Ar-RaziAt‑Tawbah · 9:30–33

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:30–33

9:30Page 191

وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ عُزَيۡرٌ ٱبۡنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ ٱللَّهِۖ ذَٰلِكَ قَوۡلُهُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡۖ يُضَٰهِـُٔونَ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٣٠

The Jews say, "Ezra is the son of Allāh"; and the Christians say, "The Messiah is the son of Allāh." That is their statement from their mouths; they imitate the saying of those who disbelieved before [them]. May Allāh destroy them; how are they deluded?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ يُضاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكَمَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، شَرَحَ ذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ بِأنْ نَقَلَ عَنْهم أنَّهم أثْبَتُوا لِلَّهِ ابْنًا، ومَن جَوَّزَ ذَلِكَ في حَقِّ الإلَهِ فَهو في الحَقِيقَةِ قَدْ أنْكَرَ الإلَهَ، وأيْضًا بَيَّنَ تَعالى أنَّهم بِمَنزِلَةِ المُشْرِكِينَ في الشِّرْكِ، وإنْ كانَتْ طُرُقُ القَوْلِ بِالشِّرْكِ مُخْتَلِفَةً، إذْ لا فَرْقَ بَيْنَ مَن يَعْبُدُ الصَّنَمَ وبَيْنَ مَن يَعْبُدُ المَسِيحَ وغَيْرَهُ؛ لِأنَّهُ لا مَعْنى لِلشِّرْكِ إلّا أنْ يَتَّخِذَ الإنْسانُ مَعَ اللَّهِ مَعْبُودًا، فَإذا حَصَلَ هَذا المَعْنى فَقَدْ حَصَلَ الشِّرْكُ، بَلْ إنّا لَوْ تَأمَّلْنا لَعَلِمْنا أنَّ كُفْرَ عابِدِ الوَثَنِ أخَفُّ مِن كُفْرِ النَّصارى؛ لَأنَّ عابِدَ الوَثَنِ لا يَقُولُ إنَّ هَذا الوَثَنَ خالِقُ العالَمِ وإلَهُ العالَمِ، بَلْ يُجْرِيهِ مَجْرى الشَّيْءِ الَّذِي يُتَوَسَّلُ بِهِ إلى طاعَةِ اللَّهِ، أمّا النَّصارى فَإنَّهم يُثْبِتُونَ الحُلُولَ والِاتِّحادَ وذَلِكَ كُفْرٌ قَبِيحٌ جِدًّا، فَثَبَتَ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ هَؤُلاءِ الحُلُولِيَّةِ وبَيْنَ سائِرِ المُشْرِكِينَ، وأنَّهم إنَّما خَصَّهم بِقَبُولِ الجِزْيَةِ مِنهم؛ لِأنَّهم في الظّاهِرِ ألْصَقُوا أنْفُسَهم بِمُوسى وعِيسى، وادَّعَوْا أنَّهم يَعْمَلُونَ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَلِأجْلِ تَعْظِيمِ هَذَيْنِ الرَّسُولَيْنِ المُعَظَّمَيْنِ، وتَعْظِيمِ كِتابَيْهِما وتَعْظِيمِ أسْلافِ هَؤُلاءِ اليَهُودِ والنَّصارى بِسَبَبِ أنَّهم كانُوا عَلى الدِّينِ الحَقِّ، حَكَمَ اللَّهُ تَعالى بِقَبُولِ الجِزْيَةِ مِنهم، وإلّا فَفي الحَقِيقَةِ لا فَرْقَ بَيْنَهم وبَيْنَ المُشْرِكِينَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ أقْوالٌ: الأوَّلُ: قالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: إنَّما قالَ هَذا القَوْلَ رَجُلٌ واحِدٌ مِنَ اليَهُودِ اسْمُهُ فِنْحاصُ بْنُ عازُوراءَ.

الثّانِي: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ: أتى جَماعَةٌ مِنَ اليَهُودِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهم: سَلّامُ بْنُ مِشْكَمٍ، والنُّعْمانُ بْنُ أوْفى، ومالِكُ بْنُ

صفحة ٢٨

الصَّيْفِ، وقالُوا: كَيْفَ نَتَّبِعُكَ وقَدْ تَرَكْتَ قِبْلَتَنا، ولا تَزْعُمُ أنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللَّهِ ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ فالقائِلُونَ بِهَذا المَذْهَبِ بَعْضُ اليَهُودِ، إلّا أنَّ اللَّهَ نَسَبَ ذَلِكَ القَوْلَ إلى اليَهُودِ بِناءً عَلى عادَةِ العَرَبِ في إيقاعِ اسْمِ الجَماعَةِ عَلى الواحِدِ، يُقالُ: فُلانٌ يَرْكَبُ الخُيُولَ، ولَعَلَّهُ لَمْ يَرْكَبْ إلّا واحِدًا مِنها، وفُلانٌ يُجالِسُ السَّلاطِينَ، ولَعَلَّهُ لا يُجالِسُ إلّا واحِدًا.

والقَوْلُ الثّالِثُ: لَعَلَّ هَذا المَذْهَبَ كانَ فاشِيًا فِيهِمْ ثُمَّ انْقَطَعَ، فَحَكى اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهم، ولا عِبْرَةَ بِإنْكارِ اليَهُودِ ذَلِكَ، فَإنَّ حِكايَةَ اللَّهِ عَنْهم أصْدَقُ، والسَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهِ قالُوا هَذا القَوْلَ ما رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ اليَهُودَ أضاعُوا التَّوْراةَ، وعَمِلُوا بِغَيْرِ الحَقِّ، فَأنْساهُمُ اللَّهُ تَعالى التَّوْراةَ، ونَسَخَها مِن صُدُورِهِمْ فَتَضَرَّعَ عُزَيْرٌ إلى اللَّهِ وابْتَهَلَ إلَيْهِ، فَعادَ حِفْظُ التَّوْراةِ إلى قَلْبِهِ، فَأنْذَرَ قَوْمَهُ بِهِ، فَلَمّا جَرَّبُوهُ وجَدُوهُ صادِقًا فِيهِ، فَقالُوا: ما تَيَسَّرَ هَذا لِعُزَيْرٍ إلّا أنَّهُ ابْنُ اللَّهِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: قَتَلَ بُخَتُنَصَّرُ عُلَماءَهم فَلَمْ يَبْقَ فِيهِمْ أحَدٌ يَعْرِفُ التَّوْراةَ.

وقالَ السُّدِّيُّ: العَمالِقَةُ قَتَلُوهم فَلَمْ يَبْقَ فِيهِمْ أحَدٌ يَعْرِفُ التَّوْراةَ، فَهَذا ما قِيلَ في هَذا البابِ. وأمّا حِكايَةُ اللَّهِ عَنِ النَّصارى أنَّهم يَقُولُونَ: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، فَهي ظاهِرَةٌ، لَكِنْ فِيها إشْكالٌ قَوِيٌّ، وهي أنّا نَقْطَعُ أنَّ المَسِيحَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وأصْحابُهُ كانُوا مُبَرَّئِينَ مِن دَعْوَةِ النّاسِ إلّا الأُبُوَّةِ والبُنُوَّةِ، فَإنَّ هَذا أفْحَشُ أنْواعِ الكُفْرِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِأكابِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ؟ وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يُعْقَلُ إطْباقُ جُمْلَةِ مُحِبِّي عِيسى مِنَ النَّصارى عَلى هَذا الكُفْرِ ؟، ومَنِ الَّذِي وضَعَ هَذا المَذْهَبَ الفاسِدَ ؟ وكَيْفَ قَدِرَ عَلى نِسْبَتِهِ إلى المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ ؟ فَقالَ المُفَسِّرُونَ في الجَوابِ عَنْ هَذا السُّؤالِ: إنَّ أتْباعَ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانُوا عَلى الحَقِّ بَعْدَ رَفْعِ عِيسى حَتّى وقَعَ حَرْبٌ بَيْنَهم وبَيْنَ اليَهُودِ، وكانَ في اليَهُودِ رَجُلٌ شُجاعٌ يُقالُ لَهُ: بُولَسُ قَتَلَ جَمْعًا مِن أصْحابِ عِيسى، ثُمَّ قالَ لِلْيَهُودِ: إنْ كانَ الحَقُّ مَعَ عِيسى فَقَدْ كَفَرْنا والنّارُ مَصِيرُنا، ونَحْنُ مَغْبُونُونَ إنْ دَخَلُوا الجَنَّةَ ودَخَلْنا النّارَ، وإنِّي أحْتالُ فَأُضِلُّهم، فَعَرْقَبَ فَرَسَهُ، وأظْهَرَ النَّدامَةَ مِمّا كانَ يَصْنَعُ، ووَضَعَ عَلى رَأْسِهِ التُّرابَ، وقالَ: نُودِيتُ مِنَ السَّماءِ لَيْسَ لَكَ تَوْبَةٌ إلّا أنْ تَتَنَصَّرَ، وقَدْ تُبْتُ فَأدْخَلَهُ النَّصارى الكَنِيسَةَ، ومَكَثَ سَنَةً لا يَخْرُجُ وتَعَلَّمَ الإنْجِيلَ فَصَدَّقُوهُ وأحَبُّوهُ، ثُمَّ مَضى إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، واسْتَخْلَفَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا اسْمُهُ نَسْطُورُ، وعَلَّمَهُ أنَّ عِيسى ومَرْيَمَ والإلَهَ كانُوا ثَلاثَةً، وتَوَجَّهَ إلى الرُّومِ وعَلَّمَهُمُ اللّاهُوتَ والنّاسُوتَ، وقالَ: ما كانَ عِيسى إنْسانًا، ولا جِسْمًا ولَكِنَّهُ اللَّهُ، وعَلَّمَ رَجُلًا آخَرَ يُقالُ لَهُ يَعْقُوبُ ذَلِكَ، ثُمَّ دَعا رَجُلًا يُقالُ لَهُ مَلَكا، فَقالَ لَهُ: إنَّ الإلَهَ لَمْ يَزَلْ ولا يَزالُ عِيسى، ثُمَّ دَعا لِهَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ، وقالَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم: أنْتَ خَلِيفَتِي فادْعُ النّاسَ إلى إنْجِيلِكَ، ولَقَدْ رَأيْتُ عِيسى في المَنامِ ورَضِيَ عَنِّي، وإنِّي أذْبَحُ نَفْسِي لِمَرْضاةِ عِيسى، ثُمَّ دَخَلَ المَذْبَحَ فَذَبَحَ نَفْسَهُ، ثُمَّ دَعا كُلُّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ النّاسَ إلى قَوْلِهِ ومَذْهَبِهِ، فَهَذا هو السَّبَبُ في وُقُوعِ هَذا الكُفْرِ في طَوائِفِ النَّصارى، هَذا ما حَكاهُ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، والأقْرَبُ عِنْدِي أنْ يُقالَ: لَعَلَّهُ ورَدَ لَفْظُ الِابْنِ في الإنْجِيلِ عَلى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ، كَما ورَدَ لَفْظُ الخَلِيلِ في حَقِّ إبْراهِيمَ عَلى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ، ثُمَّ إنَّ القَوْمَ لِأجْلِ عَداوَةِ اليَهُودِ، ولِأجْلِ أنْ يُقابِلُوا غُلُوَّهُمُ الفاسِدَ في أحَدِ الطَّرَفَيْنِ بِغُلُوٍّ فاسِدٍ في الطَّرَفِ الثّانِي، فَبالَغُوا وفَسَّرُوا لَفْظَ الِابْنِ بِالبُنُوَّةِ الحَقِيقِيَّةِ. والجُهّالُ قَبِلُوا ذَلِكَ، وفَشا هَذا المَذْهَبُ الفاسِدُ في أتْباعِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ عاصِمٌ والكِسائِيٌّ وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو ”عُزَيْرٌ“ بِالتَّنْوِينِ والباقُونَ بِغَيْرِ

صفحة ٢٩

التَّنْوِينِ، قالَ الزَّجّاجُ: الوَجْهُ إثْباتُ التَّنْوِينُ، فَقَوْلُهُ: ﴿عُزَيْرٌ﴾ مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ: ﴿ابْنُ اللَّهِ﴾ خَبَرُهُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ مِنَ التَّنْوِينِ في حالِ السِّعَةِ؛ لِأنَّ عُزَيْرًا يَنْصَرِفُ سَواءٌ كانَ أعْجَمِيًّا أوْ عَرَبِيًّا، وسَبَبُ كَوْنِهِ مُنْصَرِفًا أمْرانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمٌ خَفِيفٌ فَيَنْصَرِفُ، وإنْ كانَ أعْجَمِيًّا كَهُودٍ ولُوطٍ.

والثّانِي: أنَّهُ عَلى صِيغَةِ التَّصْغِيرِ وأنَّ الأسْماءَ الأعْجَمِيَّةَ لا تُصَغَّرُ، وأمّا الَّذِينَ تَرَكُوا التَّنْوِينَ فَلَهم فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ أعْجَمِيٌّ ومَعْرِفَةٌ، فَوَجَبَ أنْ لا يَنْصَرِفَ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ:(ابْنُ) صِفَةٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ مَعْبُودُنا، وطَعَنَ عَبْدُ القاهِرِ الجُرْجانِيُّ في هَذا الوَجْهِ في كِتابِ ”دَلائِلِ الإعْجازِ“، وقالَ: الِاسْمُ إذا وُصِفَ بِصِفَةٍ، ثُمَّ أُخْبِرَ عَنْهُ فَمَن كَذَّبَهُ انْصَرَفَ التَّكْذِيبُ إلى الخَبَرِ، وصارَ ذَلِكَ الوَصْفُ مُسَلَّمًا، فَلَمّا كانَ المَقْصُودُ بِالإنْكارِ هو قَوْلَهم عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ مَعْبُودُنا، لَتَوَجَّهَ الإنْكارُ إلى كَوْنِهِ مَعْبُودًا لَهم، وحَصَلَ كَوْنُهُ ابْنًا لِلَّهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ، وهَذا الطَّعْنُ عِنْدِي ضَعِيفٌ. أمّا قَوْلُهُ: إنَّ مَن أخْبَرَ عَنْ ذاتٍ مَوْصُوفَةٍ بِصِفَةٍ بِأمْرٍ مِنَ الأُمُورِ وأنْكَرَهُ مُنْكِرٌ، تَوَجَّهَ الإنْكارُ إلى الخَبَرِ فَهَذا مُسَلَّمٌ، وأمّا قَوْلُهُ: ويَكُونُ ذَلِكَ تَسْلِيمًا لِذَلِكَ الوَصْفِ فَهَذا مَمْنُوعٌ؛ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِ مُكَذِّبًا لِذَلِكَ الخَبَرِ بِالتَّكْذِيبِ أنْ يَدُلَّ عَلى أنَّ ما سِواهُ لا يُكَذِّبُهُ بَلْ يُصَدِّقُهُ، وهَذا بِناءٌ عَلى دَلِيلِ الخِطابِ، وهو ضَعِيفٌ لا سِيَّما في مِثْلِ هَذا المَقامِ.

الوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ الفَرّاءُ: نُونُ التَّنْوِينِ ساكِنَةٌ مِن ”عُزَيْرٌ“، والباءُ في قَوْلِهِ: ﴿ابْنُ اللَّهِ﴾ ساكِنَةٌ فَحَصَلَ هَهُنا التِقاءُ السّاكِنَيْنِ، فَحُذِفَ نُونُ التَّنْوِينِ لِلتَّخْفِيفِ، وأنْشَدَ الفَرّاءُ:

فَألْقَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ ولا ذاكِرَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا

واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا حَكى عَنْهم بِهَذِهِ الحِكايَةِ قالَ: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ﴾ .

ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ كُلَّ قَوْلٍ إنَّما يُقالُ بِالفَمِ، فَما مَعْنى تَخْصِيصِهِمْ لِهَذا القَوْلِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.

والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنْ يُرادَ بِهِ قَوْلٌ لا يُعَضِّدُهُ بُرْهانٌ فَما هو إلّا لَفْظٌ يَفُوهُونَ بِهِ فارِغٌ مِن مَعْنًى مُعْتَبَرٍ لِحَقِّهِ، والحاصِلُ أنَّهم قالُوا بِاللِّسانِ قَوْلًا، ولَكِنْ لَمْ يَحْصُلْ عِنْدَ العَقْلِ مِن ذَلِكَ القَوْلِ أثَرٌ؛ لِأنَّ إثْباتَ الوَلَدِ لِلْإلَهِ مَعَ أنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الحاجَةِ والشَّهْوَةِ والمُضاجَعَةِ والمُباضَعَةِ قَوْلٌ باطِلٌ، لَيْسَ عِنْدَ العَقْلِ مِنهُ أثَرٌ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ .

والثّانِي: أنَّ الإنْسانَ قَدْ يَخْتارُ مَذْهَبًا إمّا عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ، وإمّا عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ والتَّعْرِيضِ، فَإذا صَرَّحَ بِهِ وذَكَرَهُ بِلِسانِهِ، فَذَلِكَ هو الغايَةُ في اخْتِيارِهِ لِذَلِكَ المَذْهَبِ، والنِّهايَةُ في كَوْنِهِ ذاهِبًا إلَيْهِ قائِلًا بِهِ، والمُرادُ هَهُنا أنَّهم يُصَرِّحُونَ بِهَذا المَذْهَبِ ولا يُخْفُونَهُ البَتَّةَ.

والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ أنَّهم دَعَوُا الخَلْقَ إلى هَذِهِ المَقالَةِ حَتّى وقَعَتْ هَذِهِ المَقالَةُ في الأفْواهِ والألْسِنَةِ، والمُرادُ مِنهُ مُبالَغَتُهم في دَعْوَةِ الخَلْقِ إلى المَذْهَبِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يُضاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ أنَّ هَذا القَوْلَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى يُضاهِي قَوْلَ المُشْرِكِينَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ.

الثّانِي: أنَّ الضَّمِيرَ لِلنَّصارى أيْ: قَوْلُهُمُ: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ يُضاهِي قَوْلَ اليَهُودِ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ؛ لِأنَّهم أقْدَمُ مِنهم.

الثّالِثُ: أنَّ هَذا القَوْلَ مِنَ النَّصارى يُضاهِي قَوْلَ قُدَمائِهِمْ، يَعْنِي

صفحة ٣٠

أنَّهُ كُفْرٌ قَدِيمٌ، فَهو غَيْرُ مُسْتَحْدَثٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُضاهاةُ: المُشابَهَةُ. قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ ضاهَيْتُهُ ضَهِيًّا ومُضاهاةً، هَذا قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ اللُّغَةِ في المُضاهاةِ.

وقالَ شِمْرٌ: المُضاهاةُ: المُتابَعَةُ، يُقالُ: فُلانٌ يُضاهِي فُلانًا أيْ: يُتابِعُهُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ عاصِمٌ: ﴿يُضاهِئُونَ﴾ بِالهَمْزَةِ وبِكَسْرِ الهاءِ، والباقُونَ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ وضَمِّ الهاءِ، يُقالُ: ضاهَيْتُهُ وضاهَأْتُهُ لُغَتانِ مِثْلَ أرَجِيتُ وأرْجَأْتُ، وقالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى: لَمْ يُتابِعْ عاصِمًا أحَدٌ عَلى الهَمْزَةِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ أيْ: هم أحِقّاءُ بِأنْ يُقالَ لَهم هَذا القَوْلُ تَعَجُّبًا مِن بَشاعَةِ قَوْلِهِمْ كَما يُقالُ: القَوْمُ رَكِبُوا سَبُعًا، قاتَلَهُمُ اللَّهُ ما أعْجَبَ فِعْلَهُمْ!﴿أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ الإفْكُ الصَّرْفُ يُقالُ: أفِكَ الرَّجُلُ عَنِ الخَيْرِ، أيْ: قُلِبَ وصُرِفَ، ورَجُلٌ مَأْفُوكٌ أيْ: مَصْرُوفٌ عَنِ الخَيْرِ.

فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ مَعْناهُ كَيْفَ يُصَدُّونَ، ويُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ بَعْدَ وُضُوحِ الدَّلِيلِ، حَتّى يَجْعَلُوا لِلَّهِ ولَدًا! وهَذا التَّعَجُّبُ إنَّما هو راجِعٌ إلى الخَلْقِ، واللَّهُ تَعالى لا يَتَعَجَّبُ مِن شَيْءٍ، ولَكِنَّ هَذا الخِطابَ عَلى عادَةِ العَرَبِ في مُخاطَباتِهِمْ، واللَّهُ تَعالى عَجَّبَ نَبِيَّهُ مِن تَرْكِهِمُ الحَقَّ وإصْرارِهِمْ عَلى الباطِلِ.

9:31Page 191

ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٣١

They have taken their scholars and monks as lords besides Allāh,1 and [also] the Messiah, the son of Mary.2 And they were not commanded except to worship one God; there is no deity except Him. Exalted is He above whatever they associate with Him.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا لا إلَهَ إلّا هو سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ اليَهُودَ والنَّصارى بِضَرْبٍ آخَرَ مِنَ الشِّرْكِ بِقَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ .

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الأحْبارُ: الفُقَهاءُ، واخْتَلَفُوا في واحِدِهِ، فَبَعْضُهم يَقُولُ: حَبْرٌ، وبَعْضُهم يَقُولُ: حِبْرٌ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: لا أدْرِي أهُوَ الحَبْرُ أوِ الحِبْرُ ؟ وكانَ أبُو الهَيْثَمِ يَقُولُ: واحِدُ الأحْبارِ حَبْرٌ بِالفَتْحِ لا غَيْرَ، ويُنْكِرُ الكَسْرَ، وكانَ اللَّيْثُ وابْنُ السِّكِّيتِ يَقُولانِ: حَبْرٌ وحِبْرٌ لِلْعالِمِ ذِمِّيًّا كانَ أوْ مُسْلِمًا، بَعْدَ أنْ يَكُونَ مِن أهْلِ الكِتابِ. وقالَ أهْلُ المَعانِي: الحَبْرُ العالِمُ الَّذِي بِصِناعَتِهِ يُحَبِّرُ المَعانِيَ، ويُحْسِنُ البَيانَ عَنْها، والرّاهِبُ الَّذِي تَمَكَّنَتِ الرَّهْبَةُ والخَشْيَةُ في قَلْبِهِ وظَهَرَتْ آثارُ الرَّهْبَةِ عَلى وجْهِهِ ولِباسِهِ، وفي عُرْفِ الِاسْتِعْمالِ، صارَ الأحْبارُ مُخْتَصًّا بِعُلَماءِ اليَهُودِ مِن ولَدِ هارُونَ، والرُّهْبانُ بِعُلَماءِ النَّصارى أصْحابِ الصَّوامِعِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الأكْثَرُونَ مِنَ المُفَسِّرِينَ قالُوا: لَيْسَ المُرادُ مِنَ الأرْبابِ أنَّهُمُ اعْتَقَدُوا فِيهِمْ أنَّهم آلِهَةُ العالَمِ، بَلِ المُرادُ أنَّهم أطاعُوهم في أوامِرِهِمْ ونَواهِيهِمْ، «نُقِلَ أنَّ عَدِيَّ بْنَ حاتِمٍ كانَ نَصْرانِيًّا فانْتَهى إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهو يَقْرَأُ سُورَةَ بَراءَةَ، فَوَصَلَ إلى هَذِهِ الآيَةِ، قالَ: فَقُلْتُ: لَسْنا نَعْبُدُهم فَقالَ: ”ألَيْسَ يُحَرِّمُونَ ما أحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ، ويُحِلُّونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَتَسْتَحِلُّونَهُ ؟“ فَقُلْتُ: بَلى قالَ: ”فَتِلْكَ عِبادَتُهُمْ“» وقالَ الرَّبِيعُ: قُلْتُ لِأبِي العالِيَةِ: كَيْفَ كانَتْ تِلْكَ الرُّبُوبِيَّةُ في بَنِي إسْرائِيلَ ؟ فَقالَ: إنَّهم رُبَّما وجَدُوا في كِتابِ اللَّهِ ما يُخالِفُ أقْوالَ الأحْبارِ

صفحة ٣١

والرُّهْبانِ، فَكانُوا يَأْخُذُونَ بِأقْوالِهِمْ وما كانُوا يَقْبَلُونَ حُكْمَ كِتابِ اللَّهِ تَعالى، قالَ شَيْخُنا ومَوْلانا، خاتِمَةُ المُحَقِّقِينَ والمُجْتَهِدِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَدْ شاهَدْتُ جَماعَةً مِن مُقَلِّدَةِ الفُقَهاءِ، قَرَأْتُ عَلَيْهِمْ آياتٍ كَثِيرَةً مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى في بَعْضِ المَسائِلِ، وكانَتْ مَذاهِبُهم بِخِلافِ تِلْكَ الآياتِ، فَلَمْ يَقْبَلُوا تِلْكَ الآياتِ، ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْها وبَقُوا يَنْظُرُونَ إلَيَّ كالمُتَعَجِّبِ، يَعْنِي: كَيْفَ يُمْكِنُ العَمَلُ بِظَواهِرِ هَذِهِ الآياتِ مَعَ أنَّ الرِّوايَةَ عَنْ سَلَفِنا ورَدَتْ عَلى خِلافِها، ولَوْ تَأمَّلْتَ حَقَّ التَّأمُّلِ وجَدْتَ هَذا الدّاءَ سارِيًا في عُرُوقِ الأكْثَرِينَ مِن أهْلِ الدُّنْيا.

فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا كَفَّرَهم بِسَبَبِ أنَّهم أطاعُوا الأحْبارَ والرُّهْبانَ، فالفاسِقُ يُطِيعُ الشَّيْطانَ فَوَجَبَ الحُكْمُ بِكُفْرِهِ، كَما هو قَوْلُ الخَوارِجِ.

والجَوابُ: أنَّ الفاسِقَ، وإنْ كانَ يَقْبَلُ دَعْوَةَ الشَّيْطانِ إلّا أنَّهُ لا يُعَظِّمُهُ لَكِنْ يَلْعَنُهُ، ويَسْتَخِفُّ بِهِ، أمّا أُولَئِكَ الأتْباعُ كانُوا يَقْبَلُونَ قَوْلَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ ويُعَظِّمُونَهم، فَظَهَرَ الفَرْقُ.

والقَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ هَذِهِ الرُّبُوبِيَّةِ أنَّ الجُهّالَ والحَشْوِيَّةَ إذا بالَغُوا في تَعْظِيمِ شَيْخِهِمْ وقُدْوَتِهِمْ، فَقَدْ يَمِيلُ طَبْعُهم إلى القَوْلِ بِالحُلُولِ والِاتِّحادِ، وذَلِكَ الشَّيْخُ إذا كانَ طالِبًا لِلدُّنْيا بَعِيدًا عَنِ الدِّينِ، فَقَدْ يُلْقِي إلَيْهِمْ أنَّ الأمْرَ كَما يَقُولُونَ ويَعْتَقِدُونَ، وشاهَدْتُ بَعْضَ المُزَوِّرِينَ مِمَّنْ كانَ بَعِيدًا عَنِ الدِّينِ كانَ يَأْمُرُ أتْباعَهُ وأصْحابَهُ بِأنْ يَسْجُدُوا لَهُ، وكانَ يَقُولُ لَهم: أنْتُمْ عَبِيدِي، فَكانَ يُلْقِي إلَيْهِمْ مِن حَدِيثِ الحُلُولِ والِاتِّحادِ أشْياءَ، ولَوْ خَلا بِبَعْضِ الحَمْقى مِن أتْباعِهِ، فَرُبَّما ادَّعى الإلَهِيَّةَ، فَإذا كانَ مُشاهَدًا في هَذِهِ الأُمَّةِ، فَكَيْفَ يَبْعُدُ ثُبُوتُهُ في الأُمَمِ السّالِفَةِ ؟ وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ تِلْكَ الرُّبُوبِيَّةَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنها أنَّهم أطاعُوهم فِيما كانُوا مُخالِفِينَ فِيهِ لِحُكْمِ اللَّهِ، وأنْ يَكُونَ المُرادُ مِنها أنَّهم قَبِلُوا أنْواعَ الكُفْرِ، فَكَفَرُوا بِاللَّهِ، فَصارَ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى أنَّهُمُ اتَّخَذُوهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم أثْبَتُوا في حَقِّهِمُ الحُلُولَ والِاتِّحادَ، وكُلُّ هَذِهِ الوُجُوهِ الأرْبَعَةِ مُشاهَدٌ وواقِعٌ في هَذِهِ الأُمَّةِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا﴾ ومَعْناهُ ظاهِرٌ، وهو أنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ والكُتُبَ الإلَهِيَّةَ ناطِقَةٌ بِذَلِكَ.

ثُمَّ قالَ: ﴿لا إلَهَ إلّا هو سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ: سُبْحانَهُ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ في الأمْرِ والتَّكْلِيفِ، وأنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ في كَوْنِهِ مَسْجُودًا ومَعْبُودًا، وأنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ في وُجُوبِ نِهايَةِ التَّعْظِيمِ والإجْلالِ.

9:32Page 192

يُرِيدُونَ أَن يُطۡفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَيَأۡبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٣٢

They want to extinguish the light of Allāh with their mouths, but Allāh refuses except to perfect His light, although the disbelievers dislike it.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ ويَأْبى اللَّهُ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ بَيانُ نَوْعٍ ثالِثٍ مِنَ الأفْعالِ القَبِيحَةِ الصّادِرَةِ عَنْ رُؤَساءِ اليَهُودِ والنَّصارى، وهو سَعْيُهم في إبْطالِ أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وجَدُّهم في إخْفاءِ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ شَرْعِهِ وقُوَّةِ دِينِهِ، والمُرادُ مِنَ النُّورِ: الدَّلائِلُ الدّالَّةُ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وهي أُمُورٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا:

أحَدُها: المُعْجِزاتُ القاهِرَةُ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلى

صفحة ٣٢

يَدِهِ، فَإنَّ المُعْجِزَ إمّا أنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلى الصِّدْقِ أوْ لا يَكُونَ، فَإنْ كانَ دَلِيلًا عَلى الصِّدْقِ، فَحَيْثُ ظَهَرَ المُعْجِزُ لا بُدَّ مِن حُصُولِ الصِّدْقِ، فَوَجَبَ كَوْنُ مُحَمَّدٍ ﷺ صادِقًا، وإنْ لَمْ يَدُلَّ عَلى الصِّدْقِ قَدَحَ ذَلِكَ في نُبُوَّةِ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ.

وثانِيها: القُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي ظَهَرَ عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ ﷺ مَعَ أنَّهُ مِن أوَّلِ عُمْرِهِ إلى آخِرِهِ ما تَعَلَّمَ، وما طالَعَ، وما اسْتَفادَ، وما نَظَرَ في كِتابٍ، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ المُعْجِزاتِ.

وثالِثُها: أنَّ حاصِلَ شَرِيعَتِهِ تَعْظِيمُ اللَّهِ والثَّناءُ عَلَيْهِ، والِانْقِيادُ لِطاعَتِهِ، وصَرْفُ النَّفْسِ عَنْ حُبِّ الدُّنْيا، والتَّرْغِيبُ في سَعاداتِ الآخِرَةِ، والعَقْلُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا طَرِيقَ إلى اللَّهِ إلّا مِن هَذا الوَجْهِ.

ورابِعُها: أنَّ شَرْعَهُ كانَ خالِيًا عَنْ جَمِيعِ العُيُوبِ، فَلَيْسَ فِيهِ إثْباتُ ما لا يَلِيقُ بِاللَّهِ، ولَيْسَ فِيهِ دَعْوَةٌ إلى غَيْرِ اللَّهِ، وقَدْ مَلَكَ البِلادَ العَظِيمَةَ، وما غَيَّرَ طَرِيقَتَهُ في اسْتِحْقارِ الدُّنْيا، وعَدَمِ الِالتِفاتِ إلَيْها، ولَوْ كانَ مَقْصُودُهُ طَلَبَ الدُّنْيا لَما بَقِيَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَهَذِهِ الأحْوالُ دَلائِلُ نَيِّرَةٌ، وبَراهِينُ قاهِرَةٌ في صِحَّةِ قَوْلِهِ، ثُمَّ إنَّهم بِكَلِماتِهِمُ الرَّكِيكَةِ وشُبُهاتِهِمُ السَّخِيفَةِ، وأنْواعِ كَيْدِهِمْ ومَكْرِهِمْ، أرادُوا إبْطالَ هَذِهِ الدَّلائِلِ، فَكانَ هَذا جارِيًا مَجْرى مَن يُرِيدُ إبْطالَ نُورِ الشَّمْسِ بِسَبَبِ أنْ يَنْفُخَ فِيها، وكَما أنَّ ذَلِكَ باطِلٌ وعَمَلٌ ضائِعٌ، فَكَذا هَهُنا، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وعَدَ مُحَمَّدًا ﷺ مَزِيدَ النُّصْرَةِ والقُوَّةِ، وإعْلاءَ الدَّرَجَةِ، وكَمالَ الرُّتْبَةِ، فَقالَ: ﴿ويَأْبى اللَّهُ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ .

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ أبى اللَّهُ إلّا كَذا، ولا يُقالُ كَرِهْتُ أوْ أبْغَضْتُ إلّا زَيْدًا ؟

قُلْنا: أجْرى(أبى) مَجْرى لَمْ يُرِدْ، والتَّقْدِيرُ: ما أرادَ اللَّهُ إلّا ذَلِكَ، إلّا أنَّ الإباءَ يُفِيدُ زِيادَةَ عَدَمِ الإرادَةِ وهي المَنعُ والِامْتِناعُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ: ”«وإنْ أرادُوا ظُلْمَنا أبَيْنا» “ فامْتُدِحَ بِذَلِكَ، ولا يَجُوزُ أنْ يُمْتَدَحَ بِأنَّهُ يَكْرَهُ الظُّلْمَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَصِحُّ مِنَ القَوِيِّ والضَّعِيفِ، ويُقالُ: فُلانٌ أبى الضَّيْمَ، والمَعْنى ما ذَكَرْناهُ، وإنَّما سَمّى الدَّلائِلَ بِالنُّورِ؛ لِأنَّ النُّورَ يَهْدِي إلى الصَّوابِ، فَكَذَلِكَ الدَّلائِلُ تَهْدِي إلى الصَّوابِ في الأدْيانِ.

9:33Page 192

هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ ٣٣

It is He who has sent His Messenger with guidance and the religion of truth to manifest it over all religion, although they who associate others with Allāh dislike it.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ الأعْداءِ أنَّهم يُحاوِلُونَ إبْطالَ أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَأْبى ذَلِكَ الإبْطالَ وأنَّهُ يُتِمُّ أمْرَهُ، بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ الإتْمامِ، فَقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ كَمالَ حالِ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لا تَحْصُلُ إلّا بِمَجْمُوعِ أُمُورٍ: أوَّلُها: كَثْرَةُ الدَّلائِلِ والمُعْجِزاتِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى﴾ .

وثانِيها: كَوْنُ دِينِهِ مُشْتَمِلًا عَلى أُمُورٍ يَظْهَرُ لِكُلِّ أحَدٍ كَوْنُها مَوْصُوفَةً بِالصَّوابِ والصَّلاحِ، ومُطابَقَةِ الحِكْمَةِ، ومُوافَقَةِ المَنفَعَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ودِينِ الحَقِّ﴾ .

وثالِثُها: صَيْرُورَةُ دِينِهِ مُسْتَعْلِيًا عَلى سائِرِ الأدْيانِ غالِبًا عَلَيْها، غالِبًا لِأضْدادِها قاهِرًا

صفحة ٣٣

لِمُنْكِرِيها، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ ظُهُورَ الشَّيْءِ عَلى غَيْرِهِ قَدْ يَكُونُ بِالحُجَّةِ، وقَدْ يَكُونُ بِالكَثْرَةِ والوُفُورِ، وقَدْ يَكُونُ بِالغَلَبَةِ والِاسْتِيلاءِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ تَعالى بَشَّرَ بِذَلِكَ، ولا يَجُوزُ أنَّ يُبَشِّرَ إلّا بِأمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ غَيْرِ حاصِلٍ، وظُهُورُ هَذا الدِّينِ بِالحُجَّةِ مُقَرَّرٌ مَعْلُومٌ، فالواجِبُ حَمْلُهُ عَلى الظُّهُورِ بِالغَلَبَةِ.

فَإنْ قِيلَ: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَهُ غالِبًا لِكُلِّ الأدْيانِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَإنَّ الإسْلامَ لَمْ يَصِرْ غالِبًا لِسائِرِ الأدْيانِ في أرْضِ الهِنْدِ والصِّينِ والرُّومِ، وسائِرِ أراضِي الكَفَرَةِ.

قُلْنا: أجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ لا دِينَ بِخِلافِ الإسْلامِ إلّا وقَدْ قَهَرَهُمُ المُسْلِمُونَ، وظَهَرُوا عَلَيْهِمْ في بَعْضِ المَواضِعِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ في جَمِيعِ مَواضِعِهِمْ، فَقَهَرُوا اليَهُودَ، وأخْرَجُوهم مِن بِلادِ العَرَبِ، وغَلَبُوا النَّصارى عَلى بِلادِ الشّامِ وما والاها إلى ناحِيَةِ الرُّومِ والغَرْبِ، وغَلَبُوا المَجُوسَ عَلى مُلْكِهِمْ، وغَلَبُوا عُبّادَ الأصْنامِ عَلى كَثِيرٍ مِن بِلادِهِمْ مِمّا يَلِي التُّرْكَ والهِنْدَ، وكَذَلِكَ سائِرُ الأدْيانِ، فَثَبَتَ أنَّ الَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ في هَذِهِ الآيَةِ قَدْ وقَعَ وحَصَلَ، وكانَ ذَلِكَ إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ فَكانَ مُعْجِزًا.

الوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنْ نَقُولَ: رُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: هَذا وعْدٌ مِنَ اللَّهِ بِأنَّهُ تَعالى يَجْعَلُ الإسْلامَ عالِيًا عَلى جَمِيعِ الأدْيانِ، وتَمامُ هَذا إنَّما يَحْصُلُ عِنْدَ خُرُوجِ عِيسى، وقالَ السُّدِّيُّ: ذَلِكَ عِنْدَ خُرُوجِ المَهْدِيِّ، لا يَبْقى أحَدٌ إلّا دَخَلَ في الإسْلامِ أوْ أدّى الخَراجَ.

الوَجْهُ الثّالِثُ: المُرادُ: لِيُظْهِرَ الإسْلامَ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ في جَزِيرَةِ العَرَبِ، وقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ فَإنَّهُ تَعالى ما أبْقى فِيها أحَدًا مِنَ الكُفّارِ.

الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ أنْ يُوقِفَهُ عَلى جَمِيعِ شَرائِعِ الدِّينِ، ويُطْلِعَهُ عَلَيْها بِالكُلِّيَّةِ حَتّى لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنها شَيْءٌ.

الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ بِالحُجَّةِ والبَيانِ إلّا أنَّ هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ هَذا وعْدٌ بِأنَّهُ تَعالى سَيَفْعَلُهُ، والتَّقْوِيَةُ بِالحُجَّةِ والبَيانِ كانَتْ حاصِلَةً مِن أوَّلِ الأمْرِ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ في مَبْدَأِ الأمْرِ كَثُرَتِ الشُّبُهاتُ بِسَبَبِ ضَعْفِ المُؤْمِنِينَ واسْتِيلاءِ الكُفّارِ، ومَنعِ الكُفّارِ سائِرَ النّاسِ مِنَ التَّأمُّلِ في تِلْكَ الدَّلائِلِ. أمّا بَعْدَ قُوَّةِ دَوْلَةِ الإسْلامِ عَجَزَتِ الكُفّارُ فَضَعُفَتِ الشُّبُهاتُ، فَقَوِيَ ظُهُورُ دَلائِلِ الإسْلامِ، فَكانَ المُرادُ مِن تِلْكَ البِشارَةِ هَذِهِ الزِّيادَةُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском