Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:80–84
9:80Page 200
ٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ أَوۡ لَا تَسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ إِن تَسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ سَبۡعِينَ مَرَّةٗ فَلَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَهُمۡۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٨٠
Ask forgiveness for them, [O Muḥammad], or do not ask forgiveness for them. If you should ask forgiveness for them seventy times - never will Allāh forgive them. That is because they disbelieved in Allāh and His Messenger, and Allāh does not guide the defiantly disobedient people.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهم إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم ذَلِكَ بِأنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «إنَّ عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ الأُولى في المُنافِقِينَ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتَغْفِرْ لَنا. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سَأسْتَغْفِرُ لَكم. واشْتَغَلَ بِالِاسْتِغْفارِ لَهم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الِاسْتِغْفارَ» . وقالَ الحَسَنُ: كانُوا يَأْتُونَ رَسُولَ اللَّهِ، فَيَعْتَذِرُونَ إلَيْهِ ويَقُولُونَ: إنْ أرَدْنا إلّا الحُسْنى وما أرَدْنا إلّا إحْسانًا وتَوْفِيقًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. ورَوى الأصَمُّ أنَّهُ «كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ إذا خَطَبَ
صفحة ١١٧
الرَّسُولُ قامَ وقالَ: هَذا رَسُولُ اللَّهِ أكْرَمَهُ اللَّهُ وأعَزَّهُ ونَصَرَهُ، فَلَمّا قامَ ذَلِكَ المَقامَ بَعْدَ أُحُدٍ قالَ لَهُ عُمَرُ: اجْلِسْ يا عَدُوَّ اللَّهِ، فَقَدْ ظَهَرَ كُفْرُكَ. وجَبَهَهُ النّاسُ مِن كُلِّ جِهَةٍ، فَخَرَجَ مِنَ المَسْجِدِ ولَمْ يُصَلِّ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ مِن قَوْمِهِ، فَقالَ لَهُ: ما صَرَفَكَ ؟ فَحَكى القِصَّةَ. فَقالَ: ارْجِعْ إلى رَسُولِ اللَّهِ يَسْتَغْفِرْ لَكَ. فَقالَ: ما أُبالِي أسْتَغْفَرَ لِي أوْ لَمْ يَسْتَغْفِرْ لِي. فَنَزَلَ: ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ [المنافقون: ٥] . وجاءَ المُنافِقُونَ بَعْدَ أُحُدٍ يَعْتَذِرُونَ ويَتَعَلَّلُونَ بِالباطِلِ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم» .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ . رَوى الشَّعْبِيُّ قالَ: «دَعا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إلى جِنازَةِ أبِيهِ، فَقالَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: مَن أنْتَ ؟ فَقالَ: أنا الحُبابُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. قالَ: بَلْ أنْتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، إنَّ الحُبابَ هو الشَّيْطانُ»، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ. قالَ القاضِي: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ كالدَّلالَةِ عَلى طَلَبِ القَوْمِ مِنهُ الِاسْتِغْفارَ، وقَدْ حَكَيْتُ ما رُوِيَ فِيهِ مِنَ الأخْبارِ، والأقْرَبُ في تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ الَّذِينَ كانُوا يَلْمِزُونَ هُمُ الَّذِينَ طَلَبُوا الِاسْتِغْفارَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ التَّخْصِيصَ بِالعَدَدِ المُعَيَّنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحالَ فِيما وراءَ ذَلِكَ العَدَدِ بِخِلافِهِ، وهو مَذْهَبُ القائِلِينَ بِدَلِيلِ الخِطابِ. قالُوا: والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”واللَّهِ لَأزِيدَنَّ عَلى السَّبْعِينَ“ ولَمْ يَنْصَرِفْ عَنْهُ حَتّى نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦] . الآيَةَ، فَكَفَّ عَنْهم» .
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا الِاسْتِدْلالُ بِالعَكْسِ أوْلى؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ لا يَغْفِرُ لَهُمُ البَتَّةَ، ثَبَتَ أنَّ الحالَ فِيما وراءَ العَدَدِ المَذْكُورِ مُساوٍ لِلْحالِ في العَدَدِ المَذْكُورِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّقْيِيدَ بِالعَدَدِ لا يُوجِبُ أنْ يَكُونَ الحُكْمُ فِيما وراءَهُ بِخِلافِهِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ اشْتَغَلَ بِالِاسْتِغْفارِ لِلْقَوْمِ، فَمَنَعَهُ اللَّهُ مِنهُ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّ المُنافِقِينَ طَلَبُوا مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم، فاللَّهُ تَعالى نَهاهُ عَنْهُ، والنَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ لا يَدُلُّ عَلى كَوْنِ المَنهِيِّ مُقَدَّمًا عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما اشْتَغَلَ بِالِاسْتِغْفارِ لَهم لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ المُنافِقَ كافِرٌ، وقَدْ ظَهَرَ في شَرْعِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ الِاسْتِغْفارَ لِلْكافِرِ لا يَجُوزُ؛ ولِهَذا السَّبَبِ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِالِاقْتِداءِ بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا في قَوْلِهِ لِأبِيهِ: ﴿لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: ٤] . وإذا كانَ هَذا مَشْهُورًا في الشَّرْعِ فَكَيْفَ يَجُوزُ الإقْدامُ عَلَيْهِ ؟ .
الثّانِي: أنَّ اسْتِغْفارَ الغَيْرِ لِلْغَيْرِ لا يَنْفَعُهُ إذا كانَ ذَلِكَ الغَيْرُ مُصِرًّا عَلى القُبْحِ والمَعْصِيَةِ.
الثّالِثُ: أنَّ إقْدامَهُ عَلى الِاسْتِغْفارِ لِلْمُنافِقِينَ يَجْرِي مَجْرى إغْرائِهِمْ بِالإقْدامِ عَلى الذَّنْبِ.
الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى إذا كانَ لا يُجِيبُهُ إلَيْهِ بَقِيَ دُعاءُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَرْدُودًا عِنْدَ اللَّهِ، وذَلِكَ يُوجِبُ نُقْصانَ مَنصِبِهِ.
الخامِسُ: أنَّ هَذا الدُّعاءَ لَوْ كانَ مَقْبُولًا مِنَ الرَّسُولِ لَكانَ قَلِيلُهُ مِثْلَ كَثِيرِهِ في حُصُولِ الإجابَةِ. فَثَبَتَ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكَلامِ أنَّ القَوْمَ لَمّا طَلَبُوا مِنهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم مَنَعَهُ اللَّهُ مِنهُ، ولَيْسَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذا العَدَدِ تَحْدِيدَ المَنعِ، بَلْ هو كَما يَقُولُ القائِلُ لِمَن سَألَهُ الحاجَةَ: لَوْ سَألْتَنِي سَبْعِينَ مَرَّةً لَمْ أقْضِها لَكَ، ولا يُرِيدُ بِذَلِكَ أنَّهُ إذا زادَ قَضاها فَكَذا هَهُنا، والَّذِي يُؤَكِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في الآيَةِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ . فَبَيَّنَ أنَّ العِلَّةَ الَّتِي لِأجْلِها لا يَنْفَعُهُمُ اسْتِغْفارُ الرَّسُولِ وإنْ بَلَغَ سَبْعِينَ مَرَّةً،
صفحة ١١٨
كُفْرُهم وفِسْقُهم، وهَذا المَعْنى قائِمٌ في الزِّيادَةِ عَلى السَّبْعِينَ، فَصارَ هَذا التَّعْلِيلُ شاهِدًا بِأنَّ المُرادَ إزالَةُ الطَّمَعِ في أنْ يَنْفَعَهُمُ اسْتِغْفارُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ إصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ، ويُؤَكِّدُهُ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ والمَعْنى: أنَّ فِسْقَهم مانِعٌ مِنَ الهِدايَةِ. فَثَبَتَ أنَّ الحَقَّ ما ذَكَرْناهُ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ المُتَأخِّرُونَ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ: السَّبْعُونَ عِنْدَ العَرَبِ غايَةٌ مُسْتَقْصاةٌ؛ لِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ جَمْعِ السَبْعَةِ عَشْرَ مَرّاتٍ، والسَّبْعَةُ عَدَدٌ شَرِيفٌ؛ لِأنَّ عَدَدَ السَّماواتِ والأرْضِ والبِحارِ والأقالِيمِ والنُّجُومِ والأعْضاءِ، هو هَذا العَدَدُ. وقالَ بَعْضُهم: هَذا العَدَدُ إنَّما خُصَّ بِالذِّكْرِ هَهُنا؛ لِأنَّهُ رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ كَبَّرَ عَلى حَمْزَةَ سَبْعِينَ تَكْبِيرَةً»، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ بِإزاءِ صَلاتِكَ عَلى حَمْزَةَ، وقِيلَ: الأصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١] . وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثالِها إلى سَبْعِمِائَةٍ» “ . فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذا العَدَدَ في مَعْرِضِ التَّضْعِيفِ لِرَسُولِهِ صارَ أصْلًا فِيهِ.
9:81–82Page 200
فَرِحَ ٱلۡمُخَلَّفُونَ بِمَقۡعَدِهِمۡ خِلَٰفَ رَسُولِ ٱللَّهِ وَكَرِهُوٓاْ أَن يُجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَالُواْ لَا تَنفِرُواْ فِي ٱلۡحَرِّۗ قُلۡ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّٗاۚ لَّوۡ كَانُواْ يَفۡقَهُونَ ٨١
Those who remained behind1 rejoiced in their staying [at home] after [the departure of] the Messenger of Allāh and disliked to strive with their wealth and their lives in the cause of Allāh and said, "Do not go forth in the heat." Say, "The fire of Hell is more intense in heat" - if they would but understand.
فَلۡيَضۡحَكُواْ قَلِيلٗا وَلۡيَبۡكُواْ كَثِيرٗا جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٨٢
So let them laugh a little and [then] weep much as recompense for what they used to earn.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وكَرِهُوا أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ وقالُوا لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن قَبائِحِ أعْمالِ المُنافِقِينَ، وهو فَرَحُهم بِالقُعُودِ وكَراهَتُهُمُ الجِهادَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُرِيدُ المُنافِقِينَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، والمُخَلَّفُ المَتْرُوكُ مِمَّنْ مَضى.
فَإنْ قِيلَ: إنَّهُمُ احْتالُوا حَتّى تَخَلَّفُوا، فَكانَ الأوْلى أنْ يُقالَ: فَرِحَ المُتَخَلِّفُونَ.
والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَنَعَ أقْوامًا مِنَ الخُرُوجِ مَعَهُ؛ لِعِلْمِهِ بِأنَّهم يُفْسِدُونَ ويُشَوِّشُونَ، فَهَؤُلاءِ كانُوا مُخَلَّفِينَ لا مُتَخَلِّفِينَ.
والثّانِي: أنَّ أُولَئِكَ المُتَخَلِّفِينَ صارُوا مُخَلَّفِينَ في الآيَةِ الَّتِي تَأْتِي بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إلى طائِفَةٍ مِنهم فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ [التوبة: ٨٣] . فَلَمّا مَنَعَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الخُرُوجِ مَعَهُ صارُوا بِهَذا السَّبَبِ مُخَلَّفِينَ.
الثّالِثُ: أنَّ مَن يَتَخَلَّفُ عَنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ خُرُوجِهِ إلى الجِهادِ مَعَ المُؤْمِنِينَ يُوصَفُ بِأنَّهُ مُخَلَّفٌ؛ مِن حَيْثُ لَمْ يَنْهَضْ فَبَقِيَ وأقامَ. وقَوْلُهُ: ﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُرِيدُ المَدِينَةَ، فَعَلى هَذا المَقْعَدُ اسْمٌ لِلْمَكانِ. وقالَ مُقاتِلٌ: ”بِمَقْعَدِهِمْ“ بِقُعُودِهِمْ، وعَلى هَذا هو اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ.
وقَوْلُهُ: ﴿خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ، وهو قَوْلُ قُطْرُبٍ والمُؤَرِّجِ والزَّجّاجِ: يَعْنِي مُخالَفَةً لِرَسُولِ اللَّهِ حِينَ سارَ وأقامُوا.
صفحة ١١٩
قالُوا: وهو مَنصُوبٌ لِأنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، والمَعْنى بِأنْ قَعَدُوا لِمُخالَفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
والثّانِي: قالَ الأخْفَشُ: إنَّ﴿خِلافَ﴾ بِمَعْنى خَلْفَ، وإنَّ يُونُسَ رَواهُ عَنْ عِيسى بْنِ عُمَرَ، ومَعْناهُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ، ويُقَوِّي هَذا الوَجْهَ قِراءَةُ مَن قَرَأ: ”خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ“ . وعَلى هَذا القَوْلِ الخِلافُ اسْمٌ لِلْجِهَةِ المُعَيَّنَةِ كالخَلْفِ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ الإنْسانَ مُتَوَجِّهٌ إلى قُدّامِهِ، فَجِهَةُ خَلْفِهِ مُخالِفَةٌ لِجِهَةِ قُدّامِهِ في كَوْنِها جِهَةً مُتَوَجِّهًا إلَيْها، وخِلافَ بِمَعْنى خَلْفَ مُسْتَعْمَلٌ، أنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ لِلْأحْوَصِ:
عَقَبَ الرَّبِيعُ خِلافَهم فَكَأنَّما بَسَطَ الشَّواطِبُ بَيْنَهُنَّ حَصِيرا
وقَوْلُهُ: ﴿وكَرِهُوا أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ والمَعْنى: أنَّهم فَرِحُوا بِسَبَبِ التَّخَلُّفِ وكَرِهُوا الذَّهابَ إلى الغَزْوِ.
واعْلَمْ أنَّ الفَرَحَ بِالإقامَةِ عَلى كَراهَةِ الذَّهابِ، إلّا أنَّهُ تَعالى أعادَهُ لِلتَّأْكِيدِ، وأيْضًا لَعَلَّ المُرادَ أنَّهُ مالَ طَبْعُهُ إلى الإقامَةِ؛ لِأجْلِ إلْفِهِ تِلْكَ البَلْدَةِ واسْتِئْناسِهِ بِأهْلِهِ ووَلَدِهِ، وكَرِهَ الخُرُوجَ إلى الغَزْوِ؛ لِأنَّهُ تَعْرِيضٌ لِلْمالِ والنَّفْسِ لِلْقَتْلِ والإهْدارِ، وأيْضًا مِمّا مَنَعَهم مِن ذَلِكَ الخُرُوجِ شِدَّةُ الحَرِّ في وقْتِ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ﴾ .
فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذا السَّبَبِ الأخِيرِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ أيْ: إنَّ بَعْدَ هَذِهِ الدّارِ دارًا أُخْرى، وإنَّ بَعْدَ هَذِهِ الحَياةِ حَياةً أُخْرى، وأيْضًا هَذِهِ مَشَقَّةٌ مُنْقَضِيَةٌ، وتِلْكَ مَشَقَّةٌ باقِيَةٌ. ورَوى صاحِبُ الكَشّافِ لِبَعْضِهِمْ:
مَسَرَّةُ أحْقابٍ تَلَقَّيْتُ بَعْدَها ∗∗∗ مَساءَةَ يَوْمٍ إنَّها شِبْهُ أنْصابِ
فَكَيْفَ بِأنْ تَلْقى مَسَرَّةَ ساعَةٍ ∗∗∗ وراءَ تَقَضِّيها مَساءَةَ أحْقابِ
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ وهَذا وإنْ ورَدَ بِصِيغَةِ الأمْرِ إلّا أنَّ مَعْناهُ الإخْبارُ بِأنَّهُ سَتَحْصُلُ هَذِهِ الحالَةُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ . ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهم وإنْ فَرِحُوا وضَحِكُوا في كُلِّ عُمُرِهِمْ، فَهَذا قَلِيلٌ؛ لِأنَّ الدُّنْيا بِأسْرِها قَلِيلَةٌ، وأمّا حُزْنُهم وبُكاؤُهم في الآخِرَةِ فَكَثِيرٌ؛ لِأنَّهُ عِقابٌ دائِمٌ لا يَنْقَطِعُ، والمُنْقَطِعُ بِالنِّسْبَةِ إلى الدّائِمِ قَلِيلٌ، فَلِهَذا المَعْنى قالَ: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿جَزاءً﴾ مَفْعُولٌ لَهُ، والمَعْنى: ولْيَبْكُوا لِهَذا الغَرَضِ. وقَوْلُهُ: ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ: في الدُّنْيا مِنَ النِّفاقِ. واسْتِدْلالُ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى كَوْنِ العَبْدِ مُوجِدًا لِأفْعالِهِ، وعَلى أنَّهُ تَعالى لَوْ أوْصَلَ الضَّرَرَ إلَيْهِمِ ابْتِداءً لا بِواسِطَةِ كَسْبِهِمْ لَكانَ ظالِمًا؛ مَشْهُورٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ مِرارًا يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ.
9:83Page 200
فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٖ مِّنۡهُمۡ فَٱسۡتَـٔۡذَنُوكَ لِلۡخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخۡرُجُواْ مَعِيَ أَبَدٗا وَلَن تُقَٰتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّاۖ إِنَّكُمۡ رَضِيتُم بِٱلۡقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٖ فَٱقۡعُدُواْ مَعَ ٱلۡخَٰلِفِينَ ٨٣
If Allāh should return you to a faction of them [after the expedition] and then they ask your permission to go out [to battle], say, "You will not go out with me, ever, and you will never fight with me an enemy. Indeed, you were satisfied with sitting [at home] the first time, so sit [now] with those who stay behind."
صفحة ١٢٠
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إلى طائِفَةٍ مِنهم فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إنَّكم رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ أوَّلَ مَرَّةٍ فاقْعُدُوا مَعَ الخالِفِينَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ مَخازِيَ المُنافِقِينَ وسُوءَ طَرِيقَتِهِمْ بَيَّنَ بَعْدَما عَرَّفَ بِهِ الرَّسُولَ أنَّ الصَّلاحَ في أنْ لا يَسْتَصْحِبَهم في غَزَواتِهِ؛ لِأنَّ خُرُوجَهم مَعَهُ يُوجِبُ أنْواعًا مِنَ الفَسادِ. فَقالَ: ﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إلى طائِفَةٍ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ المُنافِقِينَ: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا﴾ . قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ يُرِيدُ إنْ رَدَّكَ اللَّهُ إلى المَدِينَةِ، ومَعْنى الرَّجْعِ: مَصِيرُ الشَّيْءِ إلى المَكانِ الَّذِي كانَ فِيهِ، يُقالُ: رَجَعْتُهُ رَجْعًا كَقَوْلِكَ رَدَدْتُهُ رَدًّا. وقَوْلُهُ: ﴿إلى طائِفَةٍ مِنهُمْ﴾ إنَّما خَصَّصَ؛ لِأنَّ جَمِيعَ مَن أقامَ بِالمَدِينَةِ ما كانُوا مُنافِقِينَ، بَلْ كانَ بَعْضُهم مُخْلِصِينَ مَعْذُورِينَ. وقَوْلُهُ: ﴿فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾ أيْ: لِلْغَزْوِ مَعَكَ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا﴾ إلى غَزْوَةٍ، وهَذا يَجْرِي مَجْرى الذَّمِّ واللَّعْنِ لَهم، ومَجْرى إظْهارِ نِفاقِهِمْ وفَضائِحِهِمْ؛ وذَلِكَ لِأنَّ تَرْغِيبَ المُسْلِمِينَ في الجِهادِ أمْرٌ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ مِن دِينِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ إذا مُنِعُوا مِنَ الخُرُوجِ إلى الغَزْوِ بَعْدَ إقْدامِهِمْ عَلى الِاسْتِئْذانِ، كانَ ذَلِكَ تَصْرِيحًا بِكَوْنِهِمْ خارِجِينَ عَنِ الإسْلامِ مَوْصُوفِينَ بِالمَكْرِ والخِداعِ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما مَنَعَهم مِنَ الخُرُوجِ حَذَرًا مِن مَكْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ وخِداعِهِمْ، فَصارَ هَذا المَعْنى مِن هَذا الوَجْهِ جارِيًا مَجْرى اللَّعْنِ والطَّرْدِ.
ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ إذا انْطَلَقْتُمْ إلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها﴾ [الفتح: ١٥] . إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا﴾ [الفتح: ١٥] . ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عَلَّلَ ذَلِكَ المَنعَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكم رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ والمُرادُ مِنهُ: القُعُودُ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، يَعْنِي أنَّ الحاجَةَ في المَرَّةِ الأُولى إلى مُوافَقَتِكم كانَتْ أشَدَّ، وبَعْدَ ذَلِكَ زالَتْ تِلْكَ الحاجَةُ، فَلَمّا تَخَلَّفْتُمْ عِنْدَ مَسِيسِ الحاجَةِ إلى حُضُورِكم، فَعِنْدَ ذَلِكَ لا نَقْبَلُكم، ولا نَلْتَفِتُ إلَيْكم، وفي اللَّفْظِ بَحْثٌ ذَكَرَهُ صاحِبَ الكَشّافِ، وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَرَّةٍ﴾ فِي﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وُضِعَتْ مَوْضِعَ المَرّاتِ، ثُمَّ أُضِيفَ لَفْظُ الأوَّلِ إلَيْها، وهو دالٌّ عَلى واحِدَةٍ مِنَ المَرّاتِ، فَكانَ الأوْلى أنْ يُقالَ: أُولى مَرَّةٍ.
وأجابَ عَنْهُ بِأنَّ أكْثَرَ اللُّغَتَيْنِ أنْ يُقالَ: هِنْدٌ أكْبَرُ النِّساءِ، ولا يُقالُ: هِنْدٌ كُبْرى النِّساءِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاقْعُدُوا مَعَ الخالِفِينَ﴾ ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ الخالِفِ أقْوالًا: الأوَّلُ: قالَ الأخْفَشُ وأبُو عُبَيْدَةَ: الخالِفُونَ جَمْعٌ، واحِدُهم خالِفٌ، وهو مَن يَخْلُفُ الرَّجُلَ في قَوْمِهِ، ومَعْناهُ مَعَ الخالِفِينَ مِنَ الرِّجالِ الَّذِينَ يَخْلُفُونَ في البَيْتِ، فَلا يَبْرَحُونَ، والثّانِي: أنَّ الخالِفِينَ مُفَسَّرٌ بِالمُخالِفِينَ. قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: عَبْدٌ خالِفٌ وصاحِبٌ خالِفٌ إذا كانَ مُخالِفًا. وقالَ الأخْفَشُ: فُلانٌ خالَفَهُ أهْلُ بَيْتِهِ إذا كانَ مُخالِفًا لَهم. وقالَ اللَّيْثُ: هَذا الرَّجُلُ خالِفَةٌ، أيْ: مُخالِفٌ كَثِيرُ الخِلافِ، وقَوْمٌ خالِفُونَ، فَإذا جَمَعْتَ قُلْتَ: الخالِفُونَ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: الخالِفُ هو الفاسِدُ. قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ: خَلَفَ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ يَخْلُفُ خُلُوفًا إذا فَسَدَ، وخَلَفَ اللَّبَنُ وخَلُفَ إذا فَسَدَ.
وإذا عَرَفْتَ هَذِهِ الوُجُوهَ الثَّلاثَةَ، فَلا شَكَّ أنَّ اللَّفْظَ يَصْلُحُ حَمْلُهُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنها؛ لِأنَّ أُولَئِكَ المُنافِقِينَ كانُوا مَوْصُوفِينَ بِجَمِيعِ هَذِهِ الصِّفاتِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الرَّجُلَ إذا ظَهَرَ لَهُ مِن بَعْضِ مُتَعَلِّقِيهِ مَكْرٌ وخِداعٌ وكَيْدٌ، ورَآهُ مُشَدَّدًا فِيهِ مُبالَغًا في تَقْرِيرِ مُوجِباتِهِ، فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَقْطَعَ العَلَقَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ، وأنْ يَحْتَرِزَ مِن مُصاحَبَتِهِ.
9:84Page 200
وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰٓ أَحَدٖ مِّنۡهُم مَّاتَ أَبَدٗا وَلَا تَقُمۡ عَلَىٰ قَبۡرِهِۦٓۖ إِنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَمَاتُواْ وَهُمۡ فَٰسِقُونَ ٨٤
And do not pray [the funeral prayer, O Muḥammad], over any of them who has died - ever - or stand at his grave. Indeed, they disbelieved in Allāh and His Messenger and died while they were defiantly disobedient.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وماتُوا وهم فاسِقُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يَسْعى في تَخْذِيلِهِمْ وإهانَتِهِمْ وإذْلالِهِمْ، فالَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ في الآيَةِ الأُولى وهو مَنعُهم مِنَ الخُرُوجِ مَعَهُ إلى الغَزَواتِ سَبَبٌ قَوِيٌّ مِن أسْبابِ إذْلالِهِمْ وإهانَتِهِمْ، وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وهو مَنعُ الرَّسُولِ مِن أنْ يُصَلِّيَ عَلى مَن ماتَ مِنهم سَبَبٌ آخَرُ قَوِيٌّ في إذْلالِهِمْ وتَخْذِيلِهِمْ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ «لَمّا اشْتَكى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ عادَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَطَلَبَ مِنهُ أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ إذا ماتَ ويَقُومَ عَلى قَبْرِهِ، ثُمَّ إنَّهُ أرْسَلَ إلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَطْلُبُ مِنهُ قَمِيصَهُ لِيُكَفَّنَ فِيهِ، فَأرْسَلَ إلَيْهِ القَمِيصَ الفَوْقانِيَّ، فَرَدَّهُ وطَلَبَ الَّذِي يَلِي جِلْدَهُ لِيُكَفَّنَ فِيهِ، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لِمَ تُعْطِي قَمِيصَكَ الرِّجْسَ النَّجِسَ ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”إنَّ قَمِيصِي لا يُغْنِي عَنْهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، فَلَعَلَّ اللَّهَ أنْ يُدْخِلَ بِهِ ألْفًا في الإسْلامِ“ . وكانَ المُنافِقُونَ لا يُفارِقُونَ عَبْدَ اللَّهِ، فَلَمّا رَأوْهُ يَطْلُبُ هَذا القَمِيصَ ويَرْجُو أنْ يَنْفَعَهُ، أسْلَمَ مِنهم يَوْمَئِذٍ ألْفٌ، فَلَمّا ماتَ جاءَ ابْنُهُ يَعْرِفُهُ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِابْنِهِ: ”صَلِّ عَلَيْهِ وادْفِنْهُ“ . فَقالَ: إنْ لَمْ تُصَلِّ عَلَيْهِ يا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ مُسْلِمٌ. فَقامَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقامَ عُمَرُ فَحالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ وبَيْنَ القِبْلَةِ؛ لِئَلّا يُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وأخَذَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِثَوْبِهِ وقالَ: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا»﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى مَنقَبَةٍ عَظِيمَةٍ مِن مَناقِبِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الوَحْيَ نَزَلَ عَلى وفْقِ قَوْلِهِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ:
مِنها آيَةُ أخْذِ الفِداءِ عَنْ أُسارى بَدْرٍ، وقَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ.
وثانِيها: آيَةُ تَحْرِيمِ الخَمْرِ.
وثالِثُها: آيَةُ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ.
ورابِعُها: آيَةُ أمْرِ النِّسْوانِ بِالحِجابِ.
وخامِسُها: هَذِهِ الآيَةُ. فَصارَ نُزُولُ الوَحْيِ عَلى مُطابَقَةِ قَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَنصِبًا عالِيًا ودَرَجَةً رَفِيعَةً لَهُ في الدِّينِ؛ فَلِهَذا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في حَقِّهِ: ”«لَوْ لَمْ أُبْعَثْ لَبُعِثْتَ يا عُمَرُ نَبِيًّا» “ .
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ الرَّسُولَ رَغِبَ في أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ بَعْدَ أنْ عَلِمَ كَوْنَهُ كافِرًا وقَدْ ماتَ عَلى كُفْرِهِ، وأنَّ صَلاةَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ تَجْرِي مَجْرى الإجْلالِ والتَّعْظِيمِ لَهُ، وأيْضًا إذا صَلّى عَلَيْهِ فَقَدْ دَعا لَهُ، وذَلِكَ مَحْظُورٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى أعْلَمَهُ أنَّهُ لا يَغْفِرُ لِلْكُفّارِ البَتَّةَ، وأيْضًا دَفْعُ القَمِيصِ إلَيْهِ يُوجِبُ إعْزازَهُ ؟
والجَوابُ: لَعَلَّ السَّبَبَ فِيهِ أنَّهُ لَمّا طَلَبَ مِنَ الرَّسُولِ أنْ يُرْسِلَ إلَيْهِ قَمِيصَهُ الَّذِي مَسَّ جِلْدَهُ لِيُدْفَنَ فِيهِ، غَلَبَ عَلى ظَنِّ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ انْتَقَلَ إلى الإيمانِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الوَقْتَ وقْتٌ يَتُوبُ فِيهِ الفاجِرُ ويُؤْمِنُ فِيهِ الكافِرُ، فَلَمّا رَأى مِنهُ إظْهارَ الإسْلامِ وشاهَدَ مِنهُ هَذِهِ الأمارَةَ الَّتِي دَلَّتْ عَلى دُخُولِهِ في الإسْلامِ، غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ أنَّهُ صارَ مُسْلِمًا، فَبَنى عَلى هَذا الظَّنِّ ورَغِبَ في أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَلَمّا نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وأخْبَرَهُ بِأنَّهُ ماتَ عَلى كُفْرِهِ ونِفاقِهِ، امْتَنَعَ مِنَ الصَّلاةِ عَلَيْهِ. وأمّا دَفْعُ القَمِيصِ إلَيْهِ فَذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّ العَبّاسَ عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمّا أُخِذَ أسِيرًا بِبَدْرٍ، لَمْ يَجِدُوا لَهُ قَمِيصًا، وكانَ رَجُلًا طَوِيلًا، فَكَساهُ عَبْدُ اللَّهِ
صفحة ١٢٢
قَمِيصَهُ.
الثّانِي: أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا لَهُ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ: إنّا لا نَنْقادُ لِمُحَمَّدٍ، ولَكِنّا نَنْقادُ لَكَ، فَقالَ: لا، إنَّ لِي في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةً حَسَنَةً. فَشَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ لَهُ ذَلِكَ.
والثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهُ أنْ لا يَرُدَّ سائِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿وأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠] . فَلَمّا طَلَبَ القَمِيصَ مِنهُ دَفَعَهُ إلَيْهِ لِهَذا المَعْنى.
الرّابِعُ: أنَّ مَنعَ القَمِيصِ لا يَلِيقُ بِأهْلِ الكَرَمِ.
الخامِسُ: أنَّ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ كانَ مِنَ الصّالِحِينَ، وأنَّ الرَّسُولَ أكْرَمَهُ لِمَكانِ ابْنِهِ.
السّادِسُ: لَعَلَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلَيْهِ أنَّكَ إذا دَفَعْتَ قَمِيصَكَ إلَيْهِ صارَ ذَلِكَ حامِلًا لِألْفِ نَفَرٍ مِنَ المُنافِقِينَ في الدُّخُولِ في الإسْلامِ فَفَعَلَ ذَلِكَ لِهَذا الغَرَضِ، ورُوِيَ أنَّهم لَمّا شاهَدُوا ذَلِكَ أسْلَمَ ألْفٌ مِنَ المُنافِقِينَ.
السّابِعُ: أنَّ الرَّحْمَةَ والرَّأْفَةَ كانَتْ غالِبَةً عَلَيْهِ كَما قالَ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] . وقالَ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩] . فامْتَنَعَ مِنَ الصَّلاةِ عَلَيْهِ رِعايَةً لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، ودَفَعَ إلَيْهِ القَمِيصَ لِإظْهارِ الرَّحْمَةِ والرَّأْفَةِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا﴾ قالَ الواحِدِيُّ: ”ماتَ“ في مَوْضِعِ جَرٍّ؛ لِأنَّهُ صِفَةٌ لِلنَّكِرَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: عَلى أحَدٍ مِنهم مَيِّتٍ. وقَوْلُهُ: ﴿أبَدًا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أحَدٍ﴾ والتَّقْدِيرُ: ولا تُصَلِّ أبَدًا عَلى أحَدٍ مِنهم. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ولا تُصَلِّ أبَدًا يَحْتَمِلُ تَأْيِيدَ النَّفْيِ ويَحْتَمِلُ تَأْيِيدَ المَنفِيِّ، والمَقْصُودُ هو الأوَّلُ؛ لِأنَّ قَرائِنَ هَذِهِ الآياتِ دالَّةٌ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مَنعُهُ مِن أنْ يُصَلِّيَ عَلى أحَدٍ مِنهم مَنعًا كُلِّيًّا دائِمًا.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا دَفَنَ المَيِّتَ وقَفَ عَلى قَبْرِهِ ودَعا لَهُ، فَمَنَعَ هَهُنا مِنهُ.
الثّانِي: قالَ الكَلْبِيُّ: لا تَقُمْ بِإصْلاحِ مُهِمّاتِ قَبْرِهِ، وهو مِن قَوْلِهِمْ: قامَ فُلانٌ بِأمْرِ فُلانٍ إذا كَفاهُ أمْرَهُ وتَوَلّاهُ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عَلَّلَ المَنعَ مِنَ الصَّلاةِ عَلَيْهِ والقِيامِ عَلى قَبْرِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وماتُوا وهم فاسِقُونَ﴾ وفِيهِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: الفِسْقُ أدْنى حالًا مِنَ الكُفْرِ، ولَمّا ذَكَرَ في تَعْلِيلِ هَذا النَّهْيِ كَوْنَهُ كافِرًا فَما الفائِدَةُ في وصْفِهِ بَعْدَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ فاسِقًا ؟
والجَوابُ: أنَّ الكافِرَ قَدْ يَكُونُ عَدْلًا في دِينِهِ، وقَدْ يَكُونُ فاسِقًا في دِينِهِ خَبِيثًا مَمْقُوتًا عِنْدَ قَوْمِهِ، والكَذِبُ والنِّفاقُ والخِداعُ والمَكْرُ والكَيْدُ أمْرٌ مُسْتَقْبَحٌ في جَمِيعِ الأدْيانِ، فالمُنافِقُونَ لَمّا كانُوا مَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالفِسْقِ بَعْدَ أنْ وصَفَهم بِالكُفْرِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ طَرِيقَةَ النِّفاقِ طَرِيقَةٌ مَذْمُومَةٌ عِنْدَ كُلِّ أهْلِ العالَمِ.
السُّؤالُ الثّانِي: ألَيْسَ أنَّ المُنافِقَ يُصَلّى عَلَيْهِ إذا أظْهَرَ الإيمانَ مَعَ قِيامِ الكُفْرِ فِيهِ ؟ .
والجَوابُ: أنَّ التَّكالِيفَ مَبْنِيَّةٌ عَلى الظّاهِرِ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظّاهِرِ، واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى السَّرائِرَ» “ .
السُّؤالُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ تَصْرِيحٌ بِكَوْنِ ذَلِكَ النَّهْيِ مُعَلَّلًا بِهَذِهِ العِلَّةِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي تَعْلِيلَ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى، وهو مُحالٌ؛ لِأنَّ حُكْمَ اللَّهِ قَدِيمٌ، وهَذِهِ العِلَّةُ مُحْدَثَةٌ، وتَعْلِيلُ القَدِيمِ بِالمُحْدَثِ مُحالٌ.
والجَوابُ: الكَلامُ في أنَّ تَعْلِيلَ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى بِالمَصالِحِ هَلْ يَجُوزُ أمْ لا، بَحْثٌ طَوِيلٌ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا الظّاهِرَ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences