Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:93–99
9:93–94Page 201
۞ إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسۡتَـٔۡذِنُونَكَ وَهُمۡ أَغۡنِيَآءُۚ رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلۡخَوَالِفِ وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٩٣
The cause [for blame] is only upon those who ask permission of you while they are rich. They are satisfied to be with those who stay behind, and Allāh has sealed over their hearts, so they do not know.
يَعۡتَذِرُونَ إِلَيۡكُمۡ إِذَا رَجَعۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡۚ قُل لَّا تَعۡتَذِرُواْ لَن نُّؤۡمِنَ لَكُمۡ قَدۡ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنۡ أَخۡبَارِكُمۡۚ وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٩٤
They will make excuses to you when you have returned to them. Say, "Make no excuse - never will we believe you. Allāh has already informed us of your news [i.e., affair]. And Allāh will observe your deeds, and [so will] His Messenger; then you will be taken back to the Knower of the unseen and the witnessed,1 and He will inform you of what you used to do."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وهم أغْنِياءُ رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ وطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿يَعْتَذِرُونَ إلَيْكم إذا رَجَعْتُمْ إلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكم قَدْ نَبَّأنا اللَّهُ مِن أخْبارِكم وسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما السَّبِيلُ عَلى مَن كانَ كَذا وكَذا، ثُمَّ الَّذِينَ قالُوا في الآيَةِ الأُولى المُرادُ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ في أمْرِ الغَزْوِ والجِهادِ، وأنَّ نَفْيَ السَّبِيلِ في تِلْكَ الآيَةِ مَخْصُوصٌ بِهَذا الحُكْمِ. قالُوا: السَّبِيلُ الَّذِي نَفاهُ عَنِ المُحْسِنِينَ، هو الَّذِي أثْبَتَهُ في هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ، وهو الَّذِي يَخْتَصُّ بِالجِهادِ، والمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ الأغْنِياءَ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ في التَّخَلُّفِ سَبِيلُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لازِمٌ، وتَكْلِيفُهُ عَلَيْهِمْ بِالذِّهابِ إلى الغَزْوِ مُتَوَجِّهٌ، ولا عُذْرَ لَهُمُ البَتَّةَ في التَّخَلُّفِ.
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿رَضُوا﴾ ما مَوْقِعُهُ ؟
قُلْنا: كَأنَّهُ اسْتِئْنافٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما بالُهُمُ اسْتَأْذَنُوا وهم أغْنِياءُ. فَقِيلَ: رَضُوا بِالدَّناءَةِ والضِّعَةِ والِانْتِظامِ
صفحة ١٣٠
فِي جُمْلَةِ الخَوالِفِ﴿وطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ يَعْنِي أنَّ السَّبَبَ في نَفْرَتِهِمْ عَنِ الجِهادِ، هو أنَّ اللَّهَ طَبَعَ عَلى قُلُوبِهِمْ، فَلِأجْلِ ذَلِكَ الطَّبْعِ لا يَعْلَمُونَ ما في الجِهادِ مِن مَنافِعِ الدِّينِ والدُّنْيا.
ثُمَّ قالَ: ﴿يَعْتَذِرُونَ إلَيْكم إذا رَجَعْتُمْ إلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ عِلَّةً لِلْمَنعِ مِنَ الِاعْتِذارِ؛ لِأنَّ غَرَضَ المُعْتَذِرِ أنْ يَصِيرَ عُذْرُهُ مَقْبُولًا. فَإذا عَلِمَ بِأنَّ القَوْمَ يُكَذِّبُونَهُ فِيهِ، وجَبَ عَلَيْهِ تَرْكُهُ. وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ نَبَّأنا اللَّهُ مِن أخْبارِكُمْ﴾ عِلَّةٌ لِانْتِفاءِ التَّصْدِيقِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أطْلَعَ رَسُولَهُ عَلى ما في ضَمائِرِهِمْ مِنَ الخُبْثِ والمَكْرِ والنِّفاقِ، امْتَنَعَ أنْ يُصَدِّقَهُمُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في تِلْكَ الأعْذارِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿وسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ﴾ والمَعْنى أنَّهم كانُوا يُظْهِرُونَ مِن أنْفُسِهِمْ عِنْدَ تَقْرِيرِ تِلْكَ المَعاذِيرِ حُبًّا لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والمُؤْمِنِينَ وشَفَقَةً عَلَيْهِمْ ورَغْبَةً في نُصْرَتِهِمْ، فَقالَ تَعالى: ﴿وسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ أنَّكم هَلْ تَبْقُونَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى هَذِهِ الحالَةِ الَّتِي تُظْهِرُونَها مِنَ الصِّدْقِ والصَّفاءِ، أوْ لا تَبْقُونَ عَلَيْها ؟
ثُمَّ قالَ: ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: لِما قالَ: ﴿وسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ فَلِمَ لَمْ يَقُلْ، ثُمَّ تُرَدُّونَ إلَيْهِ، وما الفائِدَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ﴾ ؟ قُلْنا: في وصْفِهِ تَعالى بِكَوْنِهِ: ﴿عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ ما يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُطَّلِعًا عَلى بَواطِنِهِمُ الخَبِيثَةِ وضَمائِرِهِمُ المَمْلُوءَةِ مِنَ الكَذِبِ والكَيْدِ، وفِيهِ تَخْوِيفٌ شَدِيدٌ، وزَجْرٌ عَظِيمٌ لَهم.
9:95–96Page 202
سَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمۡ إِذَا ٱنقَلَبۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡ لِتُعۡرِضُواْ عَنۡهُمۡۖ فَأَعۡرِضُواْ عَنۡهُمۡۖ إِنَّهُمۡ رِجۡسٞۖ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٩٥
They will swear by Allāh to you when you return to them that you would leave them alone. So leave them alone; indeed they are evil; and their refuge is Hell as recompense for what they had been earning.
يَحۡلِفُونَ لَكُمۡ لِتَرۡضَوۡاْ عَنۡهُمۡۖ فَإِن تَرۡضَوۡاْ عَنۡهُمۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَرۡضَىٰ عَنِ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٩٦
They swear to you so that you might be satisfied with them. But if you should be satisfied with them - indeed, Allāh is not satisfied with a defiantly disobedient people.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهم فَأعْرِضُوا عَنْهم إنَّهم رِجْسٌ ومَأْواهم جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿يَحْلِفُونَ لَكم لِتَرْضَوْا عَنْهم فَإنْ تَرْضَوْا عَنْهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم في الآيَةِ الأُولى أنَّهم يَعْتَذِرُونَ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم كانُوا يُؤَكِّدُونَ تِلْكَ الأعْذارَ بِالأيْمانِ الكاذِبَةِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ فاعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم حَلَفُوا بِاللَّهِ، ولَمْ يَدُلَّ عَلى أنَّهم عَلى أيِّ شَيْءٍ حَلَفُوا ؟ فَقِيلَ: إنَّهم حَلَفُوا عَلى أنَّهم ما قَدَرُوا عَلى الخُرُوجِ، وإنَّما حَلَفُوا عَلى ذَلِكَ لِتُعْرِضُوا عَنْهم، أيْ لِتَصْفَحُوا عَنْهم، ولِتُعْرِضُوا عَنْ ذَمِّهِمْ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: يُرِيدُ تَرْكَ الكَلامِ والسَّلامِ. قالَ مُقاتِلٌ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ قَدِمَ المَدِينَةَ: ”«لا تُجالِسُوهم ولا تُكَلِّمُوهم» “ قالَ أهْلُ المَعانِي: هَؤُلاءِ طَلَبُوا إعْراضَ الصَّفْحِ، فَأُعْطُوا إعْراضَ المَقْتِ، ثُمَّ ذَكَرَ العِلَّةَ في وُجُوبِ الإعْراضِ عَنْهم، فَقالَ: ﴿إنَّهم رِجْسٌ﴾ والمَعْنى: أنَّ خُبْثَ باطِنِهِمْ رِجْسٌ رُوحانِيٌّ، فَكَما يَجِبُ الِاحْتِرازُ عَنِ الأرْجاسِ الجُسْمانِيَّةِ، فَوُجُوبُ الِاحْتِرازِ عَنِ
صفحة ١٣١
الأرْجاسِ الرُّوحانِيَّةِ أوْلى، خَوْفًا مِن سَرَيانِها إلى الإنْسانِ، وحَذَرًا مِن أنْ يَمِيلَ طَبْعُ الإنْسانِ إلى تِلْكَ الأعْمالِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَأْواهم جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ومَعْناهُ ظاهِرٌ، ولَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ أنَّهم يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لِيُعْرِضَ المُسْلِمُونَ عَنْ إيذائِهِمْ، بَيَّنَ أيْضًا أنَّهم يَحْلِفُونَ لِيَرْضى المُسْلِمُونَ عَنْهم، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَهى المُسْلِمِينَ عَنْ أنْ يَرْضَوْا عَنْهم، فَقالَ: ﴿فَإنْ تَرْضَوْا عَنْهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ والمَعْنى: أنَّكم إنْ رَضِيتُمْ عَنْهم مَعَ أنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنْهم، كانَتْ إرادَتُكم مُخالِفَةً لِإرادَةِ اللَّهِ، وأنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ.
وأقُولُ: إنَّ هَذِهِ المَعانِيَ مَذْكُورَةٌ في الآياتِ السّالِفَةِ، وقَدْ أعادَها اللَّهُ هَهُنا مَرَّةً أُخْرى، وأظُنُّ أنَّ الأوَّلَ خِطابٌ مَعَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ كانُوا في المَدِينَةِ، وهَذا خِطابٌ مَعَ المُنافِقِينَ مِنَ الأعْرابِ وأصْحابِ البَوادِي، ولَمّا كانَتْ طُرُقُ المُنافِقِينَ مُتَقارِبَةً سَواءٌ كانُوا مِن أهْلِ الحَضَرِ أوْ مِن أهْلِ البادِيَةِ، لا جَرَمَ كانَ الكَلامُ مَعَهم عَلى مَناهِجَ مُتَقارِبَةٍ.
9:97–98Page 202
ٱلۡأَعۡرَابُ أَشَدُّ كُفۡرٗا وَنِفَاقٗا وَأَجۡدَرُ أَلَّا يَعۡلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٩٧
The bedouins are stronger in disbelief and hypocrisy and more likely not to know the limits of what [laws] Allāh has revealed to His Messenger. And Allāh is Knowing and Wise.
وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغۡرَمٗا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَآئِرَۚ عَلَيۡهِمۡ دَآئِرَةُ ٱلسَّوۡءِۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٩٨
And among the bedouins are some who consider what they spend as a loss1 and await for you turns of misfortune. Upon them will be a misfortune of evil. And Allāh is Hearing and Knowing.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا وأجْدَرُ ألّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْنا مِن أنَّهُ تَعالى إنَّما أعادَ هَذِهِ الأحْكامَ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنها مُخاطَبَةُ مُنافِقِي الأعْرابِ، ولِهَذا السَّبَبِ بَيَّنَ أنَّ كُفْرَهم ونِفاقَهم أشَدُّ، وجَهْلَهم بِحُدُودِ ما أنْزَلَ اللَّهُ أكْمَلُ.
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ العُلَماءُ مِن أهْلِ اللُّغَةِ، يُقالُ: رَجُلٌ عَرَبِيٌّ. إذا كانَ نَسَبُهُ في العَرَبِ، وجَمْعُهُ العَرَبُ. كَما تَقُولُ مَجُوسِيٌّ ويَهُودِيٌّ، ثُمَّ يُحْذَفُ ياءُ النِّسْبَةِ في الجَمْعِ، فَيُقالُ: المَجُوسُ واليَهُودُ، ورَجُلٌ أعْرابِيٌّ بِالألِفِ إذا كانَ بَدَوِيًّا، يَطْلُبُ مَساقِطَ الغَيْثِ والكَلَإ، سَواءٌ كانَ مِنَ العَرَبِ أوْ مِن مَوالِيهِمْ، ويُجْمَعُ الأعْرابِيُّ عَلى الأعْرابِ والأعارِيبِ، فالأعْرابِيُّ إذا قِيلَ لَهُ يا عَرَبِيُّ: فَرِحَ، والعَرَبِيُّ إذا قِيلَ لَهُ: يا أعْرابِيُّ، غَضِبَ لَهُ، فَمَنِ اسْتَوْطَنَ القُرى العَرَبِيَّةَ فَهم عَرَبٌ، ومَن نَزَلَ البادِيَةَ فَهم أعْرابٌ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى الفَرْقِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«حُبُّ العَرَبِ مِنَ الإيمانِ» “ وأمّا الأعْرابُ فَقَدْ ذَمَّهُمُ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ.
والثّانِي: أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: لِلْمُهاجِرِينَ والأنْصارِ أعْرابٌ، إنَّما هم عَرَبٌ، وهم مُتَقَدِّمُونَ في مَراتِبِ الدِّينِ عَلى الأعْرابِ. قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا تَؤُمَّنَّ امْرَأةٌ رَجُلًا ولا فاسِقٌ مُؤْمِنًا ولا أعْرابِيٌّ مُهاجِرًا» “
الثّالِثُ: قِيلَ إنَّما سُمِّيَ العَرَبُ عَرَبا؛ لِأنَّ أوْلادَ إسْماعِيلَ نَشَأُوا بِعَرَبَةَ، وهي مِن تِهامَةَ. فَنُسِبُوا إلى بَلَدِهِمْ، وكُلُّ مَن يَسْكُنُ جَزِيرَةَ العَرَبِ ويَنْطِقُ بِلِسانِهِمْ فَهو مِنهم؛ لِأنَّهم إنَّما تَوَلَّدُوا مِن أوْلادِ إسْماعِيلَ، وقِيلَ: سُمُّوا بِالعَرَبِ؛ لِأنَّ ألْسِنَتَهم مُعْرِبَةٌ عَمّا في ضَمائِرِهِمْ، ولا شَكَّ أنَّ اللِّسانَ العَرَبِيَّ مُخْتَصٌّ بِأنْواعٍ مِنَ الفَصاحَةِ والجَزالَةِ لا تُوجَدُ في سائِرِ
صفحة ١٣٢
الألْسِنَةِ، ورَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ عَنْ بَعْضِ الحُكَماءِ أنَّهُ قالَ: حِكْمَةُ الرُّومِ في أدْمِغَتِهِمْ وذَلِكَ لِأنَّهم يَقْدِرُونَ عَلى التَّرْكِيباتِ العَجِيبَةِ، وحِكْمَةُ الهِنْدِ في أوْهامِهِمْ، وحِكْمَةُ اليُونانِ في أفْئِدَتِهِمْ، وذَلِكَ لِكَثْرَةِ ما لَهم مِنَ المَباحِثِ العَقْلِيَّةِ، وحِكْمَةُ العَرَبِ في ألْسِنَتِهِمْ، وذَلِكَ لِحَلاوَةِ ألْفاظِهِمْ وعُذُوبَةِ عِباراتِهِمْ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: الجَمْعُ المُحَلّى بِالألِفِ واللّامِ الأصْلُ فِيهِ أنْ يَنْصَرِفَ إلى المَعْهُودِ السّابِقِ، فَإنْ لَمْ يُوجَدِ المَعْهُودُ السّابِقُ، حُمِلَ عَلى الِاسْتِغْراقِ لِلضَّرُورَةِ. قالُوا: لِأنَّ صِيغَةَ الجَمْعِ يَكْفِي في حُصُولِ مَعْناها الثَّلاثَةُ فَما فَوْقَها، والألِفُ واللّامُ لِلتَّعْرِيفِ، فَإنْ حَصَلَ جَمْعٌ هو مَعْهُودٌ سابِقٌ وجَبَ الِانْصِرافُ إلَيْهِ، وإنْ لَمْ يُوجَدْ فَحِينَئِذٍ يُحْمَلُ عَلى الِاسْتِغْراقِ دَفْعًا لِلْإجْمالِ.
قالُوا إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿الأعْرابُ﴾ المُرادُ مِنهُ جَمْعٌ مُعَيَّنُونَ مِن مُنافِقِي الأعْرابِ، كانُوا يُوالُونَ مُنافِقِي المَدِينَةِ فانْصَرَفَ هَذا اللَّفْظُ إلَيْهِمْ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى الأعْرابِ بِحُكْمَيْنِ:
الحُكْمُ الأوَّلُ
أنَّهم أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا، والسَّبَبُ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ أهْلَ البَدْوِ يُشْبِهُونَ الوُحُوشَ.
والثّانِي: اسْتِيلاءُ الهَواءِ الحارِّ اليابِسِ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ يُوجِبُ مَزِيدَ التِّيهِ والتَّكَبُّرِ والنَّخْوَةِ والفَخْرِ والطَّيْشِ عَلَيْهِمْ.
والثّالِثُ: أنَّهم ما كانُوا تَحْتَ سِياسَةِ سائِسٍ، ولا تَأْدِيبِ مُؤَدِّبٍ، ولا ضَبْطِ ضابِطٍ فَنَشَأُوا كَما شاءُوا، ومَن كانَ كَذَلِكَ خَرَجَ عَلى أشَدِّ الجِهاتِ فَسادًا.
والرّابِعُ: أنَّ مَن أصْبَحَ وأمْسى مُشاهِدًا لِوَعْظِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وبَياناتِهِ الشّافِيَةِ، وتَأْدِيباتِهِ الكامِلَةِ، كَيْفَ يَكُونُ مُساوِيًا لِمَن لَمْ يُؤاثِرْ هَذا الخَيْرَ، ولَمْ يَسْمَعْ خَبَرَهُ.
والخامِسُ: قابِلْ الفَواكِهَ الجَبَلِيَّةَ بِالفَواكِهِ البُسْتانِيَّةِ لِتَعْرِفَ الفَرْقَ بَيْنَ أهْلِ الحَضَرِ والبادِيَةِ.
الحُكْمُ الثّانِي
قَوْلُهُ: ﴿وأجْدَرُ ألّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وأجْدَرُ﴾ أيْ أوْلى وأحَقُّ، وفي الآيَةِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: وأجْدُرُ بِأنْ لا يَعْلَمُوا. وقِيلَ في تَفْسِيرِ حُدُودِ ما أنْزَلَ اللَّهُ مَقادِيرُ التَّكالِيفِ والأحْكامِ. وقِيلَ: مَراتِبُ أدِلَّةِ العَدْلِ والتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِما في قُلُوبِ خَلْقِهِ﴿حَكِيمٌ﴾ فِيما فَرَضَ مِن فَرائِضِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾ والمَغْرَمُ مَصْدَرٌ كالغَرامَةِ، والمَعْنى: أنَّ مِنَ الأعْرابِ مَن يَعْتَقِدُ أنَّ الَّذِي يُنْفِقُهُ في سَبِيلِ اللَّهِ غَرامَةٌ وخُسْرانٌ، وإنَّما يَعْتَقِدُ ذَلِكَ لِأنَّهُ لا يُنْفِقُ إلّا تَقِيَّةً مِنَ المُسْلِمِينَ ورِياءً، لا لِوَجْهِ اللَّهِ وابْتِغاءِ ثَوابِهِ﴿ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ﴾ يَعْنِي المَوْتَ والقَتْلَ، أيْ: يَنْتَظِرُ أنْ تَنْقَلِبَ الأُمُورُ عَلَيْكم بِمَوْتِ الرَّسُولِ، ويَظْهَرَ عَلَيْكُمُ المُشْرِكُونَ. ثُمَّ إنَّهُ أعادَهُ إلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ والدّائِرَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ واحِدَةً، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً غالِبَةً، وهي إنَّما تُسْتَعْمَلُ في آفَةٍ تُحِيطُ بِالإنْسانِ كالدّائِرَةِ، بِحَيْثُ لا يَكُونُ لَهُ مِنها مُخَلِّصٌ، وقَوْلُهُ: ﴿السَّوْءِ﴾ قُرِئَ بِفَتْحِ السِّينِ وضَمِّهِ. قالَ الفَرّاءُ: فَتْحُ السِّينِ هو الوَجْهُ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرُ قَوْلِكَ: ساءَ يَسُوءُ سَوْءًا أوْ مُساءَةً، ومَن ضَمَّ السِّينَ جَعَلَهُ اسْمًا، كَقَوْلِكَ: عَلَيْهِمْ دائِرَةُ البَلاءِ والعَذابِ، ولا يَجُوزُ ضَمُّ السِّينِ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ﴾ (مَرْيَمَ: ٢٨) ولا في قَوْلِهِ:
صفحة ١٣٣
﴿وظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ (الفَتْحِ: ١٢) وإلّا لَصارَ التَّقْدِيرُ: ما كانَ أبُوكِ امْرَأ عَذابٍ، وظَنَنْتُمْ ظَنَّ العَذابِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا يَجُوزُ، وقالَ الأخْفَشُ وأبُو عُبَيْدٍ: مَن فَتَحَ السِّينَ، فَهو كَقَوْلِكَ: رَجُلُ سَوْءٍ، وامْرَأةُ سَوْءٍ. ثُمَّ يُدْخِلُ الألِفَ واللّامَ، فَيَقُولُ: رَجُلُ السَّوْءِ وأنْشَدَ الأخْفَشُ:
وكُنْتُ كَذِئْبِ السَّوْءَ لَمّا رَأى دَمًا بِصاحِبِهِ يَوْمًا أحالَ عَلى الدَّمِ
. ومَن ضَمَّ السِّينَ أرادَ بِالسُّوءِ المَضَرَّةَ والشَّرَّ والبَلاءَ والمَكْرُوهَ، كَأنَّهُ قِيلَ: عَلَيْهِمْ دائِرَةُ الهَزِيمَةِ والمَكْرُوهِ، وبِهِمْ يَحِيقُ ذَلِكَ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: لَوْ لَمْ تُضَفِ الدّائِرَةُ إلى السَّوْءِ أوِ السُّوءِ لَما عُرِفَ مِنها مَعْنى السُّوءِ؛ لِأنَّ دائِرَةَ الدَّهْرِ لا تُسْتَعْمَلُ إلّا في المَكْرُوهِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: المَعْنى يَدُورُ عَلَيْهِمُ البَلاءُ والحَزَنُ، فَلا يَرَوْنَ في مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ودِينِهِ إلّا ما يَسُوؤُهم.
ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لِقَوْلِهِمْ: ﴿عَلِيمٌ﴾ بِنِيّاتِهِمْ.
9:99Page 202
وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَٰتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَٰتِ ٱلرَّسُولِۚ أَلَآ إِنَّهَا قُرۡبَةٞ لَّهُمۡۚ سَيُدۡخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِي رَحۡمَتِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٩٩
But among the bedouins are some who believe in Allāh and the Last Day and consider what they spend as means of nearness to Allāh and of [obtaining] invocations of the Messenger. Unquestionably, it is a means of nearness for them. Allāh will admit them to His mercy. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وصَلَواتِ الرَّسُولِ ألا إنَّها قُرْبَةٌ لَهم سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ حَصَلَ في الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ إنْفاقَهُ في سَبِيلِ اللَّهِ مَغْرَمًا، بَيَّنَ أيْضًا أنَّ فِيهِمْ قَوْمًا مُؤْمِنِينَ صالِحِينَ مُجاهِدِينَ يَتَّخِذُ إنْفاقَهُ في سَبِيلِ اللَّهِ مَغْنَمًا.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ هَذا الفَرِيقَ بِوَصْفَيْنِ:
فالأوَّلُ: كَوْنُهُ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ في جَمِيعِ الطّاعاتِ مِن تَقْدِيمِ الإيمانِ، وفي الجِهادِ أيْضًا كَذَلِكَ.
والثّانِي: كَوْنُهُ بِحَيْثُ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُهُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وصَلَواتِ الرَّسُولِ، وفِيهِ بَحْثانِ:
الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ في القُرُباتِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ، ضَمُّ الرّاءِ، وإسْكانُها وفَتْحُها.
الثّانِي: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرُباتٌ مَفْعُولٌ ثانٍ لِيَتَّخِذَ، والمَعْنى: أنَّ ما يُنْفِقُهُ لِسَبَبِ حُصُولِ القُرُباتِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وصَلَواتِ الرَّسُولِ؛ لِأنَّ الرَّسُولَ كانَ يَدْعُو لِلْمُتَصَدِّقِينَ بِالخَيْرِ والبَرَكَةِ، ويَسْتَغْفِرُ لَهم. كَقَوْلِهِ: ”«اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى آلِ أبِي أوْفى» “ وقالَ تَعالى: ﴿وصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] فَلَمّا كانَ ما يُنْفَقُ سَبَبًا لِحُصُولِ القُرُباتِ والصَّلَواتِ، قِيلَ: إنَّهُ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ وصَلَواتٍ. وقالَ تَعالى: ﴿ألا إنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٩٩] وهَذا شَهادَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِلْمُتَصَدِّقِ بِصِحَّةِ ما اعْتَقَدَ مِن كَوْنِ نَفَقَتِهِ قُرُباتٍ وصَلَواتٍ، وقَدْ أكَّدَ تَعالى هَذِهِ الشَّهادَةَ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ألا إنَّها﴾ ثُمَّ زادَ في التَّأْكِيدِ، فَقالَ: ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ إدْخالَ هَذا السِّينِ يُوجِبُ مَزِيدَ التَّأْكِيدِ. ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لِسَيِّئاتِهِمْ﴿رَحِيمٌ﴾ بِهِمْ حَيْثُ وفَّقَهم لِهَذِهِ الطّاعاتِ. وقَرَأ نافِعٌ (ألا إنَّها قُرُبَةٌ) بِضَمِّ الرّاءِ وهو الأصْلُ، ثُمَّ خُفِّفَتْ نَحْوَ: كُتْبٍ، ورُسْلٍ، وطُنْبٍ، والأصْلُ هو الضَّمُّ، والإسْكانُ تَخْفِيفٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences