Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Ash-Shams 91:13–15
91:13–14Page 595
فَقَالَ لَهُمۡ رَسُولُ ٱللَّهِ نَاقَةَ ٱللَّهِ وَسُقۡيَٰهَا ١٣
And the messenger of Allāh [i.e., Ṣāliḥ] said to them, "[Do not harm] the she-camel of Allāh or [prevent her from] her drink."
فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمۡدَمَ عَلَيۡهِمۡ رَبُّهُم بِذَنۢبِهِمۡ فَسَوَّىٰهَا ١٤
But they denied him and hamstrung1 her. So their Lord brought down upon them destruction for their sin and made it equal [upon all of them].
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وسُقْياها﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ مِنَ الرَّسُولِ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ناقَةَ اللَّهِ﴾ أيْ أنَّهُ أشارَ إلَيْهِ لَمّا هَمُّوا بِعُقْرِها وبَلَغَهُ ما عَزَمُوا عَلَيْهِ، وقالَ لَهم هي: ناقَةُ اللَّهِ وآيَتُهُ الدّالَّةُ عَلى تَوْحِيدِهِ وعَلى نُبُوَّتِي، فاحْذَرُوا أنْ تَقُومُوا عَلَيْها بِسُوءٍ، واحْذَرُوا أيْضًا أنْ يَمْنَعُوها مِن سُقِياها، وقَدْ بَيَّنّا في مَواضِعَ مِن هَذا الكِتابِ أنَّهُ كانَ لَها شِرْبُ يَوْمٍ ولَهم ولِمَواشِيهِمْ شِرْبُ يَوْمٍ، وكانُوا يَسْتَضِرُّونَ بِذَلِكَ في أمْرِ مَواشِيهِمْ، فَهَمُّوا بِعَقْرِها، وكانَ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ يُحَذِّرُهم حالًا بَعْدَ حالٍ مِن عَذابٍ يَنْزِلُ بِهِمْ إنْ أقْدَمُوا عَلى ذَلِكَ، وكانَتْ هَذِهِ الحالَةُ مُتَصَوَّرَةً في نُفُوسِهِمْ، فاقْتَصَرَ عَلى أنْ قالَ لَهم: ﴿ناقَةَ اللَّهِ وسُقْياها﴾ لِأنَّ هَذِهِ الإشارَةَ كافِيَةٌ مَعَ الأُمُورِ المُتَقَدِّمَةِ الَّتِي ذَكَرْناها.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿ناقَةَ اللَّهِ﴾ نُصِبَ عَلى التَّحْذِيرِ، كَقَوْلِكِ: الأسَدَ الأسَدَ، والصَّبِيَّ الصَّبِيَّ بِإضْمارِ ذَرُوا عَقْرَها واحْذَرُوا سُقْياها، فَلا تَمْنَعُوها عَنْها، ولا تَسْتَأْثِرُوا بِها عَلَيْها.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ القَوْمَ لَمْ يَمْتَنِعُوا عَنْ تَكْذِيبِ صالِحٍ، وعَنْ عَقْرِ النّاقَةِ بِسَبَبِ العَذابِ الَّذِي أنْذَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهِ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها﴾ ثُمَّ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُباشِرُ لِلْعَقْرِ واحِدًا وهو قُدارٌ، فَيُضافُ الفِعْلُ إلَيْهِ بِالمُباشَرَةِ، كَما قالَ: ﴿فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩] ويُضافُ الفِعْلُ إلى الجَماعَةِ لِرِضاهم بِما فَعَلَ ذَلِكَ الواحِدُ. قالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّهُ أبى أنْ يَعْقِرَها حَتّى بايَعَهُ صَغِيرُهم وكَبِيرُهم وذَكَرُهم وأُنْثاهم، وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ الفَرّاءُ: قِيلَ إنَّهُما كانا اثْنَيْنِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ فاعْلَمْ أنَّ في الدَّمْدَمَةِ وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى دَمْدَمَ أطْبَقَ عَلَيْهِمُ العَذابَ، يُقالُ: دَمْدَمْتُ عَلى الشَّيْءِ إذا أطْبَقْتَ عَلَيْهِ، ويُقالُ: ناقَةٌ مَدْمُومَةٌ،
صفحة ١٧٨
أيْ قَدْ ألْبَسَها الشَّحْمَ، فَإذا كَرَّرْتَ الإطْباقَ قُلْتَ: دَمْدَمْتُ عَلَيْهِ. قالَ الواحِدِيُّ: الدَّمُّ في اللُّغَةِ اللَّطْخُ، ويُقالُ لِلشَّيْءِ السَّمِينِ: كَأنَّما دُمَّ بِالشَّحْمِ دَمًّا، فَجَعَلَ الزَّجّاجُ ”دَمْدَمَ“ مِن هَذا الحَرْفِ عَلى التَّضْعِيفِ نَحْوَ كُبْكِبُوا وبابِهِ، فَعَلى هَذا مَعْنى ”دَمْدَمَ عَلَيْهِمْ“ أطْبَقَ عَلَيْهِمُ العَذابَ وعَمَّهم كالشَّيْءِ الَّذِي يُلَطَّخُ بِهِ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ.
الوَجْهُ الثّانِي: تَقُولُ لِلشَّيْءِ يُدْفَنُ: دَمْدَمْتُ عَلَيْهِ، أيْ: سَوَّيْتَ عَلَيْهِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى ”فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ“، فَسَوّى عَلَيْهِمُ الأرْضَ بِأنْ أهْلَكَهم فَجَعَلَهم تَحْتَ التُّرابِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: دَمْدَمَ غَضِبَ، والدَّمْدَمَةُ الكَلامُ الَّذِي يُزْعِجُ الرَّجُلَ.
ورابِعُها: دَمْدَمَ عَلَيْهِمْ أرْجَفَ الأرْضَ بِهِمْ رَواهُ ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَسَوّاها﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ، وذَلِكَ لِأنّا إنْ فَسَّرْنا الدَّمْدَمَةَ بِالإطْباقِ والعُمُومِ، كانَ مَعْنى ”فَسَوّى“ الدَّمْدَمَةَ عَلَيْهِمْ وعَمَّهم بِها، وذَلِكَ أنَّ هَلاكَهم كانَ بِصَيْحَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وتِلْكَ الصَّيْحَةُ أهْلَكَتْهم جَمِيعًا، فاسْتَوَتْ عَلى صَغِيرِهِمْ وكَبِيرِهِمْ، وإنْ فَسَّرْناها بِالتَّسْوِيَةِ، كانَ المُرادُ فَسَوّى عَلَيْهِمُ الأرْضَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَخافُ عُقْباها﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أوَّلُها: أنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ الرَّبِّ تَعالى إذْ هو أقْرَبُ المَذْكُوراتِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: لا يَخافُ تَبِعَةً في العاقِبَةِ إذِ العُقْبى والعاقِبَةُ سَواءٌ، كَأنَّهُ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى يَفْعَلُ ذَلِكَ بِحَقٍّ. وكُلُّ ما فَعَلَ ما يَكُونُ حِكْمَةً وحَقًّا فَإنَّهُ لا يَخافُ عاقِبَةَ فِعْلِهِ، وقالَ بَعْضُهم: ذَكَرَ ذَلِكَ لا عَلى وجْهِ التَّحْقِيقِ لَكِنْ عَلى وجْهِ التَّحْقِيرِ لِهَذا الفِعْلِ، أيْ: هو أهْوَنُ مِن أنْ تُخْشى فِيهِ عاقِبَةٌ، واللَّهُ تَعالى يَجِلُّ أنْ يُوصَفَ بِذَلِكَ، ومِنهم مَن قالَ: المُرادُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ بالِغٌ في التَّعْذِيبِ، فَإنَّ كُلَّ مَلِكٍ يَخْشى عاقِبَةً فَإنَّهُ يَتَّقِي بَعْضَ الِاتِّقاءِ، واللَّهُ تَعالى لَمّا لَمْ يَخَفْ شَيْئًا مِنَ العَواقِبِ، لا جَرَمَ ما اتَّقى شَيْئًا.
وثانِيها: أنَّهُ كِنايَةٌ عَنْ صالِحٍ الَّذِي هو الرَّسُولُ أيْ: ولا يَخافُ صالِحٌ عُقْبى هَذا العَذابِ الَّذِي يَنْزِلُ بِهِمْ وذَلِكَ كالوَعْدِ لِنُصْرَتِهِ ودَفْعِ المَكارِهِ عَنْهُ لَوْ حاوَلَ مُحاوِلٌ أنْ يُؤْذِيَهُ لِأجْلِ ذَلِكَ.
وثالِثُها: المُرادُ أنَّ ذَلِكَ الأشْقى الَّذِي هو أُحَيْمِرُ ثَمُودَ فِيما أقْدَمَ مِن عَقْرِ النّاقَةِ ﴿ولا يَخافُ عُقْباها﴾ وهَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَتْ مُتَأخِّرَةً لَكِنَّها عَلى هَذا التَّفْسِيرِ في حُكْمِ المُتَقَدِّمِ، كَأنَّهُ قالَ: (إذِ انْبَعَثَ أشْقاها ولا يَخافُ عُقْباها) والمُرادُ بِذَلِكَ، أنَّهُ أقْدَمَ عَلى عَقْرِها وهو كالآمَنِ مِن نُزُولِ الهَلاكِ بِهِ وبِقَوْمِهِ، فَفِعْلُ هَذا مَعَ الخَوْفِ الشَّدِيدِ فِعْلُ مَن لا يَخافُ البَتَّةَ، فَنُسِبَ في ذَلِكَ إلى الجَهْلِ والحُمْقِ، وفي قِراءَةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”ولَمْ يَخَفْ“ وفي مَصاحِفِ أهْلِ المَدِينَةِ والشّامِ ”فَلا يَخافُ“ واللَّهُ أعْلَمُ، رُوِيَ أنَّ صالِحًا لَمّا وعَدَهُمُ العَذابَ بَعْدَ ثَلاثٍ، قالَ التِّسْعَةُ الَّذِينَ عَقَرُوا النّاقَةَ: هَلُمُّوا فَلْنَقْتُلْ صالِحًا، فَإنْ كانَ صادِقًا فَأعْجَلْناهُ قَبْلَنا، وإنْ كانَ كاذِبًا ألْحَقْناهُ بِناقَتِهِ، فَأتَوْهُ لِيُبَيِّتُوهُ فَدَمْغَتْهُمُ المَلائِكَةُ بِالحِجارَةِ، فَما أبْطَأُوا عَلى أصْحابِهِمْ أتَوْا مَنزِلَ صالِحٍ، فَوَجَدُوهم قَدْ رُضِخُوا بِالحِجارَةِ، فَقالُوا لِصالِحٍ: أنْتَ قَتَلْتَهم، ثُمَّ هَمُّوا بِهِ فَقامَتْ عَشِيرَتُهُ دُونَهُ لَبِسُوا السِّلاحَ وقالُوا لَهم: واللَّهِ لا تَقْتُلُونَهُ قَدْ وعَدَكم أنَّ العَذابَ نازِلٌ بِكم في ثَلاثٍ، فَإنْ كانَ صادِقًا زِدْتُمْ رَبَّكم غَضَبًا، وإنْ كانَ كاذِبًا فَأنْتُمْ مِن وراءِ ما تُرِيدُونَ، فانْصَرَفُوا عَنْهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَأصْبَحُوا وُجُوهَهم مُصْفَرَّةً، فَأيْقَنُوا بِالعَذابِ، فَطَلَبُوا صالِحًا لِيَقْتُلُوهُ فَهَرَبَ صالِحٌ والتَجَأ إلى سَيِّدِ بَعْضِ بُطُونِ ثَمُودَ وكانَ مُشْرِكًا فَغَيَّبَهُ عَنْهم فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ ثُمَّ شَغَلَهم عَنْهُ ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، فَهَذا هو قَوْلُهُ: ﴿ولا يَخافُ عُقْباها﴾ واللَّهُ أعْلَمُ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences