Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:71–74
9:71Page 198
وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ سَيَرۡحَمُهُمُ ٱللَّهُۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٧١
The believing men and believing women are allies of one another. They enjoin what is right and forbid what is wrong and establish prayer and give zakāh and obey Allāh and His Messenger. Those - Allāh will have mercy upon them. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Wise.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ويُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في وصْفِ المُنافِقِينَ بِالأعْمالِ الفاسِدَةِ والأفْعالِ الخَبِيثَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ أنْواعَ الوَعِيدِ في حَقِّهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ذَكَرَ بَعْدَهُ في هَذِهِ الآيَةِ كَوْنَ المُؤْمِنِينَ مَوْصُوفِينَ بِصِفاتِ الخَيْرِ وأعْمالِ البِرِّ، عَلى ضِدِّ صِفاتِ المُنافِقِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ في هَذِهِ الآيَةِ أنْواعَ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ الثَّوابِ الدّائِمِ والنَّعِيمِ المُقِيمِ، فَأمّا صِفاتُ المُؤْمِنِينَ فَهي قَوْلُهُ: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في أنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ المُنافِقِينَ: ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾، وهَهُنا قالَ في صِفَةِ المُؤْمِنِينَ: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾، فَلِمَ ذَكَرَ في المُنافِقِينَ لَفْظَ ”مِن“ وفي المُؤْمِنِينَ لَفْظَ ”أوْلِياءُ“ ؟ .
قُلْنا: قَوْلُهُ في صِفَةِ المُنافِقِينَ: ﴿بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ نِفاقَ الأتْباعِ كالأمْرِ المُتَفَرِّعِ عَلى نِفاقِ الأسْلافِ، والأمْرُ في نَفْسِهِ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ نِفاقَ الأتْباعِ وكُفْرَهم حَصَلَ بِسَبَبِ التَّقْلِيدِ لِأُولَئِكَ الأكابِرِ، وبِسَبَبِ مُقْتَضى الهَوى والطَّبِيعَةِ والعادَةِ، أمّا المُوافَقَةُ الحاصِلَةُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ فَإنَّما حَصَلَتْ لا بِسَبَبِ المَيْلِ
صفحة ١٠٥
والعادَةِ، بَلْ بِسَبَبِ المُشارَكَةِ في الِاسْتِدْلالِ والتَّوْفِيقِ والهِدايَةِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ تَعالى في المُنافِقِينَ: ﴿بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾، وقالَ في المُؤْمِنِينَ: ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ الوِلايَةَ ضِدُّ العَداوَةِ، وقَدْ ذَكَرْنا فِيما تَقَدَّمَ أنَّ الأصْلَ في لَفْظِ الوِلايَةِ القُرْبُ، ويَتَأكَّدُ ذَلِكَ بِأنَّ ضِدَّ الوِلايَةِ هو العَداوَةُ، ولَفْظَةُ العَداوَةِ مَأْخُوذَةٌ مِن عَدا الشَّيْءَ إذا جاوَزَ عَنْهُ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ المُؤْمِنِينَ بِكَوْنِ بَعْضِهِمْ أوْلِياءَ بَعْضٍ، ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَجْرِي مَجْرى التَّفْسِيرِ والشَّرْحِ لَهُ، فَقالَ: ﴿يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ويُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ . فَذَكَرَ هَذِهِ الأُمُورَ الخَمْسَةَ الَّتِي بِها يَتَمَيَّزُ المُؤْمِنُ مِنَ المُنافِقِ، فالمُنافِقُ عَلى ما وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ يَأْمُرُ بِالمُنْكَرِ، ويَنْهى عَنِ المَعْرُوفِ، والمُؤْمِنُ بِالضِّدِّ مِنهُ. والمُنافِقُ لا يَقُومُ إلى الصَّلاةِ إلّا مَعَ نَوْعٍ مِنَ الكَسَلِ، والمُؤْمِنُ بِالضِّدِّ مِنهُ. والمُنافِقُ يَبْخَلُ بِالزَّكاةِ وسائِرِ الواجِباتِ كَما قالَ: ﴿ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] . والمُؤْمِنُونَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ، والمُنافِقُ إذا أمَرَهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ بِالمُسارَعَةِ إلى الجِهادِ فَإنَّهُ يَتَخَلَّفُ بِنَفْسِهِ ويُثَبِّطُ غَيْرَهُ كَما وصَفَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ، والمُؤْمِنُونَ بِالضِّدِّ مِنهم. وهو المُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ:(﴿ويُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ . ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ صِفاتِ المُؤْمِنِينَ بَيَّنَ أنَّهُ كَما وعَدَ المُنافِقِينَ نارَ جَهَنَّمَ فَقَدْ وعَدَ المُؤْمِنِينَ الرَّحْمَةَ المُسْتَقْبَلَةَ، وهي ثَوابُ الآخِرَةِ؛ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ . وذَكَرَ حَرْفَ السِّينِ في قَوْلِهِ: ﴿سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ لِلتَّوْكِيدِ والمُبالَغَةِ، كَما تُؤَكِّدُ الوَعِيدَ في قَوْلِكَ: سَأنْتَقِمُ مِنكَ يَوْمًا، يَعْنِي أنَّكَ لا تَفُوتُنِي وإنْ تَباطَأ ذَلِكَ، ونَظِيرُهُ: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦] -﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٥] -﴿سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٢] .
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ وذَلِكَ يُوجِبُ المُبالَغَةَ في التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ؛ لِأنَّ العَزِيزَ هو مَن لا يُمْنَعُ مِن مُرادِهِ في عِبادِهِ مِن رَحْمَةٍ أوْ عُقُوبَةٍ، والحَكِيمَ هو المُدَبِّرُ أمْرَ عِبادِهِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ العَدْلُ والصَّوابُ.
9:72Page 198
وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةٗ فِي جَنَّٰتِ عَدۡنٖۚ وَرِضۡوَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٧٢
Allāh has promised the believing men and believing women gardens beneath which rivers flow, wherein they abide eternally, and pleasant dwellings in gardens of perpetual residence; but approval from Allāh is greater. It is that which is the great attainment.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الوَعْدَ في الآيَةِ الأُولى عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى وعَدَ بِالرَّحْمَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ تِلْكَ الرَّحْمَةَ هي هَذِهِ الأشْياءُ، فَأوَّلُها قَوْلُهُ: ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ . والأقْرَبُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى أرادَ بِها البَساتِينَ الَّتِي يَتَناوَلُها المَناظِرُ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ: ﴿ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ . والمَعْطُوفُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُغايِرًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَتَكُونُ مَساكِنُهم في جَنّاتِ عَدْنٍ، ومَناظِرُهُمُ الجَنّاتِ الَّتِي هي البَساتِينُ، فَتَكُونُ فائِدَةُ وصْفِها بِأنَّها عَدْنٌ، أنَّها تَجْرِي مَجْرى الدّارِ الَّتِي يَسْكُنُها الإنْسانُ. وأمّا الجَنّاتُ الآخِرَةُ فَهي جارِيَةٌ مَجْرى البَساتِينِ الَّتِي قَدْ يَذْهَبُ الإنْسانُ إلَيْها لِأجْلِ التَّنَزُّهِ ومُلاقاةِ الأحْبابِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ قَدْ كَثُرَ كَلامُ أصْحابِ الآثارِ في صِفَةِ جَنّاتِ عَدْنٍ، قالَ الحَسَنُ: «سَألْتُ عِمْرانَ بْنَ الحُصَيْنِ وأبا هُرَيْرَةَ عَنْ قَوْلِهِ:
صفحة ١٠٦
﴿ومَساكِنَ طَيِّبَةً﴾ فَقالا: عَلى الخَبِيرِ سَقَطْتَ، سَألْنا الرَّسُولَ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقالَ ﷺ: ”هو قَصْرٌ في الجَنَّةِ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، فِيهِ سَبْعُونَ دارًا مِن ياقُوتَةٍ حَمْراءَ، في كُلِّ دارٍ سَبْعُونَ بَيْتًا مِن زُمُرُّدَةٍ خَضْراءَ، في كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ سَرِيرًا، عَلى كُلِّ سَرِيرٍ سَبْعُونَ فِراشًا، عَلى كُلِّ فِراشٍ زَوْجَةٌ مِنَ الحُورِ العِينِ، في كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ مائِدَةً، عَلى كُلِّ مائِدَةٍ سَبْعُونَ لَوْنًا مِنَ الطَّعامِ، وفي كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ وصِيفَةً، يُعْطى المُؤْمِنُ مِنَ القُوَّةِ في غَداةٍ واحِدَةٍ ما يَأْتِي عَلى ذَلِكَ أجْمَعَ“» .
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها دارُ اللَّهِ الَّتِي لَمْ تَرَها عَيْنٌ ولَمْ تَخْطُرْ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ. وأقُولُ: لَعَلَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: إنَّها دارُ المُقَرَّبِينَ عِنْدَ اللَّهِ فَإنَّهُ كانَ أعْلَمَ بِاللَّهِ مِن أنْ يُثْبِتَ لَهُ دارًا، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قُلْتُ: «يا رَسُولَ اللَّهِ، حَدِّثْنِي عَنِ الجَنَّةِ ما بِناؤُها ؟ فَقالَ: ”لَبِنَةٌ مِن ذَهَبٍ ولَبِنَةٌ مِن فِضَّةٍ، ومِلاطُها المِسْكُ الأذْفَرُ، وتُرابُها الزَّعْفَرانُ، وحَصاؤُها الدُّرُّ والياقُوتُ، فِيها النَّعِيمُ بِلا بُؤْسٍ، والخُلُودُ بِلا مَوْتٍ، لا تَبْلى ثِيابُهُ ولا يَفْنى شَبابُهُ“» .
وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: جَنّاتُ عَدْنٍ بُطْنانُ الجَنَّةِ، قالَ الأزْهَرِيُّ: بُطْنانُها وسَطُها، وبُطْنانُ الأوْدِيَةِ المَواضِعُ الَّتِي يَسْتَنْقِعُ فِيها ماءُ السَّيْلِ، واحِدُها بَطْنٌ، وقالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هي قَصَبَةُ الجَنَّةِ، وسَقْفُها عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وهي المَدِينَةُ الَّتِي فِيها الرُّسُلُ والأنْبِياءُ والشُّهَداءُ وأئِمَّةُ الهُدى، وسائِرُ الجَنّاتِ حَوْلَها، وفِيها عَيْنُ التَّسْنِيمِ، وفِيها قُصُورُ الدُّرِّ والياقُوتِ والذَّهَبِ، فَتَهُبُّ رِيحٌ طَيِّبَةٌ مِن تَحْتِ العَرْشِ فَتُدْخِلُ عَلَيْهِمْ كُثْبانَ المِسْكِ الأذْفَرِ.
وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: إنَّ في الجَنَّةِ قَصْرًا يُقالُ لَهُ: عَدْنٌ، حَوْلَهُ البُرُوجُ، ولَهُ خَمْسَةُ آلافِ بابٍ، عَلى كُلِّ بابٍ خَمْسَةُ آلافِ حَرَّةٍ، لا يَدْخُلُهُ إلّا نَبِيٌّ أوْ صِدِّيقٌ أوْ شَهِيدٌ.
وأقُولُ: حاصِلُ الكَلامِ أنَّ في جَنّاتِ عَدْنٍ قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمُ عَلَمٍ لِمَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ في الجَنَّةِ، وهَذِهِ الأخْبارُ والآثارُ الَّتِي نَقَلْناها تُقَوِّي هَذا القَوْلَ. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: وعَدْنٌ عَلَمٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [مريم: ٦١] .
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ صِفَةٌ لِلْجَنَّةِ، قالَ الأزْهَرِيُّ: العَدْنُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِكَ: عَدَنَ فُلانٌ بِالمَكانِ إذا أقامَ بِهِ يَعْدِنُ عُدُونًا. والعَرَبُ تَقُولُ: تَرَكْتُ إبِلَ بَنِي فُلانٍ عَوادِنَ بِمَكانِ كَذا، وهو أنْ تَلْزَمَ الإبِلُ المَكانَ فَتَأْلَفَهُ ولا تَبْرَحَهُ، ومِنهُ المَعْدِنُ، وهو المَكانُ الَّذِي تُخْلَقُ الجَواهِرُ فِيهِ ومَنبَعُها مِنهُ. والقائِلُونَ بِهَذا الِاشْتِقاقِ قالُوا: الجَنّاتُ كُلُّها جَنّاتُ عَدْنٍ.
والنَّوْعُ الثّالِثُ: مِنَ المَواعِيدِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ والمَعْنى: أنَّ رِضْوانَ اللَّهِ أكْبَرُ مِن كُلِّ ما سَلَفَ ذِكْرُهُ، واعْلَمْ أنَّ هَذا هو البُرْهانُ القاطِعُ عَلى أنَّ السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةَ أشْرَفُ وأعْلى مِنَ السَّعاداتِ الجُسْمانِيَّةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ الِابْتِهاجُ بِكَوْنِ مَوْلاهُ راضِيًا عَنْهُ، وأنْ يَتَوَسَّلَ بِذَلِكَ الرِّضا إلى شَيْءٍ مِنَ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ أوْ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ عِلْمُهُ بِكَوْنِهِ راضِيًا عَنْهُ يُوجِبُ الِابْتِهاجَ والسَّعادَةَ لِذاتِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَتَوَسَّلَ بِهِ إلى مَطْلُوبٍ آخَرَ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ ما كانَ وسِيلَةً إلى الشَّيْءِ لا يَكُونُ أعْلى حالًا مِن ذَلِكَ المَقْصُودِ، فَلَوْ كانَ المَقْصُودُ مِن رِضْوانِ اللَّهِ أنْ يُتَوَسَّلَ بِهِ إلى اللَّذّاتِ الَّتِي أعَدَّها اللَّهُ في الجَنَّةِ مِنَ الأكْلِ والشُّرْبِ، لَكانَ الِابْتِهاجُ بِالرِّضْوانِ ابْتِهاجًا بِالمَقْصُودِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ الِابْتِهاجَ بِالوَسِيلَةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ أقَلَّ حالًا مِنَ الِابْتِهاجِ بِالمَقْصُودِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ رِضْوانُ اللَّهِ أقَلَّ حالًا وأدْوَنَ مَرْتَبَةً مِنَ الفَوْزِ بِالجَنّاتِ والمَساكِنِ الطَّيِّبَةِ، لَكِنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى نَصَّ عَلى أنَّ الفَوْزَ بِالرِّضْوانِ أعْلى وأعْظَمُ وأجَلُّ وأكْبَرُ، وذَلِكَ دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى أنَّ السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةَ أكْمَلُ وأشْرَفُ مِنَ السَّعاداتِ الجُسْمانِيَّةِ.
واعْلَمْ أنَّ المَذْهَبَ الصَّحِيحَ الحَقَّ وُجُوبُ الإقْرارِ بِهِما مَعًا كَما جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُما في هَذِهِ الآيَةِ.
صفحة ١٠٧
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ الأُمُورَ الثَّلاثَةَ قالَ: ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾، وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الإنْسانَ مَخْلُوقٌ مِن جَوْهَرَيْنِ؛ لَطِيفٌ عُلْوِيٌّ رُوحانِيٌّ، وكَثِيفٌ سُفْلِيٌّ جُسْمانِيٌّ، وانْضَمَّ إلَيْهِما حُصُولُ سَعادَةٍ وشَقاوَةٍ، فَإذا حَصَلَتِ الخَيْراتُ الجُسْمانِيَّةُ وانْضَمَّ إلَيْها حُصُولُ السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ كانَتِ الرُّوحُ فائِزَةً بِالسَّعاداتِ اللّائِقَةِ بِها، والجَسَدُ واصِلًا إلى السَّعاداتِ اللّائِقَةِ بِهِ، ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في وصْفِ المُنافِقِينَ أنَّهم تَشَبَّهُوا بِالكُفّارِ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَهم في التَّنَعُّمِ بِالدُّنْيا وطَيِّباتِها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ وصْفَ ثَوابِ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ قالَ: ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ والمَعْنى: أنَّ هَذا هو الفَوْزُ العَظِيمُ، لا ما يَطْلُبُهُ المُنافِقُونَ والكُفّارُ مِنَ التَّنَعُّمِ بِطَيِّباتِ الدُّنْيا. ورُوِيَ «أنَّهُ تَعالى يَقُولُ لِأهْلِ الجَنَّةِ: ”هَلْ رَضِيتُمْ ؟ فَيَقُولُونَ: وما لَنا لا نَرْضى وقَدْ أعْطَيْتَنا ما لَمْ تُعْطِ أحَدًا مِن خَلْقِكَ، فَيَقُولُ: أما أُعْطِيكم أفْضَلَ مِن ذَلِكَ ؟ قالُوا: وأيُّ شَيْءٍ أفْضَلُ مِن ذَلِكَ ؟ قالَ: أُحِلُّ عَلَيْكم رِضْوانِي فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم أبَدًا“» .
واعْلَمْ أنَّ دَلالَةَ هَذا الحَدِيثِ عَلى أنَّ السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةَ أفْضَلُ مِنَ الجُسْمانِيَّةِ كَدَلالَةِ الآيَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ عَلى الوَجْهِ الكامِلِ.
9:73Page 199
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَٰهِدِ ٱلۡكُفَّارَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱغۡلُظۡ عَلَيۡهِمۡۚ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٧٣
O Prophet, fight against the disbelievers and the hypocrites and be harsh upon them. And their refuge is Hell, and wretched is the destination.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ .
واعْلَمْ أنّا ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ المُنافِقِينَ بِالصِّفاتِ الخَبِيثَةِ وتَوَعَّدَهم بِأنْواعِ العِقابِ، وكانَتْ عادَةُ اللَّهِ تَعالى في هَذا الكِتابِ الكَرِيمِ جارِيَةً بِذِكْرِ الوَعْدِ مَعَ الوَعِيدِ، لا جَرَمَ ذَكَرَ عَقِيبَهُ وصْفَ المُؤْمِنِينَ بِالصِّفاتِ الشَّرِيفَةِ الطّاهِرَةِ الطَّيِّبَةِ، ووَعَدَهم بِالثَّوابِ الرَّفِيعِ والدَّرَجاتِ العالِيَةِ، ثُمَّ عادَ مَرَّةً أُخْرى إلى شَرْحِ أحْوالِ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ وفي الآيَةِ سُؤالٌ، وهو أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ مُجاهَدَةِ المُنافِقِينَ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ؛ فَإنَّ المُنافِقَ هو الَّذِي يَسْتُرُ كَفْرَهُ ويُنْكِرُهُ بِلِسانِهِ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ مُحارَبَتُهُ ومُجاهَدَتُهُ.
واعْلَمْ أنَّ النّاسَ ذَكَرُوا أقْوالًا بِسَبَبِ هَذا الإشْكالِ.
فالقَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ الجِهادُ مَعَ الكُفّارِ وتَغْلِيظُ القَوْلِ مَعَ المُنافِقِينَ، وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ. وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ يَقْتَضِي الأمْرَ بِجِهادِهِما مَعًا، وكَذا ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ راجِعٌ إلى الفَرِيقَيْنِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ لِلرَّسُولِ ﷺ بِأنْ يَحْكُمَ بِالظّاهِرِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظّاهِرِ»، والقَوْمُ كانُوا يُظْهِرُونَ الإسْلامَ ويُنْكِرُونَ الكُفْرَ، فَكانَتِ المُحارَبَةُ مَعَهم غَيْرَ جائِزَةٍ.
والقَوْلُ الثّالِثُ وهو الصَّحِيحُ: أنَّ الجِهادَ عِبارَةٌ عَنْ بَذْلِ الجُهْدِ، ولَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الجِهادَ بِالسَّيْفِ أوْ بِاللِّسانِ أوْ بِطَرِيقٍ آخَرَ، فَنَقُولُ: إنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الجِهادِ مَعَ الفَرِيقَيْنِ، فَأمّا كَيْفِيَّةُ
صفحة ١٠٨
تِلْكَ المُجاهَدَةِ فَلَفْظُ الآيَةِ لا يَدُلُّ عَلَيْها، بَلْ إنَّما يُعْرَفُ مِن دَلِيلٍ آخَرَ.
وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: دَلَّتِ الدَّلائِلُ المُنْفَصِلَةُ عَلى أنَّ المُجاهَدَةَ مَعَ الكُفّارِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ بِالسَّيْفِ، ومَعَ المُنافِقِينَ بِإظْهارِ الحُجَّةِ تارَةً، وبِتَرْكِ الرِّفْقِ ثانِيًا، وبِالِانْتِهارِ ثالِثًا. قالَ عَبْدُ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ قالَ: تارَةً بِاليَدِ، وتارَةً بِاللِّسانِ، فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيُكَشِّرْ في وجْهِهِ، فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِالقَلْبِ. وحَمَلَ الحَسَنُ جِهادَ المُنافِقِينَ عَلى إقامَةِ الحُدُودِ عَلَيْهِمْ إذا تَعاطَوْا أسْبابَها. قالَ القاضِي: وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ إقامَةَ الحَدِّ واجِبَةٌ عَلى مَن لَيْسَ بِمُنافِقٍ، فَلا يَكُونُ لِهَذا تَعَلُّقٌ بِالنِّفاقِ.
ثُمَّ قالَ: وإنَّما قالَ الحَسَنُ ذَلِكَ لِأحَدِ أمْرَيْنِ؛ إمّا لِأنَّ كُلَّ فاسِقٍ مُنافِقٌ، وإمّا لِأجْلِ أنَّ الغالِبَ مِمَّنْ يُقامُ عَلَيْهِ الحَدُّ في زَمَنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ كانُوا مُنافِقِينَ.
9:74Page 199
يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدۡ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلۡكُفۡرِ وَكَفَرُواْ بَعۡدَ إِسۡلَٰمِهِمۡ وَهَمُّواْ بِمَا لَمۡ يَنَالُواْۚ وَمَا نَقَمُوٓاْ إِلَّآ أَنۡ أَغۡنَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ مِن فَضۡلِهِۦۚ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيۡرٗا لَّهُمۡۖ وَإِن يَتَوَلَّوۡاْ يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِيمٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَمَا لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ ٧٤
They swear by Allāh that they did not say [anything against the Prophet (ﷺ)] while they had said the word of disbelief and disbelieved after their [pretense of] Islām and planned that which they were not to attain.1 And they were not resentful except [for the fact] that Allāh and His Messenger had enriched them of His bounty.2 So if they repent, it is better for them; but if they turn away, Allāh will punish them with a painful punishment in this world and the Hereafter. And there will not be for them on earth any protector or helper.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وما نَقَمُوا إلّا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهم وإنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذابًا ألِيمًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ وما لَهم في الأرْضِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ أقْوامًا مِنَ المُنافِقِينَ قالُوا كَلِماتٍ فاسِدَةً، ثُمَّ لَمّا قِيلَ لَهم: إنَّكم ذَكَرْتُمْ هَذِهِ الكَلِماتِ خافُوا، وحَلَفُوا أنَّهم ما قالُوا، والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا في أسْبابِ النُّزُولِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أقامَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ شَهْرَيْنِ يَنْزِلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ، ويَعِيبُ المُنافِقِينَ المُتَخَلِّفِينَ. فَقالَ الجُلاسُ بْنُ سُوَيْدٍ: واللَّهِ لَئِنْ كانَ ما يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ في إخْوانِنا الَّذِينَ خَلَّفْناهم في المَدِينَةِ حَقًّا مَعَ أنَّهم أشْرافُنا، فَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ، فَقالَ عامِرُ بْنُ قَيْسٍ الأنْصارِيُّ لِلْجُلاسِ: أجَلْ واللَّهِ إنَّ مُحَمَّدًا صادِقٌ، وأنْتَ شَرٌّ مِنَ الحِمارِ. وبَلَغَ ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فاسْتَحْضَرَ الجُلاسَ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ أنَّهُ ما قالَ، فَرَفَعَ عامِرٌ يَدَهُ وقالَ: اللَّهُمَّ أنْزِلْ عَلى عَبْدِكَ ونَبِيِّكَ تَصْدِيقَ الصّادِقِ وتَكْذِيبَ الكاذِبِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. فَقالَ الجُلاسُ: لَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ التَّوْبَةَ في هَذِهِ الآيَةِ، ولَقَدْ قُلْتُ هَذا الكَلامَ وصَدَقَ عامِرٌ، فَتابَ الجُلاسُ، وحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ» . الثّانِي: رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في «عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ لَمّا قالَ: لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لِيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، وأرادَ بِهِ الرَّسُولَ ﷺ . فَسَمِعَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ ذَلِكَ وبَلَّغَهُ إلى الرَّسُولِ، فَهَمَّ عُمَرُ بِقَتْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَجاءَ عَبْدُ اللَّهِ وحَلَفَ أنَّهُ لَمْ يَقُلْ»، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
الثّالِثُ: رَوى قَتادَةُ «أنَّ رَجُلَيْنِ اقْتَتَلا، أحَدُهُما مِن جُهَيْنَةَ، والآخَرُ مِن غِفارٍ، فَظَهَرَ الغِفارِيُّ عَلى الجُهَيْنِيِّ، فَنادى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: يا بَنِي الأوْسِ، انْصُرُوا أخاكم، واللَّهِ ما مَثَلُنا ومَثَلُ مُحَمَّدٍ إلّا كَما قِيلَ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ. فَذَكَرُوهُ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأنْكَرَ عَبْدُ اللَّهِ، وجَعَلَ يَحْلِفُ» . قالَ القاضِي: يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ هَذِهِ الوَقائِعَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ كُلُّها صِيَغُ الجُمُوعِ، وحَمْلُ صِيغَةِ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ خِلافُ الأصْلِ.
صفحة ١٠٩
فَإنْ قِيلَ: لَعَلَّ ذَلِكَ الواحِدَ قالَ في مَحْفِلٍ ورَضِيَ بِهِ الباقُونَ.
قُلْنا: هَذا أيْضًا خِلافُ الظّاهِرِ؛ لِأنَّ إسْنادَ القَوْلِ إلى مَن سَمِعَهُ ورَضِيَ بِهِ خِلافُ الأصْلِ. ثُمَّ قالَ: بَلى الأوْلى أنْ تُحْمَلَ هَذِهِ الآيَةُ عَلى ما رُوِيَ: «أنَّ المُنافِقِينَ هَمُّوا بِقَتْلِهِ عِنْدَ رُجُوعِهِ مِن تَبُوكَ وهم خَمْسَةَ عَشَرَ، تَعاهَدُوا أنْ يَدْفَعُوهُ عَنْ راحِلَتِهِ إلى الوادِي إذا تَسَنَّمَ العَقَبَةَ بِاللَّيْلِ، وكانَ عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ آخِذًا بِالخِطامِ عَلى راحِلَتِهِ وحُذَيْفَةُ خَلْفَها يَسُوقُها، فَسَمِعَ حُذَيْفَةُ وقْعَ أخْفافِ الإبِلِ وقَعْقَعَةَ السِّلاحِ، فالتَفَتَ، فَإذا قَوْمٌ مُتَلَثِّمُونَ، فَقالَ: إلَيْكم إلَيْكم يا أعْداءَ اللَّهِ. فَهَرَبُوا» . والظّاهِرُ أنَّهم لَمّا اجْتَمَعُوا لِذَلِكَ الغَرَضِ، فَقَدْ طَعَنُوا في نُبُوَّتِهِ ونَسَبُوهُ إلى الكَذِبِ والتَّصَنُّعِ في ادِّعاءِ الرِّسالَةِ، وذَلِكَ هو قَوْلُ كَلِمَةِ الكُفْرِ، وهَذا القَوْلُ اخْتِيارُ الزَّجّاجِ.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ﴾ فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهم أسْلَمُوا، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِمْ هَذا الكَلامُ ؟
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: المُرادُ مِنَ الإسْلامِ السِّلْمُ الَّذِي هو نَقِيضُ الحَرْبِ؛ لِأنَّهم لَمّا نافَقُوا فَقَدْ أظْهَرُوا الإسْلامَ، وجَنَحُوا إلَيْهِ، فَإذا جاهَرُوا بِالحَرْبِ، وجَبَ حَرْبُهم.
والثّانِي: أنَّهم أظْهَرُوا الكُفْرَ بَعْدَ أنْ أظْهَرُوا الإسْلامَ.
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ المُرادُ إطْباقُهم عَلى الفَتْكِ بِالرَّسُولِ، واللَّهُ تَعالى أخْبَرَ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ حَتّى احْتَرَزَ عَنْهم، ولَمْ يَصِلُوا إلى مَقْصُودِهِمْ.
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وما نَقَمُوا إلّا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ في هَذا الفَضْلِ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ كانُوا قَبْلَ قُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ المَدِينَةَ في ضَنْكٍ مِنَ العَيْشِ، لا يَرْكَبُونَ الخَيْلَ ولا يَحُوزُونَ الغَنِيمَةَ، وبَعْدَ قُدُومِهِ أخَذُوا الغَنائِمَ وفازُوا بِالأمْوالِ ووَجَدُوا الدَّوْلَةَ، وذَلِكَ يُوجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَكُونُوا مُحِبِّينَ لَهُ مُجْتَهِدِينَ في بَذْلِ النَّفْسِ والمالِ لِأجْلِهِ.
والثّانِي: رُوِيَ أنَّهُ «قُتِلَ لِلْجُلاسِ مَوْلًى، فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِدِيَتِهِ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا فاسْتَغْنى» .
البَحْثُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما نَقَمُوا إلّا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ هُناكَ شَيْءٌ يَنْقِمُونَ مِنهُ، وهَذا كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
ما نَقَمُوا مِن بَنِي أُمَيَّةَ إلّا أنَّهم يَحْلُمُونَ إنْ غَضِبُوا
وكَقَوْلِ النّابِغَةِ:
ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم ∗∗∗ بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
أيْ: لَيْسَ فِيهِمْ عَيْبٌ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ والمُرادُ: اسْتِعْطافُ قُلُوبِهِمْ بَعْدَما صَدَرَتِ الجِنايَةُ العَظِيمَةُ عَنْهم، ولَيْسَ في الظّاهِرِ إلّا أنَّهم إنْ تابُوا فازُوا بِالخَيْرِ، فَأمّا أنَّهم تابُوا فَلَيْسَ في الآيَةِ، وقَدْ ذَكَرْنا ما قالُوهُ في تَوْبَةِ الجُلاسِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ يَتَوَلَّوْا﴾ أيْ: عَنِ التَّوْبَةِ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذابًا ألِيمًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾؛ أمّا عَذابُ الآخِرَةِ فَمَعْلُومٌ، وأمّا العَذابُ في الدُّنْيا، فَقِيلَ: المُرادُ بِهِ أنَّهُ لَمّا ظَهَرَ كُفْرُهم بَيْنَ النّاسِ صارُوا مِثْلَ أهْلِ الحَرْبِ، فَيَحِلُّ قِتالُهم وقَتْلُهم وسَبْيُ أوْلادِهِمْ وأزْواجِهِمْ واغْتِنامُ أمْوالِهِمْ. وقِيلَ: بِما يَنالُهم عِنْدَ المَوْتِ ومُعايَنَةِ مَلائِكَةِ
صفحة ١١٠
العَذابِ. وقِيلَ: المُرادُ عَذابُ القَبْرِ: ﴿وما لَهم في الأرْضِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ يَعْنِي: أنَّ عَذابَ اللَّهِ إذا حُقَّ لَمْ يَنْفَعْهُ ولِيٌّ ولا نَصِيرٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences