Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-'Alaq 96:9–19
96:9–10Page 597
أَرَءَيۡتَ ٱلَّذِي يَنۡهَىٰ ٩
Have you seen the one who forbids
عَبۡدًا إِذَا صَلَّىٰٓ ١٠
A servant when he prays?
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: رُوِيَ عَنْ أبِي جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ أنَّهُ قالَ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وجْهَهُ بَيْنَ أظْهُرِكم ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ: فَوالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ لَئِنْ رَأيْتُهُ لَأطَأنَّ عُنُقَهُ، ثُمَّ إنَّهُ رَأى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في الصَّلاةِ فَنَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ، فَقالُوا لَهُ: ما لَكَ يا أبا الحَكَمِ ؟ فَقالَ: إنَّ بَيْنِي وبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِن نارٍ وهَوْلًا شَدِيدًا. وعَنِ الحَسَنِ أنَّ أُمَيَّةَ بْنَ
صفحة ٢١
خَلَفٍ كانَ يَنْهى سَلْمانَ عَنِ الصَّلاةِ.
واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ أنَّ المُرادَ في هَذِهِ الآيَةِ هو الإنْسانُ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ، فَلِذَلِكَ قالُوا: إنَّهُ ورَدَ في أبِي جَهْلٍ، وذَكَرُوا ما كانَ مِنهُ مِنَ التَّوَعُّدِ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ رَآهُ يُصَلِّي، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ نُزُولُها في أبِي جَهْلٍ، ثُمَّ يَعُمُّ في الكُلِّ، لَكِنْ ما بَعْدَهُ يَقْتَضِي أنَّهُ في رَجُلٍ بِعَيْنِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتَ﴾ خِطابٌ مَعَ الرَّسُولِ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ، ووَجْهُ التَّعَجُّبِ فِيهِ أُمُورٌ:
أحَدُها: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «اللَّهُمَّ أعِزَّ الإسْلامِ إمّا بِأبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ أوْ بِعُمَرَ»، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ لَهُ: كُنْتَ تَظُنُّ أنَّهُ يَعِزُّ بِهِ الإسْلامُ، أمِثْلُهُ يَعِزُّ بِهِ الإسْلامُ، وهو: ﴿يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ .
وثانِيها: أنَّهُ كانَ يُلَقَّبُ بِأبِي الحَكَمِ، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ هَذا اللَّقَبُ وهو يَنْهى العَبْدَ عَنْ خِدْمَةِ رَبِّهِ، أيُوصَفُ بِالحِكْمَةِ مَن يَمْنَعُ عَنْ طاعَةِ الرَّحْمَنِ ويَسْجُدُ لِلْأوْثانِ ! .
وثالِثُها: أنَّ ذَلِكَ الأحْمَقَ يَأْمُرُ ويَنْهى، ويَعْتَقِدُ أنَّهُ يَجِبُ عَلى الغَيْرِ طاعَتُهُ، مَعَ أنَّهُ لَيْسَ بِخالِقٍ ولا رَبٍّ، ثُمَّ إنَّهُ يَنْهى عَنْ طاعَةِ الرَّبِّ والخالِقِ، ألا يَكُونُ هَذا غايَةَ الحَماقَةِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ: ﴿يَنْهى عَبْدًا﴾ ولَمْ يَقُلْ: يَنْهاكَ، وفِيهِ فَوائِدُ::
أحَدُها: أنَّ التَّنْكِيرَ في ”عَبْدًا“ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ كامِلًا في العُبُودِيَّةِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: إنَّهُ عَبْدٌ لا يَفِي العالِمُ بِشَرْحِ بَيانِهِ وصِفَةِ إخْلاصِهِ في عُبُودِيَّتِهِ. يُرْوى في هَذا المَعْنى أنَّ يَهُودِيًّا مِن فُصَحاءِ اليَهُودِ جاءَ إلى عُمَرَ في أيّامِ خِلافَتِهِ فَقالَ: أخْبِرْنِي عَنْ أخْلاقِ رَسُولِكم، فَقالَ عُمَرُ: اطْلُبْهُ مِن بِلالٍ فَهو أعْلَمُ بِهِ مِنِّي. ثُمَّ إنَّ بِلالًا دَلَّهُ عَلى فاطِمَةَ ثُمَّ فاطِمَةُ دَلَّتْهُ عَلى عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا سَألَ عَلِيًّا عَنْهُ قالَ: صِفْ لِي مَتاعَ الدُّنْيا حَتّى أصِفَ لَكَ أخْلاقَهُ، فَقالَ الرَّجُلُ: هَذا لا يَتَيَسَّرُ لِي، فَقالَ عَلِيٌّ: عَجَزْتَ عَنْ وصْفِ مَتاعِ الدُّنْيا وقَدْ شَهِدَ اللَّهُ عَلى قِلَّتِهِ حَيْثُ قالَ: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ [النِّساءِ: ٧٧] فَكَيْفَ أصِفُ أخْلاقَ النَّبِيِّ وقَدْ شَهِدَ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ عَظِيمٌ حَيْثُ قالَ: ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القَلَمِ: ٤] فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: يَنْهى أشَدَّ الخَلْقِ عُبُودِيَّةً عَنِ العُبُودِيَّةِ وذَلِكَ عَيْنُ الجَهْلِ والحُمْقِ.
وثانِيها: أنَّ هَذا أبْلَغُ في الذَّمِّ لِأنَّ المَعْنى أنَّ هَذا دَأْبُهُ وعادَتُهُ فَيَنْهى كُلَّ مَن يَرى.
وثالِثُها: أنَّ هَذا تَخْوِيفٌ لِكُلِّ مَن نَهى عَنِ الصَّلاةِ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ رَأى في المُصَلّى أقْوامًا يُصَلُّونَ قَبْلَ صَلاةِ العِيدِ، فَقالَ: ما رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُ: ألا تَنْهاهم ؟ فَقالَ: أخْشى أنْ أدْخُلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ فَلَمْ يُصَرِّحْ بِالنَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ، وأخَذَ أبُو حَنِيفَةَ مِنهُ هَذا الأدَبَ الجَمِيلَ حَيْثُ قالَ لَهُ أبُو يُوسُفَ: أيَقُولُ المُصَلِّي حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ؟ قالَ: يَقُولُ رَبَّنا لَكَ الحَمْدُ ويَسْجُدُ ولَمْ يُصَرِّحْ بِالنَّهْيِ.
ورابِعُها: أيَظُنُّ أبُو جَهْلٍ أنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْجُدْ مُحَمَّدٌ لِي لا أجِدُ ساجِدًا غَيْرَهُ، إنَّ مُحَمَّدًا عَبْدٌ واحِدٌ، ولِي مِنَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ ما لا يُحْصِيهِمْ إلّا أنا وهم دائِمًا في الصَّلاةِ والتَّسْبِيحِ.
وخامِسُها: أنَّهُ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقُولُ: إنَّهُ مَعَ التَّنْكِيرِ مُعَرَّفٌ، نَظِيرُهُ الكِنايَةُ في سُورَةِ القَدْرِ حُمِلَتْ عَلى القُرْآنِ ولَمْ يَسْبِقْ لَهُ ذِكْرٌ: ﴿أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسْراءِ: ١]، ﴿أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ﴾ [الكَهْفِ: ١]، ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ [الجِنِّ: ١٩] .
96:11–13Page 597
أَرَءَيۡتَ إِن كَانَ عَلَى ٱلۡهُدَىٰٓ ١١
Have you seen if he is upon guidance
أَوۡ أَمَرَ بِٱلتَّقۡوَىٰٓ ١٢
Or enjoins righteousness?
أَرَءَيۡتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰٓ ١٣
Have you seen if he denies and turns away -
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ ﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ٢٢
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتَ﴾ خِطابٌ لِمَن ؟ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الأوَّلَ وهو قَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا﴾ لِلنَّبِيِّ ﷺ .
والثّالِثُ وهو قَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلَوْ جَعَلْنا الوَسَطَ لِغَيْرِ النَّبِيِّ لَخَرَجَ الكَلامُ عَنِ النَّظْمِ الحَسَنِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعالى يا مُحَمَّدُ: أرَأيْتَ إنْ كانَ هَذا الكافِرُ، ولَمْ يَقُلْ: لَوْ كانَ إشارَةً إلى المُسْتَقْبَلِ كَأنَّهُ يَقُولُ: أرَأيْتَ إنْ صارَ عَلى الهُدى، واشْتَغَلَ بِأمْرِ نَفْسِهِ، أما كانَ يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ إذْ هو رَجُلٌ عاقِلٌ ذُو ثَرْوَةٍ، فَلَوِ اخْتارَ الدِّينَ والهُدى والأمْرَ بِالتَّقْوى، أما كانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهُ مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ والنَّهْيِ عَنْ خِدْمَتِهِ وطاعَتِهِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: تَلَهَّفْ عَلَيْهِ كَيْفَ فَوَّتَ عَلى نَفْسِهِ المَراتِبَ العالِيَةَ وقَنِعَ بِالمَراتِبِ الدَّنِيئَةِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلْكافِرِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى كالمُشاهِدِ لِلظّالِمِ والمَظْلُومِ، وكالمَوْلى الَّذِي قامَ بَيْنَ يَدَيْهِ عَبْدانِ، وكالحاكِمِ الَّذِي حَضَرَ عِنْدَهُ المُدَّعِي، والمُدَّعى عَلَيْهِ فَخاطَبَ هَذا مَرَّةً، وهَذا مَرَّةً. فَلَمّا قالَ لِلنَّبِيِّ: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ التَفَتَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى الكافِرِ، فَقالَ: أرَأيْتَ يا كافِرُ إنْ كانَتْ صَلاتُهُ هُدًى ودُعاؤُهُ إلى اللَّهِ أمْرًا بِالتَّقْوى أتَنْهاهُ مَعَ ذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَهُنا سُؤالٌ وهو أنَّ المَذْكُورَ في أوَّلِ الآيَةِ. هو الصَّلاةُ وهو قَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ والمَذْكُورُ هَهُنا أمْرانِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ في فِعْلِ الصَّلاةِ، فَلِمَ ضَمَّ إلَيْهِ شَيْئًا ثانِيًا، وهو قَوْلُهُ: ﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ ؟ .
جَوابُهُ: مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الَّذِي شَقَّ عَلى أبِي جَهْلٍ مِن أفْعالِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هو هَذانِ الأمْرانِ الصَّلاةُ والدُّعاءُ إلى اللَّهِ، فَلا جَرَمَ ذَكَرَهُما هَهُنا.
وثانِيها: أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ لا يُوجَدُ إلّا في أحَدِ أمْرَيْنِ، إمّا في إصْلاحِ نَفْسِهِ، وذَلِكَ بِفِعْلِ الصَّلاةِ أوْ في إصْلاحِ غَيْرِهِ، وذَلِكَ بِالأمْرِ بِالتَّقْوى.
وثالِثُها: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ في صَلاتِهِ عَلى الهُدى وآمِرًا بِالتَّقْوى، لِأنَّ كُلَّ مَن رَآهُ وهو في الصَّلاةِ كانَ يَرِقُّ قَلْبُهُ. فَيَمِيلُ إلى الإيمانِ، فَكانَ فِعْلُ الصَّلاةِ دَعْوَةً بِلِسانِ الفِعْلِ، وهو أقْوى مِنَ الدَّعْوَةِ بِلِسانِ القَوْلِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ خِطابٌ مَعَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وذَلِكَ لِأنَّ الدَّلائِلَ الَّتِي ذَكَرَها في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ جَلِيَّةٌ ظاهِرَةٌ، وكُلُّ أحَدٍ يَعْلَمُ بِبَدِيهَةِ عَقْلِهِ، أنَّ مَنعَ العَبْدِ مِن خِدْمَةِ مَوْلاهُ فِعْلٌ باطِلٌ وسَفَهٌ ظاهِرٌ، فَإذَنْ كُلُّ مَن كَذَّبَ بِتِلْكَ الدَّلائِلِ وتَوَلّى عَنْ خِدْمَةِ مَوْلاهُ بَلْ مَنَعَ غَيْرَهُ عَنْ خِدْمَةِ مَوْلاهُ يَعْلَمُ بِعَقْلِهِ السَّلِيمِ أنَّهُ عَلى الباطِلِ، وأنَّهُ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلّا عِنادًا، فَلِهَذا قالَ تَعالى لِرَسُولِهِ: أرَأيْتَ يا مُحَمَّدُ إنْ كَذَّبَ هَذا الكافِرُ بِتِلْكَ الدَّلائِلِ الواضِحَةِ، وتَوَلّى عَنْ خِدْمَةِ خالِقِهِ، ألَمْ يَعْلَمْ بِعَقْلِهِ أنَّ اللَّهَ يَرى مِنهُ هَذِهِ الأعْمالَ القَبِيحَةَ ويَعْلَمُها، أفَلا يَزْجُرُهُ ذَلِكَ عَنْ هَذِهِ الأعْمالِ القَبِيحَةِ.
والثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلْكافِرِ، والمَعْنى إنْ كانَ يا كافِرُ مُحَمَّدٌ كاذِبًا أوْ مُتَوَلِّيًا، ألا يَعْلَمُ بِأنَّ اللَّهَ يَرى حَتّى يَنْتَهِيَ بَلِ احْتاجَ إلى نَهْيِكَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ التَّهْدِيدُ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ
صفحة ٢٣
حَكِيمٌ لا يُهْمِلُ، عالِمٌ لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ، فَلا بُدَّ وأنَّ يُوصِلَ جَزاءَ كُلِّ أحَدٍ إلَيْهِ بِتَمامِهِ فَيَكُونُ هَذا تَخْوِيفًا شَدِيدًا لِلْعُصاةِ، وتَرْغِيبًا عَظِيمًا لِأهْلِ الطّاعَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ وإنْ نَزَلَتْ في حَقِّ أبِي جَهْلٍ فَكُلُّ مَن نَهى عَنْ طاعَةِ اللَّهِ فَهو شَرِيكُ أبِي جَهْلٍ في هَذا الوَعِيدِ، ولا يَرُدُّ عَلَيْهِ المَنعُ مِنَ الصَّلاةِ في الدّارِ المَغْصُوبَةِ والأوْقاتِ المَكْرُوهَةِ، لِأنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ غَيْرُ الصَّلاةِ وهو المَعْصِيَةُ، ولا يَرُدُّ المَوْلى بِمَنعِ عَبْدِهِ عَنْ قِيامِ اللَّيْلِ وصَوْمِ التَّطَوُّعِ وزَوْجَتِهِ عَنِ الِاعْتِكافِ، لِأنَّ ذَلِكَ لِاسْتِيفاءِ مَصْلَحَتِهِ بِإذْنِ رَبِّهِ لا بُغْضًا لِعِبادَةِ رَبِّهِ.
96:15–17Page 597
كـَلَّا لَئِن لَّمۡ يَنتَهِ لَنَسۡفَعَۢا بِٱلنَّاصِيَةِ ١٥
No! If he does not desist, We will surely drag him by the forelock1 –
نَاصِيَةٖ كَٰذِبَةٍ خَاطِئَةٖ ١٦
A lying, sinning forelock.
فَلۡيَدۡعُ نَادِيَهُۥ ١٧
Then let him call his associates;
ثُمَّ قالَ تَعالى: (كَلّا) وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ رَدْعٌ لِأبِي جَهْلٍ ومَنعٌ لَهُ عَنْ نَهْيِهِ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وأمْرِهِ بِعِبادَةِ اللّاتِ.
وثانِيها: كَلّا لَنْ يَصِلَ أبُو جَهْلٍ إلى ما يَقُولُ إنَّهُ يَقْتُلُ مُحَمَّدًا أوْ يَطَأُ عُنُقَهُ، بَلْ تِلْمِيذُ مُحَمَّدٍ هو الَّذِي يَقْتُلُهُ ويَطَأُ صَدْرَهُ.
وثالِثُها: قالَ مُقاتِلٌ: كَلّا لا يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ يَرى وإنْ كانَ يَعْلَمُ لَكِنْ إذا كانَ لا يَنْتَفِعُ بِما يَعْلَمُ فَكَأنَّهُ لا يَعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ أيْ عَمّا هو فِيهِ: ﴿لَنَسْفَعَنْ بِالنّاصِيَةِ﴾ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿لَنَسْفَعَنْ﴾ وُجُوهٌ:
أحَدُها: لَنَأْخُذَنَّ بِناصِيَتِهِ ولَنَسْحَبَنَّهُ بِها إلى النّارِ، والسَّفْعُ القَبْضُ عَلى الشَّيْءِ، وجَذْبُهُ بِشِدَّةٍ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٤١] .
وثانِيها: السَّفْعُ الضَّرْبُ، أيْ لَنَلْطِمَنَّ وجْهَهُ.
وثالِثُها: لَنُسَوِّدَنَّ وجْهَهُ، قالَ الخَلِيلُ: تَقُولُ لِلشَّيْءِ إذا لَفَحَتْهُ النّارُ لَفْحًا يَسِيرًا يُغَيِّرُ لَوْنَ البَشَرَةِ قَدْ سَفَعَتْهُ النّارُ، قالَ: والسَّفْعُ ثَلاثَةُ أحْجارٍ يُوضَعُ عَلَيْها القِدْرُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِسَوادِها، قالَ: والسَّفْعَةُ سَوادٌ في الخَدَّيْنِ. وبِالجُمْلَةِ فَتَسْوِيدُ الوَجْهِ عَلامَةُ الإذْلالِ والإهانَةِ.
ورابِعُها: لَنَسِمَنَّهُ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ [القَلَمِ: ١٦] إنَّهُ أبُو جَهْلٍ.
خامِسُها: لَنُذِلَّنَّهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”لَنَسْفَعَنَّ“ بِالنُّونِ المُشَدَّدَةِ، أيِ الفاعِلُ لِهَذا الفِعْلِ هو اللَّهُ والمَلائِكَةُ، كَما قالَ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ﴾ [التَّحْرِيمِ: ٤] وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ”لَأسْعَفَنَّ“، أيْ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى يا مُحَمَّدُ. أنا الَّذِي أتَوَلّى إهانَتَهُ، نَظِيرُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ﴾ [الأنْفالِ: ٦٢]، ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ [الفَتْحِ: ٤] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذا السَّفْعُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ إلى النّارِ في الآخِرَةِ وأنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ في الدُّنْيا، وهَذا أيْضًا عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: ما «رُوِيَ أنَّ أبا جَهْلٍ لَمّا قالَ: إنْ رَأيْتُهُ يُصَلِّي لَأطَأنَّ عُنُقَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ السُّورَةَ، وأمَرَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يَقْرَأ عَلى أبِي جَهْلٍ ويَخِرَّ لِلَّهِ ساجِدًا في آخِرِها فَفَعَلَ، فَعَدا إلَيْهِ أبُو جَهْلٍ لِيَطَأ عُنُقَهُ، فَلَمّا دَنا مِنهُ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ راجِعًا، فَقِيلَ لَهُ ما لَكَ ؟ قالَ: إنَّ بَيْنِي وبَيْنَهُ فَحْلًا فاغِرًا فاهُ لَوْ مَشَيْتُ إلَيْهِ لالتَقَمَنِي، وقِيلَ: كانَ جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ عَلى كَتِفَيْهِ في صُورَةِ الأسَدِ» .
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ يَوْمَ بَدْرٍ فَيَكُونُ ذَلِكَ بِشارَةً بِأنَّهُ تَعالى يُمَكِّنُ المُسْلِمِينَ مِن ناصِيَتِهِ حَتّى يَجُرُّونَهُ إلى القَتْلِ إذا عادَ إلى النَّهْيِ، فَلَمّا عادَ لا جَرَمَ مَكَّنَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِن ناصِيَتِهِ يَوْمَ بَدْرٍ، رُوِيَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ سُورَةُ الرَّحْمَنِ:
صفحة ٢٤
﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٢] قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأصْحابِهِ: ”مَن يَقْرَؤُها مِنكم عَلى رُؤَساءِ قُرَيْشٍ“، فَتَثاقَلُوا مَخافَةَ أذِيَّتِهِمْ، فَقامَ ابْنُ مَسْعُودٍ وقالَ: أنا يا رَسُولَ اللَّهِ، فَأجْلَسَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ قالَ: ”مَن يَقْرَؤُها عَلَيْهِمْ“ فَلَمْ يَقُمْ إلّا ابْنُ مَسْعُودٍ، ثُمَّ ثالِثًا كَذَلِكَ إلى أنَّ أذِنَ لَهُ، وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يُبْقِي عَلَيْهِ لِما كانَ يَعْلَمُ مِن ضَعْفِهِ وصِغَرِ جُثَّتِهِ، ثُمَّ إنَّهُ وصَلَ إلَيْهِمْ فَرَآهم مُجْتَمِعِينَ حَوْلَ الكَعْبَةِ، فافْتَتَحَ قِراءَةَ السُّورَةِ، فَقامَ أبُو جَهْلٍ فَلَطَمَهُ فَشَقَّ أُذُنَهُ وأدْماهُ، فانْصَرَفَ وعَيْناهُ تَدْمَعُ، فَلَمّا رَآهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ رَقَّ قَلْبُهُ وأطْرَقَ رَأْسَهُ مَغْمُومًا، فَإذا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَجِيءُ ضاحِكًا مُسْتَبْشِرًا، فَقالَ: ”يا جِبْرِيلُ تَضْحَكُ وابْنُ مَسْعُودٍ يَبْكِي“ فَقالَ: سَتَعْلَمُ، فَلَمّا ظَهَرَ المُسْلِمُونَ يَوْمَ بَدْرٍ التَمَسَ ابْنُ مَسْعُودٍ أنْ يَكُونَ لَهُ حَظٌّ في المُجاهِدِينَ، فَأخَذَ يُطالِعُ القَتْلى. فَإذا أبُو جَهْلٍ، مَصْرُوعٌ يَخُورُ، فَخافَ أنَّ تَكُونَ بِهِ قُوَّةٌ فَيُؤْذِيَهُ فَوَضَعَ الرُّمْحَ عَلى مِنخَرِهِ مِن بَعِيدٍ فَطَعَنَهُ، ولَعَلَّ هَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ ثُمَّ لَمّا عَرَفَ عَجْزَهُ ولَمْ يَقْدِرْ أنْ يَصْعَدَ عَلى صَدْرِهِ لِضَعْفِهِ فارْتَقى إلَيْهِ بِحِيلَةٍ، فَلَمّا رَآهُ أبُو جَهْلٍ قالَ: يا رُوَيْعِيَّ الغَنَمِ لَقَدِ ارْتَقَيْتَ مُرْتَقًى صَعْبًا، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الإسْلامُ يَعْلُو ولا يُعْلى عَلَيْهِ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: بَلِّغْ صاحِبَكَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ أبْغَضَ إلَيَّ مِنهُ في حَياتِي ولا أبْغَضَ إلَيَّ مِنهُ في حالِ مَماتِي، فَرُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا سَمِعَ ذَلِكَ قالَ: ”فِرْعَوْنِي أشَدُّ مِن فِرْعَوْنِ مُوسى فَإنَّهُ قالَ ﴿آمَنتُ﴾ وهو قَدْ زادَ عُتُوًّا“ ثُمَّ قالَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: اقْطَعْ رَأْسِي بِسَيْفِي هَذا لِأنَّهُ أحَدُّ وأقْطَعُ، فَلَمّا قَطَعَ رَأْسَهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلى حَمْلِهِ»، ولَعَلَّ الحَكِيمَ سُبْحانَهُ إنَّما خَلَقَهُ ضَعِيفًا لِأجْلِ أنْ لا يَقْوى عَلى الحَمْلِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ كَلْبٌ والكَلْبُ يُجَرُّ.
والثّانِي: لِشَقِّ الأُذُنِ فَيَقْتَصُّ الأُذُنَ بِالأُذُنِ.
والثّالِثُ: لِتَحْقِيقِ الوَعِيدِ المَذْكُورِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَنَسْفَعَنْ بِالنّاصِيَةِ﴾ فَتُجَرُّ تِلْكَ الرَّأْسُ عَلى مُقَدَّمِها، ثُمَّ إنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ لَمّا لَمْ يُطِقْهُ شَقَّ أُذُنَهُ وجَعَلَ الخَيْطَ فِيهِ وجَعَلَ يَجُرُّهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجِبْرِيلُ بَيْنَ يَدَيْهِ يَضْحَكُ، ويَقُولُ: يا مُحَمَّدُ أُذُنٌ بِأُذُنٍ لَكِنَّ الرَّأْسَ هَهُنا مَعَ الأُذُنِ، فَهَذا ما رُوِيَ في مَقْتَلِ أبِي جَهْلٍ نَقَلْتُهُ مَعْنًى لا لَفْظًا، الخاطِئُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لَنَسْفَعَنْ بِالنّاصِيَةِ﴾ .
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: النّاصِيَةُ شَعْرُ الجَبْهَةِ وقَدْ يُسَمّى مَكانُ الشَّعْرِ النّاصِيَةَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى كَنّى هَهُنا عَنِ الوَجْهِ والرَّأْسِ بِالنّاصِيَةِ، ولَعَلَّ السَّبَبَ فِيهِ أنَّ أبا جَهْلٍ كانَ شَدِيدَ الِاهْتِمامِ بِتَرْجِيلِ تِلْكَ النّاصِيَةِ وتَطْيِيبِها، ورُبَّما كانَ يَهْتَمُّ أيْضًا بِتَسْوِيدِها فَأخْبَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يُسَوِّدُها مَعَ الوَجْهِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ تَعالى عَرَّفَ النّاصِيَةَ بِحَرْفِ التَّعْرِيفِ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: النّاصِيَةُ المَعْرُوفَةُ عِنْدَكم ذاتُها لَكِنَّها مَجْهُولَةٌ عِنْدَكم صِفاتُها ناصِيَةٌ وأيُّ ناصِيَةٍ، كاذِبَةٌ قَوْلًا خاطِئَةٌ فِعْلًا، وإنَّما وُصِفَ بِالكَذِبِ لِأنَّهُ كانَ كاذِبًا عَلى اللَّهِ تَعالى في أنَّهُ لَمْ يُرْسِلْ مُحَمَّدًا وكاذِبًا عَلى رَسُولِهِ في أنَّهُ ساحِرٌ أوْ كَذّابٌ أوْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، وقِيلَ: كَذَّبَهُ أنَّهُ قالَ: أنا أكْثَرُ أهْلِ هَذا الوادِي نادِيًا، ووَصَفَ النّاصِيَةَ بِأنَّها خاطِئَةٌ لِأنَّ صاحِبَها مُتَمَرِّدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا يَأْكُلُهُ إلّا الخاطِئُونَ﴾ [الحاقَّةِ: ٣٧] والفَرْقُ بَيْنَ الخاطِئِ والمُخْطِئِ أنَّ الخاطِئَ مُعاقَبٌ مُؤاخَذٌ والمُخْطِئَ غَيْرُ مُؤاخَذٍ، ووَصَفَ النّاصِيَةَ بِالخاطِئَةِ الكاذِبَةِ كَما وصَفَ الوُجُوهَ بِأنَّها ناظِرَةٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القِيامَةِ: ٢٣] .
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: ﴿ناصِيَةٍ﴾ بَدَلٌ مِنَ النّاصِيَةِ، وجازَ إبْدالُها مِنَ المَعْرِفَةِ وهي نَكِرَةٌ، لِأنَّها وُصِفَتْ فاسْتَقَلَّتْ بِفائِدَةٍ.
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قُرِئَ ”ناصِيَةٌ“ بِالرَّفْعِ والتَّقْدِيرُ هي ناصِيَةٌ، ”وناصِيَةً“ بِالنَّصْبِ وكِلاهُما عَلى الشَّتْمِ، واعْلَمْ أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أغْلَظَ في القَوْلِ لِأبِي جَهْلٍ وتَلا عَلَيْهِ هَذِهِ الآياتِ، قالَ: يا مُحَمَّدُ بِمَن تُهَدِّدُنِي وإنِّي لَأكْثَرُ هَذا الوادِي نادِيًا، فافْتَخَرَ بِجَماعَتِهِ الَّذِينَ كانُوا يَأْكُلُونَ حُطامَهُ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ النّادِي عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٢٩] قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ”نادِيَهُ“ أيْ أهْلَ مَجْلِسِهِ، وبِالجُمْلَةِ فالمُرادُ مِنَ النّادِي أهْلُ النّادِي، ولا يُسَمّى المَكانُ نادِيًا حَتّى يَكُونَ فِيهِ أهْلُهُ، وسُمِّيَ نادِيًا لِأنَّ القَوْمَ يَنِدُّونَ إلَيْهِ نَدًّا ونَدْوَةً، ومِنهُ دارُ النَّدْوَةِ بِمَكَّةَ، وكانُوا يَجْتَمِعُونَ فِيها لِلتَّشاوُرِ، وقِيلَ: سُمِّيَ نادِيًا لِأنَّهُ مَجْلِسُ النَّدى والجُودِ، ذُكِرَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ أيْ: اجْمَعْ أهْلَ الكَرَمِ والدِّفاعِ في زَعْمِكَ لِيَنْصُرُوكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والمُبَرِّدُ: واحِدُ الزَّبانِيَةِ زِبْنِيَةٌ وأصْلُهُ مِن زَبَنْتُهُ إذا دَفَعْتُهُ وهو مُتَمَرِّدٌ مِن إنْسٍ أوْ جِنٍّ، ومِثْلُهُ في المَعْنى والتَّقْدِيرِ عِفْرِيَةٌ يُقالُ: فُلانٌ زِبْنِيَةٌ عِفْرِيَةٌ، وقالَ الأخْفَشُ: قالَ بَعْضُهم: واحِدُهُ الزَّبانِيُّ، وقالَ آخَرُونَ: الزّابِنُ، وقالَ آخَرُونَ: هَذا مِنَ الجَمْعِ الَّذِي لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ في لُغَةِ العَرَبِ مِثْلُ أبابِيلَ وعَبادِيدَ وبِالجُمْلَةِ فالمُرادُ مَلائِكَةُ العَذابِ، ولا شَكَّ أنَّهم مَخْصُوصُونَ بِقُوَّةٍ شَدِيدَةٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: هم خَزَنَةُ جَهَنَّمَ أرْجُلُهم في الأرْضِ ورُءُوسُهم في السَّماءِ، وقالَ قَتادَةُ: الزَّبانِيَةُ هُمُ الشُّرَطُ في كَلامِ العَرَبِ وهُمُ المَلائِكَةُ الغِلاظُ الشِّدادُ، ومَلائِكَةُ النّارِ سُمُّوا الزَّبانِيَةَ لِأنَّهم يَزْبِنُونَ الكُفّارَ أيْ يَدْفَعُونَهم في جَهَنَّمَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في الآيَةِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أيْ فَلْيَفْعَلْ ما ذَكَرَهُ مِن أنَّهُ يَدْعُو أنْصارَهُ ويَسْتَعِينُ بِهِمْ في مُباطَلَةِ مُحَمَّدٍ، فَإنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ فَنَحْنُ نَدْعُو الزَّبانِيَةَ الَّذِينَ لا طاقَةَ لِنادِيهِ وقَوْمِهِ بِهِمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَوْ دَعا نادِيَهُ لَأخَذَتْهُ الزَّبانِيَةُ مِن ساعَتِهِ مُعايَنَةً، وقِيلَ: هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ يُجَرُّ في الدُّنْيا كالكَلْبِ وقَدْ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: بَلْ هَذا إخْبارٌ بِأنَّ الزَّبانِيَةَ يَجُرُّونَهُ في الآخِرَةِ إلى النّارِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا أيْ لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ وسَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ في الآخِرَةِ، فَلْيَدْعُ هو نادِيَهُ حِينَئِذٍ فَلْيَمْنَعُوهُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ تَدُلُّ عَلى المُعْجِزِ، لِأنَّ هَذا يَكُونُ تَحْرِيضًا لِلْكافِرِ عَلى دَعْوَةِ نادِيهِ وقَوْمِهِ، ومَتى فَعَلَ الكافِرُ ذَلِكَ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ دَعْوَةُ الزَّبانِيَةِ، فَلَمّا لَمْ يَجْتَرِئِ الكافِرُ عَلى ذَلِكَ دَلَّ عَلى ظُهُورِ مُعْجِزَةِ الرَّسُولِ ﷺ .
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قُرِئَ: ”سَتُدْعى“ عَلى المَجْهُولِ، وهَذِهِ السِّيَرُ لَيْسَتْ لِلشَّكِ أمّا عَسى مِنَ اللَّهِ واجِبُ الوُقُوعِ، وخُصُوصًا عِنْدَ بِشارَةِ الرَّسُولِ ﷺ بِأنْ يَنْتَقِمَ لَهُ مِن عَدُوِّهِ، ولَعَلَّ فائِدَةَ السِّينِ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لَأنْصُرَنَّكَ ولَوْ بَعْدَ حِينٍ» “ .
96:19Page 597
كـَلَّا لَا تُطِعۡهُ وَٱسۡجُدۡۤ وَٱقۡتَرِب۩ ١٩
No! Do not obey him. But prostrate and draw near [to Allāh].
ثُمَّ قالَ: (كَلّا) وهو رَدْعٌ لِأبِي جَهْلٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ لَنْ يَصِلَ إلى ما يَتَصَلَّفُ بِهِ مِن أنَّهُ يَدْعُو نادِيَهُ ولَئِنْ دَعاهم لَنْ يَنْفَعُوهُ ولَنْ يَنْصُرُوهُ، وهو أذَلُّ وأحْقَرُ مِن أنْ يُقاوِمَكَ، ويُحْتَمَلُ: لَنْ يَنالَ ما يَتَمَنّى مِن طاعَتِكَ لَهُ حِينَ نَهاكَ عَنِ الصَّلاةِ، وقِيلَ مَعْناهُ: ألا لا تُطِعْهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿لا تُطِعْهُ﴾ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ [القَلَمِ: ٨]، ﴿واسْجُدْ﴾ وعِنْدَ أكْثَرِ أهْلِ التَّأْوِيلِ أرادَ بِهِ صَلِّ وتَوَفَّرْ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى فِعْلًا وإبْلاغًا، ولْيَقِلَّ فِكْرُكَ في هَذا العَدُوِّ فَإنَّ اللَّهَ مُقَوِّيكَ وناصِرُكَ، وقالَ بَعْضُهم: بَلِ المُرادُ الخُضُوعُ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ نَفْسُ السُّجُودِ في الصَّلاةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿واقْتَرِبْ﴾ والمُرادُ وابْتَغِ بِسُجُودِكَ قُرْبَ المَنزِلَةِ مِن رَبِّكَ، وفي الحَدِيثِ: ”«أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ إذا سَجَدَ» “ وقالَ بَعْضُهم: المُرادُ اسْجُدْ يا مُحَمَّدُ، واقْتَرِبْ يا أبا جَهْلٍ مِنهُ حَتّى تُبْصِرَ ما يَنالُكَ مِن أخْذِ الزَّبانِيَةِ إيّاكَ، فَكَأنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِالسُّجُودِ لِيَزْدادَ غَيْظُ الكافِرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ﴾ [الفَتْحِ: ٢٩] والسَّبَبُ المُوجِبُ لِازْدِيادِ الغَيْظِ هو أنَّ الكُفْرَ كانَ يَمْنَعُهُ مِنَ القِيامِ، فَيَكُونُ غَيْظُهُ وغَضَبُهُ عِنْدَ مُشاهَدَةِ السُّجُودِ أتَمَّ، ثُمَّ قالَ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿واقْتَرِبْ﴾ مِنهُ يا أبا جَهْلٍ وضَعْ قَدَمَكَ عَلَيْهِ، فَإنَّ الرَّجُلَ ساجِدٌ مَشْغُولٌ بِنَفْسِهِ، وهَذا تَهَكُّمٌ بِهِ واسْتِحْقارٌ لِشَأْنِهِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences