Ar-RaziAd‑Duhaa · 93:1–5

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

الضحى

Ad-Duhaa

The Morning Hours · Meccan · 11 ayahs

93:1–2Page 596

وَٱلضُّحَىٰ ١

By the morning brightness

وَٱلَّيۡلِ إِذَا سَجَىٰ ٢

And [by] the night when it covers with darkness,1

صفحة ١٨٨

(سُورَةُ الضُّحى)

إحْدى عَشْرَةَ آيَةً، مَكِّيَّةٌ

﷽

﴿والضُّحى﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾

وأنا عَلى عَزْمٍ أنْ أضُمَّ إلى تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ ما فِيها مِنَ اللَّطائِفِ التِّذْكارِيَّةِ.

﷽

﴿والضُّحى﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ لِأهْلِ التَّفْسِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿والضُّحى﴾ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِالضُّحى وقْتُ الضُّحى وهو صَدْرُ النَّهارِ حِينَ تَرْتَفِعُ الشَّمْسُ وتُلْقِي شُعاعَها.

وثانِيها: الضُّحى هو النَّهارُ كُلُّهُ بِدَلِيلِ أنَّهُ جُعِلَ في مُقابَلَةِ اللَّيْلِ كُلِّهِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ فَذَكَرَ أهْلُ اللُّغَةِ في ﴿سَجى﴾ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ مُتَقارِبَةٍ: سَكَنَ وأظْلَمَ وغَطّى:

أمّا الأوَّلُ: فَقالَ أبُو عُبَيْدٍ والمُبَرِّدُ والزَّجّاجُ: سَجى أيْ سَكَنَ يُقالُ: لَيْلَةٌ ساجِيَةٌ أيْ: ساكِنَةُ الرِّيحِ، وعَيْنٌ ساجِيَةٌ أيْ: فاتِرَةُ الطَّرْفِ. وسَجى البَحْرُ إذا سَكَنَتْ أمْواجُهُ، وقالَ في الدُّعاءِ:

يا مالِكَ البَحْرِ إذا البَحْرُ سَجى

وأمّا الثّانِي: وهو تَفْسِيرُ ”سَجى“ بِـ”أظْلَمَ“، فَقالَ الفَرّاءُ: سَجى أيْ: أظْلَمَ ورَكَدَ في طُولِهِ.

وأمّا الثّالِثُ: وهو تَفْسِيرُ ”سَجى“ بِغَطّى، فَقالَ الأصْمَعِيُّ وابْنُ الأعْرابِيِّ: سَجى اللَّيْلُ تَغْطِيَتُهُ النَّهارَ، مِثْلَ ما يُسَجّى الرَّجُلُ بِالثَّوْبِ، واعْلَمْ أنَّ أقْوالَ المُفَسِّرِينَ غَيْرُ خارِجَةٍ عَنْ هَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غَطّى الدُّنْيا بِالظُّلْمَةِ، وقالَ الحَسَنُ: أُلْبِسَ النّاسُ ظَلامَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: إذا أقْبَلَ اللَّيْلُ غَطّى كُلَّ شَيْءٍ، وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ: سَكَنَ بِالنّاسِ ولِسُكُونِهِ مَعْنَيانِ:

أحَدُهُما: سُكُونُ النّاسِ فَنُسِبَ إلَيْهِ كَما يُقالُ: لَيْلٌ نائِمٌ ونَهارٌ صائِمٌ.

والثّانِي: هو أنَّ سُكُونَهُ عِبارَةٌ عَنِ اسْتِقْرارِ ظَلامِهِ

صفحة ١٨٩

واسْتِوائِهِ فَلا يَزْدادُ بَعْدَ ذَلِكَ، وهَهُنا سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الحِكْمَةُ في أنَّهُ تَعالى في السُّورَةِ الماضِيَةِ قَدَّمَ ذِكْرَ اللَّيْلِ، وفي هَذِهِ السُّورَةِ أخَّرَهُ ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ يَنْتَظِمُ مَصالِحُ المُكَلَّفِينَ، واللَّيْلُ لَهُ فَضِيلَةُ السَّبْقِ لِقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] ولِلنَّهارِ فَضِيلَةُ النُّورِ، بَلِ اللَّيْلُ كالدُّنْيا والنَّهارُ كالآخِرَةِ، فَلَمّا كانَ لِكُلِّ واحِدٍ فَضِيلَةٌ لَيْسَتْ لِلْآخَرِ، لا جَرَمَ قُدِّمَ هَذا عَلى ذاكَ تارَةً، وذاكَ عَلى هَذا أُخْرى، ونَظِيرُهُ أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ السُّجُودَ عَلى الرُّكُوعِ في قَوْلِهِ: ﴿واسْجُدِي وارْكَعِي﴾ [آل عمران: ٤٣] ثُمَّ قَدَّمَ الرُّكُوعَ عَلى السُّجُودِ في قَوْلِهِ: ﴿ارْكَعُوا واسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] .

وثانِيها: أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ في سُورَةِ أبِي بَكْرٍ؛ لِأنَّ أبا بَكْرٍ سَبَقَهُ كَفْرٌ، وهَهُنا قَدَّمَ الضُّحى لِأنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما سَبَقَهُ ذَنْبٌ.

وثالِثُها: سُورَةُ ”واللَّيْلِ“ سُورَةُ أبِي بَكْرٍ، وسُورَةُ الضُّحى سُورَةُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ثُمَّ ما جُعِلَ بَيْنَهُما واسِطَةٌ لِيُعْلَمَ أنَّهُ لا واسِطَةَ بَيْنَ مُحَمَّدٍ وأبِي بَكْرٍ، فَإذا ذَكَرْتَ اللَّيْلَ أوَّلًا وهو أبُو بَكْرٍ، ثُمَّ صَعَدْتَ وجَدْتَ بَعْدَهُ النَّهارَ وهو مُحَمَّدٌ، وإنْ ذَكَرْتَ ”والضُّحى“ أوَّلًا وهو مُحَمَّدٌ، ثُمَّ نَزَلْتَ وجَدْتَ بَعْدَهُ اللَّيْلَ وهو أبُو بَكْرٍ، لِيُعْلَمَ أنَّهُ لا واسِطَةَ بَيْنَهُما.

السُّؤالُ الثّانِي: ما الحِكْمَةُ هَهُنا في الحَلِفِ بِالضُّحى واللَّيْلِ فَقَطْ ؟

والجَوابُ: لِوُجُوهٍ:

أحَدُها: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: الزَّمانُ ساعَةٌ، فَساعَةٌ ساعَةُ لَيْلٍ، وساعَةُ نَهارٍ، ثُمَّ يَزْدادُ فَمَرَّةً تَزْدادُ ساعاتُ اللَّيْلِ وتَنْقُصُ ساعاتُ النَّهارِ، ومَرَّةً بِالعَكْسِ فَلا تَكُونُ الزِّيادَةُ لِهَوًى ولا النُّقْصانُ لِقِلًى، بَلْ لِلْحِكْمَةِ، كَذا الرِّسالَةُ وإنْزالُ الوَحْيِ بِحَسَبِ المَصالِحِ فَمَرَّةً إنْزالٌ ومَرَّةً حَبْسٌ، فَلا كانَ الإنْزالُ عَنْ هَوًى، ولا كانَ الحَبْسُ عَنْ قِلًى.

وثانِيها: أنَّ العالِمَ لا يُؤَثِّرُ كَلامُهُ حَتّى يَعْمَلَ بِهِ، فَلَمّا أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِأنَّ البَيِّنَةَ عَلى المُدَّعِي واليَمِينَ عَلى مَن أنْكَرَ، لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن أنْ يَعْمَلَ بِهِ، فالكُفّارُ لَمّا ادَّعَوْا أنَّ رَبَّهُ ودَّعَهُ وقَلاهُ، قالَ: هاتُوا الحُجَّةَ فَعَجَزُوا فَلَزِمَهُ اليَمِينُ بِأنَّهُ ما ودَّعَهُ وأنَّهُ ما قَلاهُ.

وثانِيها: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: انْظُرُوا إلى جِوارِ اللَّيْلِ مَعَ النَّهارِ لا يَسْلَمُ أحَدُهُما عَنِ الآخَرِ بَلِ اللَّيْلُ تارَةً يَغْلِبُ وتارَةً يُغْلَبُ، فَكَيْفَ تَطْمَعُ أنْ تَسْلَمَ عَلى الخَلْقِ ؟ !

السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ خُصَّ وقْتُ الضُّحى بِالذِّكْرِ ؟ الجَوابُ: فِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّهُ وقْتُ اجْتِماعِ النّاسِ وكَمالِ الأُنْسِ بَعْدَ الِاسْتِيحاشِ في زَمانِ اللَّيْلِ، فَبَشَّرُوهُ أنَّ بَعْدَ اسْتِيحاشِكَ بِسَبَبِ احْتِباسِ الوَحْيِ يَظْهَرُ ضُحى نُزُولِ الوَحْيِ.

وثانِيها: أنَّها السّاعَةُ الَّتِي كَلَّمَ فِيها مُوسى رَبَّهُ، وأُلْقِي فِيها السَّحَرَةُ سُجَّدًا، فاكْتَسى الزَّمانُ صِفَةَ الفَضِيلَةِ لِكَوْنِهِ ظَرْفًا، فَكَيْفَ فاعِلُ الطّاعَةِ ! وأفادَ أيْضًا أنَّ الَّذِي أكْرَمَ مُوسى لا يَدَعُ إكْرامَكَ، والَّذِي قَلَبَ قُلُوبَ السَّحَرَةِ حَتّى سَجَدُوا يَقْلِبُ قُلُوبَ أعْدائِكَ.

السُّؤالُ الرّابِعُ: ما السَّبَبُ في أنَّهُ ذَكَرَ الضُّحى وهو ساعَةٌ مِنَ النَّهارِ، وذَكَرَ اللَّيْلَ بِكُلِّيَّتِهِ ؟

الجَوابُ: فِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّهُ إشارَةٌ إلى أنَّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ تَوازِي جَمِيعَ اللَّيْلِ كَما أنَّ مُحَمَّدًا إذا وُزِنَ يُوازِي جَمِيعَ الأنْبِياءِ.

والثّانِي: أنَّ النَّهارَ وقْتُ السُّرُورِ والرّاحَةِ، واللَّيْلَ وقْتُ الوَحْشَةِ والغَمِّ فَهو إشارَةٌ إلى أنَّ هُمُومَ الدُّنْيا أدْوَمُ مِن سُرُورِها، فَإنَّ الضُّحى ساعَةٌ واللَّيْلَ هَكَذا ساعاتٌ، يُرْوى أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا خَلَقَ العَرْشَ أظَلَّتْ غَمامَةٌ سَوْداءُ عَنْ يَسارِهِ، ونادَتْ ماذا أُمْطِرُ ؟ فَأُجِيبَتْ أنْ أمْطِرِي الهُمُومَ والأحْزانَ مِائَةَ سَنَةٍ، ثُمَّ انْكَشَفَتْ فَأُمِرَتْ مَرَّةً أُخْرى بِذَلِكَ وهَكَذا إلى تَمامِ ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أظَلَّتْ عَنْ يَمِينِ العَرْشِ غَمامَةٌ بَيْضاءُ ونادَتْ: ماذا أُمْطِرُ ؟ فَأُجِيبَتْ أنْ أمْطِرِي السُّرُورَ ساعَةً، فَلِهَذا السَّبَبِ تَرى الغُمُومَ والأحْزانَ دائِمَةً والسُّرُورَ قَلِيلًا ونادِرًا.

صفحة ١٩٠

وثالِثُها: أنَّ وقْتَ الضُّحى وقْتَ حَرَكَةِ النّاسِ وتَعارُفِهِمْ فَصارَتْ نَظِيرَ وقْتِ الحَشْرِ، واللَّيْلُ إذا سَكَنَ نَظِيرُ سُكُونِ النّاسِ في ظُلْمَةِ القُبُورِ، فَكِلاهُما حِكْمَةٌ ونِعْمَةٌ، لَكِنَّ الفَضِيلَةَ لِلْحَياةِ عَلى المَوْتِ، ولَمّا بَعُدَ المَوْتُ عَلى ما قَبْلَهُ، فَلِهَذا السَّبَبِ قَدَّمَ ذِكْرَ الضُّحى عَلى ذِكْرِ اللَّيْلِ.

ورابِعُها: ذَكَرَ الضُّحى حَتّى لا يَحْصُلَ اليَأْسُ مِن رُوحِهِ، ثُمَّ عَقَّبَهُ بِاللَّيْلِ حَتّى لا يَحْصُلَ الأمْنُ مِن مَكْرِهِ.

السُّؤالُ الخامِسُ: هَلْ أحَدٌ مِنَ المَذْكُورِينَ فَسَّرَ الضُّحى بِوَجْهِ مُحَمَّدٍ واللَّيْلَ بِشَعْرِهِ ؟ والجَوابُ: نَعَمْ ولا اسْتِبْعادَ فِيهِ، ومِنهم مَن زادَ عَلَيْهِ فَقالَ: ”والضُّحى“ ذُكُورُ أهْلِ بَيْتِهِ، ”واللَّيْلِ“ إناثُهم، ويُحْتَمَلُ: الضُّحى رِسالَتُهُ واللَّيْلُ زَمانُ احْتِباسِ الوَحْيِ؛ لِأنَّ في حالِ النُّزُولِ حَصَلَ الِاسْتِئْناسُ وفي زَمَنِ الِاحْتِباسِ حَصَلَ الِاسْتِيحاشُ، ويُحْتَمَلُ ”والضُّحى“ نُورُ عِلْمِهِ الَّذِي بِهِ يُعْرَفُ المَسْتُورُ مِنَ الغُيُوبِ، ”واللَّيْلِ“ عَفْوُهُ الَّذِي بِهِ يَسْتُرُ جَمِيعَ العُيُوبِ. ويُحْتَمَلُ أنَّ الضُّحى إقْبالُ الإسْلامِ بَعْدَ أنْ كانَ غَرِيبًا ”واللَّيْلِ“ إشارَةٌ إلى أنَّهُ سَيَعُودُ غَرِيبًا، ويُحْتَمَلُ ”والضُّحى“ كَمالُ العَقْلِ، ”واللَّيْلِ“ حالُ المَوْتِ، ويُحْتَمَلُ: أُقْسِمُ بِعَلانِيَتِكَ الَّتِي لا يَرى عَلَيْها الخَلْقُ عَيْبًا، وبِسِرِّكَ الَّذِي لا يَعْلَمُ عَلَيْهِ عالِمُ الغَيْبِ عَيْبًا.

93:3Page 596

مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ ٣

Your Lord has not taken leave of you, [O Muḥammad], nor has He detested [you].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والمُبَرِّدُ: ودَّعَكَ مِنَ التَّوْدِيعِ كَما يُودَّعُ المُفارِقُ، وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ أيْ ما تَرَكَكَ، والتَّوْدِيعُ مُبالَغَةٌ في الوَداعِ؛ لِأنَّ مَن ودَّعَكَ مُفارِقًا فَقَدْ بالَغَ في تَرْكِكَ، والقِلى البُغْضُ، يُقالُ: قَلاهُ يَقْلِيهِ قِلًى ومَقْلِيَةً إذا أبْغَضَهُ، قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ وما قَلاكَ، وفي حَذْفِ الكافِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: حُذِفَتِ الكافُ اكْتِفاءً بِالكافِ الأُولى في ودَّعَكَ، ولِأنَّ رُؤُوسَ الآياتِ بِالياءِ، فَأوْجَبَ اتِّفاقُ الفَواصِلِ حَذْفَ الكافِ.

وثانِيها: فائِدَةُ الإطْلاقِ أنَّهُ ما قَلاكَ ولا [ قَلا ] أحَدًا مِن أصْحابِكَ، ولا أحَدًا مِمَّنْ أحَبَّكَ إلى قِيامِ القِيامَةِ، تَقْرِيرًا لِقَوْلِهِ: ”«المَرْءُ مَعَ مَن أحَبَّ» “ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: أبْطَأ جِبْرِيلُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: قَدْ قَلاهُ اللَّهُ ووَدَّعَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ السُّدِّيُّ: أبْطَأ عَلَيْهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً فَشَكا ذَلِكَ إلى خَدِيجَةَ، فَقالَتْ: لَعَلَّ رَبَّكَ نَسِيَكَ أوْ قَلاكَ، وقِيلَ: إنَّ أُمَّ جَمِيلٍ امْرَأةَ أبِي لَهَبٍ قالَتْ لَهُ: يا مُحَمَّدُ ما أرى شَيْطانَكَ إلّا قَدْ تَرَكَكَ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: أبْطَأ عَلى الرَّسُولِ ﷺ الوَحْيُ، فَقالَ لِخَدِيجَةَ: ”«إنَّ رَبِّي ودَّعَنِي وقَلانِي - يَشْكُو إلَيْها - فَقالَتْ: كَلّا والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ما ابْتَدَأكَ اللَّهُ بِهَذِهِ الكَرامَةِ إلّا وهو يُرِيدُ أنْ يُتِمَّها لَكَ» “ فَنَزَلَ: ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ وطَعَنَ الأُصُولِيُّونَ في هَذِهِ الرِّوايَةِ، وقالُوا: إنَّهُ لا يَلِيقُ بِالرَّسُولِ ﷺ أنْ يَظُنَّ أنَّ اللَّهَ تَعالى ودَّعَهُ وقَلاهُ، بَلْ يَعْلَمُ أنَّ عَزْلَ النَّبِيِّ عَنِ النُّبُوَّةِ غَيْرُ جائِزٍ في حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى، ويَعْلَمُ أنَّ نُزُولَ الوَحْيِ يَكُونُ بِحَسَبِ المَصْلَحَةِ، ورُبَّما كانَ الصَّلاحُ تَأْخِيرَهُ، ورُبَّما كانَ خِلافَ ذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكَلامَ غَيْرُ لائِقٍ بِالرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ثُمَّ إنْ صَحَّ ذَلِكَ يُحْمَلُ عَلى أنَّهُ كانَ مَقْصُودُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يُجَرِّبَها لِيَعْرِفَ قَدْرَ عِلْمِها، أوْ لِيَعْرِفَ النّاسُ قَدْرَ عِلْمِها، واخْتَلَفُوا في قَدْرِ مُدَّةِ انْقِطاعِ الوَحْيِ، فَقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: اثْنا عَشَرَ يَوْمًا، وقالَ الكَلْبِيُّ: خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ يَوْمًا، وقالَ السُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ: أرْبَعُونَ يَوْمًا،

صفحة ١٩١

واخْتَلَفُوا في سَبَبِ احْتِباسِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَذَكَرَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ أنَّ اليَهُودَ سَألَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الرُّوحِ وذِي القَرْنَيْنِ وأصْحابِ الكَهْفِ، فَقالَ: ”«سَأُخْبِرُكم غَدًا ولَمْ يَقُلْ إنْ شاءَ اللَّهُ» “ فاحْتَبَسَ عَنْهُ الوَحْيُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: السَّبَبُ فِيهِ كَوْنُ جَرْوٍ في بَيْتِهِ لِلْحَسَنِ والحُسَيْنِ، فَلَمّا نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، عاتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَقالَ: ”«أما عَلِمْتَ أنّا لا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ ولا صُورَةٌ» “، وقالَ جُنْدُبُ بْنُ سُفْيانَ: «رُمِيَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ بِحَجَرٍ في إصْبَعِهِ، فَقالَ:

هَلْ أنْتِ إلّا إصْبَعٌ دَمِيتِ وفي سَبِيلِ اللَّهِ ما لَقِيتِ»

فَأبْطَأ عَنْهُ الوَحْيُ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ فِيهِمْ مَن لا يُقَلِّمُ الأظْفارَ. وهَهُنا سُؤالانِ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: الرِّواياتُ الَّتِي ذَكَرْتُمْ تَدَلُّ عَلى أنَّ احْتِباسَ الوَحْيِ كانَ عَنْ قِلًى ؟ (قُلْنا): أقْصى ما في البابِ أنَّ ذَلِكَ كانَ تَرْكًا لِلْأفْضَلِ والأوْلى، وصاحِبُهُ لا يَكُونُ مَمْقُوتًا ولا مُبْغَضًا، ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لِجِبْرِيلَ: ”«ما جِئْتَنِي حَتّى اشْتَقْتُ إلَيْكَ، فَقالَ جِبْرِيلُ: كُنْتُ إلَيْكَ أشْوَقَ ولَكِنِّي عَبْدٌ مَأْمُورٌ» “ وتَلا: ﴿وما نَتَنَزَّلُ إلّا بِأمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٦٤] .

السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ يَحْسُنُ مِنَ السُّلْطانِ أنْ يَقُولَ لِأعْظَمِ الخَلْقِ قُرْبَةً عِنْدَهُ: إنِّي لا أُبْغِضُكَ تَشْرِيفًا لَهُ ؟ الجَوابُ: أنَّ ذَلِكَ لا يَحْسُنُ ابْتِداءً، لَكِنَّ الأعْداءَ إذا ألْقَوْا في الألْسِنَةِ أنَّ السُّلْطانَ يُبْغِضُهُ، ثُمَّ تَأسَّفَ ذَلِكَ المُقَرَّبُ فَلا لَفْظَ أقْرَبُ إلى تَشْرِيفِهِ مِن أنْ يَقُولَ لَهُ: إنِّي لا أُبْغِضُكَ ولا أدَعَكَ، وسَوْفَ تَرى مَنزِلَتَكَ عِنْدِي.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذِهِ الواقِعَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، إذْ لَوْ كانَ مِن عِنْدِهِ لَما امْتَنَعَ.

93:4Page 596

وَلَلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لَّكَ مِنَ ٱلۡأُولَىٰ ٤

And the Hereafter is better for you than the first [life].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾

واعْلَمْ أنَّ في اتِّصالِهِ بِما تَقَدَّمَ وُجُوهًا:

أحَدُها: أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ انْقِطاعَ الوَحْيِ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِأنَّهُ عَزْلٌ عَنِ النُّبُوَّةِ، بَلْ أقْصى ما في البابِ، أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأنَّهُ حَصَلَ الِاسْتِغْناءُ عَنِ الرِّسالَةِ، وذَلِكَ أمارَةُ المَوْتِ فَكَأنَّهُ يُقالُ: انْقِطاعُ الوَحْيِ مَتى حَصَلَ دَلَّ عَلى المَوْتِ، لَكِنَّ المَوْتَ خَيْرٌ لَكَ، فَإنَّ ما لَكَ عِنْدَ اللَّهِ في الآخِرَةِ خَيْرٌ وأفْضَلُ مِمّا لَكَ في الدُّنْيا.

وثانِيها: لَمّا نَزَلَ: ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ﴾ حَصَلَ لَهُ بِهَذا تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ، فَكَأنَّهُ اسْتَعْظَمَ هَذا التَّشْرِيفَ فَقِيلَ لَهُ: ﴿ولَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ أيْ هَذا التَّشْرِيفُ وإنْ كانَ عَظِيمًا إلّا أنَّ ما لَكَ عِنْدَ اللَّهِ في الآخِرَةِ خَيْرٌ وأعْظَمُ.

وثالِثُها: ما يَخْطُرُ بِبالِي، وهو أنْ يَكُونَ المَعْنى: ولَلْأحْوالُ الآتِيَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الماضِيَةِ كَأنَّهُ تَعالى وعَدَهُ بِأنَّهُ سَيَزِيدُهُ كُلَّ يَوْمٍ عِزًّا إلى عِزٍّ، ومَنصِبًا إلى مَنصِبٍ، فَيَقُولُ: لا تَظُنُّ أنِّي قَلَيْتُكَ بَلْ تَكُونُ كُلَّ يَوْمٍ يَأْتِي فَإنِّي أزِيدُكَ مَنصِبًا وجَلالًا، وهَهُنا سُؤالانِ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: بِأيِّ طَرِيقٍ يُعْرَفُ أنَّ الآخِرَةَ كانَتْ لَهُ خَيْرًا مِنَ الأُولى ؟ الجَوابُ: لِوُجُوهٍ:

أحَدُها: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ لَهُ: إنَّكَ في الدُّنْيا عَلى خَيْرٍ لِأنَّكَ تَفْعَلُ فِيها ما تُرِيدُ، ولَكِنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ لَكَ لِأنّا نَفْعَلُ فِيها ما نُرِيدُ.

وثانِيها: الآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ يَجْتَمِعُ عِنْدَكَ أُمَّتُكَ إذِ الأُمَّةُ لَهُ كالأوْلادِ قالَ تَعالى: ﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾

صفحة ١٩٢

[الأحزاب: ٦] وهو أبٌ لَهم، وأُمَّتُهُ في الجَنَّةِ فَيَكُونُ كَأنَّ أوْلادَهُ في الجَنَّةِ، ثُمَّ سَمّى الوَلَدَ قُرَّةَ أعْيُنٍ، حَيْثُ حَكى عَنْهم: ﴿هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ﴾ [الفرقان: ٧٤] .

وثالِثُها: الآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ لِأنَّكَ اشْتَرَيْتَها، أمّا هَذِهِ لَيْسَتْ لَكَ، فَعَلى تَقْدِيرِ أنْ لَوْ كانَتِ الآخِرَةُ أقَلَّ مِنَ الدُّنْيا لَكانَتِ الآخِرَةُ خَيْرًا لَكَ، لَأنَّ مَمْلُوكَكَ خَيْرٌ لَكَ مِمّا لا يَكُونُ مَمْلُوكًا لَكَ، فَكَيْفَ ولا نِسْبَةَ لِلْآخِرَةِ إلى الدُّنْيا في الفَضْلِ.

ورابِعُها: الآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى لِأنَّ في الدُّنْيا الكُفّارَ يَطْعَنُونَ فِيكَ، أمّا في الآخِرَةِ فَأجْعَلُ أُمَّتَكَ شُهَداءَ عَلى الأُمَمِ، وأجْعَلُكَ شَهِيدًا عَلى الأنْبِياءِ، ثُمَّ أجْعَلُ ذاتِي شَهِيدًا لَكَ كَما قالَ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩، ٢٨] .

وخامِسُها: أنَّ خَيْراتِ الدُّنْيا قَلِيلَةٌ مَشُوبَةٌ مُنْقَطِعَةٌ، ولَذّاتِ الآخِرَةِ كَثِيرَةٌ خالِصَةٌ دائِمَةٌ.

السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ قالَ: ﴿ولَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ﴾ ولَمْ يُقَلْ خَيْرٌ لَكم ؟

الجَوابُ: لِأنَّهُ كانَ في جَماعَتِهِ مَن كانَتِ الآخِرَةُ شَرًّا لَهُ، فَلَوْ أنَّهُ سُبْحانَهُ عَمَّمَ لَكانَ كَذِبًا، ولَوْ خَصَّصَ المُطِيعِينَ بِالذِّكْرِ لافْتُضِحَ المُذْنِبُونَ والمُنافِقُونَ، ولِهَذا السَّبَبِ قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ وأمّا مُحَمَّدٌ ﷺ فالَّذِي كانَ مَعَهُ لَمّا كانَ مِن أهْلِ السَّعادَةِ قَطْعًا، لا جَرَمَ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ [التوبة: ٤٠] إذْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ إلّا نَبِيٌّ وصِدِّيقٌ، ورُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ خَرَجَ لِلِاسْتِسْقاءِ ومَعَهُ الأُلُوفُ ثَلاثَةَ أيّامٍ فَلَمْ يَجِدُوا الإجابَةَ، فَسَألَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ السَّبَبِ المُوجِبِ لِعَدَمِ الإجابَةِ، فَقالَ: لا أُجِيبُكم ما دامَ مَعَكم ساعٍ بِالنَّمِيمَةِ، فَسَألَ مُوسى مَن هو ؟ فَقالَ: [ إنِّي ] أبْغُضُهُ فَكَيْفَ أعْمَلُ عَمَلَهُ، فَما مَضَتْ مُدَّةٌ قَلِيلَةٌ حَتّى نَزَلَ الوَحْيُ بِأنَّ ذَلِكَ النَّمّامَ قَدْ ماتَ، وهَذِهِ جِنازَتُهُ في مُصَلّى كَذا، فَذَهَبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى تِلْكَ المُصَلّى، فَإذا فِيها سَبْعُونَ مِنَ الجَنائِزِ، فَهَذا سَتْرُهُ عَلى أعْدائِهِ فَكَيْفَ عَلى أوْلِيائِهِ، ثُمَّ تَأمَّلْ فَإنَّ فِيهِ دَقِيقَةً لَطِيفَةً، وهي أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«لَوْلا شُيُوخٌ رُكَّعٌ» “ وفِيهِ إشارَةٌ إلى زِيادَةِ فَضِيلَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ، فَإنَّهُ تَعالى كانَ يَرُدُّ الأُلُوفَ لِمُذْنِبٍ واحِدٍ، وهَهُنا يَرْحَمُ المُذْنِبِينَ لِمُطِيعٍ واحِدٍ.

93:5Page 596

وَلَسَوۡفَ يُعۡطِيكَ رَبُّكَ فَتَرۡضَىٰٓ ٥

And your Lord is going to give you, and you will be satisfied.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ واعْلَمِ اتِّصالَهُ بِما تَقَدَّمَ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: هو أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الآخِرَةَ ”خَيْرٌ لَهُ مِنَ الأُولى“ ولَكِنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ أنَّ ذَلِكَ التَّفاوُتَ إلى أيِّ حَدٍّ يَكُونُ، فَبَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ مِقْدارَ ذَلِكَ التَّفاوُتِ، وهو أنَّهُ يَنْتَهِي إلى غايَةِ ما يَتَمَنّاهُ الرَّسُولُ ويَرْتَضِيهِ.

الوَجْهُ الثّانِي: كَأنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ولَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ فَقِيلَ ولِمَ قُلْتَ إنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، فَقالَ: لِأنَّهُ يُعْطِيهِ كُلَّ ما يُرِيدُهُ وذَلِكَ مِمّا لا تَتَّسِعُ الدُّنْيا لَهُ، فَثَبَتَ أنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الأُولى، واعْلَمْ أنَّهُ إنْ حَمَلْنا هَذا الوَعْدَ عَلى الآخِرَةِ فَقَدْ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى المَنافِعِ، وقَدْ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى التَّعْظِيمِ، أمّا المَنافِعُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ألْفُ قَصْرٍ في الجَنَّةِ مِن لُؤْلُؤٍ أبْيَضَ تُرابُهُمُ المِسْكُ وفِيها ما يَلِيقُ بِها، وأمّا التَّعْظِيمُ فالمَرْوِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وابْنِ عَبّاسٍ أنَّ هَذا هو الشَّفاعَةُ في الأُمَّةِ، يُرْوى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ: «إذًا لا أرْضى وواحِدٌ مِن أُمَّتِي في النّارِ»، واعْلَمْ أنَّ الحَمْلَ عَلى الشَّفاعَةِ مُتَعَيِّنٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّهُ تَعالى أمَرَهُ في الدُّنْيا بِالِاسْتِغْفارِ فَقالَ: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [محمد: ١٩] فَأمَرَهُ بِالِاسْتِغْفارِ، والِاسْتِغْفارُ عِبارَةٌ عَنْ طَلَبِ المَغْفِرَةِ، ومَن طَلَبَ شَيْئًا فَلا شَكَّ أنَّهُ لا يُرِيدُ الرَّدَّ ولا يَرْضى بِهِ وإنَّما

صفحة ١٩٣

يَرْضى بِالإجابَةِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ الَّذِي يَرْضاهُ الرَّسُولُ ﷺ هو الإجابَةُ لا الرَّدُّ، ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى يُعْطِيهِ كُلَّ ما يَرْتَضِيهِ. عَلِمْنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى الشَّفاعَةِ في حَقِّ المُذْنِبِينَ.

والثّانِي: وهو أنَّ مُقَدِّمَةَ الآيَةِ مُناسِبَةٌ لِذَلِكَ كَأنَّهُ تَعالى التَّفْسِيرُ يَقُولُ: لا أُوَدِّعُكَ ولا أبْغُضُكَ بَلْ لا أغْضَبُ عَلى أحَدٍ مِن أصْحابِكَ وأتْباعِكَ وأشْياعِكَ طَلَبًا لِمَرْضاتِكَ وتَطْيِيبًا لِقَلْبِكَ، فَهَذا أوْفَقُ لِمُقَدِّمَةِ الآيَةِ.

والثّالِثُ: الأحادِيثُ الكَثِيرَةُ الوارِدَةُ في الشَّفاعَةِ دالَّةٌ عَلى أنَّ رِضا الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في العَفْوِ عَنِ المُذْنِبِينَ، وهَذِهِ الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ تَعالى يَفْعَلُ كُلَّ ما يَرْضاهُ الرَّسُولُ، فَتَحَصَّلَ مِن مَجْمُوعِ الآيَةِ والخَبَرِ حُصُولُ الشَّفاعَةِ، وعَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: رِضاءُ جَدِّي أنْ لا يَدْخُلَ النّارَ مُوَحِّدٌ، وعَنِ الباقِرِ: أهْلُ القُرْآنِ يَقُولُونَ: أرْجى آيَةٍ قَوْلُهُ: ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الزُّمَرِ: ٥٣] وإنّا أهْلَ البَيْتِ نَقُولُ: أرْجى آيَةٍ قَوْلُهُ: ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ واللَّهِ إنَّها الشَّفاعَةُ لَيُعْطاها في أهْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ حَتّى يَقُولَ: رَضِيتُ، هَذا كُلُّهُ إذا حَمَلْنا الآيَةَ عَلى أحْوالِ الآخِرَةِ، أمّا لَوْ حَمَلْنا هَذا الوَعْدَ عَلى أحْوالِ الدُّنْيا فَهو إشارَةٌ إلى ما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الظَّفَرِ بِأعْدائِهِ يَوْمَ بَدْرٍ ويَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ ودُخُولِ النّاسِ في الدِّينِ أفْواجًا، والغَلَبَةِ عَلى قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وإجْلائِهِمْ وبَثِّ عَساكِرِهِ وسَراياهُ في بِلادِ العَرَبِ، وما فَتَحَ عَلى خُلَفائِهِ الرّاشِدِينَ في أقْطارِ الأرْضِ مِنَ المَدائِنِ، و[ما] هَدَمَ بِأيْدِيهِمْ مِن مَمالِكِ الجَبابِرَةِ، وأنْهَبَهم مِن كُنُوزِ الأكاسِرَةِ، وما قَذَفَ في أهْلِ الشَّرْقِ والغَرْبِ مِنَ الرُّعْبِ وتَهْيِيبِ الإسْلامِ وفُشُوِّ الدَّعْوَةِ، واعْلَمْ أنَّ الأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى خَيْراتِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهَهُنا سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: يُعْطِيكم مَعَ أنَّ هَذِهِ السَّعاداتِ حَصَلَتْ لِلْمُؤْمِنِينَ أيْضًا ؟

الجَوابُ: لِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ المَقْصُودُ وهم أتْباعٌ.

وثانِيها: أنِّي إذا أكْرَمْتُ أصْحابَكَ فَذاكَ في الحَقِيقَةِ إكْرامٌ لَكَ، لِأنِّي أعْلَمُ أنَّكَ بَلَغْتَ في الشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ إلى حَيْثُ تَفْرَحُ بِإكْرامِهِمْ فَوْقَ ما تَفْرَحُ بِإكْرامِ نَفْسِكَ، ومِن ذَلِكَ حَيْثُ تَقُولُ الأنْبِياءُ: نَفْسِي نَفْسِي، أيِ ابْدَأْ بِجَزائِي وثَوابِي قَبْلَ أُمَّتِي، لِأنَّ طاعَتِي كانَتْ قَبْلَ طاعَةِ أُمَّتِي، وأنْتَ تَقُولُ: أُمَّتِي أُمَّتِي، أيِ ابْدَأْ بِهِمْ، فَإنَّ سُرُورِي أنْ أراهم فائِزِينَ بِثَوابِهِمْ.

وثالِثُها: أنَّكَ عامَلْتَنِي مُعامَلَةً حَسَنَةً، فَإنَّهم حِينَ شَجُّوا وجْهَكَ، قُلْتَ: ”«اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ» “ وحِينَ شَغَلُوكَ يَوْمَ الخَنْدَقِ عَنِ الصَّلاةِ، قُلْتَ: ”«اللَّهُمَّ امْلَأْ بُطُونَهم نارًا» “ فَتَحَمَّلْتَ الشَّجَّةَ الحاصِلَةَ في وجْهِ جَسَدِكَ، وما تَحَمَّلْتَ الشَّجَّةَ الحاصِلَةَ في وجْهِ دِينِكَ، فَإنَّ وجْهَ الدِّينِ هو الصَّلاةُ، فَرَجَّحْتَ حَقِّي عَلى حَقِّكَ، لا جَرَمَ فَضَّلْتُكَ فَقُلْتُ: مَن تَرَكَ الصَّلاةَ سِنِينَ، أوْ حَبَسَ غَيْرَهُ عَنِ الصَّلاةِ سِنِينَ لا أُكَفِّرُهُ، ومَن آذى شَعْرَةً مِن شَعَراتِكَ، أوْ جُزْءًا مِن نَعْلِكَ أُكَفِّرُهُ.

السُّؤالُ الثّانِي: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَسَوْفَ﴾ ولِمَ لَمْ يَقُلْ: وسَيُعْطِيكَ رَبُّكَ ؟

الجَوابُ: فِيهِ فَوائِدُ:

إحْداها: أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما قَرُبَ أجَلُهُ، بَلْ يَعِيشُ بَعْدَ ذَلِكَ زَمانًا.

وثانِيها: أنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا قالُوا: ودَّعَهُ رَبُّهُ وقَلاهُ فاللَّهُ تَعالى رَدَّ عَلَيْهِمْ بِعَيْنِ تِلْكَ اللَّفْظَةِ، فَقالَ: ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ ثُمَّ قالَ المُشْرِكُونَ: سَوْفَ يَمُوتُ مُحَمَّدٌ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ فَقالَ: ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ .

السُّؤالُ الثّالِثُ: كَيْفَ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ ؟

الجَوابُ: هَذِهِ السُّورَةُ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها كَلامُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَهُ، لِأنَّهُ كانَ شَدِيدَ الِاشْتِياقِ إلَيْهِ وإلى كَلامِهِ كَما ذَكَرْنا، فَأرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَكُونَ هو المُخاطِبَ لَهُ بِهَذِهِ البِشاراتِ.

صفحة ١٩٤

السُّؤالُ الرّابِعُ: ما هَذِهِ اللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى سَوْفَ ؟ الجَوابُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: هي لامُ الِابْتِداءِ المُؤَكِّدَةُ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، والمُبْتَدَأُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولَأنْتَ سَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ والدَّلِيلُ عَلى ما قُلْنا أنَّها إمّا أنْ تَكُونَ لامَ القَسَمِ، أوْ لامَ الِابْتِداءِ، ولامُ القَسَمِ لا تَدْخُلُ عَلى المُضارِعِ إلّا مَعَ نُونِ التَّوْكِيدِ، فَبَقِيَ أنْ تَكُونَ لامَ ابْتِداءٍ، ولامُ الِابْتِداءِ لا تَدْخُلُ إلّا عَلى الجُمْلَةِ مِنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، وأنْ يَكُونَ أصْلُهُ: ولَأنْتَ سَوْفَ يُعْطِيكَ، فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى الجَمْعِ بَيْنَ حَرْفَيِ التَّوْكِيدِ والتَّأْخِيرِ ؟ قُلْنا مَعْناهُ: أنَّ العَطاءَ كائِنٌ لا مَحالَةَ، وإنْ تَأخَّرَ لِما في التَّأْخِيرِ مِنَ المَصْلَحَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском