Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:20–26
9:20Page 189
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ أَعۡظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ٢٠
The ones who have believed, emigrated and striven in the cause of Allāh with their wealth and their lives are greater in rank in the sight of Allāh. And it is those who are the attainers [of success].
قَوْلُهُ تَعالى:
صفحة ١٢
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وأُولَئِكَ﴾ ( هُمُ الفائِزُونَ ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ تَرْجِيحَ الإيمانِ والجِهادِ عَلى السِّقايَةِ وعِمارَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ، عَلى طَرِيقِ الرَّمْزِ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ هَذا التَّرْجِيحِ عَلى سَبِيلِ التَّصْرِيحِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: إنَّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ الأرْبَعَةِ كانَ أعْظَمَ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ مِمَّنِ اتَّصَفَ بِالسِّقايَةِ والعِمارَةِ، وتِلْكَ الصِّفاتُ الأرْبَعَةُ هي هَذِهِ:
فَأوَّلُها: الإيمانُ.
وثانِيها: الهِجْرَةُ.
وثالِثُها: الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ بِالمالِ.
ورابِعُها: الجِهادُ بِالنَّفْسِ.
وإنَّما قُلْنا: إنَّ المَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الأرْبَعَةِ في غايَةِ الجَلالَةِ والرِّفْعَةِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ لَيْسَ لَهُ إلّا مَجْمُوعَ أُمُورٍ ثَلاثَةٍ: الرُّوحُ، والبَدَنُ، والمالُ، أمّا الرُّوحُ فَلَمّا زالَ عَنْهُ الكُفْرُ وحَصَلَ فِيهِ الإيمانُ، فَقَدْ وصَلَ إلى مَراتِبِ السَّعاداتِ اللّائِقَةِ بِها.
وأمّا البَدَنُ والمالُ فَبِسَبَبِ الهِجْرَةِ وقَعا في النُّقْصانِ، وبِسَبَبِ الِاشْتِغالِ بِالجِهادِ صارا مُعَرَّضَيْنِ لِلْهَلاكِ والبُطْلانِ، ولا شَكَّ أنَّ النَّفْسَ والمالَ مَحْبُوبُ الإنْسانِ، والإنْسانُ لا يُعْرِضُ عَنْ مَحْبُوبِهِ إلّا لِلْفَوْزِ بِمَحْبُوبٍ أكْمَلَ مِنَ الأوَّلِ، فَلَوْلا أنَّ طَلَبَ الرِّضْوانِ أتَمُّ عِنْدَهم مِنَ النَّفْسِ والمالِ، وإلّا لَما رَجَّحُوا جانِبَ الآخِرَةِ عَلى جانِبِ النَّفْسِ والمالِ، ولَما رَضُوا بِإهْدارِ النَّفْسِ والمالِ لِطَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى، فَثَبَتَ أنَّ عِنْدَ حُصُولِ الصِّفاتِ الأرْبَعَةِ صارَ الإنْسانُ واصِلًا إلى آخِرِ دَرَجاتِ البَشَرِيَّةِ، وأوَّلِ مَراتِبِ دَرَجاتِ المَلائِكَةِ، وأيُّ مُناسَبَةٍ بَيْنَ هَذِهِ الدَّرَجَةِ، وبَيْنَ الإقْدامِ عَلى السِّقايَةِ والعِمارَةِ لِمُجَرَّدِ الِاقْتِداءِ بِالآباءِ والأسْلافِ، ولِطَلَبِ الرِّياسَةِ والسُّمْعَةِ ؟ فَثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ اليَقِينِيِّ صِحَّةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ: أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ المُشْتَغِلِينَ بِالسِّقايَةِ والعِمارَةِ؛ لِأنَّهُ لَوْ عَيَّنَ ذِكْرَهم لَأوْهَمَ أنَّ فَضِيلَتَهم إنَّما حَصَلَتْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ، ولَمّا تَرَكَ ذِكْرَ المَرْجُوحِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم أفْضَلُ مِن كُلِّ مَن سِواهم عَلى الإطْلاقِ؛ لِأنَّهُ لا يُعْقَلُ حُصُولُ سَعادَةٍ وفَضِيلَةٍ لِلْإنْسانِ أعْلى وأكْمَلَ مِن هَذا الصِّفاتِ.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن كَوْنِ العَبْدِ عِنْدَ اللَّهِ الِاسْتِغْراقُ في عُبُودِيَّتِهِ وطاعَتِهِ، ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ العِنْدِيَّةَ بِحَسَبِ الجِهَةِ والمَكانِ، وعِنْدَ هَذا يَلُوحُ أنَّ المَلائِكَةَ كَما حَصَلَتْ لَهم مَنقَبَةُ العِنْدِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٩] فَكَذَلِكَ الأرْواحُ القُدُسِيَّةُ البَشَرِيَّةُ إذا تَطَهَّرَتْ عَنْ دَنَسِ الأوْصافِ البَدَنِيَّةِ والقاذُوراتِ الجَسَدانِيَّةِ، أشْرَقَتْ بِأنْوارِ الجَلالَةِ وتَجَلّى فِيها أضْواءُ عالَمِ الكَمالِ، وتَرَقَّتْ مِنَ العَبْدِيَّةِ إلى العِنْدِيَّةِ، بَلْ كَأنَّهُ لا كَمالَ في العَبْدِيَّةِ إلّا مُشاهَدَةَ حَقِيقَةِ العِنْدِيَّةِ؛ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسْراءِ: ١] .
فَإنْ قِيلَ: لَمّا أخْبَرْتُمْ أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ كانَتْ بَيْنَ المُسْلِمِينَ والكافِرِينَ، فَكَيْفَ قالَ في وصْفِهِمْ: ﴿أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً﴾ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ لِلْكُفّارِ دَرَجَةٌ ؟
قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذا ورَدَ عَلى حَسَبِ ما كانُوا يُقَدِّرُونَ لِأنْفُسِهِمْ مِنَ الدَّرَجَةِ والفَضِيلَةِ عِنْدَ اللَّهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾ [النَّمْلِ: ٥٩] وقَوْلُهُ: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصّافّاتِ: ٦٢] .
الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ: أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِن كُلِّ مَن لَمْ يَكُنْ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ
صفحة ١٣
الصِّفاتِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم لَمّا كانُوا أفْضَلَ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ ما كانُوا مَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ فَبِأنْ لا يُقاسُوا إلى الكُفّارِ أوْلى.
الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ المُؤْمِنَ المُجاهِدَ المُهاجِرَ أفْضَلُ مِمَّنْ عَلى السِّقايَةِ والعِمارَةِ، والمُرادُ مِنهُ تَرْجِيحُ تِلْكَ الأعْمالِ عَلى هَذِهِ الأعْمالِ، ولا شَكَّ أنَّ السِّقايَةَ والعِمارَةَ مِن أعْمالِ الخَيْرِ، وإنَّما بَطَلَ إيجابُهُما لِلثَّوابِ في حَقِّ الكُفّارِ؛ لِأنَّ قِيامَ الكُفْرِ وهو أعْظَمُ الجِناياتِ يَمْنَعُ ظُهُورَ ذَلِكَ الأثَرِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ المَوْصُوفِينَ بِالإيمانِ والهِجْرَةِ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ وهَذا لِلْحَصْرِ، والمَعْنى أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ بِالدَّرَجَةِ العالِيَةِ الشَّرِيفَةِ المُقَدَّسَةِ الَّتِي وقَعَتِ الإشارَةُ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ وهي دَرَجَةُ العِنْدِيَّةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ وعَرَفَهُ فَقَلَّ أنْ يَبْقى قَلْبُهُ مُلْتَفِتًا إلى الدُّنْيا، ثُمَّ عِنْدَ هَذا يَحْتالُ إلى إزالَةِ هَذِهِ العُقْدَةِ عَنْ جَوْهَرِ الرُّوحِ، وإزالَةُ حُبِّ الدُّنْيا لا يَتِمُّ لَهُ إلّا بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَ النَّفْسِ وبَيْنَ لَذّاتِ الدُّنْيا، فَإذا دامَ ذَلِكَ التَّفْرِيقُ، وانْتَقَصَ تَعَلُّقُهُ بِحُبِّ الدُّنْيا، فَهَذا التَّفْرِيقُ والنَّقْصُ يَحْصُلانِ بِالهِجْرَةِ، ثُمَّ إنَّهُ بَعْدَهُ لا بُدَّ مِنَ اسْتِحْقارِ الدُّنْيا والوُقُوفِ عَلى مَعايِبِها وصَيْرُورَتِها في عَيْنِ العاقِلِ بِحَيْثُ يُوجِبُ عَلى نَفْسِهِ تَرْكَها ورَفْضَها، وذَلِكَ إنَّما يَتِمُّ بِالجِهادِ؛ لِأنَّهُ تَعْرِيضُ النَّفْسِ والمالِ لِلْهَلاكِ والبَوارِ، ولَوْلا أنَّهُ اسْتَحْقَرَ الدُّنْيا وإلّا لَما فَعَلَ ذَلِكَ، وعِنْدَ هَذا يَتِمُّ ما قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وهو أنَّ العِرْفانَ مُبْتَدَأٌ مِن تَفْرِيقٍ ونَقْصٍ وتَرْكٍ ورَفْضٍ، ثُمَّ عِنْدَ حُصُولِ هَذِهِ الحالَةِ يَصِيرُ القَلْبُ مُشْتَغِلًا بِالنَّظَرِ إلى صِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ، وفي مُشاهَدَتِها يَحْصُلُ بَذْلُ النَّفْسِ والمالِ، فَيَصِيرُ الإنْسانُ شَهِيدًا مُشاهِدًا لِعالَمِ الجَلالِ مُكاشِفًا بِنُورِ الجَلالَةِ مَشْهُودًا لَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ وعِنْدَ هَذا يَحْصُلُ الِانْتِهاءُ إلى حَضْرَةِ الأحَدِ الصَّمَدِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ وهُنا يَحِقُّ الوُقُوفُ في الوُصُولِ.
9:21–22Page 190
يُبَشِّرُهُمۡ رَبُّهُم بِرَحۡمَةٖ مِّنۡهُ وَرِضۡوَٰنٖ وَجَنَّٰتٖ لَّهُمۡ فِيهَا نَعِيمٞ مُّقِيمٌ ٢١
Their Lord gives them good tidings of mercy from Him and approval and of gardens for them wherein is enduring pleasure.
خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ٢٢
[They will be] abiding therein forever. Indeed, Allāh has with Him a great reward.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الإشارَةَ اشْتَمَلَتْ عَلى أنْواعٍ مِنَ الدَّرَجاتِ العالِيَةِ، وأنَّهُ تَعالى ابْتَدَأ فِيها بِالأشْرَفِ فالأشْرَفِ، نازِلًا إلى الأدْوَنِ فالأدْوَنِ، ونَحْنُ نُفَسِّرُها تارَةً عَلى طَرِيقِ المُتَكَلِّمِينَ وأُخْرى عَلى طَرِيقَةِ العارِفِينَ.
أمّا الأوَّلُ فَنَقُولُ: فالمَرْتَبَةُ الأُولى مِنها وهي أعْلاها وأشْرَفُها كَوْنُ تِلْكَ البِشارَةِ حاصِلَةً مِن رَبِّهِمْ بِالرَّحْمَةِ والرِّضْوانِ، وهَذا هو التَّعْظِيمُ والإجْلالُ مِن قِبَلِ اللَّهِ. وقَوْلُهُ: ﴿وجَنّاتٍ لَهُمْ﴾ إشارَةٌ إلى حُصُولِ المَنافِعِ العَظِيمَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فِيها نَعِيمٌ﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِ المَنافِعِ خالِصَةً عَنِ المُكَدِّراتِ؛ لِأنَّ النَّعِيمَ مُبالَغَةٌ في النِّعْمَةِ، ولا مَعْنى لِلْمُبالَغَةِ في النِّعْمَةِ إلّا خَلُوُّها عَنْ مُمازَجَةِ الكُدُوراتِ، وقَوْلُهُ: ﴿مُقِيمٌ﴾ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِها دائِمَةً غَيْرَ مُنْقَطِعَةٍ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عَبَّرَ عَنْ دَوامِها بِثَلاثِ عِباراتٍ:
أوَّلُها: ﴿مُقِيمٌ﴾ .
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ .
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿أبَدًا﴾ .
فَحَصَلَ مِن مَجْمُوعِ ما ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى يُبَشِّرُ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ المُهاجِرِينَ المُجاهِدِينَ بِمَنفَعَةٍ خالِصَةٍ دائِمَةٍ مَقْرُونَةٍ بِالتَّعْظِيمِ، وذَلِكَ هو حَدُّ الثَّوابِ، وفائِدَةُ تَخْصِيصِ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ بِكَوْنِ هَذا الثَّوابِ كامِلَ الدَّرَجَةِ عالِيَ الرُّتْبَةِ بِحَسْبَ كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ القُيُودِ الأرْبَعَةِ، ومِنَ المُتَكَلِّمِينَ مَن قالَ: قَوْلُهُ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ﴾ المُرادُ مِنهُ خَيْراتُ الدُّنْيا، وقَوْلُهُ: ﴿ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ﴾ المُرادُ مِنهُ كَوْنُهُ تَعالى راضِيًا عَنْهم حالَ كَوْنِهِمْ في الحَياةِ الدُّنْيا وقَوْلُهُ: ﴿وجَنّاتٍ﴾ المُرادُ مِنهُ المَنافِعُ وقَوْلُهُ: ﴿لَهم فِيها نَعِيمٌ﴾ المُرادُ مِنهُ كَوْنُ تِلْكَ النِّعَمِ
صفحة ١٤
خالِصَةً عَنِ المُكَدِّراتِ؛ لِأنَّ النَّعِيمَ مُبالَغَةٌ في النِّعْمَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿مُقِيمٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ المُرادُ مِنهُ الإجْلالُ والتَّعْظِيمُ الَّذِي يَجِبُ حُصُولُهُ في الثَّوابِ.
وأمّا تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى طَرِيقَةِ العارِفِينَ المُحِبِّينَ المُشْتاقِينَ فَنَقُولُ: المَرْتَبَةُ الأُولى مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهُمْ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ الفَرَحَ بِالنِّعْمَةِ يَقَعُ عَلى قِسْمَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَفْرَحَ بِالنِّعْمَةِ؛ لِأنَّها نِعْمَةٌ.
والثّانِي: أنْ يَفْرَحَ بِها لا مِن حَيْثُ هي بَلْ مِن حَيْثُ إنَّ المُنْعِمَ خَصَّهُ بِها وشَرَّفَهُ، وإنْ عَجَزَ ذِهْنُكَ عَنِ الوُصُولِ إلى الفَرْقِ بَيْنَ القِسْمَيْنِ، فَتَأمَّلْ فِيما إذا كانَ العَبْدُ واقِفًا في حَضْرَةِ السُّلْطانِ الأعْظَمِ، وسائِرُ العَبِيدِ كانُوا واقِفِينَ في خِدْمَتِهِ، فَإذا رَمى ذَلِكَ السُّلْطانُ تُفّاحَةً إلى أحَدِ أُولَئِكَ العَبِيدِ عَظُمَ فَرَحُهُ بِها، فَذَلِكَ الفَرَحُ العَظِيمُ ما حَصَلَ بِسَبَبِ حُصُولِ تِلْكَ التُّفّاحَةِ، بَلْ بِسَبَبِ أنَّ ذَلِكَ السُّلْطانَ خَصَّهُ بِذَلِكَ الإكْرامِ، فَكَذَلِكَ هَهُنا.
قَوْلُهُ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ﴾ مِنهم مَن كانَ فَرَحُهم بِسَبَبِ الفَوْزِ بِتِلْكَ الرَّحْمَةِ، ومِنهم مَن لَمْ يَفْرَحْ بِالفَوْزِ بِتِلْكَ الرَّحْمَةِ وإنَّما فَرِحَ؛ لِأنَّ مَوْلاهُ خَصَّهُ بِتِلْكَ الرَّحْمَةِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ فَرَحُهُ لا بِالرَّحْمَةِ بَلْ بِمَن أعْطى الرَّحْمَةَ، ثُمَّ إنَّ هَذا المَقامَ يَحْصُلُ فِيهِ أيْضًا دَرَجاتٌ، فَمِنهم مَن يَكُونُ فَرَحُهُ بِالرّاحِمِ؛ لِأنَّهُ رَحِمَ، ومِنهم مَن يَتَوَغَّلُ في الخُلُوصِ فَيَنْسى الرَّحْمَةَ، ولا يَكُونُ فَرَحُهُ إلّا بِالمَوْلى؛ لِأنَّهُ هو المَقْصِدُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ العَبْدَ ما دامَ مَشْغُولًا بِالحَقِّ مِن حَيْثُ إنَّهُ راحِمٌ فَهو غَيْرُ مُسْتَغْرِقٍ في الحَقِّ، بَلْ تارَةً مَعَ الحَقِّ وتارَةً مَعَ الخَلْقِ، فَإذا تَمَّ الأمْرُ انْقَطَعَ عَنِ الخَلْقِ، وغَرِقَ في بَحْرِ نُورِ الحَقِّ، وغَفَلَ عَنِ المَحَبَّةِ والمِحْنَةِ، والنِّقْمَةِ والنِّعْمَةِ، والبَلاءِ والآلاءِ، والمُحَقِّقُونَ وقَفُوا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهُمْ﴾ فَكانَ ابْتِهاجُهم بِهَذا وسُرُورُهم بِهِ، وتَعْوِيلُهم عَلَيْهِ ورُجُوعُهم إلَيْهِ، ومِنهم مَن لَمْ يَصِلْ إلى تِلْكَ الدَّرَجَةِ العالِيَةِ، فَلا تَقْنَعُ نَفْسُهُ إلّا بِمَجْمُوعِ قَوْلِهِ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ﴾ فَلا يَعْرِفُ أنَّ الِاسْتِبْشارَ بِسَماعِ قَوْلِ رَبِّهِمْ، بَلْ إنَّما يَسْتَبْشِرُ بِمَجْمُوعِ كَوْنِهِ مُبَشَّرًا بِالرَّحْمَةِ.
والمَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: هي أنْ يَكُونَ اسْتِبْشارُهُ بِالرَّحْمَةِ وهَذِهِ المَرْتَبَةُ هي النّازِلَةُ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ، واللَّطِيفَةُ الثّانِيَةُ مِن لَطائِفِ هَذِهِ الآيَةِ هي أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهُمْ﴾ وهي مُشْتَمِلَةٌ عَلى أنْواعٍ مِنَ الرَّحْمَةِ والكَرامَةِ:
أوَّلُها: أنَّ البِشارَةَ لا تَكُونُ إلّا بِالرَّحْمَةِ والإحْسانِ.
والثّانِي: أنَّ بِشارَةَ كُلِّ أحَدٍ يَجِبُ أنْ تَكُونَ لائِقَةً بِحالِهِ، فَلَمّا كانَ المُبَشِّرُ هَهُنا هو أكْرَمَ الأكْرَمِينَ، وجَبَ أنْ تَكُونَ البِشارَةُ بِخَيْراتٍ تَعْجَزُ العُقُولُ عَنْ وصْفِها، وتَتَقاصَرُ الأفْهامُ عَنْ نَعْتِها.
والثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى سَمّى نَفْسَهُ هَهُنا بِالرَّبِّ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ التَّرْبِيَةِ كَأنَّهُ قالَ: الَّذِي رَبّاكم في الدُّنْيا بِالنِّعَمِ الَّتِي لا حَدَّ لَها، ولا حَصْرَ لَها يُبَشِّرُكم بِخَيْراتٍ عالِيَةٍ وسِعاداتٍ كامِلَةٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿رَبُّهُمْ﴾ فَأضافَ نَفْسَهُ إلَيْهِمْ، وما أضافَهم إلى نَفْسِهِ.
والخامِسُ: أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ ذِكْرَهم عَلى ذِكْرِ نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهُمْ﴾ .
والسّادِسُ: أنَّ البِشارَةَ هي الإخْبارُ عَنْ حُدُوثِ شَيْءٍ ما كانَ مَعْلُومَ الوُقُوعِ، أمّا لَوْ كانَ مَعْلُومَ الوُقُوعِ لَمْ يَكُنْ بِشارَةً، ألا تَرى أنَّ الفُقَهاءَ قالُوا: لَوْ أنَّ رَجُلًا قالَ: مَن يُبَشِّرُنِي مِن عَبِيدِي بِقُدُومِ ولَدِي فَهو حُرٌّ، فَأوَّلُ مَن أخْبَرَ بِذَلِكَ الخَبَرِ يُعْتَقُ، والَّذِينَ يُخْبِرُونَ بَعْدَهُ لا يُعْتَقُونَ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقَوْلُهُ: ﴿يُبَشِّرُهُمْ﴾ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ إخْبارًا عَنْ حُصُولِ مَرْتَبَةٍ مِن مَراتِبَ السَّعاداتِ ما عَرَفُوها قَبْلَ ذَلِكَ، وجَمِيعُ لَذّاتِ الجَنَّةِ وخَيْراتِها وطَيِّباتِها قَدْ عَرَفُوهُ في الدُّنْيا مِنَ القُرْآنِ، والإخْبارِ عَنْ حُصُولِ بِشارَةٍ فَلا بُدَّ وأنْ تَكُونَ هَذِهِ البِشارَةُ بِشارَةً عَنْ سَعاداتٍ لا تَصِلُ العُقُولُ إلى وصْفِها ألْبَتَّةَ، رَزَقَنا اللَّهُ تَعالى الوُصُولَ إلَيْها بِفَضْلِهِ وكَرَمِهِ.
صفحة ١٥
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهُمْ﴾ بَيَّنَ الشَّيْءَ الَّذِي بِهِ يُبَشِّرُهم وهو أُمُورٌ:
أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿بِرَحْمَةٍ مِنهُ﴾ .
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿ورِضْوانٍ﴾ .
وأنا أظُنُّ والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ أنَّ المُرادَ بِهَذَيْنِ الأمْرَيْنِ ما ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفَجْرِ: ٢٨] والرَّحْمَةُ كَوْنُ العَبْدِ راضِيًا بِقَضاءِ اللَّهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ مَن حَصَلَتْ لَهُ هَذِهِ الحالَةُ كانَ نَظَرُهُ عَلى المُبْلِي والمُنْعِمِ لا عَلى النِّعْمَةِ والبَلاءِ، ومَن كانَ نَظَرُهُ عَلى المُبْلِي والمُنْعِمِ لَمْ يَتَغَيَّرْ حالُهُ؛ لِأنَّ المُبْلِيَ والمُنْعِمَ مُنَزَّهٌ عَنِ التَّغَيُّرِ.
فالحاصِلُ أنَّ حالَهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُنَزَّهًا عَنِ التَّغَيُّرِ، أمّا مَن كانَ طالِبًا لِمَحْضِ النَّفْسِ كانَ أبَدًا في التَّغَيُّرِ مِنَ الفَرَحِ إلى الحُزْنِ، ومِنَ السُّرُورِ إلى الغَمِّ، ومِنَ الصِّحَّةِ إلى الجِراحَةِ، ومِنَ اللَّذَّةِ إلى الألَمِ، فَثَبَتَ أنَّ الرَّحْمَةَ التّامَّةَ لا تَحْصُلُ إلّا عِنْدَما يَصِيرُ العَبْدُ راضِيًا بِقَضاءِ اللَّهِ فَقَوْلُهُ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ﴾ هو أنَّهُ يُزِيلُ عَنْ قَلْبِهِ الِالتِفاتَ إلى غَيْرِ هَذِهِ الحالَةِ، ويَجْعَلُهُ راضِيًا بِقَضائِهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يَصِيرُ راضِيًا. وهو قَوْلُهُ: ﴿ورِضْوانٍ﴾ وعِنْدَ هَذا تَصِيرُ هاتانِ الحالَتانِ هُما المَذْكُورَتانِ في قَوْلِهِ: ﴿راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ وهَذِهِ هي الجَنَّةُ الرُّوحانِيَّةُ النُّورانِيَّةُ العَقْلِيَّةُ القُدُسِيَّةُ الإلَهِيَّةُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ ذَكَرَ هَذِهِ الجَنَّةَ العالِيَةَ المُقَدَّسَةَ ذَكَرَ الجَنَّةَ الجُسْمانِيَّةَ، وهي قَوْلُهُ: ﴿وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ وقَدْ سَبَقَ شَرْحُ هَذِهِ المَراتِبِ، ولَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الأحْوالَ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ والمَقْصُودُ شَرْحُ تَعْظِيمِ هَذِهِ الأحْوالِ، ولْنَخْتِمْ هَذا الفَصْلَ بِبَيانِ أنَّ أصْحابَنا يَقُولُونَ: إنَّ الخُلُودَ يَدُلُّ عَلى طُولِ المُكْثِ، ولا يَدُلُّ عَلى التَّأْبِيدِ، واحْتَجُّوا عَلى قَوْلِهِمْ في هَذا البابِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ ولَوْ كانَ الخُلُودُ يُفِيدُ التَّأْبِيدَ، لَكانَ ذِكْرُ التَّأْبِيدِ بَعْدَ ذِكْرِ الخُلُودِ تِكْرارًا وأنَّهُ لا يَجُوزُ.
9:23Page 190
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُوٓاْ ءَابَآءَكُمۡ وَإِخۡوَٰنَكُمۡ أَوۡلِيَآءَ إِنِ ٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡكُفۡرَ عَلَى ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢٣
O you who have believed, do not take your fathers or your brothers as allies if they have preferred disbelief over belief. And whoever does so among you - then it is those who are the wrongdoers.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكم وإخْوانَكم أوْلِياءَ إنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ جَوابًا عَنْ شُبْهَةٍ أُخْرى ذَكَرُوها في أنَّ البَراءَةَ مِنَ الكُفّارِ غَيْرُ مُمْكِنَةٍ، وتِلْكَ الشُّبْهَةُ أنْ قالُوا: إنَّ الرَّجُلَ المُسْلِمَ قَدْ يَكُونُ أبُوهُ كافِرًا، والرَّجُلُ الكافِرُ قَدْ يَكُونُ أبُوهُ أوْ أخُوهُ مُسْلِمًا، وحُصُولُ المُقاطَعَةِ التّامَّةِ بَيْنَ الرَّجُلِ وأبِيهِ وأخِيهِ كالمُتَعَذَّرِ المُمْتَنِعِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَتْ تِلْكَ البَراءَةُ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِها، كالشّاقِّ المُمْتَنِعِ المُتَعَذَّرِ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ لِيُزِيلَ هَذِهِ الشُّبْهَةَ، ونَقَلَ الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: لَمّا أُمِرَ المُؤْمِنُونَ بِالهِجْرَةِ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ فَمَن لَمْ يُهاجِرْ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ إيمانَهُ حَتّى يُجانِبَ الآباءَ والأقارِبَ إنْ كانُوا كُفّارًا، قالَ المُصَنِّفُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَذا مُشْكِلٌ؛ لِأنَّ الصَّحِيحَ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ إنَّما نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ما ذَكَرُوهُ ؟ والأقْرَبُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى ما ذَكَرْتُهُ، وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالتَّبَرِّي عَنِ المُشْرِكِينَ وبالَغَ في إيجابِهِ، قالُوا: كَيْفَ تُمْكِنُ هَذِهِ المُقاطَعَةُ التّامَّةُ بَيْنَ الرَّجُلِ وبَيْنَ أبِيهِ وأُمِّهِ وأخِيهِ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى: أنَّ الِانْقِطاعَ عَنِ الآباءِ والأوْلادِ
صفحة ١٦
والإخْوانِ واجِبٌ بِسَبَبِ الكُفْرِ وهو قَوْلُهُ: ﴿إنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ﴾ والِاسْتِحْبابُ طَلَبُ المَحَبَّةِ يُقالُ: اسْتَحَبَّ لَهُ، بِمَعْنى أحَبَّهُ، كَأنَّهُ طَلَبَ مَحَبَّتَهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ نَهى عَنْ مُخالَطَتِهِمْ، وكانَ لَفْظُ النَّهْيِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ نَهْيَ تَنْزِيهٍ، وأنْ يَكُونَ نَهْيَ تَحْرِيمٍ، ذَكَرَ ما يُزِيلُ الشُّبْهَةَ، فَقالَ: ﴿ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ مُشْرِكًا مِثْلَهم؛ لِأنَّهُ رَضِيَ بِشِرْكِهِمْ، والرِّضا بِالكُفْرِ كُفْرٌ، كَما أنَّ الرِّضا بِالفِسْقِ فِسْقٌ، قالَ القاضِي: هَذا النَّهْيُ لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَتَبَرَّأ المَرْءُ مِن أبِيهِ في الدُّنْيا، كَما لا يَمْنَعُ مِن قَضاءِ دَيْنِ الكافِرِ ومِنِ اسْتِعْمالِهِ في أعْمالِهِ.
9:24Page 190
قُلۡ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ وَإِخۡوَٰنُكُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ وَعَشِيرَتُكُمۡ وَأَمۡوَٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٞ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَآ أَحَبَّ إِلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٖ فِي سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٤
Say, [O Muḥammad], "If your fathers, your sons, your brothers, your wives, your relatives, wealth which you have obtained, commerce wherein you fear decline, and dwellings with which you are pleased are more beloved to you than Allāh and His Messenger and jihād [i.e., striving] in His cause, then wait until Allāh executes His command. And Allāh does not guide the defiantly disobedient people."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكم وأبْناؤُكم وإخْوانُكم وأزْواجُكم وعَشِيرَتُكم وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إلَيْكم مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وجِهادٍ في سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ هي تَقْرِيرُ الجَوابِ الَّذِي ذَكَرَهُ في الآيَةِ الأُولى، وذَلِكَ لِأنَّ جَماعَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يُمْكِنُ البَراءَةُ مِنهم بِالكُلِّيَّةِ ؟ وإنَّ هَذِهِ البَراءَةَ تُوجِبُ انْقِطاعَنا عَنْ آبائِنا وإخْوانِنا وعَشِيرَتِنا، وذَهابَ تِجارَتِنا، وهَلاكَ أمْوالِنا وخَرابَ دِيارِنا، وإبْقاءَنا ضائِعِينَ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَجِبُ تَحَمُّلُ جَمِيعِ هَذِهِ المَضارِّ الدُّنْيَوِيَّةِ لِيَبْقى الدِّينُ سَلِيمًا، وذَكَرَ أنَّهُ إنْ كانَتْ رِعايَةُ هَذِهِ المَصالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ عِنْدَكم أوْلى مِن طاعَةِ اللَّهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ، ومِنَ المُجاهَدَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَتَرَبَّصُوا بِما تُحِبُّونَ حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ، أيْ: بِعُقُوبَةٍ عاجِلَةٍ أوْ آجِلَةٍ، والمَقْصُودُ مِنهُ الوَعِيدُ.
ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ أيِ: الخارِجِينَ عَنْ طاعَتِهِ إلى مَعْصِيَتِهِ، وهَذا أيْضًا تَهْدِيدٌ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ إذا وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ مَصْلَحَةٍ واحِدَةٍ مِن مَصالِحِ الدِّينِ وبَيْنَ جَمِيعِ مُهِمّاتِ الدُّنْيا، وجَبَ عَلى المُسْلِمِ تَرْجِيحُ الدِّينِ عَلى الدُّنْيا، قالَ الواحِدِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿وعَشِيرَتُكُمْ﴾ عَشِيرَةُ الرَّجُلِ أهْلُهُ الأدْنَوْنَ، وهُمُ الَّذِينَ يُعاشِرُونَهُ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (وعَشِيراتُكم) بِالجَمْعِ والباقُونَ عَلى الواحِدِ، أمّا مَن قَرَأ بِالجَمْعِ، فَذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المُخاطَبِينَ لَهُ عَشِيرَةٌ، فَإذا جَمَعْتَ قُلْتَ: عَشِيراتُكم، ومَن أفْرَدَ قالَ: العَشِيرَةُ واقِعَةٌ عَلى الجَمْعِ، واسْتَغْنى عَنْ جَمْعِها، ويُقَوِّي ذَلِكَ أنَّ الأخْفَشَ قالَ: لا تَكادُ العَرَبُ تَجْمَعُ عَشِيرَةً عَلى عَشِيراتٍ، إنَّما يَجْمَعُونَها عَلى عَشائِرَ، وقَوْلُهُ: ﴿وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها﴾ الِاقْتِرافُ الِاكْتِسابُ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الأُمُورَ الدّاعِيَةَ إلى مُخالَطَةِ الكُفّارِ، وهي أُمُورٌ أرْبَعَةٌ:
أوَّلُها: مُخالَطَةُ الأقارِبِ، وذَكَرَ مِنهم أرْبَعَةَ أصْنافٍ عَلى التَّفْصِيلِ وهُمُ الآباءُ والأبْناءُ والإخْوانُ والأزْواجُ، ثُمَّ ذَكَرَ البَقِيَّةَ بِلَفْظٍ واحِدٍ يَتَناوَلُ الكُلَّ، وهي لَفْظُ العَشِيرَةِ.
وثانِيها: المَيْلُ إلى إمْساكِ الأمْوالِ المُكْتَسَبَةِ.
وثالِثُها: الرَّغْبَةُ في تَحْصِيلِ
صفحة ١٧
الأمْوالِ بِالتِّجارَةِ.
ورابِعُها: الرَّغْبَةُ في المَساكِنِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا التَّرْتِيبَ تَرْتِيبٌ حَسَنٌ، فَإنَّ أعْظَمَ الأسْبابِ الدّاعِيَةِ إلى المُخالَطَةِ القَرابَةُ، ثُمَّ إنَّهُ يُتَوَصَّلُ بِتِلْكَ المُخالَطَةِ إلى إبْقاءِ الأمْوالِ الحاصِلَةِ، ثُمَّ إنَّهُ يُتَوَصَّلُ بِالمُخالَطَةِ إلى اكْتِسابِ الأمْوالِ الَّتِي هي غَيْرُ حاصِلَةٍ، وفي آخِرِ المَراتِبِ الرَّغْبَةُ في البِناءِ في الأوْطانِ والدُّورِ الَّتِي بُنِيَتْ لِأجْلِ السُّكْنى، فَذَكَرَ تَعالى هَذِهِ الأشْياءَ عَلى هَذا التَّرْتِيبِ الواجِبِ، وبَيَّنَ بِالآخِرَةِ أنَّ رِعايَةَ الدِّينِ خَيْرٌ مِن رِعايَةِ جُمْلَةِ هَذِهِ الأُمُورِ.
9:25–26Page 190
لَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٖ وَيَوۡمَ حُنَيۡنٍ إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَيۡـٔٗا وَضَاقَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ ثُمَّ وَلَّيۡتُم مُّدۡبِرِينَ ٢٥
Allāh has already given you victory in many regions and [even] on the day of Ḥunayn, when your great number pleased you, but it did not avail you at all, and the earth was confining for you with [i.e., in spite of] its vastness; then you turned back, fleeing.
ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَا وَعَذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٦
Then Allāh sent down His tranquility upon His Messenger and upon the believers and sent down soldiers [i.e., angels] whom you did not see and punished those who disbelieved. And that is the recompense of the disbelievers.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكم فَلَمْ تُغْنِ عَنْكم شَيْئًا وضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ وأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها وعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلى مَن يَشاءُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
وفِي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهُ يَجِبُ الإعْراضُ عَنْ مُخالَطَةِ الآباءِ والأبْناءِ والإخَوانِ، والعَشائِرِ وعَنِ الأمْوالِ والتِّجاراتِ والمَساكِنِ، رِعايَةً لِمَصالِحِ الدِّينِ، ولَمّا عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّ هَذا يَشُقُّ جِدًّا عَلى النُّفُوسِ والقُلُوبِ، ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن تَرَكَ الدُّنْيا لِأجْلِ الدِّينِ فَإنَّهُ يُوصِلُهُ إلى مَطْلُوبِهِ مِنَ الدُّنْيا أيْضًا، وضَرَبَ تَعالى لِهَذا مَثَلًا، وذَلِكَ أنَّ عَسْكَرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في واقِعَةِ حُنَيْنٍ كانُوا في غايَةِ الكَثْرَةِ والقُوَّةِ، فَلَمّا أُعْجِبُوا بِكَثْرَتِهِمْ صارُوا مُنْهَزِمِينَ، ثُمَّ في حالِ الِانْهِزامِ لَمّا تَضَّرَّعُوا إلى اللَّهِ قَوّاهم حَتّى هَزَمُوا عَسْكَرَ الكُفّارِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ مَتى اعْتَمَدَ عَلى الدُّنْيا فاتَهُ الدِّينُ والدُّنْيا، ومَتى أطاعَ اللَّهَ ورَجَّحَ الدِّينَ عَلى الدُّنْيا آتاهُ اللَّهُ الدِّينَ والدُّنْيا عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، فَكانَ ذِكْرُ هَذا تَسْلِيَةً لِأُولَئِكَ الَّذِينَ أمَرَهُمُ اللَّهُ بِمُقاطَعَةِ الآباءِ والأبْناءِ والأمْوالِ والمَساكِنِ، لِأجْلِ مَصْلَحَةِ الدِّينِ وتَصْبِيرًا لَهم عَلَيْها، ووَعْدًا لَهم عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ، بِأنَّهم إنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فاللَّهُ تَعالى يُوصِلُهم إلى أقارِبِهِمْ وأمْوالِهِمْ ومَساكِنِهِمْ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، هَذا تَقْرِيرُ النَّظْمِ وهو في غايَةِ الحُسْنِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: النَّصْرُ: المَعُونَةُ عَلى العَدُوِّ خاصَّةً، والمُواطِنُ جَمْعُ مَوْطِنٍ، وهو كُلُّ مَوْضِعٍ أقامَ بِهِ الإنْسانُ لِأمْرٍ، فَعَلى هَذا: مَواطِنُ الحَرْبِ مَقاماتُها ومَواقِفُها، وامْتِناعُها مِنَ الصَّرْفِ؛ لِأنَّهُ جَمْعٌ
صفحة ١٨
عَلى صِيغَةٍ لَمْ يَأْتِ عَلَيْها واحِدٌ، والمَواطِنُ الكَثِيرَةُ غَزَواتُ رَسُولِ اللَّهِ، ويُقالُ: إنَّها ثَمانُونَ مَوْطِنًا، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ هو الَّذِي نَصَرَ المُؤْمِنِينَ، ومَن نَصَرَهُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَهُ.
ثُمَّ قالَ: ﴿ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكُمْ﴾ أيْ: واذْكُرُوا يَوْمَ حُنَيْنٍ مِن جُمْلَةِ تِلْكَ المَواطِنِ حالَ ما أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكم.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لَمّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ، وقَدْ بَقِيَتْ أيّامٌ مِن شَهْرِ رَمَضانَ، خَرَجَ مُتَوَجِّهًا إلى حُنَيْنٍ لِقِتالِ هَوازِنَ وثَقِيفٍ، واخْتَلَفُوا في عَدَدِ عَسْكَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانُوا سِتَّةَ عَشَرَ ألْفًا، وقالَ قَتادَةُ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا عَشَرَةُ آلافٍ الَّذِينَ حَضَرُوا مَكَّةَ، وألْفانِ مِنَ الطُّلَقاءِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: كانُوا عَشَرَةَ آلافٍ، وبِالجُمْلَةِ فَكانُوا عَدَدًا كَثِيرِينَ، وكانَ هَوازِنُ وثَقِيفٌ أرْبَعَةَ آلافٍ، فَلَمّا التَقَوْا قالَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ: لَنْ نُغْلَبَ اليَوْمَ مِن قِلَّةٍ، فَهَذِهِ الكَلِمَةُ ساءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهي المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكُمْ﴾ وقِيلَ: إنَّهُ قالَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وقِيلَ: قالَها أبُو بَكْرٍ، وإسْنادُ هَذِهِ الكَلِمَةِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ كانَ في أكْثَرِ الأحْوالِ مُتَوَكِّلًا عَلى اللَّهِ مُنْقَطِعَ القَلْبِ عَنِ الدُّنْيا وأسْبابِها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences