءُ بِالأقْرَبِ.

والثّانِي: أنَّ الِابْتِداءَ بِالأقْرَبِ أوْلى لِأنَّ النَّفَقاتِ فِيهِ أقَلُّ، والحاجَةَ إلى الدَّوابِّ والآلاتِ والأدَواتِ أقَلُّ.

الثّالِثُ: أنَّ الفِرْقَةَ المُجاهِدَةَ إذا تَجاوَزُوا مِنَ الأقْرَبِ إلى الأبْعَدِ فَقَدْ عَرَّضُوا الذَّرارِيَّ لِلْفِتْنَةِ.

الرّابِعُ: أنَّ المُجاوِرِينَ لِدارِ الإسْلامِ إمّا أنْ يَكُونُوا أقْوِياءَ أوْ ضُعَفاءَ، فَإنْ كانُوا أقْوِياءَ كانَ تَعَرُّضُهم لِدارِ الإسْلامِ أشَدَّ وأكْثَرَ مِن تَعَرُّضِ الكُفّارِ المُتَباعِدِينَ، والشَّرُّ الأقْوى الأكْثَرُ أوْلى بِالدَّفْعِ، وإنْ كانُوا ضُعَفاءَ كانَ اسْتِيلاءُ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ أسْهَلَ، وحُصُولُ عِزِّ الإسْلامِ لِسَبَبِ اِنْكِسارِهِمْ أقْرَبَ وأيْسَرَ، فَكانَ الِابْتِداءُ بِهِمْ أوْلى.

الخامِسُ: أنَّ وُقُوفَ الإنْسانِ عَلى حالِ مَن يَقْرُبُ مِنهُ أسْهَلُ مِن وُقُوفِهِ عَلى حالِ مَن يَبْعُدُ مِنهُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ اقْتِدارُ المُسْلِمِينَ عَلى مُقاتَلَةِ الأقْرَبِينَ أسْهَلَ لِعِلْمِهِمْ بِكَيْفِيَّةِ أحْوالِهِمْ وبِمَقادِيرِ أسْلِحَتِهِمْ وعَدَدِ عَساكِرِهِمْ.

السّادِسُ: أنَّ دارَ الإسْلامِ واسِعَةٌ، فَإذا اشْتَغَلَ أهْلُ كُلِّ بَلَدٍ بِقِتالِ مَن يَقْرُبُ مِنهم مِنَ الكُفّارِ كانَتِ المُؤْنَةُ أسْهَلَ، وحُصُولُ المَقْصُودِ أيْسَرَ.

السّابِعُ: أنَّهُ إذا اجْتَمَعَ واجِبانِ وكانَ أحَدُهُما أيْسَرَ حُصُولًا وجَبَ تَقْدِيمُهُ، والقُرْبُ سَبَبُ السُّهُولَةِ، فَوَجَبَ الِابْتِداءُ بِالأقْرَبِ.

الثّامِنُ: أنّا بَيَّنّا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ابْتَدَأ في الدَّعْوَةِ بِالأقْرَبِ فالأقْرَبِ، وفي الغَزْوِ بِالأقْرَبِ فالأقْرَبِ، وفي جَمِيعِ المُهِمّاتِ كَذَلِكَ، فَإنَّ الأعْرابِيَّ لَمّا جَلَسَ عَلى المائِدَةِ وكانَ يَمُدُّ يَدَهُ إلى الجَوانِبِ البَعِيدَةِ مِن تِلْكَ المائِدَةِ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُ: ”«كُلْ مِمّا يَلِيكَ» “ فَدَلَّتْ هَذِهِ الوُجُوهُ عَلى أنَّ الِابْتِداءَ بِالأقْرَبِ فالأقْرَبِ واجِبٌ.

فَإنْ قِيلَ: رُبَّما كانَ التَّخَطِّي مِنَ الأقْرَبِ إلى الأبْعَدِ أصْلَحَ؛ لِأنَّ الأبْعَدَ يَقَعُ في قَلْبِهِ أنَّهُ إنَّما جاوَزَ الأقْرَبَ لِأنَّهُ لا يُقِيمُ لَهُ وزْنًا.

قُلْنا: ذاكَ احْتِمالٌ واحِدٌ، وما ذَكَرْنا احْتِمالاتٍ كَثِيرَةً، ومَصالِحُ الدُّنْيا مَبْنِيَّةٌ عَلى تَرْجِيحِ ما هو أكْثَرُ مَصْلَحَةً عَلى ما هو الأقَلُّ، وهَذا الَّذِي قُلْناهُ إنَّما قُلْناهُ إذا تَعَذَّرَ الجَمْعُ بَيْنَ مُقاتَلَةِ الأقْرَبِ والأبْعَدِ، أمّا إذا أمْكَنَ الجَمْعُ بَيْنَ الكُلِّ، فَلا كَلامَ في أنَّ الأوْلى هو الجَمْعُ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ البَتَّةَ.

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولْيَجِدُوا فِيكم غِلْظَةً﴾ قالَ الزَّجّاجُ: فِيها ثَلاثُ لُغاتٍ، فَتْحُ الغَيْنِ وضَمُّها وكَسْرُها. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الغِلْظَةُ بِالكَسْرِ الشِّدَّةُ العَظِيمَةُ، والغِلْظَةُ كالضَّغْطَةِ، والغِلْظَةُ كالسُّخْطَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى الأمْرِ بِالتَّغْلِيظِ عَلَيْهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ (التَّوْبَةِ: ٧٣) وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَهِنُوا﴾ (آلِ عِمْرانَ: ١٣٩) وقَوْلُهُ في صِفَةِ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -: ﴿أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ (المائِدَةِ: ٤٠) وقَوْلُهُ: ﴿أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ﴾ (الفَتْحِ: ٢٩) ولِلْمُفَسِّرِينَ عِباراتٌ في تَفْسِيرِ الغِلْظَةِ، قِيلَ شَجاعَةً وقِيلَ شِدَّةً وقِيلَ غَيْظًا.

واعْلَمْ أنَّ الغِلْظَةَ ضِدُّ الرِّقَّةِ، وهي الشَّدَّةُ في إحْلالِ النِّقْمَةِ، والفائِدَةُ فِيها أنَّها أقْوى تَأْثِيرًا في الزَّجْرِ والمَنعِ عَنِ القَبِيحِ، ثُمَّ إنَّ الأمْرَ في هَذا البابِ لا يَكُونُ مُطَّرِدًا، بَلْ قَدْ يَحْتاجُ تارَةً إلى الرِّفْقِ واللُّطْفِ وأُخْرى إلى العُنْفِ، ولِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿ولْيَجِدُوا فِيكم غِلْظَةً﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ الِاقْتِصارُ عَلى الغِلْظَةِ البَتَّةَ فَإنَّهُ يُنَفِّرُ ويُوجِبُ تَفَرُّقَ القَوْمِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولْيَجِدُوا فِيكم غِلْظَةً﴾ يَدُلُّ عَلى تَقْلِيلِ الغِلْظَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونُوا بِحَيْثُ لَوْ فَتَّشُوا عَلى أخْلاقِكم وطَبائِعِكم لَوَجَدُوا فِيكم غِلْظَةً، وهَذا الكَلامُ إنَّما يَصِحُّ فِيمَن أكْثَرُ أحْوالِهِ الرَّحْمَةُ والرَّأْفَةُ، ومَعَ ذَلِكَ فَلا يَخْلُو عَنْ نَوْعِ غِلْظَةٍ.

صفحة ١٨٣

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الغِلْظَةَ إنَّما تُعْتَبَرُ فِيما يَتَّصِلُ بِالدَّعْوَةِ إلى الدِّينِ. وذَلِكَ إمّا بِإقامَةِ الحُجَّةِ والبَيِّنَةِ، وإمّا بِالقِتالِ والجِهادِ، فَأمّا أنْ يَحْصُلَ هَذا التَّغْلِيظُ فِيما يَتَّصِلُ بِالبَيْعِ والشِّراءِ والمُجالَسَةِ والمُؤاكَلَةِ فَلا.

ثُمَّ قالَ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ والمُرادُ أنْ يَكُونَ إقْدامُهُ عَلى الجِهادِ والقِتالِ بِسَبَبِ تَقْوى اللَّهِ لا بِسَبَبِ طَلَبِ المالِ والجاهِ، فَإذا رَآهُ قَبْلَ الإسْلامِ أحْجَمَ عَنْ قِتالِهِ، وإذا رَآهُ مالَ إلى قَبُولِ الجِزْيَةِ تَرَكَهُ، وإذا كَثُرَ العَدُوُّ أخَذَ الغَنائِمَ عَلى وفْقِ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى.

9:124–125Page 207

وَإِذَا مَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٞ فَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمۡ زَادَتۡهُ هَٰذِهِۦٓ إِيمَٰنٗاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا وَهُمۡ يَسۡتَبۡشِرُونَ ١٢٤

And whenever a sūrah is revealed, there are among them [i.e., the hypocrites] those who say, "Which of you has this increased in faith?" As for those who believed, it has increased them in faith, while they are rejoicing.

وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ فَزَادَتۡهُمۡ رِجۡسًا إِلَىٰ رِجۡسِهِمۡ وَمَاتُواْ وَهُمۡ كَٰفِرُونَ ١٢٥

But as for those in whose hearts is disease, it has [only] increased them in evil [in addition] to their evil.1 And they will have died while they are disbelievers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنهم مَن يَقُولُ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا وهم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ وماتُوا وهم كافِرُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مَخازِي المُنافِقِينَ وذَكَرَ أعْمالَهُمُ القَبِيحَةَ فَقالَ: وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ، فَمِنَ المُنافِقِينَ مَن يَقُولُ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا ؟ واخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: يَقُولُ بَعْضُ المُنافِقِينَ لِبَعْضٍ، ومَقْصُودُهم تَثْبِيتُهم قَوْمَهم عَلى النِّفاقِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ يَقُولُونَهُ لِأقْوامٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، وغَرَضُهم صَرْفُهم عَنِ الإيمانِ. وقالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَكَرُوهُ عَلى وجْهِ الهُزْءِ، والكُلُّ مُحْتَمَلٌ، ولا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى الكُلِّ، لِأنَّ حِكايَةَ الحالِ لا تُفِيدُ العُمُومَ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أجابَ فَقالَ إنَّهُ حَصَلَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ أمْرانِ، وحَصَلَ لِلْكافِرِينَ أيْضًا أمْرانِ. أمّا الَّذِي حَصَلَ لِلْمُؤْمِنِينَ:

فالأوَّلُ: هو أنَّها تَزِيدُهم إيمانًا إذْ لا بُدَّ عِنْدَ نُزُولِها مِن أنْ يُقِرُّوا بِها ويَعْتَرِفُوا بِأنَّها حَقٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ، والكَلامُ في زِيادَةِ الإيمانِ ونُقْصانِهِ قَدْ ذَكَرْناهُ في أوَّلِ سُورَةِ الأنْفالِ بِالِاسْتِقْصاءِ.

والثّانِي: ما يَحْصُلُ لَهم مِن الِاسْتِبْشارِ. فَمِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى ثَوابِ الآخِرَةِ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى ما يَحْصُلُ في الدُّنْيا مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى الفَرَحِ والسُّرُورِ الحاصِلِ بِسَبَبِ تِلْكَ التَّكالِيفِ الزّائِدَةِ مِن حَيْثُ إنَّهُ يُتَوَسَّلُ بِهِ إلى مَزِيدٍ في الثَّوابِ، ثُمَّ جَمَعَ لِلْمُنافِقِينَ أمْرَيْنِ مُقابِلَيْنِ لِلْأمْرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ والمُرادُ مِنَ الرِّجْسِ إمّا العَقائِدُ الباطِلَةُ أوِ الأخْلاقُ المَذْمُومَةُ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ كانَ المَعْنى أنَّهم كانُوا مُكَذِّبِينَ بِالسُّوَرِ النّازِلَةِ قَبْلَ ذَلِكَ، والآنَ صارُوا مُكَذِّبِينَ بِهَذِهِ السُّورَةِ الجَدِيدَةِ، فَقَدِ انْضَمَّ كُفْرٌ إلى كُفْرٍ، وإنْ كانَ الثّانِي كانَ المُرادُ أنَّهم كانُوا في الحَسَدِ والعَداوَةِ واسْتِنْباطِ وُجُوهِ المَكْرِ والكَيْدِ، والآنَ ازْدادَتْ تِلْكَ الأخْلاقُ الذَّمِيمَةُ بِسَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ الجَدِيدَةِ.

والأمْرُ الثّانِي: أنَّهم يَمُوتُونَ عَلى كُفْرِهِمْ، فَتَكُونُ هَذِهِ الحالَةُ كالأمْرِ المُضادِّ لِلِاسْتِبْشارِ الَّذِي حَصَلَ في المُؤْمِنِينَ، وهَذِهِ الحالَةُ أسْوَأُ وأقْبَحُ مِنَ الحالَةِ الأُولى، وذَلِكَ لِأنَّ الحالَةَ الأُولى عِبارَةٌ عَنِ ازْدِيادِ الرَّجاسَةِ، وهَذِهِ الحالَةُ عِبارَةٌ عَنْ مُداوَمَةِ الكُفْرِ ومَوْتِهِمْ عَلَيْهِ. واحْتَجَّ أصْحابُنا بِقَوْلِهِ: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يَصُدُّ عَنِ الإيمانِ ويَصْرِفُ عَنْهُ، قالُوا: إنَّهُ تَعالى كانَ عالِمًا بِأنَّ سَماعَ هَذِهِ السُّورَةِ يُورِثُ حُصُولَ

صفحة ١٨٤

الحَسَدِ والحِقْدِ في قُلُوبِهِمْ، وأنَّ حُصُولَ ذَلِكَ الحَسَدِ يُورِثُ مَزِيدَ الكُفْرِ في قُلُوبِهِمْ، أجابُوا وقالُوا نُزُولُ تِلْكَ السُّورَةِ لا يُوجِبُ ذَلِكَ الكُفْرَ الزّائِدَ، بِدَلِيلِ أنَّ الآخَرِينَ سَمِعُوا تِلْكَ السُّورَةَ وازْدادُوا إيمانًا، فَثَبَتَ أنَّ تِلْكَ الرَّجاسَةَ هم فَعَلُوها مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ.

قُلْنا: لا نَدَّعِي أنَّ اسْتِماعَ هَذِهِ السُّورَةِ سَبَبٌ مُسْتَقِلٌّ بِتَرْجِيحِ جانِبِ الكُفْرِ عَلى جانِبِ الإيمانِ، بَلْ نَقُولُ اسْتِماعُ هَذِهِ السُّورَةِ لِلنَّفْسِ المَخْصُوصَةِ والمَوْصُوفَةِ بِالخُلُقِ المُعَيَّنِ والعادَةِ المُعَيَّنَةِ. يُوجِبُ الكُفْرَ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الإنْسانَ الحَسُودَ لَوْ أرادَ إزالَةَ خُلُقِ الحَسَدِ عَنْ نَفْسِهِ، يُمْكِنُهُ أنْ يَتْرُكَ الأفْعالَ المُشْعِرَةَ بِالحَسَدِ، وأمّا الحالَةُ القَلْبِيَّةُ المُسَمّاةُ بِالحَسَدِ، فَلا يُمْكِنُهُ إزالَتُها عَنْ نَفْسِهِ، وكَذا القَوْلُ في جَمِيعِ الأخْلاقِ فَأصْلُ القُدْرَةِ غَيْرٌ، والفِعْلُ غَيْرٌ، والخُلُقُ غَيْرٌ، فَإنَّ أصْلَ القُدْرَةِ حاصِلٌ لِلْكُلِّ أمّا الأخْلاقُ فالنّاسُ فِيها مُتَفاوِتُونَ. والحاصِلُ أنَّ النَّفْسَ الطّاهِرَةَ النَّقِيَّةَ عَنْ حُبِّ الدُّنْيا المَوْصُوفَةَ بِاسْتِيلاءِ حُبِّ اللَّهِ تَعالى والآخِرَةِ إذا سَمِعَتِ السُّورَةَ صارَ سَماعُها مُوجِبًا لِازْدِيادِ رَغْبَتِهِ في الآخِرَةِ ونَفْرَتِهُ عَنِ الدُّنْيا، وأمّا النَّفْسُ الحَرِيصَةُ عَلى الدُّنْيا المُتَهالِكَةُ عَلى لَذّاتِها الرّاغِبَةُ في طَيِّباتِها الغافِلَةُ عَنْ حُبِّ اللَّهِ تَعالى والآخِرَةِ، إذا سَمِعَتْ هَذِهِ السُّورَةَ المُشْتَمِلَةَ عَلى الجِهادِ وتَعْرِيضِ النَّفْسِ لِلْقَتْلِ والمالِ لِلنَّهْبِ ازْدادَ كُفْرًا عَلى كُفْرِهِ. فَثَبَتَ أنَّ إنْزالَ هَذِهِ السُّورَةِ في حَقِّ هَذا الكافِرِ مُوجِبٌ لِأنْ يَزِيدَ رِجْسًا عَلى رِجْسٍ، فَكانَ إنْزالُها سَبَبًا في تَقْوِيَةِ الكُفْرِ عَلى قَلْبِ الكافِرِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى قَدْ يَصُدُّ الإنْسانَ ويَمْنَعُهُ عَنِ الإيمانِ والرُّشْدِ ويُلْقِيهِ في الغَيِّ والكُفْرِ.

بَقِيَ في الآيَةِ مَباحِثُ:

الأوَّلُ: ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ صِلَةٌ مُؤَكَّدَةٌ.

الثّانِي: الِاسْتِبْشارُ اسْتِدْعاءُ البِشارَةِ؛ لِأنَّهُ كُلَّما تَذَكَّرَ تِلْكَ النِّعْمَةَ حَصَلَتِ البُشْرَةُ، فَهو بِواسِطَةِ تَجْدِيدِ ذَلِكَ التَّذَكُّرِ يَطْلُبُ تَجْدِيدَ البِشارَةِ.

الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الرُّوحَ لَها مَرَضٌ، فَمَرَضُها الكُفْرُ والأخْلاقُ الذَّمِيمَةُ، وصِحَّتُها العِلْمُ والأخْلاقُ الفاضِلَةُ. واللَّهُ أعْلَمُ.

9:126Page 207

أَوَلَا يَرَوۡنَ أَنَّهُمۡ يُفۡتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٖ مَّرَّةً أَوۡ مَرَّتَيۡنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمۡ يَذَّكَّرُونَ ١٢٦

Do they not see that they are tried every year once or twice but then they do not repent nor do they remember?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ ولا هم يَذَّكَّرُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَمُوتُونَ وهم كافِرُونَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى عَذابِ الآخِرَةِ، بَيَّنَ أنَّهم لا يَتَخَلَّصُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ عَنْ عَذابِ الدُّنْيا وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ ”أوْ لا تَرَوْنَ“ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ لِلْمُؤْمِنِينَ، والباقُونَ بِالياءِ خَبَرًا عَنِ المُنافِقِينَ، فَعَلى قِراءَةِ المُخاطَبَةِ، كانَ المَعْنى أنَّ المُؤْمِنِينَ نُبِّهُوا عَلى إعْراضِ المُنافِقِينَ عَنِ النَّظَرِ والتَّدَبُّرِ، ومَن قَرَأ عَلى المُغايَبَةِ، كانَ المَعْنى تَقْرِيعَ المُنافِقِينَ بِالإعْراضِ عَنْ الِاعْتِبارِ بِما يَحْدُثُ في حَقِّهِمْ مِنَ الأُمُورِ المُوجِبَةِ لِلِاعْتِبارِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: قَوْلُهُ: ﴿أوَلا يَرَوْنَ﴾ هَذِهِ ألِفُ الِاسْتِفْهامِ دَخَلَتْ عَلى واوِ العَطْفِ، فَهو مُتَّصِلٌ بِذِكْرِ المُنافِقِينَ، وهو خِطابٌ عَلى سَبِيلِ التَّنْبِيهِ، قالَ سِيبَوَيْهِ عَنِ الخَلِيلِ في قَوْلِهِ:

صفحة ١٨٥

﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ [الزمر: ٢١] المَعْنى: أنَّهُ أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَكانَ كَذا وكَذا.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرُوا في هَذِهِ الفِتْنَةِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - يُمْتَحَنُونَ بِالمَرَضِ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ لا يَتُوبُونَ مِن ذَلِكَ النِّفاقِ ولا يَتَّعِظُونَ بِذَلِكَ المَرَضِ، كَما يَتَّعِظُ بِذَلِكَ المُؤْمِنُ إذا مَرِضَ، فَإنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ يَتَذَكَّرُ ذُنُوبَهُ ومَوْقِفَهُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، فَيَزِيدُهُ ذَلِكَ إيمانًا وخَوْفًا مِنَ اللَّهِ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِاسْتِحْقاقِهِ لِمَزِيدِ الرَّحْمَةِ والرِّضْوانِ مِن عِنْدِ اللَّهِ.

الثّانِي: قالَ مُجاهِدٌ: (يُفْتَنُونَ) بِالقَحْطِ والجُوعِ.

الثّالِثُ: قالَ قَتادَةُ: يُفْتَنُونَ بِالغَزْوِ والجِهادِ فَإنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالغَزْوِ والجِهادِ فَهم إنْ تَخَلَّفُوا وقَعُوا في ألْسِنَةِ النّاسِ بِاللَّعْنِ والخِزْيِ والذِّكْرِ القَبِيحِ، وإنْ ذَهَبُوا إلى الغَزْوِ مَعَ كَوْنِهِمْ كافِرِينَ كانُوا قَدْ عَرَّضُوا أنْفُسَهَمْ لِلْقَتْلِ وأمْوالَهم لِلنَّهْبِ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ.

الرّابِعُ: قالَ مُقاتِلٌ: يَفْضَحُهم رَسُولُ اللَّهِ بِإظْهارِ نِفاقِهِمْ وكُفْرِهِمْ قِيلَ: إنَّهم كانُوا يَجْتَمِعُونَ عَلى ذِكْرِ الرَّسُولِ بِالطَّعْنِ فَكانَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَنْزِلُ عَلَيْهِ ويُخْبِرُهُ بِما قالُوهُ فِيهِ، فَكانَ يَذْكُرُ تِلْكَ الحادِثَةَ لَهم ويُوَبِّخُهم عَلَيْها، ويَعِظُهم فَما كانُوا يَتَّعِظُونَ، ولا يَنْزَجِرُونَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском