Ar-RaziAt‑Tawbah · 9:65–70

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:65–70

9:65–66Page 197

وَلَئِن سَأَلۡتَهُمۡ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلۡعَبُۚ قُلۡ أَبِٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمۡ تَسۡتَهۡزِءُونَ ٦٥

And if you ask them, they will surely say, "We were only conversing and playing." Say, "Is it Allāh and His verses and His Messenger that you were mocking?"

لَا تَعۡتَذِرُواْ قَدۡ كَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡۚ إِن نَّعۡفُ عَن طَآئِفَةٖ مِّنكُمۡ نُعَذِّبۡ طَآئِفَةَۢ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ مُجۡرِمِينَ ٦٦

Make no excuse; you have disbelieved [i.e., rejected faith] after your belief. If We pardon one faction of you - We will punish another faction because they were criminals.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ قُلْ أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكم نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ أُمُورًا: الأوَّلُ: «رَوى ابْنُ عُمَرَ أنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ قالَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ: ما رَأيْتُ مِثْلَ هَؤُلاءِ القَوْمِ أرْعَبَ قُلُوبًا، ولا أكْذَبَ ألْسُنًا، ولا أجْبَنَ عِنْدَ اللِّقاءِ. يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، فَقالَ واحِدٌ مِنَ الصَّحابَةِ: كَذَبْتَ ولَأنْتَ مُنافِقٌ. ثُمَّ ذَهَبَ لِيُخْبِرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدَ القُرْآنَ قَدْ سَبَقَهُ. فَجاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ إلى رَسُولِ اللَّهِ وكانَ قَدْ رَكِبَ ناقَتَهُ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّما كُنّا نَلْعَبُ ونَتَحَدَّثُ بِحَدِيثِ الرَّكْبِ نَقْطَعُ بِهِ الطَّرِيقَ. وكانَ يَقُولُ: إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ؟“، ولا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ وما يَزِيدُهُ عَلَيْهِ» . الثّانِي: «قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: لَمّا سارَ الرَّسُولُ إلى تَبُوكَ

صفحة ٩٨

قالَ المُنافِقُونَ بَيْنَهم: أتُراهُ يَظْهَرُ عَلى الشَّأْمِ ويَأْخُذُ حُصُونَها وقُصُورَها ؟ هَيْهاتَ هَيْهاتَ ! فَعِنْدَ رُجُوعِهِ دَعاهم وقالَ: أنْتُمُ القائِلُونَ بِكَذا وكَذا ؟ فَقالُوا: ما كانَ ذَلِكَ بِالجِدِّ في قُلُوبِنا، وإنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ» . الثّالِثُ: رُوِيَ أنَّ المُتَخَلِّفِينَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ سُئِلُوا عَمّا كانُوا يَصْنَعُونَ وعَنْ سَبَبِ تَخَلُّفِهِمْ، فَقالُوا هَذا القَوْلَ.

الرّابِعُ: حُكِّينا عَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ﴾ . أظْهَرُوا هَذا الحَذَرَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، فَبَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ إذا قِيلَ لَهم: لِمَ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ ؟ قالُوا: لَمْ نَقُلْ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الطَّعْنِ، بَلْ لِأجْلِ أنّا كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ.

الخامِسُ: اعْلَمْ أنَّهُ لا حاجَةَ في مَعْرِفَةِ هَذِهِ الآيَةِ إلى هَذِهِ الرِّواياتِ؛ فَإنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهم ذَكَرُوا كَلامًا فاسِدًا عَلى سَبِيلِ الطَّعْنِ والِاسْتِهْزاءِ، فَلَمّا أخْبَرَهُمُ الرَّسُولُ بِأنَّهم قالُوا ذَلِكَ خافُوا واعْتَذَرُوا عَنْهُ؛ بِأنّا إنَّما قُلْنا ذَلِكَ عَلى وجْهِ اللَّعِبِ، لا عَلى سَبِيلِ الجِدِّ، وذَلِكَ قَوْلُهم: إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، أيْ: ما قُلْنا ذَلِكَ إلّا لِأجْلِ اللَّعِبِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كَلِمَةَ ”إنَّما“ تُفِيدُ الحَصْرَ؛ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ مِن كَوْنِهِمْ لاعِبِينَ، أنْ لا يَكُونُوا مُسْتَهْزِئِينَ، فَحِينَئِذٍ لا يَتِمُّ هَذا العُذْرُ.

والجَوابُ: قالَ الواحِدِيُّ: أصْلُ الخَوْضِ الدُّخُولُ في مائِعٍ مِنَ الماءِ والطِّينِ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى صارَ اسْمًا لِكُلِّ دُخُولٍ فِيهِ تَلْوِيثٌ وأذًى، والمَعْنى: أنّا كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ في الباطِلِ مِنَ الكَلامِ كَما يَخُوضُ الرَّكْبُ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ، فَأجابَهُمُ الرَّسُولُ بِقَوْلِهِ: ”أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ؟!“ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: فَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِكَ: أتَسْتَهْزِئُ بِاللَّهِ ؟ وبَيْنَ قَوْلِكَ: أبِاللَّهِ تَسْتَهْزِئُ ؟ فالأوَّلُ يَقْتَضِي الإنْكارَ عَلى عَمَلِ الِاسْتِهْزاءِ، والثّانِي: يَقْتَضِي الإنْكارَ عَلى إيقاعِ الِاسْتِهْزاءِ في اللَّهِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: هَبْ أنَّكَ قَدْ تُقْدِمُ عَلى الِاسْتِهْزاءِ، ولَكِنْ كَيْفَ أقْدَمْتَ عَلى إيقاعِ الِاسْتِهْزاءِ في اللَّهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ [الصافات: ٤٧] . والمَقْصُودُ لَيْسَ نَفْيَ الغَوْلِ، بَلْ نَفْيُ أنْ يَكُونَ خَمْرُ الجَنَّةِ مَحَلًّا لِلْغَوْلِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم يَسْتَهْزِئُونَ بِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الِاسْتِهْزاءَ بِاللَّهِ مُحالٌ، فَلا بُدَّ لَهُ مِن تَأْوِيلٍ، وفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: المُرادُ بِالِاسْتِهْزاءِ بِاللَّهِ هو الِاسْتِهْزاءُ بِتَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى.

الثّانِي: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الِاسْتِهْزاءَ بِذِكْرِ اللَّهِ؛ فَإنَّ أسْماءَ اللَّهِ قَدْ يَسْتَهْزِئُ الكافِرُ بِها، كَما أنَّ المُؤْمِنَ يُعَظِّمُها ويُمَجِّدُها؛ قالَ تَعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ [الأعلى: ١] . فَأمَرَ المُؤْمِنَ بِتَعْظِيمِ اسْمِ اللَّهِ. وقالَ: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠] . فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يُقالَ: ﴿أبِاللَّهِ﴾ ويُرادُ: أبِذِكْرِ اللَّهِ.

الثّالِثُ: لَعَلَّ المُنافِقِينَ لَمّا قالُوا: كَيْفَ يَقْدِرُ مُحَمَّدٌ عَلى أخْذِ حُصُونِ الشَّأْمِ وقُصُورِها. قالَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ: اللَّهُ يُعِينُهُ عَلى ذَلِكَ ويَنْصُرُهُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ إنَّ بَعْضَ الجُهّالِ مِنَ المُنافِقِينَ ذَكَرَ كَلامًا مُشْعِرًا بِالقَدْحِ في قُدْرَةِ اللَّهِ كَما هو عاداتُ الجُهّالِ والمُلْحِدَةِ، فَكانَ المُرادُ ذَلِكَ.

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وآياتِهِ﴾ فالمُرادُ بِها القُرْآنُ، وسائِرُ ما يَدُلُّ عَلى الدِّينِ. وقَوْلُهُ: ﴿ورَسُولِهِ﴾ مَعْلُومٌ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْمَ إنَّما ذَكَرُوا ما ذَكَرُوهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: نَقَلَ الواحِدِيُّ عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ في لَفْظِ الِاعْتِذارِ قَوْلَيْنِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ مَحْوِ الذَّنْبِ، مِن قَوْلِهِمْ: اعْتَذَرَتِ المَنازِلُ إذا دَرَسَتْ. يُقالُ: مَرَرْتُ بِمَنزِلٍ

صفحة ٩٩

مُعْتَذِرٍ، والِاعْتِذارُ هو الدَّرْسُ وأخْذُ الِاعْتِذارِ مِنهُ؛ لِأنَّ المُعْتَذِرَ يُحاوِلُ إزالَةَ أثَرِ ذَنْبِهِ.

والقَوْلُ الثّانِي: حَكى ابْنُ الأعْرابِيِّ أنَّ الِاعْتِذارَ هو القَطْعُ، ومِنهُ يُقالُ لِلْقُلْفَةِ: عُذْرَةٌ؛ لِأنَّها تُقْطَعُ، وعُذْرَةُ الجارِيَةِ سُمِّيَتْ عُذْرَةً؛ لِأنَّها تُعْذَرُ أيْ: تُقْطَعُ، ويُقالُ: اعْتَذَرَتِ المِياهُ إذا انْقَطَعَتْ، فالعُذْرُ لَمّا كانَ سَبَبًا لِقَطْعِ اللَّوْمِ سُمِّيَ عُذْرًا، قالَ الواحِدِيُّ: والقَوْلانِ مُتَقارِبانِ؛ لِأنَّ مَحْوَ أثَرِ الذَّنْبِ وقَطْعَ اللَّوْمِ يَتَقارَبانِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنْ ذَلِكَ الِاسْتِهْزاءَ كانَ كُفْرًا، والعَقْلُ يَقْتَضِي أنَّ الإقْدامَ عَلى الكُفْرِ لِأجْلِ اللَّعِبِ غَيْرُ جائِزٍ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهم: إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، ما كانَ عُذْرًا حَقِيقِيًّا في الإقْدامِ عَلى ذَلِكَ الِاسْتِهْزاءِ، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عُذْرًا في نَفْسِهِ نَهاهُمُ اللَّهُ عَنْ أنْ يَعْتَذِرُوا بِهِ؛ لِأنَّ المَنعَ عَنِ الكَلامِ الباطِلِ واجِبٌ، فَقالَ: ﴿لا تَعْتَذِرُوا﴾ أيْ: لا تَذْكُرُوا هَذا العُذْرَ في دَفْعِ هَذا الجُرْمِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أحْكامٍ:

الحُكْمُ الأوَّلُ:

أنَّ الِاسْتِهْزاءَ بِالدِّينِ كَيْفَ كانَ كُفْرًا بِاللَّهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الِاسْتِهْزاءَ يَدُلُّ عَلى الِاسْتِخْفافِ، والعُمْدَةُ الكُبْرى في الإيمانِ تَعْظِيمُ اللَّهِ تَعالى بِأقْصى الإمْكانِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما مُحالٌ.

الحُكْمُ الثّانِي:

أنَّهُ يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: الكُفْرُ لا يَدْخُلُ إلّا في أفْعالِ القُلُوبِ.

الحُكْمُ الثّالِثُ:

يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُمُ الَّذِي صَدَرَ مِنهم كُفْرٌ في الحَقِيقَةِ، وإنْ كانُوا مُنافِقِينَ مِن قَبْلُ، وأنَّ الكُفْرَ يُمْكِنُ أنْ يَتَجَدَّدَ مِنَ الكافِرِ حالًا فَحالًا.

الحُكْمُ الرّابِعُ:

يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفْرَ إنَّما حَدَثَ بَعْدَ أنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ.

ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: القَوْمُ لَمّا كانُوا مُنافِقِينَ فَكَيْفَ يَصِحُّ وصْفُهم بِذَلِكَ ؟

قُلْنا: قالَ الحَسَنُ: المُرادُ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمُ الَّذِي أظْهَرْتُمُوهُ، وقالَ آخَرُونَ: ظَهَرَ كُفْرُكم لِلْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ أنْ كُنْتُمْ عِنْدَهم مُسْلِمِينَ، والقَوْلانِ مُتَقارِبانِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكم نُعَذِّبْ طائِفَةً﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ: ”إنْ نَعْفُ ونُعَذِّبْ“ بِالنُّونِ وكَسْرِ الذّالِ، وطائِفَةً بِالنَّصْبِ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ نَفْسِهِ أنَّهُ يَقُولُ: إنْ يَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ يُعَذِّبْ طائِفَةً، والباقُونَ بِالياءِ وضَمِّها، وفَتْحِ الفاءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، إنْ يُعْفَ عَنْ طائِفَةٍ بِالتَّذْكِيرِ، وتُعَذَّبْ طائِفَةٌ بِالتَّأْنِيثِ، وحَكى صاحِبُ الكَشّافِ عَنْ مُجاهِدٍ: إنْ تُعْفَ عَنْ طائِفَةٍ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مَعَ التَّأْنِيثِ، ثُمَّ قالَ: والوَجْهُ التَّذْكِيرُ؛ لِأنَّ المُسْنَدَ إلَيْهِ الظَّرْفُ، كَما تَقُولُ: سِيرَ بِالدّابَّةِ، ولا تَقُولُ: سِيرَتْ بِالدّابَّةِ، وأمّا تَأْوِيلُ قِراءَتِهِ فَهو أنَّ مُجاهِدًا لَعَلَّهُ ذَهَبَ إلى أنَّ المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ

صفحة ١٠٠

تُرْحَمْ طائِفَةٌ فَأنْتِ كَذَلِكَ، وهو غَرِيبٌ، والجَيِّدُ القِراءَةُ العامَّةُ: إنْ يُعْفَ عَنْ طائِفَةٍ بِالتَّذْكِيرِ وتُعَذَّبْ طائِفَةٌ بِالتَّأْنِيثِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ الطّائِفَتَيْنِ كانُوا ثَلاثَةً، اسْتَهْزَأ اثْنانِ وضَحِكَ واحِدٌ، فالطّائِفَةُ الأُولى الضّاحِكُ، والثّانِيَةُ الهازِئانِ، وقالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا كانَ ذَنْبُ الضّاحِكِ أخَفَّ لا جَرَمَ عَفا اللَّهُ عَنْهُ، وذَنْبُ الهازِئِينَ أغْلَظَ، فَلا جَرَمَ ما عَفا اللَّهُ عَنْهُما، قالَ القاضِي: هَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى الطّائِفَتَيْنِ بِالكُفْرِ، وأنَّهُ تَعالى لا يَعْفُو عَنِ الكافِرِ إلّا بَعْدَ التَّوْبَةِ والرُّجُوعِ إلى الإسْلامِ، وأيْضًا لا يُعَذِّبُ الكافِرَ إلّا بَعْدَ إصْرارِهِ عَلى الكُفْرِ، أمّا لَوْ تابَ عَنْهُ ورَجَعَ إلى الإسْلامِ فَإنَّهُ لا يُعَذِّبُهُ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يَعْفُو عَنْ طائِفَةٍ ويُعَذِّبُ الأُخْرى، كانَ فِيهِ إضْمارُ أنَّ الطّائِفَةَ الَّتِي أخْبَرَ أنَّهُ يَعْفُو عَنْهم تابُوا عَنِ الكُفْرِ ورَجَعُوا إلى الإسْلامِ، وأنَّ الطّائِفَةَ الَّتِي أخْبَرَ أنَّهُ يُعَذِّبُهم أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ ولَمْ يَرْجِعُوا إلى الإسْلامِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ الواحِدَ لَمّا لَمْ يُبالِغْ في الطَّعْنِ ولَمْ يُوافِقِ القَوْمَ في الذِّكْرِ خَفَّ كُفْرُهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وفَّقَهُ لِلْإيمانِ والخُرُوجِ عَنِ الكُفْرِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن خاضَ في عَمَلٍ باطِلٍ، فَلْيَجْتَهِدْ في التَّقْلِيلِ فَإنَّهُ يُرْجى لَهُ بِبَرَكَةِ ذَلِكَ التَّقْلِيلِ أنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ في الكُلِّ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالُوا: ثَبَتَ بِالرِّواياتِ أنَّ الطّائِفَتَيْنِ كانُوا ثَلاثَةً، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ إنْسانًا واحِدًا. قالَ الزَّجّاجُ: والطّائِفَةُ في اللُّغَةِ: أصْلُها الجَماعَةُ؛ لِأنَّها المِقْدارُ الَّذِي يُمْكِنُها أنْ تُطِيفَ بِالشَّيْءِ، ثُمَّ يَجُوزُ أنْ يُسَمّى الواحِدُ بِالطّائِفَةِ، قالَ تَعالى: ﴿ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] . وأقَلُّهُ الواحِدُ، ورَوى الفَرّاءُ بِإسْنادِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ قالَ: الطّائِفَةُ الواحِدُ فَما فَوْقَهُ. وفي جَوازِ تَسْمِيَةِ الشَّخْصِ الواحِدِ بِالطّائِفَةِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ مَنِ اخْتارَ مَذْهَبًا ونَصَرَهُ فَإنَّهُ لا يَزالُ يَكُونُ ذابًّا عَنْهُ ناصِرًا لَهُ، فَكَأنَّهُ بِقَلْبِهِ يَطُوفُ عَلَيْهِ ويَذُبُّ عَنْهُ مِن كُلِّ الجَوانِبِ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يُسَمّى الواحِدُ طائِفَةً لِهَذا السَّبَبِ.

الثّانِي: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: العَرَبُ تُوقِعُ لَفْظَ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ فَتَقُولُ: خَرَجَ فُلانٌ إلى مَكَّةَ عَلى الجِمالِ، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] . يَعْنِي نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ.

الثّالِثُ: لا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ الطّائِفَةُ إذا أُرِيدَ بِها الواحِدُ يَكُونُ أصْلُها طائِفًا، ثُمَّ أدْخَلَ الهاءَ عَلَيْهِ لِلْمُبالَغَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عَلَّلَ كَوْنَهُ مُعَذِّبًا لِلطّائِفَةِ الثّانِيَةِ بِأنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ.

واعْلَمْ أنَّ الطّائِفَتَيْنِ لَمّا اشْتَرَكَتا في الكُفْرِ، فَقَدِ اشْتَرَكَتا في الجُرْمِ، والتَّعْذِيبُ يَخْتَصُّ بِإحْدى الطّائِفَتَيْنِ، وتَعْلِيلُ الحُكْمِ الخاصِّ بِالعِلَّةِ العامَّةِ لا يَجُوزُ، وأيْضًا التَّعْذِيبُ حُكْمٌ حاصِلٌ في الحالِ. وقَوْلُهُ: ﴿كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى صُدُورِ الجُرْمِ عَنْهم في الزَّمانِ الماضِي، وتَعْلِيلُ الحُكْمِ الحاصِلِ في الحالِ بِالعِلَّةِ المُتَقَدِّمَةِ لا يَجُوزُ، بَلْ كانَ الأوْلى أنْ يُقالَ ذَلِكَ: بِأنَّهم مُجْرِمُونَ.

واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ عَنْهُ أنَّ هَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ جُرْمَ الطّائِفَةِ الثّانِيَةِ كانَ أغْلَظَ وأقْوى مِن جُرْمِ الطّائِفَةِ الأُولى، فَوَقَعَ التَّعْلِيلُ بِذَلِكَ الجُرْمِ الغَلِيظِ، وأيْضًا فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ الجُرْمَ بَقِيَ واسْتَمَرَّ ولَمْ يَزَلْ، فَأوْجَبَ التَّعْذِيبَ.

9:67Page 197

ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ بَعۡضُهُم مِّنۢ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمُنكَرِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَقۡبِضُونَ أَيۡدِيَهُمۡۚ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمۡۚ إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٦٧

The hypocrite men and hypocrite women are of one another. They enjoin what is wrong and forbid what is right and close their hands.1 They have forgotten Allāh, so He has forgotten them [accordingly]. Indeed, the hypocrites - it is they who are the defiantly disobedient.

صفحة ١٠١

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهم نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهم إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذا شَرْحُ نَوْعٍ آخَرَ مِن أنْواعِ فَضائِحِهِمْ وقَبائِحِهِمْ، والمَقْصُودُ بَيانُ أنَّ إناثَهم كَذُكُورِهِمْ في تِلْكَ الأعْمالِ المُنْكَرَةِ والأفْعالِ الخَبِيثَةِ، فَقالَ: ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ أيْ: في صِفَةِ النِّفاقِ، كَما يَقُولُ الإنْسانُ: أنْتَ مِنِّي وأنا مِنكَ، أيْ: أمْرُنا واحِدٌ لا مُبايَنَةَ فِيهِ. ولَمّا ذَكَرَ هَذا الكَلامَ ذَكَرَ تَفْصِيلَهُ فَقالَ: ﴿يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ﴾ . ولَفْظُ المُنْكَرِ يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ قَبِيحٍ، إلّا أنَّ الأعْظَمَ هَهُنا تَكْذِيبُ الرَّسُولِ.﴿ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ﴾ . ولَفْظُ المَعْرُوفِ يَدْخُلُ فِيهِ كُلَّ حَسَنٍ، إلّا أنَّ الأعْظَمَ هَهُنا الإيمانُ بِالرَّسُولِ ﷺ .﴿ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ﴾ . قِيلَ: مِن كُلِّ خَيْرٍ، وقِيلَ: عَنْ كُلِّ خَيْرٍ واجِبٍ؛ مِن زَكاةٍ وصَدَقَةٍ وإنْفاقٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، وهَذا أقْرَبُ؛ لِأنَّهُ تَعالى لا يَذُمُّهم إلّا بِتَرْكِ الواجِبِ، ويَدْخُلُ فِيهِ تَرْكُ الإنْفاقِ في الجِهادِ، ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى تَخَلُّفِهِمْ عَنِ الجِهادِ، والأصْلُ في هَذا أنَّ المُعْطِيَ يَمُدُّ يَدَهُ ويَبْسُطُها بِالعَطاءِ، فَقِيلَ لِمَن مَنَعَ وبَخِلَ: قَدْ قَبَضَ يَدَهُ.

ثُمَّ قالَ: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ لا يُمْكِنُ إجْراؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ؛ لِأنّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلى النِّسْيانِ عَلى الحَقِيقَةِ لَما اسْتَحَقُّوا عَلَيْهِ ذَمًّا؛ لِأنَّ النِّسْيانَ لَيْسَ في وُسْعِ البَشَرِ، وأيْضًا فَهو في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، فَلا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ، وهو مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: مَعْناهُ أنَّهم تَرَكُوا أمْرَهُ حَتّى صارَ بِمَنزِلَةِ المَنسِيِّ، فَجازاهم بِأنْ صَيَّرَهم بِمَنزِلَةِ المَنسِيِّ مِن ثَوابِهِ ورَحْمَتِهِ، وجاءَ هَذا عَلى أوْجُهِ الكَلامِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] .

الثّانِي: النِّسْيانُ ضِدُّ الذِّكْرِ، فَلَمّا تَرَكُوا ذِكْرَ اللَّهِ بِالعِبادَةِ والثَّناءِ عَلى اللَّهِ، تَرَكَ اللَّهُ ذِكْرَهم بِالرَّحْمَةِ والإحْسانِ، وإنَّما حَسُنَ جَعْلُ النِّسْيانِ كِنايَةً عَنْ تَرْكِ الذِّكْرِ؛ لِأنَّ مَن نَسِيَ شَيْئًا لَمْ يَذْكُرْهُ، فَجَعَلَ اسْمَ المَلْزُومِ كِنايَةً عَنِ اللّازِمِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ أيْ: هُمُ الكامِلُونَ في الفِسْقِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

9:68–69Page 197

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلۡكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ هِيَ حَسۡبُهُمۡۚ وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّقِيمٞ ٦٨

Allāh has promised the hypocrite men and hypocrite women and the disbelievers the fire of Hell, wherein they will abide eternally. It is sufficient for them. And Allāh has cursed them, and for them is an enduring punishment.

كَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ كَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنكُمۡ قُوَّةٗ وَأَكۡثَرَ أَمۡوَٰلٗا وَأَوۡلَٰدٗا فَٱسۡتَمۡتَعُواْ بِخَلَٰقِهِمۡ فَٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِخَلَٰقِكُمۡ كَمَا ٱسۡتَمۡتَعَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُم بِخَلَٰقِهِمۡ وَخُضۡتُمۡ كَٱلَّذِي خَاضُوٓاْۚ أُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٦٩

[You disbelievers are] like those before you; they were stronger than you in power and more abundant in wealth and children. They enjoyed their portion [of worldly enjoyment], and you have enjoyed your portion as those before you enjoyed their portion, and you have engaged [in vanities] like that in which they engaged. [It is] those whose deeds have become worthless in this world and in the Hereafter, and it is they who are the losers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَدَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هي حَسْبُهم ولَعَنَهُمُ اللَّهُ ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكم كانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالًا وأوْلادًا فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكم كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ وأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ .

صفحة ١٠٢

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ مِن قَبْلُ في المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ أنَّهُ نَسِيَهم، أيْ جازاهم عَلى تَرْكِهِمُ التَّمَسُّكَ بِطاعَةِ اللَّهِ أكَّدَ هَذا الوَعِيدَ، وضَمَّ المُنافِقِينَ إلى الكُفّارِ فِيهِ، فَقالَ: ﴿وعَدَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾ . ولا شَكَّ أنَّ النّارَ المُخَلَّدَةَ مِن أعْظَمِ العُقُوباتِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ والمَعْنى: أنَّ تِلْكَ العُقُوبَةَ كافِيَةٌ لَهم ولا شَيْءَ أبْلَغُ مِنها، ولا يُمْكِنُ الزِّيادَةُ عَلَيْها.

ثُمَّ قالَ: ﴿ولَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: ألْحَقَ بِتِلْكَ العُقُوبَةِ الشَّدِيدَةِ الإهانَةَ والذَّمَّ واللَّعْنَ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: مَعْنى كَوْنِ العَذابِ مُقِيمًا وكَوْنِهِ خالِدًا واحِدٌ، فَكانَ هَذا تَكْرارًا ؟

والجَوابُ: لَيْسَ ذَلِكَ تَكْرِيرًا، وبَيانُ الفَرْقِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ لَهم نَوْعًا آخَرَ مِنَ العَذابِ المُقِيمِ الدّائِمِ سِوى العَذابِ بِالنّارِ والخُلُودِ المَذْكُورِ أوَّلًا، ولا يَدُلُّ عَلى أنَّ العَذابَ بِالنّارِ دائِمٌ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ لَهم مَعَ ذَلِكَ نَوْعًا آخَرَ مِنَ العَذابِ.

ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا التَّأْوِيلُ مُشْكِلٌ؛ لِأنَّهُ قالَ في النّارِ المُخَلَّدَةِ: ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾، وكَوْنُها حَسْبًا يَمْنَعُ مِن ضَمِّ شَيْءٍ آخَرَ إلَيْهِ.

وجَوابُهُ: أنَّها حَسْبُهم في الإيلامِ والإيجاعِ، ومَعَ ذَلِكَ فَيُضَمُّ إلَيْهِ نَوْعٌ آخَرُ زِيادَةً في تَعْذِيبِهِمْ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ العَذابُ العاجِلُ الَّذِي لا يَنْفَكُّونَ عَنْهُ، وهو ما يُقاسُونَهُ مِن تَعَبِ النِّفاقِ والخَوْفِ مِنِ اطِّلاعِ الرَّسُولِ عَلى بَواطِنِهِمْ، وما يَحْذَرُونَهُ أبَدًا مِن أنْواعِ الفَضائِحِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا رُجُوعٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، وهَذا الكافُ لِلتَّشْبِيهِ، وهو يَحْتَمِلُ وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: فَعَلْتُمْ كَأفْعالِ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى شَبَّهَ المُنافِقِينَ بِالكُفّارِ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَهم في الأمْرِ بِالمُنْكَرِ والنَّهْيِ عَنِ المَعْرُوفِ، وقَبْضِ الأيْدِي عَنِ الخَيْراتِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ أُولَئِكَ الكُفّارَ بِأنَّهم كانُوا أشَدَّ قُوَّةً مِن هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ وأكْثَرَ أمْوالًا وأوْلادًا، ثُمَّ اسْتَمْتَعُوا مُدَّةً بِالدُّنْيا ثُمَّ هَلَكُوا وبادُوا وانْقَلَبُوا إلى العِقابِ الدّائِمِ، فَأنْتُمْ مَعَ ضَعْفِكم وقِلَّةِ خَيْراتِ الدُّنْيا عِنْدَكم أوْلى أنْ تَكُونُوا كَذَلِكَ.

والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى شَبَّهَ المُنافِقِينَ في عُدُولِهِمْ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى لِأجْلِ طَلَبِ لَذّاتِ الدُّنْيا، بِمَن قَبْلَهم مِنَ الكُفّارِ، ثُمَّ وصَفَهم تَعالى بِكَثْرَةِ الأمْوالِ والأوْلادِ وبِأنَّهُمُ اسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ، والخَلاقُ النَّصِيبُ، وهو ما خُلِقَ لِلْإنْسانِ، أيْ: قُدِّرَ لَهُ مِن خَيْرٍ، كَما قِيلَ لَهُ: قَسْمٌ لِأنَّها قَسْمٌ ونَصِيبٌ؛ لِأنَّهُ نُصِبَ أيْ: ثَبَتَ، فَذَكَرَ تَعالى أنَّهُمُ اسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ، فَأنْتُمْ أيُّها المُنافِقُونَ اسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكم كَما اسْتَمْتَعَ أُولَئِكَ بِخَلاقِهِمْ.

فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في ذِكْرِ الِاسْتِمْتاعِ بِالخَلاقِ في حَقِّ الأوَّلِينَ مَرَّةً، ثُمَّ ذِكْرِهِ في حَقِّ المُنافِقِينَ ثانِيًا، ثُمَّ ذِكْرِهِ في حَقِّ الأوَّلِينَ ثالِثًا ؟

قُلْنا: الفائِدَةُ فِيهِ أنَّهُ تَعالى ذَمَّ الأوَّلِينَ بِالِاسْتِمْتاعِ بِما أُوتُوا مِن حُظُوظِ الدُّنْيا، وحِرْمانِهِمْ عَنْ سَعادَةِ الآخِرَةِ بِسَبَبِ اسْتِغْراقِهِمْ في تِلْكَ الحُظُوظِ العاجِلَةِ، فَلَمّا قَرَّرَ تَعالى هَذا الذَّمَّ عادَ فَشَبَّهَ حالَ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ

صفحة ١٠٣

بِحالِهِمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ نِهايَةً في المُبالَغَةِ، ومِثالُهُ: أنَّ مَن أرادَ أنْ يُنَبِّهَ بَعْضَ الظَّلَمَةِ عَلى قُبْحِ ظُلْمِهِ يَقُولُ لَهُ: أنْتَ مِثْلُ فِرْعَوْنَ، كانَ يَقْتُلُ بِغَيْرِ جُرْمٍ ويُعَذِّبُ مِن غَيْرِ مُوجِبٍ، وأنْتَ تَفْعَلُ مِثْلَ ما فَعَلَهُ، وبِالجُمْلَةِ فالتَّكْرِيرُ هَهُنا لِلتَّأْكِيدِ.

ولَمّا بَيَّنَ تَعالى مُشابَهَةَ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ لِأُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ في طَلَبِ الدُّنْيا، وفي الإعْراضِ عَنْ طَلَبِ الآخِرَةِ، بَيَّنَ حُصُولَ المُشابَهَةِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ في تَكْذِيبِ الأنْبِياءِ وفي المَكْرِ والخَدِيعَةِ والغَدْرِ بِهِمْ، فَقالَ: ﴿وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ كَخَوْضِهِمُ الَّذِي خاضُوا، فَـ ”الَّذِي“ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الفِعْلُ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾؛ أيْ: بَطَلَتْ حَسَناتُهم في الدُّنْيا بِسَبَبِ المَوْتِ والفَقْرِ والِانْتِقالِ مِنَ العِزِّ إلى الذُّلِّ، ومِنَ القُوَّةِ إلى الضَّعْفِ، وفي الآخِرَةِ بِسَبَبِ أنَّهم لا يُثابُونَ، بَلْ يُعاقَبُونَ أشَدَّ العِقابِ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ حَيْثُ أتْعَبُوا أنْفُسَهم في الرَّدِّ عَلى الأنْبِياءِ والرُّسُلِ، فَما وجَدُوا مِنهُ إلّا فَواتَ الخَيْراتِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وإلّا حُصُولَ العِقابِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، والمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَبَّهَ حالَ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ بِأُولَئِكَ الكُفّارِ بَيَّنَ أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ لَمْ يَحْصُلْ لَهم إلّا حُبُوطُ الأعْمالِ، وإلّا الخِزْيُ والخَسارُ، مَعَ أنَّهم كانُوا أقْوى مِن هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ وأكْثَرَ أمْوالًا وأوْلادًا مِنهم، فَهَؤُلاءِ المُنافِقُونَ المُشارِكُونَ لَهم في هَذِهِ الأعْمالِ القَبِيحَةِ أوْلى أنْ يَكُونُوا واقِعِينَ في عَذابِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، مَحْرُومِينَ مِن خَيْراتِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.

9:70Page 198

أَلَمۡ يَأۡتِهِمۡ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَقَوۡمِ إِبۡرَٰهِيمَ وَأَصۡحَٰبِ مَدۡيَنَ وَٱلۡمُؤۡتَفِكَٰتِۚ أَتَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٧٠

Has there not reached them the news of those before them - the people of Noah and [the tribes of] ʿAad and Thamūd and the people of Abraham and the companions [i.e., dwellers] of Madyan and the towns overturned?1 Their messengers came to them with clear proofs. And Allāh would never have wronged them, but they were wronging themselves.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ إبْراهِيمَ وأصْحابِ مَدْيَنَ والمُؤْتَفِكاتِ أتَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَبَّهَ المُنافِقِينَ بِالكُفّارِ المُتَقَدِّمِينَ في الرَّغْبَةِ في الدُّنْيا، وفي تَكْذِيبِ الأنْبِياءِ والمُبالَغَةِ في إيذائِهِمْ بَيَّنَ أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ المُتَقَدِّمِينَ مِنهم، فَذَكَرَ هَؤُلاءِ الطَّوائِفَ السِّتَّةَ، فَأوَّلُهم: قَوْمُ نُوحٍ واللَّهُ أهْلَكَهم بِالإغْراقِ. وثانِيهِمْ: عادٌ واللَّهُ تَعالى أهْلَكَهم بِإرْسالِ الرِّيحِ العَقِيمِ عَلَيْهِمْ. وثالِثُهم: ثَمُودُ واللَّهُ أهْلَكَهم بِإرْسالِ الصَّيْحَةِ والصّاعِقَةِ. ورابِعُهم: قَوْمُ إبْراهِيمَ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِسَبَبِ سَلْبِ النِّعْمَةِ عَنْهم، وبِما رُوِيَ في الأخْبارِ أنَّهُ تَعالى سَلَّطَ البَعُوضَةَ عَلى دِماغِ نُمْرُوذَ. وخامِسُهم: قَوْمُ شُعَيْبٍ وهم أصْحابُ مَدْيَنَ، ويُقالُ: إنَّهم مِن ولَدِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ، واللَّهُ تَعالى أهْلَكَهم بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، والمُؤْتَفِكاتُ: قَوْمُ لُوطٍ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِأنْ جَعَلَ عالِيَ أرْضِهِمْ سافِلَها، وأمْطَرَ عَلَيْهِمُ الحِجارَةَ، وقالَ الواحِدِيُّ: ﴿والمُؤْتَفِكاتِ﴾ جَمْعُ مُؤْتَفِكَةٍ، ومَعْنى الِائْتِفاكِ في اللُّغَةِ: الِانْقِلابُ، وتِلْكَ القُرى ائْتَفَكَتْ بِأهْلِها، أيِ: انْقَلَبَتْ فَصارَ أعْلاها أسْفَلَها، يُقالُ: أفَكَهُ فائْتَفَكَ، أيْ: قَلَبَهُ فانْقَلَبَ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ فالمُؤْتَفِكاتُ صِفَةُ القُرى، وقِيلَ: ائْتِفاكُهُنَّ انْقِلابُ أحْوالِهِنَّ مِنَ الخَيْرِ إلى الشَّرِّ.

صفحة ١٠٤

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿ألَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ وذَكَرَ هَؤُلاءِ الطَّوائِفَ السِّتَّةَ؛ وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِأنَّهُ أتاهم نَبَأُ هَؤُلاءِ تارَةً بِأنْ سَمِعُوا هَذِهِ الأخْبارَ مِنَ الخَلْقِ، وتارَةً لِأجْلِ أنَّ بِلادَ هَذِهِ الطَّوائِفِ، وهي بِلادُ الشّامِ، قَرِيبَةٌ مِن بِلادِ العَرَبِ، وقَدْ بَقِيَتْ آثارُهم مُشاهَدَةً. وقَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَأْتِهِمْ﴾ وإنْ كانَ في صِفَةِ الِاسْتِفْهامِ إلّا أنَّ المُرادَ هو التَّقْرِيرُ، أيْ: أتاهم نَبَأُ هَؤُلاءِ الأقْوامِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿أتَتْهم رُسُلُهُمْ﴾ وهو راجِعٌ إلى كُلِّ هَؤُلاءِ الطَّوائِفِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِالمُعْجِزاتِ، ولا بُدَّ مِن إضْمارٍ في الكَلامِ، والتَّقْدِيرُ: فَكَذَّبُوا فَعَجَّلَ اللَّهُ هَلاكَهم.

ثُمَّ قالَ: ﴿فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّ العَذابَ الَّذِي أوْصَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ ما كانَ ظُلْمًا مِنَ اللَّهِ؛ لِأنَّهُمُ اسْتَحَقُّوهُ بِسَبَبِ أفْعالِهِمُ القَبِيحَةِ ومُبالَغَتِهِمْ في تَكْذِيبِ أنْبِيائِهِمْ، بَلْ كانُوا ظَلَمُوا أنْفُسَهم.

قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَصِحُّ مِنهُ فِعْلُ الظُّلْمِ، وإلّا لَما حَسُنَ التَّمَدُّحُ بِهِ، وذَلِكَ دَلَّ عَلى أنَّهُ لا يَظْلِمُ البَتَّةَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَخْلُقُ الكُفْرَ في الكافِرِ ثُمَّ يُعَذِّبُهُ عَلَيْهِ، ودَلَّ عَلى أنَّ فاعِلَ الظُّلْمِ هو العَبْدُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾، وهَذا الكَلامُ قَدْ مَرَّ ذِكْرُهُ في هَذا الكِتابِ مِرارًا خارِجَةً عَنِ الإحْصاءِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском