Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
الليل
Al-Layl
The Night · Meccan · 21 ayahs
92:1–3Page 595
وَٱلَّيۡلِ إِذَا يَغۡشَىٰ ١
By the night when it covers1
وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ ٢
And [by] the day when it appears
وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلۡأُنثَىٰٓ ٣
And [by] He who created the male and female,
صفحة ١٧٩
(سُورَةُ اللَّيْلِ)
إحْدى وعِشْرُونَ آيَةً مَكِّيَّةً
﷽
﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ ﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾
(سُورَةُ اللَّيْلِ) قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في أبِي بَكْرٍ وإنْفاقِهِ عَلى المُسْلِمِينَ، وفي أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وبُخْلِهِ وكُفْرِهِ بِاللَّهِ، إلّا أنَّها وإنْ كانَتْ كَذَلِكَ لَكِنَّ مَعانِيَها عامَّةٌ لِلنّاسِ، ألا تَرى أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾، وقالَ: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ ويُرْوى عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ”«خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في جِنازَةٍ فَقَعَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقَعَدْنا حَوْلَهُ، فَقالَ: ما مِنكم نَفْسٌ مَنفُوسَةٌ إلّا وقَدْ عَلِمَ اللَّهُ مَكانَها مِنَ الجَنَّةِ والنّارِ، فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ أفَلا نَتَّكِلُ ؟ فَقالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ» “ ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ فَبانَ بِهَذا الحَدِيثِ عُمُومُ هَذِهِ السُّورَةِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِاللَّيْلِ الَّذِي يَأْوِي فِيهِ كُلُّ حَيَوانٍ إلى مَأْواهُ ويَسْكُنُ الخَلْقُ عَنِ الِاضْطِرابِ ويَغْشاهُمُ النَّوْمُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ راحَةً لِأبْدانِهِمْ وغِذاءً لِأرْواحِهِمْ، ثُمَّ أقْسَمَ بِالنَّهارِ إذا تَجَلّى؛ لِأنَّ النَّهارَ إذا جاءَ انْكَشَفَ بِضَوْئِهِ ما كانَ في الدُّنْيا مِنَ الظُّلْمَةِ، وجاءَ الوَقْتُ الَّذِي يَتَحَرَّكُ فِيهِ النّاسُ لِمَعاشِهِمْ وتَتَحَرَّكُ الطَّيْرُ مِن أوْكارِها والهَوامُّ مِن مَكامِنِها، فَلَوْ كانَ الدَّهْرُ كُلُّهُ لَيْلًا لَتَعَذَّرَ المَعاشُ ولَوْ كانَ كُلُّهُ نَهارًا لَبَطَلَتِ الرّاحَةُ، لَكِنَّ المَصْلَحَةَ كانَتْ في تَعاقُبِهِما عَلى ما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً﴾ [الفرقان: ٦٢]، ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ [النحل: ١٢] أمّا قَوْلُهُ: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمْ يَذْكُرْ مَفْعُولَ يَغْشى، فَهو إمّا الشَّمْسُ مِن قَوْلِهِ: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ [الشمس: ٤] وإمّا النَّهارُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ [الأعراف: ٥٤] وإمّا كُلُّ شَيْءٍ يُوارِيهِ بِظَلامِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذا وقَبَ﴾ [الفلق: ٣] وقَوْلُهُ: ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ أيْ ظَهَرَ بِزَوالِ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، أوْ ظَهَرَ وانْكَشَفَ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾
وفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ١٨٠
المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أيْ والقادِرِ العَظِيمِ القُدْرَةِ الَّذِي قَدَرَ عَلى خَلْقِ الذَّكَرِ والأُنْثى مِن ماءٍ واحِدٍ، وقِيلَ: هُما آدَمُ وحَوّاءُ.
وثانِيها: أيْ وخَلْقِهِ الذَّكَرَ والأُنْثى.
وثالِثُها: ”ما“ بِمَعْنى ”مَن“ أيْ ومَن خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى، أيْ والَّذِي خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ النَّبِيُّ ﷺ ”والذَّكَرِ والأُنْثى“ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: ”والَّذِي خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى“ وعَنِ الكِسائِيِّ: ”وما خَلَقَ الذَّكَرِ والأُنْثى“ بِالجَرِّ، ووَجْهُهُ أنْ يَكُونَ مَعْنى: ”وما خَلَقَ“ أيْ: وما خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى، أيْ: ومَخْلُوقِ اللَّهِ، ثُمَّ يَجْعَلُ الذَّكَرَ والأُنْثى بَدَلًا مِنهُ، أيْ: ومَخْلُوقِ اللَّهِ الذَّكَرِ والأُنْثى، وجازَ إظْهارُ اسْمِ اللَّهِ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّهُ لا خالِقَ إلّا هو.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: القَسَمُ بِالذَّكَرِ والأُنْثى يَتَناوَلُ القَسَمَ بِجَمِيعِ ذَوِي الأرْواحِ الَّذِينَ هم أشْرَفُ المَخْلُوقاتِ؛ لِأنَّ كُلَّ حَيَوانٍ فَهو إمّا ذَكَرٌ أوْ أُنْثى، والخُنْثى فَهو في نَفْسِهِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ إمّا ذَكَرًا أوْ أُنْثى، بِدَلِيلِ أنَّهُ لَوْ حَلَفَ بِالطَّلاقِ أنَّهُ لَمْ يَلْقَ في هَذا اليَوْمِ لا ذَكَرًا ولا أُنْثى، وكانَ قَدْ لَقِيَ خُنْثى فَإنَّهُ يَحْنَثُ في يَمِينِهِ.
92:4–10Page 595
إِنَّ سَعۡيَكُمۡ لَشَتَّىٰ ٤
Indeed, your efforts are diverse.
فَأَمَّا مَنۡ أَعۡطَىٰ وَٱتَّقَىٰ ٥
As for he who gives and fears Allāh
وَصَدَّقَ بِٱلۡحُسۡنَىٰ ٦
And believes in the best [reward].
فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلۡيُسۡرَىٰ ٧
We will ease him toward ease.
وَأَمَّا مَنۢ بَخِلَ وَٱسۡتَغۡنَىٰ ٨
But as for he who withholds and considers himself free of need
وَكَذَّبَ بِٱلۡحُسۡنَىٰ ٩
And denies the best [reward],
فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلۡعُسۡرَىٰ ١٠
We will ease him toward difficulty.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ، فَأقْسَمَ تَعالى بِهَذِهِ الأشْياءِ، أنَّ أعْمالَ عِبادِهِ لَشَتّى أيْ مُخْتَلِفَةٌ في الجَزاءِ، و”شَتّى“ جَمْعُ شَتِيتٍ مِثْلُ مَرْضى ومَرِيضٍ، وإنَّما قِيلَ لِلْمُخْتَلِفِ: شَتّى، لِتَباعُدِ ما بَيْنَ بَعْضِهِ وبَعْضِهِ، والشَّتاتُ هو التَّباعُدُ والِافْتِراقُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ عَمَلَكم لِمُتَباعِدٍ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ؛ لِأنَّ بَعْضَهُ ضَلالٌ وبَعْضَهُ هُدًى، وبَعْضَهُ يُوجِبُ الجِنانَ، وبَعْضَهُ يُوجِبُ النِّيرانَ، فَشَتّانَ ما بَيْنَهُما، ويَقْرُبُ مِن هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿لا يَسْتَوِي أصْحابُ النّارِ وأصْحابُ الجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠] وقَوْلُهُ: ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] وقَوْلُهُ: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهم ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١] وقالَ: ﴿ولا الظِّلُّ ولا الحَرُورُ﴾ [فاطر: ٢١] قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي بَكْرٍ وأبِي سُفْيانَ.
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ مَعْنى اخْتِلافِ الأعْمالِ فِيما قُلْناهُ مِنَ العاقِبَةِ المَحْمُودَةِ والمَذْمُومَةِ والثَّوابِ والعِقابِ، فَقالَ: ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ .
وفِي قَوْلِهِ ”أعْطى“ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ إنْفاقَ المالِ في جَمِيعِ وُجُوهِ الخَيْرِ مِن عِتْقِ الرِّقابِ وفَكِّ الأُسارى وتَقْوِيَةِ المُسْلِمِينَ عَلى عَدُوِّهِمْ كَما كانَ يَفْعَلُهُ أبُو بَكْرٍ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ واجِبًا أوْ نَفْلًا، وإطْلاقُ هَذا كالإطْلاقِ في قَوْلِهِ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [القصص: ٥٤] فَإنَّ المُرادَ مِنهُ كُلُّ ذَلِكَ إنْفاقًا في سَبِيلِ اللَّهِ سَواءٌ كانَ واجِبًا أوْ نَفْلًا، وقَدْ مَدَحَ اللَّهُ قَوْمًا فَقالَ: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨] وقالَ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ ﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾
صفحة ١٨١
﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ [الليل: ١٧] .
وثانِيهِما: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أعْطى﴾ يَتَناوَلُ إعْطاءَ حُقُوقِ المالِ وإعْطاءَ حُقُوقِ النَّفْسِ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، يُقالُ: فُلانٌ أعْطى الطّاعَةَ وأعْطى السَّعَةَ. وقَوْلُهُ: ﴿واتَّقى﴾ فَهو إشارَةٌ إلى الِاحْتِرازِ عَنْ كُلِّ ما لا يَنْبَغِي، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ هَلْ مِن شَرْطِ كَوْنِهِ مُتَّقِيًا أنْ يَكُونَ مُحْتَرِزًا عَنِ الصَّغائِرِ أمْ لا ؟ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] . وقَوْلُهُ: ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ فالحُسْنى فِيها وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّها قَوْلُ ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“، والمَعْنى: فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى وصَدَّقَ بِالتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ حَصَلَتْ لَهُ الحُسْنى، وذَلِكَ لِأنَّهُ لا يَنْفَعُ مَعَ الكُفْرِ إعْطاءُ مالٍ ولا اتِّقاءُ مَحارِمَ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] .
وثانِيها: أنَّ الحُسْنى عِبارَةٌ عَمّا فَرَضَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ العِباداتِ عَلى الأبْدانِ وفي الأمْوالِ كَأنَّهُ قِيلَ: أعْطى في سَبِيلِ اللَّهِ واتَّقى المَحارِمَ وصَدَّقَ بِالشَّرائِعِ، فَعَلِمَ أنَّهُ تَعالى لَمْ يُشَرِّعْها إلّا لِما فِيها مِن وُجُوهِ الصَّلاحِ والحُسْنِ.
وثالِثُها: أنَّ الحُسْنى هو الخَلَفُ الَّذِي وعَدَهُ اللَّهُ في قَوْلِهِ: ﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ فَهو يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩] والمَعْنى: أعْطى مِن مالِهِ في طاعَةِ اللَّهِ مُصَدِّقًا بِما وعَدَهُ اللَّهُ مِنَ الخَلَفِ الحَسَنِ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٦١] فَكانَ الخَلَفُ لَمّا كانَ زائِدًا صَحَّ إطْلاقُ لَفْظِ الحُسْنى عَلَيْهِ، وعَلى هَذا المَعْنى: ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ أيْ لَمْ يُصَدِّقْ بِالخَلَفِ، فَبَخِلَ بِمالِهِ لِسُوءِ ظَنِّهِ بِالمَعْبُودِ، كَما قالَ بَعْضُهم: مَنَعَ المَوْجُودَ سُوءُ ظَنٍّ بِالمَعْبُودِ، ورُوِيَ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ أنَّهُ قالَ: ”ما مِن يَوْمٍ غَرَبَتْ فِيهِ الشَّمْسُ إلّا ومَلَكانِ يُنادِيانِ يَسْمَعُهُما خَلْقُ اللَّهِ كُلُّهم إلّا الثِّقْلَيْنِ: اللَّهُمَّ أعْطِ كُلَّ مُنْفِقٍ خَلَفًا وكُلَّ مُمْسِكٍ تَلَفًا“ .
ورابِعُها: أنَّ الحُسْنى هو الثَّوابُ، وقِيلَ: إنَّهُ الجَنَّةُ، والمَعْنى واحِدٌ، قالَ قَتادَةُ: صَدَقَ بِمَوْعُودِ اللَّهِ فَعَمِلَ لِذَلِكَ المَوْعُودِ، قالَ القَفّالُ: وبِالجُمْلَةِ فَإنَّ الحُسْنى لَفْظَةٌ تَسَعُ كُلَّ خَصْلَةٍ حَسَنَةٍ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢] يَعْنِي النَّصْرَ أوِ الشَّهادَةَ، وقالَ تَعالى: ﴿ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا﴾ [الشورى: ٢٣] فَسَمّى مُضاعَفَةَ الأجْرِ حُسْنى، وقالَ: ﴿إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [فصلت: ٥٠] .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّها الجَنَّةُ.
وثانِيها: أنَّها الخَيْرُ، وقالُوا في العُسْرى: أنَّها الشِّرْكُ.
وثالِثُها: المُرادُ مِنهُ أنْ يَسْهُلَ عَلَيْهِ كُلُّ ما كُلِّفَ بِهِ مِنَ الأفْعالِ والتُّرُوكِ، والمُرادُ مِنَ العُسْرى تَعْسِيرُ كُلِّ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
ورابِعُها: اليُسْرى هي العَوْدُ إلى الطّاعَةِ الَّتِي أتى بِها أوَّلًا، فَكَأنَّهُ قالَ فَسَنُيَسِّرُهُ لِأنْ يَعُودَ إلى الإعْطاءِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وقالُوا: في العُسْرى ضِدُّ ذَلِكَ أيْ نُيَسِّرُهُ لِأنْ يَعُودَ إلى البُخْلِ والِامْتِناعِ مِن أداءِ الحُقُوقِ المالِيَّةِ، قالَ القَفّالُ: ولِكُلِّ هَذِهِ الوُجُوهِ مَجازٌ مِنَ اللُّغَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الأعْمالَ بِالعَواقِبِ، فَكُلُّ ما أدَّتْ عاقِبَتُهُ إلى يُسْرٍ وراحَةٍ وأُمُورٍ مَحْمُودَةٍ، فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ اليُسْرى، وذَلِكَ وصْفُ كُلِّ الطّاعاتِ، وكُلُّ ما أدَّتْ عاقِبَتُهُ إلى عُسْرٍ وتَعَبٍ فَهو مِنَ العُسْرى، وذَلِكَ وصْفُ كُلِّ المَعاصِي.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: التَّأْنِيثُ في لَفْظِ اليُسْرى ولَفْظِ العُسْرى فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ المُرادَ مِنَ اليُسْرى والعُسْرى إنْ كانَ جَماعَةَ الأعْمالِ، فَوَجْهُ التَّأْنِيثِ ظاهِرٌ، وإنْ كانَ المُرادُ عَمَلًا واحِدًا رَجَعَ التَّأْنِيثُ إلى الخَلَّةِ أوِ الفَعْلَةِ، وعَلى هَذا مَن جَعَلَ ”يُسْرى“ هو تَيْسِيرُ العَوْدَ[ ةِ ] إلى ما فَعَلَهُ الإنْسانُ مِنَ الطّاعَةِ رَجَّعَ التَّأْنِيثَ إلى العَوْدَ[ةِ ]، وكَأنَّهُ قالَ: فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعَوْدَ[ةِ] الَّتِي هي كَذا.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ مَرْجِعُ التَّأْنِيثِ إلى الطَّرِيقَةِ فَكَأنَّهُ قالَ:
صفحة ١٨٢
لِلطَّرِيقَةِ اليُسْرى والعُسْرى.
وثالِثُها: أنَّ العِباداتِ أُمُورٌ شاقَّةٌ عَلى البَدَنِ، فَإذا عَلِمَ المُكَلَّفُ أنَّها تُفْضِي إلى الجَنَّةِ سَهُلَتْ تِلْكَ الأفْعالُ الشّاقَّةُ عَلَيْهِ، بِسَبَبِ تَوَقُّعِهِ لِلْجَنَّةِ، فَسَمّى اللَّهُ تَعالى الجَنَّةَ يُسْرى، ثُمَّ عَلَّلَ حُصُولَ اليُسْرى في أداءِ الطّاعاتِ بِهَذِهِ اليُسْرى. وقَوْلُهُ: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ بِالضِّدِّ مِن ذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في مَعْنى التَّيْسِيرِ لِلْيُسْرى والعُسْرى وُجُوهٌ: وذَلِكَ لِأنَّ مَن فَسَّرَ اليُسْرى بِالجَنَّةِ فَسَّرَ التَّيْسِيرَ لِلْيُسْرى بِإدْخالِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم في الجَنَّةِ بِسُهُولَةٍ وإكْرامٍ، عَلى ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٣] وقَوْلِهِ: ﴿طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] وقَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٤] وأمّا مَن فَسَّرَ اليُسْرى بِأعْمالِ الخَيْرِ فالتَّيْسِيرُ لَها هو تَسْهِيلُها عَلى مَن أرادَ حَتّى لا يَعْتَرِيَهُ مِنَ التَّثاقُلِ ما يَعْتَرِي المُرائِينَ والمُنافِقِينَ مِنَ الكَسَلِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلّا عَلى الخاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] وقالَ: ﴿وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى﴾ [النساء: ١٤٢]، وقالَ: ﴿ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨] فَكانَ التَّيْسِيرُ هو التَّنْشِيطُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اسْتَدَلَّ الأصْحابُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ في التَّوْفِيقِ والخِذْلانِ، فَقالُوا: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى خَصَّ المُؤْمِنَ بِهَذا التَّوْفِيقِ، وهو أنَّهُ جَعَلَ الطّاعَةَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ أرْجَحَ مِنَ المَعْصِيَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ خَصَّ الكافِرَ بِهَذا الخِذْلانِ، وهو أنَّهُ جَعَلَ المَعْصِيَةَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ أرْجَحَ مِنَ الطّاعَةِ، وإذا دَلَّتِ الآيَةُ عَلى حُصُولِ الرُّجْحانِ لَزِمَ القَوْلُ بِالوُجُوبِ لِأنَّهُ لا واسِطَةَ بَيْنَ الفِعْلِ والتَّرْكِ، ومَعْلُومٌ أنَّ حالَ الِاسْتِواءِ يَمْتَنِعُ الرُّجْحانُ، فَحالُ المَرْجُوحِيَّةِ أوْلى بِالِامْتِناعِ، وإذا امْتَنَعَ أحَدُ الطَّرَفَيْنِ وجَبَ حُصُولُ الطَّرَفِ الآخَرِ ضَرُورَةَ أنَّهُ لا خُرُوجَ عَنْ طَرَفَيِ النَّقِيضِ. أجابَ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ وجْهِ التَّمَسُّكِ بِالآيَةِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ تَسْمِيَةَ أحَدِ الضِّدَّيْنِ بِاسْمِ الآخَرِ مَجازٌ مَشْهُورٌ، قالَ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] وقالَ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] فَلَمّا سَمّى اللَّهُ فِعْلَ الألْطافِ الدّاعِيَةِ إلى الطّاعاتِ تَيْسِيرًا لِلْيُسْرى، سَمّى تَرْكَ هَذِهِ الألْطافِ تَيْسِيرًا لِلْعُسْرى.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ إضافَةِ الفِعْلِ إلى المُسَبِّبِ لَهُ دُونَ الفاعِلِ. كَما قِيلَ في الأصْنامِ: ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦] .
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الحُكْمِ بِهِ والإخْبارِ عَنْهُ والجَوابُ: عَنِ الكُلِّ أنَّهُ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، لا سِيَّما أنّا بَيَّنّا أنَّ الظّاهِرَ مِن جانِبِنا مُتَأكَّدٌ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ القاطِعِ، ثُمَّ إنَّ أصْحابَنا أكَّدُوا ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ بِما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«ما مِن نَفْسٍ مَنفُوسَةٍ إلّا وقَدْ عَلِمَ اللَّهُ مَكانَها مِنَ الجَنَّةِ والنّارِ، قُلْنا: أفَلا نَتَّكِلُ ؟ قالَ: لا، اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ» “ أجابَ القَفّالُ عَنْهُ بِأنَّ النّاسَ كُلَّهم خُلِقُوا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ، كَما قالَ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] واعْلَمْ أنَّ هَذا ضَعِيفٌ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما ذَكَرَ هَذا جَوابًا عَنْ سُؤالِهِمْ، يَعْنِي اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما وافَقَ مَعْلُومَ اللَّهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى قَوْلِنا: أنَّ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلى العَبْدِ وعَلِمَهُ مِنهُ فَإنَّهُ مُمْتَنِعُ التَّغْيِيرِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في دُخُولِ السِّينِ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ﴾ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ عَلى سَبِيلِ التَّرْفِيقِ والتَّلْطِيفِ وهو مِنَ اللَّهِ تَعالى قَطْعٌ ويَقِينٌ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾
صفحة ١٨٣
[البقرة: ٢١] .
وثانِيها: أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُطِيعَ قَدْ يَصِيرُ عاصِيًا، والعاصِيَ قَدْ يَصِيرُ بِالتَّوْبَةِ مُطِيعًا، فَهَذا السَّبَبُ كانَ التَّغْيِيرُ فِيهِ مُحالًا.
وثالِثُها: أنَّ الثَّوابَ لَمّا كانَ أكْثَرُهُ واقِعًا في الآخِرَةِ، وكانَ ذَلِكَ مِمّا لَمْ يَأْتِ وقْتُهُ، ولا يَقِفْ أحَدٌ عَلى وقْتِهِ إلّا اللَّهُ، لا جَرَمَ دَخَلَهُ تَراخٍ، فَأُدْخِلَتِ السِّينُ لِأنَّها حَرْفُ التَّراخِي لِيَدُلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّ الوَعْدَ آجِلٌ غَيْرُ حاضِرٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.
92:11–12Page 595
وَمَا يُغۡنِي عَنۡهُ مَالُهُۥٓ إِذَا تَرَدَّىٰٓ ١١
And what will his wealth avail him when he falls?1
إِنَّ عَلَيۡنَا لَلۡهُدَىٰ ١٢
Indeed, [incumbent] upon Us is guidance.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ فاعْلَمْ أنَّ ”ما“ هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا بِمَعْنى الإنْكارِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نَفْيًا. وأمّا ﴿تَرَدّى﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَأْخُوذًا مِن قَوْلِكَ: تَرَدّى مِنَ الجَبَلِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والمُتَرَدِّيَةُ والنَّطِيحَةُ﴾ [المائدة: ٣] فَيَكُونُ المَعْنى: تَرَدّى في الحُفْرَةِ إذا قَبُرَ، أوْ تَرَدّى في قَعْرِ جَهَنَّمَ، وتَقْدِيرُ الآيَةِ: إنّا إذا يَسَّرْناهُ لِلْعُسْرى -وهِيَ النّارُ - تَرَدّى في جَهَنَّمَ، فَماذا يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ الَّذِي بَخِلَ بِهِ وتَرَكَهُ لِوارِثِهِ، ولَمْ يَصْحَبْ مِنهُ إلى آخِرَتِهِ، الَّتِي هي مَوْضِعُ فَقْرِهِ وحاجَتِهِ شَيْئًا، كَما قالَ: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكم وراءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤]، وقالَ: ﴿ونَرِثُهُ ما يَقُولُ ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠] أخْبَرَ أنَّ الَّذِي يَنْتَفِعُ الإنْسانُ بِهِ هو ما يُقَدِّمُهُ الإنْسانُ مِن أعْمالِ البِرِّ وإعْطاءِ الأمْوالِ في حُقُوقِها، دُونَ المالِ الَّذِي يَخْلُفُهُ عَلى ورَثَتِهِ.
الثّانِي: أنَّ ”تَرَدّى“ تَفَعَّلَ مِنَ الرَّدى وهو الهَلاكُ يُرِيدُ المَوْتَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَرَّفَهم أنَّ سَعْيَهم شَتّى في العَواقِبِ وبَيَّنَ ما لِلْمُحْسِنِ مِنَ اليُسْرى ولِلْمُسِيءِ مِنَ العُسْرى؛ أخْبَرَهم أنَّهُ قَدْ قَضى ما عَلَيْهِ مِنَ البَيانِ والدَّلالَةِ والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ والإرْشادِ والهِدايَةِ فَقالَ: ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ أيْ: إنَّ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْنا في الحِكْمَةِ إذا خَلَقْنا الخَلْقَ لِلْعِبادَةِ أنْ نُبَيِّنَ لَهم وُجُوهَ التَّعَبُّدِ وشَرْحَ ما يَكُونُ المُتَعَبِّدُ بِهِ مُطِيعًا مِمّا يَكُونُ بِهِ عاصِيًا، إذْ كُنّا إنَّما خَلَقْناهم لِنَنْفَعَهم ونَرْحَمَهم ونُعَرِّضَهم لِلنَّعِيمِ المُقِيمِ، فَقَدْ فَعَلْنا ما كانَ فِعْلُهُ واجِبًا عَلَيْنا في الحِكْمَةِ، والمُعْتَزِلَةُ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ في مَسائِلَ:
إحْداها: أنَّهُ تَعالى أباحَ الأعْذارَ وما كَلَّفَ المُكَلَّفَ إلّا ما في وُسْعِهِ وطاقَتِهِ، فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى لا يُكَلِّفُ بِما لا يُطاقُ.
وثانِيها: أنَّ كَلِمَةَ ”عَلى“ لِلْوُجُوبِ، فَتَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَدْ يَجِبُ لِلْعَبْدِ عَلى اللَّهِ شَيْءٌ.
وثالِثُها: أنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ العَبْدُ مُسْتَقِلًّا بِالإيجادِ لَما كانَ في وضْعِ الدَّلائِلِ فائِدَةٌ، وأجْوِبَةُ أصْحابِنا عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الوُجُوهِ مَشْهُورَةٌ، وذَكَرَ الواحِدِيُّ وجْهًا آخَرَ نَقَلَهُ عَنِ الفَرّاءِ فَقالَ المَعْنى: إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى والإضْلالَ، فَتَرَكَ الإضْلالَ كَما قالَ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] وهي تَقِي الحَرَّ والبَرْدَ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءِ، قالَ: يُرِيدُ أُرْشِدُ أوْلِيائِي إلى العَمَلِ بِطاعَتِي، وأحُولُ بَيْنَ أعْدائِي أنْ يَعْمَلُوا بِطاعَتِي فَذَكَرَ مَعْنى الإضْلالِ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذا التَّأْوِيلُ ساقِطٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ومِنها جائِرٌ﴾ [النحل: ٩] فَبَيَّنَ أنَّ قَصْدَ السَّبِيلِ عَلى اللَّهِ، وأمّا جَوْرُ السَّبِيلِ فَبَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ عَلى اللَّهِ ولا مِنهُ، واعْلَمْ أنَّ الِاسْتِقْصاءَ قَدْ سَبَقَ في تِلْكَ الآيَةِ.
92:13–16Page 595
وَإِنَّ لَنَا لَلۡأٓخِرَةَ وَٱلۡأُولَىٰ ١٣
And indeed, to us belongs the Hereafter and the first [life].
فَأَنذَرۡتُكُمۡ نَارٗا تَلَظَّىٰ ١٤
So I have warned you of a Fire which is blazing.
لَا يَصۡلَىٰهَآ إِلَّا ٱلۡأَشۡقَى ١٥
None will [enter to] burn therein except the most wretched one
ٱلَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ١٦
Who had denied and turned away.
صفحة ١٨٤
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ والأُولى﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ لَنا كُلَّ ما في الدُّنْيا والآخِرَةِ فَلَيْسَ يَضُرُّنا تَرْكُكُمُ الِاهْتِداءَ بِهُدانا، ولا يَزِيدُ في مُلْكِنا اهْتِداؤُكم، بَلْ نَفْعُ ذَلِكَ وضَرُّهُ عائِدانِ عَلَيْكم ولَوْ شِئْنا لَمَنَعْناكم مِنَ المَعاصِي قَهْرًا، إذْ لَنا الدُّنْيا والآخِرَةُ ولَكِنَّنا لا نَمْنَعُكم مِن هَذا الوَجْهِ؛ لِأنَّ هَذا الوَجْهَ يُخَلُّ بِالتَّكْلِيفِ، بَلْ نَمْنَعُكم بِالبَيانِ والتَّعْرِيفِ، والوَعْدِ والوَعِيدِ.
الثّانِي: أنَّ لَنا مُلْكَ الدّارَيْنِ نُعْطِي ما نَشاءُ مَن نَشاءُ، فَيُطْلَبُ سَعادَةُ الدّارَيْنِ مِنّا، والأوَّلُ أوْفَقُ لِقَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، والثّانِي أوْفَقُ لِقَوْلِنا.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾
تَلَظّى أيْ: تَتَوَقَّدُ وتَتَلَهَّبُ وتَتَوَهَّجُ، يُقالُ: تَلَظَّتِ النّارُ تَلَظِّيًا، ومِنهُ سُمِّيَتْ جَهَنَّمُ لَظى، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّها لِمَن هي بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وأمْثالِهِ الَّذِينَ كَذَّبُوا مُحَمَّدًا والأنْبِياءَ قَبْلَهُ، وقِيلَ: إنَّ الأشْقى بِمَعْنى الشَّقِيِّ كَما يُقالُ: لَسْتُ فِيها بِأوْحَدٍ أيْ بِواحِدٍ، فالمَعْنى لا يَدْخُلُها إلّا الكافِرُ الَّذِي هو شَقِيٌّ لِأنَّهُ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ، وتَوَلّى أيْ: أعْرَضَ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ، واعْلَمْ أنَّ المُرْجِئَةَ يَتَمَسَّكُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّهُ لا وعِيدَ إلّا عَلى الكُفّارِ، قالَ القاضِي: ولا يُمْكِنُ إجْراءُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ يَقْتَضِي أنْ لا يَدْخُلَ النّارَ ﴿إلّا الأشْقى الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ فَوَجَبَ في الكافِرِ الَّذِي لَمْ يُكَذِّبْ ولَمْ يَتَوَلَّ أنْ لا يَدْخُلَ النّارَ.
وثانِيها: أنَّ هَذا إغْراءٌ بِالمَعاصِي؛ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ أنْ يَقُولَ اللَّهُ تَعالى لِمَن صَدَّقَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ولَمْ يُكَذِّبْ ولَمْ يَتَوَلَّ: أيُّ مَعْصِيَةٍ أقْدَمْتَ عَلَيْها فَلَنْ تَضُرَّكَ، وهَذا يَتَجاوَزُ حَدَّ الإغْراءِ إلى أنْ تَصِيرَ كالإباحَةِ، وتَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.
وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: مِن بَعْدُ ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ يَدُلُّ عَلى تَرْكِ هَذا الظّاهِرِ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ مِن حالِ الفاسِقِ أنَّهُ لَيْسَ بِأتْقى؛ لِأنَّ ذَلِكَ مُبالَغَةٌ في التَّقْوى، ومَن يَرْتَكِبْ عَظائِمَ الكَبائِرِ لا يُوصَفْ بِأنَّهُ أتْقى، فَإنْ كانَ الأوَّلُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الفاسِقَ لا يَدْخُلُ النّارَ، فَهَذا الثّانِي يَدُلُّ عَلى أنَّ الفاسِقَ لا يَجْتَنِبُ النّارَ، وكُلُّ مُكَلَّفٍ لا يَجْتَنِبُ النّارَ، فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مِن أهْلِها، ولَمّا ثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ، فَنَقُولُ: فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿نارًا تَلَظّى﴾ نارًا مَخْصُوصَةً مِنَ النِّيرانِ؛ لِأنَّها دَرَكاتٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] فالآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ النّارَ المَخْصُوصَةَ لا يَصْلاها سِوى هَذا الأشْقى، ولا تَدُلُّ عَلى أنَّ الفاسِقَ وغَيْرَ مَن هَذا صِفَتُهُ مِنَ الكُفّارِ لا يَدْخُلُ سائِرَ النِّيرانِ.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿نارًا تَلَظّى﴾ النِّيرانُ أجْمَعُ، ويَكُونُ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ أيْ: هَذا الأشْقى بِهِ أحَقُّ، وثُبُوتُ هَذِهِ الزِّيادَةِ في الِاسْتِحْقاقِ غَيْرُ حاصِلٍ إلّا لِهَذا الأشْقى. واعْلَمْ أنَّ وُجُوهَ القاضِي ضَعِيفَةٌ.
أمّا قَوْلُهُ (أوَّلًا): يَلْزَمُ في غَيْرِ هَذا الكافِرِ أنْ لا يَدْخُلَ النّارَ، فَجَوابُهُ: أنَّ كُلَّ كافِرٍ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُكَذِّبًا لِلنَّبِيِّ في دَعْواهُ، ويَكُونُ مُتَوَلِّيًا عَنِ النَّظَرِ في دَلالَةِ صِدْقِ ذَلِكَ النَّبِيِّ، فَيَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ أشْقى مِن سائِرِ العُصاةِ، وأنَّهُ ﴿كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ وإذا كانَ كُلُّ كافِرٍ داخِلًا في الآيَةِ سَقَطَ ما قالَهُ القاضِي.
وأمّا قَوْلُهُ ثانِيًا: إنَّ هَذا إغْراءٌ بِالمَعْصِيَةِ فَضَعِيفٌ أيْضًا؛ لِأنَّهُ يَكْفِي في الزَّجْرِ عَنِ المَعْصِيَةِ حُصُولُ الذَّمِّ في العاجِلِ وحُصُولُ غَضَبِ اللَّهِ بِمَعْنى أنَّهُ لا يُكْرِمُهُ ولا يُعَظِّمُهُ ولا يُعْطِيهِ الثَّوابَ، ولَعَلَّهُ يُعَذِّبُهُ بِطَرِيقٍ آخَرَ، فَلَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلى انْحِصارِ طَرِيقِ التَّعْذِيبِ في إدْخالِ النّارِ.
صفحة ١٨٥
وأمّا قَوْلُهُ ثالِثًا: ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ فَهَذا لا يَدُلُّ عَلى حالِ غَيْرِ الأتْقى إلّا عَلى سَبِيلِ المَفْهُومِ، والتَّمَسُّكُ بِدَلِيلِ الخِطابِ وهو يُنْكِرُ ذَلِكَ فَكَيْفَ تُمْسِكُ بِهِ ؟ والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا أنَّ هَذا يَقْتَضِي فِيمَن لَيْسَ بِأتْقى دُخُولَ النّارِ؛ فَيَلْزَمُ في الصِّبْيانِ والمَجانِينِ أنْ يَدْخُلُوا النّارَ وذَلِكَ باطِلٌ.
وأمّا قَوْلُهُ رابِعًا: المُرادُ مِنهُ نارٌ مَخْصُوصَةٌ، وهي النّارُ الَّتِي تَتَلَظّى فَضَعِيفٌ أيْضًا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿نارًا تَلَظّى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ صِفَةً لِكُلِّ النِّيرانِ، وأنْ يَكُونَ صِفَةً لِنارٍ مَخْصُوصَةٍ، لَكِنَّهُ تَعالى وصَفَ كُلَّ نارِ جَهَنَّمَ بِهَذا الوَصْفِ في آيَةٍ أُخْرى، فَقالَ: ﴿كَلّا إنَّها لَظى نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ [المعارج: ١٥] .
وأمّا قَوْلُهُ: المُرادُ إنَّ هَذا الأشْقى أحَقُّ بِهِ فَضَعِيفٌ لِأنَّهُ تَرْكٌ لِلظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، فَثَبَتَ ضَعْفُ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرَها القاضِي، فَإنْ قِيلَ: فَما الجَوابُ عَنْهُ عَلى قَوْلِكم، فَإنَّكم لا تَقْطَعُونَ بِعَدَمِ وعِيدِ الفُسّاقِ ؟ الجَوابُ: مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: ما ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ وهو أنَّ مَعْنى: ﴿لا يَصْلاها﴾ لا يَلْزَمُها في حَقِيقَةِ اللُّغَةِ، يُقالُ: صَلى الكافِرُ النّارَ إذا لَزِمَها مُقاسِيًا شِدَّتَها وحَرَّها، وعِنْدَنا أنَّ هَذِهِ المُلازَمَةَ لا تَثْبُتُ إلّا لِلْكافِرِ، أمّا الفاسِقُ فَإمّا أنْ لا يَدْخُلَها أوْ إنْ دَخَلَها تَخَلَّصَ مِنها.
الثّانِي: أنْ يُخَصَّ عُمُومُ هَذا الظّاهِرِ بِالآياتِ الدّالَّةِ عَلى وعِيدِ الفُسّاقِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences