Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:37–39
9:37Page 193
إِنَّمَا ٱلنَّسِيٓءُ زِيَادَةٞ فِي ٱلۡكُفۡرِۖ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُۥ عَامٗا وَيُحَرِّمُونَهُۥ عَامٗا لِّيُوَاطِـُٔواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُۚ زُيِّنَ لَهُمۡ سُوٓءُ أَعۡمَٰلِهِمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٣٧
Indeed, the postponing [of restriction within sacred months] is an increase in disbelief by which those who have disbelieved are led [further] astray. They make it1 lawful one year and unlawful another year to correspond to the number made unlawful by Allāh2 and [thus] make lawful what Allāh has made unlawful. Made pleasing to them is the evil of their deeds; and Allāh does not guide the disbelieving people.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عامًا ويُحَرِّمُونَهُ عامًا لِيُواطِئُوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في ”النَّسِيءِ“ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ التَّأْخِيرُ، قالَ أبُو زَيْدٍ: نَسَأْتُ الإبِلَ عَنِ الحَوْضِ أنْسَؤُها نَسْأً إذا أخَّرْتَها، وأنْسَأْتُهُ إنْساءً إذا أخَّرْتَهُ عَنْهُ، والِاسْمُ النَّسِيئَةُ والنَّسْءُ، ومِنهُ: أنْسَأ اللَّهُ فُلانًا أجَلَهَ، ونَسَأ في أجَلِهِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: النَّسِيُّ مَصْدَرٌ كالنَّذِيرِ والنَّكِيرِ، ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يَكُونَ نَسِيءٌ بِمَعْنى مَنسُوءٍ كَقَتِيلٍ: بِمَعْنى مَقْتُولٍ، إلّا أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ هَهُنا المَفْعُولَ؛ لِأنَّهُ إنْ حُمِلَ عَلى ذَلِكَ كانَ مَعْناهُ: إنَّما المُؤَخَّرُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ، والمُؤَخَّرُ الشَّهْرُ، فَيَلْزَمُ كَوْنُ الشَّهْرِ كُفْرًا، وذَلِكَ باطِلٌ، بَلِ المُرادُ مِنَ النَّسِيءِ هَهُنا المَصْدَرُ بِمَعْنى الإنْساءِ، وهو التَّأْخِيرُ، وكانَ النَّسِيءُ في الشُّهُورِ عِبارَةً عَنْ تَأْخِيرِ حُرْمَةِ شَهْرٍ إلى شَهْرٍ آخَرَ، لَيْسَتْ لَهُ تِلْكَ الحُرْمَةُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ مِن طَرِيقِ شِبْلٍ: النَّسْءُ بِوَزْنِ النَّفْعِ وهو المَصْدَرُ الحَقِيقِيُّ، كَقَوْلِهِمْ: نَسَأْتُ، أيْ: أخَّرْتُ، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا: النَّسِي مُخَفَّفَةَ الياءِ، ولَعَلَّهُ لُغَةٌ في النَّسِيءِ بِالهَمْزَةِ مِثْلَ: أرْجَيْتُ وأرْجَأْتُ، ورُوِيَ عَنْهُ: النَّسِيُّ مُشَدَّدَ الياءِ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ، وهَذا عَلى التَّخْفِيفِ القِياسِيِّ.
والقَوْلُ الثّانِي: قالَ قُطْرُبٌ: النَّسِيءُ أصْلُهُ مِنَ الزِّيادَةِ يُقالُ: نَسَأ في الأجَلِ وأنْسَأ إذا زادَ فِيهِ، وكَذَلِكَ قِيلَ لِلَّبَنِ النَّسْءُ لِزِيادَةِ الماءِ فِيهِ، ونَسَأتِ المَرْأةُ حَبِلَتْ، جَعَلَ زِيادَةَ الوَلَدِ فِيها كَزِيادَةِ الماءِ في اللَّبَنِ، وقِيلَ لِلنّاقَةِ: نَسَأْتُها، أيْ: زَجَرْتُها لِيَزْدادَ سَيْرُها، وكُلُّ زِيادَةٍ حَدَثَتْ في شَيْءٍ فَهو نَسِيءٌ قالَ الواحِدِيُّ: الصَّحِيحُ القَوْلُ الأوَّلُ، وهو أنَّ أصْلَ النَّسِيءِ التَّأْخِيرُ، ونَسَأتِ المَرْأةُ إذا حَبِلَتْ لِتَأخُّرِ حَيْضِها، ونَسَأْتُ النّاقَةَ أيْ: أخَّرْتُها عَنْ غَيْرِها؛ لِئَلّا يَصِيرَ اخْتِلاطُ بَعْضِها بِبَعْضٍ مانِعًا مِن حُسْنِ المَسِيرِ، ونَسَأْتُ اللَّبَنَ إذا أخَّرْتَهُ حَتّى كَثُرَ الماءُ فِيهِ.
إذا عَرَفْتَ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ فَنَقُولُ: إنَّ القَوْمَ عَلِمُوا أنَّهم لَوْ رَتَّبُوا حِسابَهم عَلى السَّنَةِ القَمَرِيَّةِ، فَإنَّهُ يَقَعُ حَجُّهم تارَةً في الصَّيْفِ وتارَةً في الشِّتاءِ، وكانَ يَشُقُّ عَلَيْهِمُ الأسْفارُ، ولَمْ يَنْتَفِعُوا بِها في المُرابَحاتِ والتِّجاراتِ؛ لِأنَّ سائِرَ النّاسِ مِن سائِرِ البِلادِ ما كانُوا يَحْضُرُونَ إلّا في الأوْقاتِ اللّائِقَةِ المُوافِقَةِ، فَعَلِمُوا أنَّ
صفحة ٤٦
بِناءَ الأمْرِ عَلى رِعايَةِ السَّنَةِ القَمَرِيَّةِ يُخِلُّ بِمَصالِحِ الدُّنْيا، فَتَرَكُوا ذَلِكَ واعْتَبَرُوا السَّنَةَ الشَّمْسِيَّةَ، ولَمّا كانَتِ السَّنَةُ الشَّمْسِيَّةُ زائِدَةً عَلى السَّنَةِ القَمَرِيَّةِ بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ، احْتاجُوا إلى الكَبِيسَةِ وحَصَلَ لَهم بِسَبَبِ تِلْكَ الكَبِيسَةِ أمْرانِ:
أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يَجْعَلُونَ بَعْضَ السِّنِينَ ثَلاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا بِسَبَبِ اجْتِماعِ تِلْكَ الزِّياداتِ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ يَنْتَقِلُ الحَجُّ مِن بَعْضِ الشُّهُورِ القَمَرِيَّةِ إلى غَيْرِهِ، فَكانَ الحَجُّ يَقَعُ في بَعْضِ السِّنِينَ في ذِي الحِجَّةِ وبَعْدَهُ في المُحَرَّمِ وبَعْدَهُ في صَفَرٍ، وهَكَذا في الدَّوْرِ حَتّى يَنْتَهِيَ بَعْدَ مُدَّةٍ مَخْصُوصَةٍ مَرَّةً أُخْرى إلى ذِي الحِجَّةِ، فَحَصَلَ بِسَبَبِ الكَبِيسَةِ هَذانِ الأمْرانِ:
أحَدُهُما: الزِّيادَةُ في عِدَّةِ الشُّهُورِ.
والثّانِي: تَأْخِيرُ الحُرْمَةِ الحاصِلَةِ لِشَهْرٍ إلى شَهْرٍ آخَرَ.
وقَدْ بَيَّنّا أنَّ لَفْظَ النَّسِيءِ يُفِيدُ التَّأْخِيرَ عِنْدَ الأكْثَرِينَ، ويُفِيدُ الزِّيادَةَ عِنْدَ الباقِينَ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَإنَّهُ مُنْطَبِقٌ عَلى هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ.
والحاصِلُ مِن هَذا الكَلامِ: أنَّ بِناءَ العِباداتِ عَلى السَّنَةِ القَمَرِيَّةِ يُخِلُّ مَصالِحَ الدُّنْيا، وبِناءَها عَلى السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ يُفِيدُ رِعايَةَ مَصالِحِ الدُّنْيا واللَّهُ تَعالى أمَرَهم مِن وقْتِ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ بِبِناءِ الأمْرِ عَلى رِعايَةِ السَّنَةِ القَمَرِيَّةِ، فَهم تَرَكُوا أمْرَ اللَّهِ في رِعايَةِ السَّنَةِ القَمَرِيَّةِ، واعْتَبَرُوا السَّنَةَ الشَّمْسِيَّةَ رِعايَةً لِمَصالِحِ الدُّنْيا، وأوْقَعُوا الحَجَّ في شَهْرٍ آخَرَ سِوى الأشْهُرِ الحُرُمِ، فَلِهَذا السَّبَبِ عابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وجَعَلَهُ سَبَبًا لِزِيادَةِ كُفْرِهِمْ، وإنَّما كانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِزِيادَةِ الكُفْرِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهم بِإيقاعِ الحَجِّ في الأشْهُرِ الحُرُمِ، ثُمَّ إنَّهم بِسَبَبِ هَذِهِ الكَبِيسَةِ أوْقَعُوهُ في غَيْرِ هَذِهِ الأشْهُرِ، وذَكَرُوا لِأتْباعِهِمْ أنَّ هَذا الَّذِي عَمِلْناهُ هو الواجِبُ، وأنَّ إيقاعَهُ في الشُّهُورِ القَمَرِيَّةِ غَيْرُ واجِبٍ، فَكانَ هَذا إنْكارًا مِنهم لِحُكْمِ اللَّهِ مَعَ العِلْمِ بِهِ وتَمَرُّدًا عَنْ طاعَتِهِ، وذَلِكَ يُوجِبُ الكُفْرَ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ، فَثَبَتَ أنَّ عَمَلَهم في ذَلِكَ النَّسِيءِ يُوجِبُ زِيادَةً في الكُفْرِ، وأمّا الحِسابُ الَّذِي بِهِ يُعْرَفُ مَقادِيرُ الزِّيادَةِ الحاصِلَةِ بِسَبَبِ تِلْكَ الكَبائِسِ فَمَذْكُورٌ في الزِّيجاتِ، وأمّا المُفَسِّرُونَ فَإنَّهم ذَكَرُوا في سَبَبِ هَذا التَّأْخِيرِ وجْهًا آخَرَ، فَقالُوا: إنَّ العَرَبَ كانَتْ تُحَرِّمُ الشُّهُورَ الأرْبَعَةَ، وكانَ ذَلِكَ شَرِيعَةً ثابِتَةً مِن زَمانِ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وكانَ العَرَبُ أصْحابَ حُرُوبٍ وغاراتٍ، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ أنْ يَمْكُثُوا ثَلاثَةَ أشْهُرٍ مُتَوالِيَةٍ لا يَغْزُونَ فِيها، وقالُوا: إنْ تَوالَتْ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ حُرُمٍ لا نُصِيبُ فِيها شَيْئًا لِنَهْلِكَنَّ، وكانُوا يُؤَخِّرُونَ تَحْرِيمَ المُحَرَّمِ إلى صَفَرٍ فَيُحَرِّمُونَهُ ويَسْتَحِلُّونَ المُحَرَّمَ، قالَ الواحِدِيُّ: وأكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّ هَذا التَّأْخِيرَ ما كانَ يَخْتَصُّ بِشَهْرٍ واحِدٍ، بَلْ كانَ ذَلِكَ حاصِلًا في كُلِّ الشُّهُورِ، وهَذا القَوْلُ عِنْدَنا هو الصَّحِيحُ عَلى ما قَرَّرْناهُ، واتَّفَقُوا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أرادَ أنْ يَحُجَّ في سَنَةِ حَجَّةِ الوَداعِ عادَ الحَجُّ إلى شَهْرِ ذِي الحِجَّةِ في نَفْسِ الأمْرِ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«ألا إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ السَّنَةُ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا» “ وأرادَ أنَّ الأشْهُرَ الحُرُمَ رَجَعَتْ إلى مَواضِعِها.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿زِيادَةٌ في الكُفْرِ﴾ مَعْناهُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ الكُفْرِ، فَلَمّا ضَمُّوا إلَيْها هَذا العَمَلَ ونَحْنُ قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ هَذا العَمَلَ كُفْرٌ، كانَ ضَمُّ هَذا العَمَلِ إلى تِلْكَ الأنْواعِ المَذْكُورَةِ سالِفًا مِنَ الكُفْرِ زِيادَةً في الكُفْرِ، احْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى فَسادِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: الإيمانُ مُجَرَّدُ الِاعْتِقادِ والإقْرارِ، قالَ: لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ هَذا العَمَلَ زِيادَةٌ في الكُفْرِ والزِّيادَةُ عَلى الكُفْرِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ إتْمامًا، فَكانَ تَرْكُ هَذا التَّأْخِيرِ إيمانًا، وظاهِرٌ أنَّ هَذا التَّرْكَ لَيْسَ بِمَعْرِفَةٍ، ولا بِإقْرارٍ، فَثَبَتَ أنَّ غَيْرَ المَعْرِفَةِ والإقْرارِ قَدْ يَكُونُ إيمانًا، قالَ المُصَنِّفُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَذا الِاسْتِدْلالُ ضَعِيفٌ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّهُ تَعالى لَمّا أوْجَبَ عَلَيْهِمْ إيقاعَ الحَجِّ في شَهْرِ ذِي الحِجَّةِ مَثَلًا مِنَ الأشْهُرِ القَمَرِيَّةِ، فَإذا اعْتَبَرْنا السَّنَةَ الشَّمْسِيَّةَ، فَرُبَّما وقَعَ الحَجُّ
صفحة ٤٧
فِي المُحَرَّمِ مَرَّةً وفي صَفَرٍ أُخْرى، فَقَوْلُهم: بِأنَّ هَذا الحَجَّ صَحِيحٌ يَجْزِي، وأنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِمْ إيقاعُ الحَجِّ في شَهْرِ ذِي الحِجَّةِ إنْ كانَ مِنهم بِحُكْمٍ عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ كَوْنُهُ مِن دِينِ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ، فَكانَ هَذا كُفْرًا بِسَبَبِ عَدَمِ العِلْمِ، وبِسَبَبِ عَدَمِ الإقْرارِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: (يَضِلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا) فَهَذا قِراءَةُ العامَّةِ، وهي حَسَنَةٌ لِإسْنادِ الضَّلالِ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا، لِأنَّهم إنْ كانُوا ضالِّينَ في أنْفُسِهِمْ فَقَدْ حَسُنَ إسْنادُ الضَّلالِ إلَيْهِمْ، وإنْ كانُوا مُضِلِّينَ لِغَيْرِهِمْ حَسُنَ أيْضًا؛ لِأنَّ المُضِلَّ لِغَيْرِهِ ضالٌّ في نَفْسِهِ لا مَحالَةَ، وقِراءَةُ أهْلِ الكُوفَةِ﴿يُضَلُّ﴾ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الضّادِ، ومَعْناهُ: أنَّ كُبَراءَهم يُضِلُّونَهم بِحَمْلِهِمْ عَلى هَذا التَّأْخِيرِ في الشُّهُورِ، فَأسْنَدَ الفِعْلَ إلى المَفْعُولِ كَقَوْلِهِ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ﴾ أيْ: زَيَّنَ لَهم ذَلِكَ حامِلُوهم عَلَيْهِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ مِقْسَمٍ (يُضِلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الضّادِ، ولَهُ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: يُضِلُّ اللَّهُ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا.
والثّانِي: يُضِلُّ الشَّيْطانُ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا.
والثّالِثُ: وهو أقْواها يُضِلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا تابِعِيهِمْ والآخِذِينَ بِأقْوالِهِمْ، وإنَّما كانَ هَذا الوَجْهُ أقْوى؛ لِأنَّهُ لَمْ يَجْرِ ذِكْرُ اللَّهِ، ولا ذِكْرُ الشَّيْطانِ.
واعْلَمْ أنَّ الكِنايَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يُضَلُّ بِهِ﴾ يَعُودُ إلى النَّسِيءِ. وقَوْلُهُ: ﴿يُحِلُّونَهُ عامًا ويُحَرِّمُونَهُ عامًا﴾ فالضَّمِيرُ عائِدٌ إلى النَّسِيءِ، والمَعْنى: يُحِلُّونَ ذَلِكَ الإنْساءَ عامًا ويُحَرِّمُونَهُ عامًا، قالَ الواحِدِيُّ: يُحِلُّونَ التَّأْخِيرَ عامًا وهو العامُ الَّذِي يُرِيدُونَ أنْ يُقاتِلُوا في المُحَرَّمِ، ويُحَرِّمُونَ التَّأْخِيرَ عامًا آخَرَ وهو العامُ الَّذِي يَدَعُونَ المُحَرَّمَ عَلى تَحْرِيمِهِ. قالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَذا التَّأْوِيلُ إنَّما يَصِحُّ إذا فَسَّرْنا النَّسِيءَ بِأنَّهم كانُوا يُؤَخِّرُونَ المُحَرَّمَ في بَعْضِ السِّنِينَ، وذَلِكَ يُوجِبُ أنْ يَنْقَلِبَ الشَّهْرُ المُحَرَّمُ إلى الحِلِّ وبِالعَكْسِ، إلّا أنَّ هَذا إنَّما يَصْلُحُ لَوْ حَمَلْنا النَّسِيءَ عَلى المَفْعُولِ وهو المَنسُوءُ المُؤَخَّرُ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ مُشْكِلٌ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الشَّهْرُ المُؤَخَّرُ كُفْرًا، وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ إلّا إذا قُلْنا: إنَّ المُرادَ مِنَ النَّسِيءِ المَنسُوءُ وهو المَفْعُولُ، وحَمَلْنا قَوْلَهُ: ﴿إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ﴾ عَلى أنَّ المُرادَ العَمَلُ الَّذِي بِهِ يَصِيرُ النَّسِيءُ سَبَبًا في زِيادَةِ الكُفْرِ، وبِسَبَبِ هَذا الإضْمارِ يَقْوى هَذا التَّأْوِيلُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿لِيُواطِئُوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ﴾ قالَ أهْلُ اللُّغَةِ يُقالُ: واطَأْتُ فُلانًا عَلى كَذا إذا وافَقْتَهُ عَلَيْهِ. قالَ المُبَرِّدُ: يُقالُ: تَواطَأ القَوْمُ عَلى كَذا إذا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، كانَ كُلُّ واحِدٍ يَطَأُ حَيْثُ يَطَأُ صاحِبُهُ، والإيطاءُ في الشِّعْرِ مِن هَذا وهو أنْ يَأْتِيَ في القَصِيدَةِ بِقافِيَتَيْنِ عَلى لَفْظٍ واحِدٍ، ومَعْنًى واحِدٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّهم ما أحَلُّوا شَهْرًا مِنَ الحَرامِ إلّا حَرَّمُوا مَكانَهُ شَهْرًا مِنَ الحَلالِ، ولَمْ يُحَرِّمُوا شَهْرًا مِنَ الحَلالِ إلّا أحَلُّوا مَكانَهُ شَهْرًا مِنَ الحَرامِ؛ لِأجْلِ أنْ يَكُونَ عَدَدُ الأشْهُرِ الحُرُمِ أرْبَعَةً، مُطابِقَةً لِما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى، هَذا هو المُرادُ مِنَ المُواطَأةِ. ولَمّا بَيَّنَ تَعالى كَوْنَ هَذا العَمَلِ كُفْرًا ومُنْكَرًا قالَ: ﴿زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: يُرِيدُ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ هَذا العَمَلَ، واللَّهُ لا يُرْشِدُ كُلَّ كَفّارٍ أثِيمٍ.
9:38Page 193
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمۡ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلۡتُمۡ إِلَى ٱلۡأَرۡضِۚ أَرَضِيتُم بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا مِنَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ فَمَا مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ٣٨
O you who have believed, what is [the matter] with you that, when you are told to go forth in the cause of Allāh, you adhere heavily to the earth?1 Are you satisfied with the life of this world rather than the Hereafter? But what is the enjoyment of worldly life compared to the Hereafter except a [very] little.
صفحة ٤٨
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا قَلِيلٌ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ مَعايِبَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ وفَضائِحَهم، عادَ إلى التَّرْغِيبِ في مُقاتَلَتِهِمْ وقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ وتَقْرِيرُ الكَلامِ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الآياتِ السّابِقَةِ أسْبابًا كَثِيرَةً مُوجِبَةً لِقِتالِهِمْ، وذَكَرَ مَنافِعَ كَثِيرَةً تَحْصُلُ مِن مُقاتَلَتِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٤] وذَكَرَ أقْوالَهُمُ المُنْكَرَةَ، وأعْمالَهُمُ القَبِيحَةَ في الدِّينِ والدُّنْيا، وعِنْدَ هَذا لا يَبْقى لِلْإنْسانِ مانِعٌ مِن قِتالِهِمْ إلّا مُجَرَّدُ أنْ يَخافَ القَتْلَ ويُحِبَّ الحَياةَ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذا المانِعَ خَسِيسٌ؛ لِأنَّ سَعادَةَ الدُّنْيا بِالنِّسْبَةِ إلى سَعادَةِ الآخِرَةِ كالقَطْرَةِ في البَحْرِ، وتَرْكُ الخَيْرِ الكَثِيرِ، لِأجْلِ الشَّرِّ القَلِيلِ جَهْلٌ وسَفَهٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَجَعَ مِنَ الطّائِفِ أقامَ بِالمَدِينَةِ وأمَرَ بِجِهادِ الرُّومِ، وكانَ ذَلِكَ الوَقْتُ زَمانَ شِدَّةِ الحَرِّ، وطابَتْ ثِمارُ المَدِينَةِ وأيْنَعَتْ، واسْتَعْظَمُوا غَزْوَ الرُّومِ وهابُوهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَ المُحَقِّقُونَ: وإنَّما اسْتَثْقَلَ النّاسُ ذَلِكَ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: شِدَّةُ الزَّمانِ في الصَّيْفِ والقَحْطِ.
وثانِيها: بُعْدُ المَسافَةِ والحاجَةُ إلى الِاسْتِعْدادِ الكَثِيرِ الزّائِدِ عَلى ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ في سائِرِ الغَزَواتِ.
وثالِثُها: إدْراكُ الثِّمارِ بِالمَدِينَةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ.
ورابِعُها: شِدَّةُ الحَرِّ في ذَلِكَ الوَقْتِ.
وخامِسُها: مَهابَةُ عَسْكَرِ الرُّومِ فَهَذِهِ الجِهاتُ الكَثِيرَةُ اجْتَمَعَتْ فاقْتَضَتْ تَثاقُلَ النّاسِ عَنْ ذَلِكَ الغَزْوِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: يُقالُ: اسْتَنْفَرَ الإمامُ النّاسَ لِجِهادِ العَدُوِّ فَنَفَرُوا يَنْفِرُونَ نَفْرًا ونُفُورًا، إذا حَثَّهم ودَعاهم إلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: ”«إذا اسْتُنْفِرْتُمْ فانْفِرُوا» “ وأصْلُ النَّفْرِ الخُرُوجُ إلى مَكانٍ لِأمْرٍ واجِبٍ، واسْمُ ذَلِكَ القَوْمِ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ النَّفِيرُ، ومِنهُ قَوْلُهم: فُلانٌ لا في العِيرِ، ولا في النَّفِيرِ، وقَوْلُهُ: ﴿اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ أصْلُهُ تَثاقَلْتُمْ، وبِهِ قَرَأ الأعْمَشُ ومَعْناهُ: تَباطَأْتُمْ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿فادّارَأْتُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٧٢] وقَوْلُهُ: ﴿اطَّيَّرْنا بِكَ﴾ [النَّمْلِ: ٤٧] قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وضُمِّنَ مَعْنى المَيْلِ والإخْلادِ فَعُدِّيَ بِإلى، والمَعْنى مِلْتُمْ إلى الدُّنْيا وشَهَواتِها، وكَرِهْتُمْ مَشاقَّ السَّفَرِ ومَتاعِبَهُ، ونَظِيرُهُ: ﴿أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ﴾ [الأعْرافِ: ١٧٦] وإنْ كانَ في الظّاهِرِ اسْتِفْهامًا إلّا أنَّ المُرادَ مِنهُ المُبالَغَةُ في الإنْكارِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا قَلِيلٌ﴾ والمَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ ذَكَرْنا المُوجِباتِ الكَثِيرَةَ الدّاعِيَةَ إلى القِتالِ، وقَدْ شَرَحْنا المَنافِعَ العَظِيمَةَ الَّتِي تَحْصُلُ عِنْدَ القِتالِ، وبَيَّنّا أنْواعَ فَضائِحِهِمْ وقَبائِحِهِمُ الَّتِي تَحْمِلُ العاقِلَ عَلى مُقاتَلَتِهِمْ، فَتَرَكْتُمْ جَمِيعَ هَذِهِ الأُمُورِ، ألَيْسَ أنَّ مَعْبُودَكم يَأْمُرُكم بِمُقاتَلَتِهِمْ، وتَعْلَمُونَ أنَّ طاعَةَ المَعْبُودِ تُوجِبُ الثَّوابَ العَظِيمَ في الآخِرَةِ ؟ فَهَلْ يَلِيقُ بِالعاقِلِ تَرْكُ الثَّوابِ العَظِيمِ في الآخِرَةِ، لِأجْلِ المَنفَعَةِ اليَسِيرَةِ الحاصِلَةِ في الدُّنْيا ؟ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ مَتاعَ الدُّنْيا في الآخِرَةِ قَلِيلٌ أنَّ لَذّاتِ الدُّنْيا خَسِيسَةٌ في أنْفُسِها ومَشُوبَةٌ بِالآفاتِ والبَلِيّاتِ، ومُنْقَطِعَةٌ عَنْ قَرِيبٍ لا مَحالَةَ، ومَنافِعَ
صفحة ٤٩
الآخِرَةِ شَرِيفَةٌ عالِيَةٌ خالِصَةٌ عَنْ كُلِّ الآفاتِ، ودائِمَةٌ أبَدِيَّةٌ سَرْمَدِيَّةٌ، وذَلِكَ يُوجِبُ القَطْعَ بِأنَّ مَتاعَ الدُّنْيا قَلِيلٌ حَقِيرٌ خَسِيسٌ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الجِهادِ في كُلِّ حالٍ، لِأنَّهُ تَعالى نَصَّ عَلى أنَّ تَثاقُلَهم عَنِ الجِهادِ أمْرٌ مُنْكَرٌ، ولَوْ لَمْ يَكُنِ الجِهادُ واجِبًا لَما كانَ هَذا التَّثاقُلُ مُنْكَرًا، ولَيْسَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الجِهادُ إنَّما يَجِبُ في الوَقْتِ الَّذِي يُخافُ هُجُومُ الكُفّارِ فِيهِ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ يَخافُ هُجُومَ الرُّومِ عَلَيْهِ، ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أوْجَبَ الجِهادَ مَعَهم، ومَنافِعُ الجِهادِ مُسْتَقْصاةٌ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وأيْضًا هو واجِبٌ عَلى الكِفايَةِ، فَإذا قامَ بِهِ البَعْضُ سَقَطَ عَنِ الباقِينَ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خِطابٌ مَعَ كُلِّ المُؤْمِنِينَ.
ثُمَّ قالَ: ﴿ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ المُؤْمِنِينَ كانُوا مُتَثاقِلِينَ في ذَلِكَ التَّكْلِيفِ، وذَلِكَ التَّثاقُلُ مَعْصِيَةٌ، وهَذا يَدُلُّ عَلى إطْباقِ كُلِّ الأُمَّةِ عَلى المَعْصِيَةِ، وذَلِكَ يَقْدَحُ في أنَّ إجْماعَ الأُمَّةِ حُجَّةٌ.
الجَوابُ: أنَّ خِطابَ الكُلِّ لِإرادَةِ البَعْضِ مَجازٌ مَشْهُورٌ في القُرْآنِ، وفي سائِرِ أنْواعِ الكَلامِ كَقَوْلِهِ:
إيّاكِ أعْنِي واسْمَعِي يا جارَةْ
9:39Page 193
إِلَّا تَنفِرُواْ يُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَيَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيۡـٔٗاۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٣٩
If you do not go forth, He will punish you with a painful punishment and will replace you with another people, and you will not harm Him at all. And Allāh is over all things competent.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا ويَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا رَغَّبَهم في الآيَةِ الأُولى في الجِهادِ بِناءً عَلى التَّرْغِيبِ في ثَوابِ الآخِرَةِ، رَغَّبَهم في هَذِهِ الآيَةِ في الجِهادِ بِناءً عَلى أنْواعٍ أُخَرَ مِنَ الأُمُورِ المُقَوِّيَةِ لِلدَّواعِي، وهي ثَلاثَةُ أنْواعٍ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ عَذابَ الدُّنْيا، وأنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ عَذابَ الآخِرَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «اسْتَنْفَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ القَوْمَ فَتَثاقَلُوا، فَأمْسَكَ اللَّهُ عَنْهُمُ المَطَرَ»، وقالَ الحَسَنُ: اللَّهُ أعْلَمُ بِالعَذابِ الَّذِي كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ مِنهُ عَذابُ الآخِرَةِ، إذِ الألِيمُ لا يَلِيقُ إلّا بِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ تَهْدِيدٌ بِكُلِّ الأقْسامِ، وهي عَذابُ الدُّنْيا وعَذابُ الآخِرَةِ، وقَطْعُ مَنافِعِ الدُّنْيا ومَنافِعِ الآخِرَةِ.
الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ والمُرادُ تَنْبِيهُهم عَلى أنَّهُ تَعالى مُتَكَفِّلٌ بِنَصْرِهِ عَلى أعْدائِهِ، فَإنْ سارَعُوا مَعَهُ إلى الخُرُوجِ حَصَلَتِ النُّصْرَةُ بِهِمْ، وإنْ تَخَلَّفُوا وقَعَتِ النُّصْرَةُ بِغَيْرِهِمْ، وحَصَلَ العُتْبى لَهم؛ لِئَلّا يَتَوَهَّمُوا أنَّ غَلَبَةَ أعْداءِ الدِّينَ وعِزَّ الإسْلامِ لا يَحْصُلُ إلّا بِهِمْ، ولَيْسَ في النَّصِّ دَلالَةٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ المَعْنى مِنهم، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى:
صفحة ٥٠
﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ﴾ [المائِدَةِ: ٥٤] .
ثُمَّ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ التّابِعُونَ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هم أبْناءُ فارِسَ، وقالَ أبُو رَوْقٍ: هم أهْلُ اليَمَنِ، وهَذِهِ الوُجُوهُ لَيْسَتْ تَفْسِيرًا لِلْآيَةِ؛ لِأنَّ الآيَةَ لَيْسَ فِيها إشْعارٌ بِها، بَلْ حُمِلَ ذَلِكَ الكَلامُ المُطْلَقُ عَلى صُورَةٍ مُعَيَّنَةٍ شاهَدُوها، قالَ الأصَمُّ: مَعْناهُ أنْ يُخْرِجَهُ مِن بَيْنِ أظْهُرِكم، وهي المَدِينَةُ، قالَ القاضِي: هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يُنْقَلُ مِنَ المَدِينَةِ إلى غَيْرِها، فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يُظْهِرَ اللَّهُ في المَدِينَةِ أقْوامًا يُعِينُونَهُ عَلى الغَزْوِ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يُعِينَهُ بِأقْوامٍ مِنَ المَلائِكَةِ أيْضًا حالَ كَوْنِهِ هُناكَ.
والثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ والكِنايَةُ في قَوْلِ الحَسَنِ: راجِعَةٌ إلى اللَّهِ تَعالى، أيْ: لا تَضُرُّوا اللَّهَ؛ لِأنَّهُ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ، وفي قَوْلِ الباقِينَ يَعُودُ إلى الرَّسُولِ، أيْ: لا تَضُرُّوا الرَّسُولَ؛ لِأنَّ اللَّهَ عَصَمَهُ مِنَ النّاسِ، ولِأنَّهُ تَعالى لا يَخْذُلُهُ إنْ تَثاقَلْتُمْ عَنْهُ.
ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وهو تَنْبِيهٌ عَلى شِدَّةِ الزَّجْرِ مِن حَيْثُ إنَّهُ تَعالى قادِرٌ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ العَجْزُ، فَإذا تَوَعَّدَ بِالعِقابِ فَعَلَ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٢] قالَ المُحَقِّقُونَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ خِطابٌ لِمَنِ اسْتَنْفَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَنْفِرُوا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا نَسْخَ، قالَ الجُبّائِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى وعِيدِ أهْلِ الصَّلاةِ حَيْثُ بَيَّنَ أنَّ المُؤْمِنِينَ إنْ لَمْ يَنْفِرُوا يُعَذِّبْهم عَذابًا ألِيمًا وهو عَذابُ النّارِ، فَإنَّ تَرْكَ الجِهادِ لا يَكُونُ إلّا مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَبَطَلَ بَذْلُ قَوْلِ المُرْجِئَةِ: إنَّ أهَّلَ الصَّلاةِ لا وعِيدَ لَهم، وإذا ثَبَتَ الوَعِيدُ لَهم في تَرْكِ الجِهادِ فَكَذا في غَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، واعْلَمْ أنَّ مَسْألَةَ الوَعِيدِ ذَكَرْناها بِالِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ القاضِي: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى وُجُوبِ الجِهادِ، سَواءٌ كانَ مَعَ الرَّسُولِ أوْ لا مَعَهُ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا﴾ ولَمْ يَنُصَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ القائِلَ هو الرَّسُولُ.
فَإنْ قالُوا: يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو الرَّسُولَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٩] ولِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٩] إذْ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِذَلِكَ إلّا الرَّسُولَ.
قُلْنا: خُصُوصُ آخِرِ الآيَةِ لا يَمْنَعُ مِن عُمُومِ أوَّلِها عَلى ما قَرَّرْنا في أُصُولِ الفِقْهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences