Ash-ShinqitiAn‑Nahl · 16:1–8

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

النحل

An-Nahl

The Bee · Meccan · 128 ayahs

16:1Page 267

أَتَىٰٓ أَمۡرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسۡتَعۡجِلُوهُۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ١

The command of Allāh is coming,1 so be not impatient for it. Exalted is He and high above what they associate with Him.

(p-٣٢٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ النَّحْلِ

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ .

أيْ: قَرُبَ وقْتُ إتْيانِ القِيامَةِ.

وَعَبَّرَ بِصِيغَةِ الماضِي؛ تَنْزِيلًا لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ مَنزِلَةَ الوُقُوعِ. واقْتِرابُ القِيامَةِ المُشارُ إلَيْهِ هُنا بَيَّنَهُ - جَلَّ وعَلا - في مَواضِعَ أُخَرَ،

• كَقَوْلِهِ: ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهم وهم في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١]،

• وقَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا -: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ [القمر: ١]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧]،

• وقَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا -: ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ﴾ [النجم: ٧٥ - ٥٨]،

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

والتَّعْبِيرُ عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِصِيغَةِ الماضِي؛ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ،

• كَقَوْلِهِ: ونُفِخَ ﴿فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ﴾ الآيَةَ [الزمر: ٦٨]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ﴾ . . . الآيَةَ [الأعراف: ٤٤]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّها ووُضِعَ الكِتابُ وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وهو أعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ﴾ ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ . . الآيَةَ [الزمر: ٦٩ - ٧١] .

فَكُلُّ هَذِهِ الأفْعالِ الماضِيَةِ بِمَعْنى الِاسْتِقْبالِ، نَزَلَ تَحَقُّقُ وُقُوعِها مَنزِلَةَ الوُقُوعِ.

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، نَهى اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَنِ اسْتِعْجالِ ما وعَدَ بِهِ مِنَ الهَوْلِ والعَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ، والِاسْتِعْجالُ هو طَلَبُهم أنْ يُعَجِّلَ لَهم ما يُوعَدُونَ بِهِ مِنَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ.

والآياتُ المُوَضِّحَةُ لِهَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ،

• كَقَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا -: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ " [العنكبوت: ٥٣]،

• وقَوْلِهِ: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٤]،

• وقَوْلِهِ: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها﴾ [الشورى: ١٨]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ﴾ الآيَةَ [هود: ٨]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ [ص: ١٦]، (p-٣٢٧)

• وَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا أوْ نَهارًا ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ [يونس: ٥٠]،

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] في تَفْسِيرِهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ العَذابُ المُوعَدُ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] .

والثّانِي: أنَّهُ يَعُودُ إلى اللَّهِ؛ أيْ: لا تَطْلُبُوا مِنَ اللَّهِ أنْ يُعَجِّلَ لَكُمُ العَذابَ. قالَ: مَعْناهُ ابْنُ كَثِيرٍ.

وَقالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ [القمر: ١]، قالَ الكُفّارُ: إنَّ هَذا يَزْعُمُ أنَّ القِيامَةَ قَدْ قَرُبَتْ ! فَأمْسِكُوا عَنْ بَعْضِ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، فَأمْسَكُوا فانْتَظَرُوا فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَقالُوا: ما نَرى شَيْئًا ! فَنَزَلَتْ: ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ١]، فَأشْفَقُوا وانْتَظَرُوا قُرْبَ السّاعَةِ؛ فامْتَدَّتِ الأيّامُ، فَقالُوا: ما نَرى شَيْئًا، فَنَزَلَتْ: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]، فَوَثَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمُونَ وخافُوا، فَنَزَلَتْ: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ فاطْمَأنُّوا. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”بُعِثْتُ أنا والسّاعَةُ كَهاتَيْنِ“، وأشارَ بِأُصْبُعَيْهِ السَّبّابَةِ والَّتِي تَلِيها " . اه مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ القُرْطُبِيِّ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، أيْ: لا تَظُنُّوهُ واقِعًا الآنَ عَنْ عَجَلٍ، بَلْ هو مُتَأخِّرٌ إلى وقْتِهِ المُحَدَّدِ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

وَقَوْلُ الضَّحّاكِ ومَن وافَقَهُ: إنَّ مَعْنى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾، أيْ: فَرائِضُهُ وحُدُودُهُ، قَوْلٌ مَرْدُودٌ ولا وجْهَ لَهُ، وقَدْ رَدَّهُ الإمامُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ في تَفْسِيرِهِ قائِلًا: إنَّهُ لَمْ يَبْلُغْنا أنَّ أحَدًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اسْتَعْجَلَ فَرائِضَ قَبْلَ أنْ تُفْرَضَ عَلَيْهِمْ، فَيُقالُ لَهم مِن أجْلِ ذَلِكَ: قَدْ جاءَتْكم فَرائِضُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوها. أمّا مُسْتَعْجِلُو العَذابِ مِنَ المُشْرِكِينَ فَقَدْ كانُوا كَثِيُرًا. اه.

والظّاهِرُ المُتَبادِرُ مِنَ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّها تَهْدِيدٌ لِلْكُفّارِ بِاقْتِرابِ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ مَعَ نَهْيِهِمْ عَنِ اسْتِعْجالِهِ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: وأوْلى القَوْلَيْنِ في ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوابِ قَوْلُ مَن قالَ: هو تَهْدِيدٌ مِنَ اللَّهِ لِأهْلِ الكُفْرِ بِهِ وبِرَسُولِهِ، وإعْلامٌ مِنهُ لَهم قُرْبَ العَذابِ مِنهم والهَلاكِ، وذَلِكَ (p-٣٢٨)أنَّهُ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١]، فَدَلَّ بِذَلِكَ عَلى تَقْرِيعِهِ المُشْرِكِينَ بِهِ ووَعِيدِهِ لَهم. اه.

16:2Page 267

يُنَزِّلُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ بِٱلرُّوحِ مِنۡ أَمۡرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦٓ أَنۡ أَنذِرُوٓاْ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱتَّقُونِ ٢

He sends down the angels, with the inspiration [i.e., revelation] of His command, upon whom He wills of His servants, [telling them], "Warn that there is no deity except Me; so fear Me."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ .

أظْهَرُ الأقْوالِ في مَعْنى الرُّوحِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ المُرادَ بِها الوَحْيُ؛ لِأنَّ الوَحْيَ بِهِ حَياةُ الأرْواحِ، كَما أنَّ الغِذاءَ بِهِ حَياةُ الأجْسامِ. ويَدُلُّ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ [الشورى: ٥٢]، وقَوْلُهُ: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ [غافر: ١٥، ١٦] .

وَمِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالرُّوحِ الوَحْيُ؛ إتْيانُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ﴾ [النحل: ٢] بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ أنْذِرُوا﴾ [النحل: ٢]؛ لِأنَّ الإنْذارَ إنَّما يَكُونُ بِالوَحْيِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّما أُنْذِرُكم بِالوَحْيِ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ٤٥]، وكَذَلِكَ إتْيانُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [غافر: ١٥]، بِقَوْلِهِ: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ الآيَةَ [غافر: ١٥]؛ لِأنَّ الإنْذارَ إنَّما يَكُونُ بِالوَحْيِ أيْضًا. وقَرَأ هَذا الحَرْفَ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ”يَنْزِلُ“ - بِضَمِّ الياءِ وإسْكانِ النُّونِ وتَخْفِيفِ الزّايِ - . والباقُونَ بِالضَّمِّ والتَّشْدِيدِ. ولَفْظَةُ: ”مِن“ [النحل: ٢] في الآيَةِ تَبْعِيضِيَّةٌ، أوْ لِبَيانِ الجِنْسِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [الشعراء: ٢]، أيْ: يُنَزِّلُ الوَحْيَ عَلى مَنِ اخْتارَهُ وعَلِمَهُ أهْلًا لِذَلِكَ.

كَما بَيَّنَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا ومِنَ النّاسِ﴾ [الحج: ٧٥]،

• وقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]،

• وقَوْلِهِ: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [غافر: ١٥]،

• وقَوْلِهِ: ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [البقرة: ٩٠] .

وَهَذِهِ الآياتُ وأمْثالُها رَدٌّ عَلى الكُفّارِ في قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] .

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاتَّقُونِ﴾ .

الأظْهَرُ في ”أنْ“ مِن قَوْلِهِ: أنْ أنْذِرُوا أنَّها هي المُفَسِّرَةُ؛ لِأنَّ إنْزالَ المَلائِكَةِ بِالرُّوحِ، أيْ: بِالوَحْيِ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ. فَيَكُونُ المَعْنى: أنَّ الوَحْيَ الَّذِي أُنْزِلَتْ بِهِ المَلائِكَةُ مُفَسَّرٌ بِإنْذارِ النّاسِ ”(p-٣٢٩)بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ“ وأمْرِهِمْ بِتَقْواهُ.

وَقَدْ أوْضَحَ - جَلَّ وعَلا - هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛

• كَقَوْلِهِ: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلّا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [الشعراء: ٣٦]،

• وقَوْلِهِ: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥]،

• وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّما يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٨]

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وقَدْ قَدَّمْنا مَعْنى الإنْذارِ، ومَعْنى التَّقْوى.

16:3Page 267

خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۚ تَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٣

He created the heavens and earth in truth. High is He above what they associate with Him.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ .

بَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ هو خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ، وأنَّ مَن يَخْلُقُ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ العَظِيمَةَ يَتَنَزَّهُ ويَتَعاظَمُ أنْ يُعْبَدَ مَعَهُ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا، ولا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ شَيْئًا.

فالآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن يُبْرِزُ الخَلائِقَ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، لا يَصِحُّ أنْ يُعْبَدَ مَعَهُ مَن لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ؛ ولِهَذا أتْبَعَ قَوْلَهُ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ [النحل: ٣] بِقَوْلِهِ: ﴿تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٣] .

وَأوْضَحَ هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛

• كَقَوْلِهِ ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢١]؛ فَدَلَّ عَلى أنَّ المَعْبُودَ هو الخالِقُ دُونَ غَيْرِهِ،

• وقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧]،

• وقَوْلِهِ: ﴿أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو الواحِدُ القَهّارُ﴾ [الرعد: ١٦]،

• وقَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ ولا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ ضَرًّا ولا نَفْعًا ولا يَمْلِكُونَ مَوْتًا ولا حَياةً ولا نُشُورًا﴾ [الفرقان: ١ - ٣]،

• وقَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا -: ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ فَأرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظّالِمُونَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [لقمان: ١١]،

• وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ﴾ الآيَةَ [فاطر: ٤٠]،

• وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٤]،

• وقَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا -: ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾، (p-٣٣٠)[الأعراف: ١٩١]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فاسْتَمِعُوا لَهُ إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣]،

• وقَوْلِهِ: ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ﴾ . . . الآيَةَ [الطور: ٣٥ - ٣٦]،

• وقَوْلِهِ: والَّذِينَ ﴿يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ﴾ الآيَةَ [النحل: ٢٠ - ٢١]،

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

فَهَذِهِ الآياتُ تُبَيِّنُ أنَّ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ هو مَن يَخْلُقُ الخَلْقَ، ويُبْرِزُهم مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ. أمّا غَيْرُهُ فَهو مَخْلُوقٌ مَرْبُوبٌ، مُحْتاجٌ إلى مَن يَخْلُقُهُ، ويُدَبِّرُ شُئُونَهُ.

16:4Page 267

خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِن نُّطۡفَةٖ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ ٤

He created man from a sperm-drop; then at once1 he is a clear adversary.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ﴾ .

ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ، وهي مَنِيُّ الرَّجُلِ ومَنِيُّ المَرْأةِ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ [الإنسان: ٢]، أيْ: أخْلاطٍ مِن ماءِ الرَّجُلِ وماءِ المَرْأةِ.

وَقالَ صاحِبُ الدُّرِّ المَنثُورِ بَعْدَ ذِكْرِ بَعْضِ الرِّواياتِ في تَفْسِيرِ الأمْشاجِ بِالأخْلاطِ: مِن ماءِ الرَّجُلِ وماءِ المَرْأةِ. وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقَ، قالَ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾، قالَ: اخْتِلاطُ ماءِ الرَّجُلِ وماءِ المَرْأةِ إذا وقَعَ في الرَّحِمِ. قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ ؟ قالَ: نَعَمْ. أمّا سَمِعْتَ أبا ذُؤَيْبٍ وهو يَقُولُ:

؎كَأنَّ الرِّيشَ والفُوقَيْنِ مِنهُ خِلالَ النَّصْلِ خالَطَهُ مَشِيجُ

وَنَسَبَ في اللِّسانِ هَذا البَيْتَ لِزُهَيْرِ بْنِ حَرامٍ الهُذَلِيِّ، وأنْشَدَهُ هَكَذا:

؎كَأنَّ النَّصْلَ والفُوقَيْنِ مِنها ∗∗∗ خِلالَ الرِّيشِ سِيطَ بِهِ مَشِيجُ

قالَ: ورَواهُ المُبَرِّدُ:

؎كَأنَّ المَتْنَ والشَّرْجَيْنِ مِنهُ ∗∗∗ خِلافَ النَّصْلِ سِيطَ بِهِ مَشِيجُ

قالَ: ورَواهُ أبُو عُبَيْدَةَ:

؎كَأنَّ الرِّيشَ والفُوقَيْنِ مِنها ∗∗∗ خِلالَ النَّصْلِ سِيطَ بِهِ المَشِيجُ

وَمَعْنى ”سِيطَ بِهِ المَشِيجُ“: خُلِطَ بِهِ الخَلْطَ.

إذا عَرَفْتَ مَعْنى ذَلِكَ، فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الماءَ الَّذِي هو النُّطْفَةُ، مِنهُ ما هو خارِجٌ مِنَ الصُّلْبِ، أيْ: وهو ماءُ الرَّجُلِ، ومِنهُ ما هو خارِجٌ مِنَ التَّرائِبِ وهو: ماءُ المَرْأةِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا -: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ [الطارق: ٥ - ٧] (p-٣٣١)لِأنَّ المُرادَ بِالصُّلْبِ صُلْبُ الرَّجُلِ وهو ظَهْرُهُ، والمُرادَ بِالتَّرائِبِ: تَرائِبُ المَرْأةِ وهي مَوْضِعُ القِلادَةِ مِنها، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:

؎مُهَفْهَفَةٌ بَيْضاءُ غَيْرُ مُفاضَةٍ ∗∗∗ تَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَّجَنْجَلِ

واسْتَشْهَدَ ابْنُ عَبّاسٍ لِنافِعِ بْنِ الأزْرَقِ: عَلى أنَّ التَّرائِبَ مَوْضِعُ القِلادَةِ بِقَوْلِ المُخَبَّلِ، أوِ ابْنِ أبِي رَبِيعَةَ:

؎والزَّعْفَرانُ عَلى تَرائِبِها ∗∗∗ شَرَقًا بِهِ اللَّبّاتُ والنَّحْرُ

فَقَوْلُهُ هُنا: ﴿مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ [الطارق: ٧]، يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْشاجَ هي الأخْلاطُ المَذْكُورَةُ، وأمْرُ الإنْسانِ بِأنْ يَنْظُرَ مِمَّ خُلِقَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥] تَنْبِيهٌ لَهُ عَلى حَقارَةِ ما خُلِقَ مِنهُ؛ لِيَعْرِفَ قَدْرَهُ، ويَتْرُكَ التَّكَبُّرَ والعُتُوَّ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ الآيَةَ [المرسلات: ٢٠] .

وَبَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - حَقارَتَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ كَلّا إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ [المعارج: ٣٨]، والتَّعْبِيرُ عَنِ النُّطْفَةِ بِما المَوْصُولَةِ في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ [المعارج: ٣٩]، فِيهِ غايَةُ تَحْقِيرِ ذَلِكَ الأصْلِ الَّذِي خُلِقَ مِنهُ الإنْسانُ. وفي ذَلِكَ أعْظَمُ رَدْعٍ، وأبْلَغُ زَجْرٍ عَنِ التَّكَبُّرِ والتَّعاظُمِ.

* *

وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَلا -: ﴿فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [النحل: ٤]، أظْهَرُ القَوْلَيْنِ فِيهِ: أنَّهُ ذَمٌّ لِلْإنْسانِ المَذْكُورِ. والمَعْنى: خَلَقْناهُ لِيَعْبُدَنا ويَخْضَعَ لَنا ويُطِيعَ، فَفاجَأ بِالخُصُومَةِ والتَّكْذِيبِ، كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ: ”إذا“ الفُجائِيَّةُ. ويُوَضِّحُ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، مَعَ قَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا -: ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ وهو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٧ - ٧٩]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا وكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهم ولا يَضُرُّهم وكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٤]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُ الإنْسانُ أئِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ ﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٦ - ٦٧]

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وسَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - زِيادَةُ إيضاحٍ لِهَذا المَبْحَثِ في ”سُورَةِ الطّارِقِ“ .

(p-٣٣٢)تَنْبِيهٌ.

اخْتَلَفَ عُلَماءُ العَرَبِيَّةِ في: ”إذا“ الفُجائِيَّةِ؛ فَقالَ بَعْضُهم: هي حَرْفٌ. ومِمَّنْ قالَ بِهِ الأخْفَشُ. قالَ ابْنُ هِشامٍ في ”المُغْنِي“: ويُرَجِّحُ هَذا القَوْلَ قَوْلُهم: خَرَجْتُ فَإذا إنَّ زَيْدًا بِالبابِ (بِكَسْرِ إنَّ)؛ لِأنَّ ”إنَّ“ - المَكْسُورَةَ - لا يَعْمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها. وقالَ بَعْضُهم: هي ظَرْفُ مَكانٍ. ومِمَّنْ قالَ بِهِ المُبَرِّدُ. وقالَ بَعْضُهم: هي ظَرْفُ زَمانٍ. ومِمَّنْ قالَ بِهِ الزَّجّاجُ. والخَصِيمُ: صِيغَةُ مُبالَغَةٍ، أيْ: شَدِيدُ الخُصُومَةِ. وقِيلَ: الخَصِيمُ المُخاصِمُ. وإتْيانُ الفَعِيلِ بِمَعْنى المُفاعِلِ كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ، كالقَعِيدِ بِمَعْنى المُقاعِدِ، والجَلِيسِ بِمَعْنى المُجالِسِ، والأكِيلِ بِمَعْنى المُؤاكِلِ، ونَحْوِ ذَلِكَ.

وَقَوْلُهُ: ”مُبِينٌ“ [النحل: ٤] الظّاهِرُ أنَّهُ اسْمُ فاعِلِ أبانَ اللّازِمَةِ، بِمَعْنى بانَ وظَهَرَ؛ أيْ بَيِّنَ الخُصُومَةِ. ومِن إطْلاقِ أبانَ بِمَعْنى بانَ قَوْلُ جَرِيرٍ:

؎إذا آباؤُنا وأبُوكَ عَدَوا أبانَ المُقْرِفاتُ مِنَ العِرابِ

أيْ: ظَهَرَ. وقَوْلُ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيِّ:

؎لَوْ دَبَّ ذَرٌّ فَوْقَ ضاحِي جِلْدِها ∗∗∗ لَأبانَ مِن آثارِهِنَّ حُدُورُ

يَعْنِي: لَظَهَرَ مِن آثارِهِنَّ ورَمٌ في الجِلْدِ. وقِيلَ: مِن أبانَ المُتَعَدِّيَةِ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: مُبِينٌ خُصُومَتَهُ ومُظْهِرٌ لَها. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

16:5Page 267

وَٱلۡأَنۡعَٰمَ خَلَقَهَاۖ لَكُمۡ فِيهَا دِفۡءٞ وَمَنَٰفِعُ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ ٥

And the grazing livestock He has created for you; in them is warmth1 and [numerous] benefits, and from them you eat.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ .

ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ خَلَقَ الأنْعامَ لِبَنِي آدَمَ يَنْتَفِعُونَ بِها تَفَضُّلًا مِنهُ عَلَيْهِمْ. وقَدْ قَدَّمْنا في ”آلِ عِمْرانَ“: أنَّ القُرْآنَ بَيَّنَ أنَّ الأنْعامَ هي الأزْواجُ الثَّمانِيَةُ الَّتِي هي: الذَّكَرُ والأُنْثى مِنَ الإبِلِ، والبَقَرِ، والضَّأْنِ، والمَعْزِ. والمُرادُ بِالدِّفْءِ عَلى أظْهَرِ القَوْلَيْنِ: أنَّهُ اسْمٌ لِما يُدَّفَّأُ بِهِ، كالمَلْءِ اسْمٌ لِما يُمْلَأُ بِهِ، وهو الدِّفاءُ مِنَ اللِّباسِ المَصْنُوعِ مِن أصْوافِ الأنْعامِ وأوْبارِها وأشْعارِها. .

وَيَدُلُّ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكم ويَوْمَ إقامَتِكم ومِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها أثاثًا ومَتاعًا إلى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠]، وقِيلَ: الدِّفْءُ نَسْلُها. والأوَّلُ أظْهَرُ؛ والنَّسْلُ داخِلٌ في قَوْلِهِ: ومَنافِعُ [النحل: ٥]، أيْ: مِن نَسْلِها ودَرِّها: ﴿وَمِنها تَأْكُلُونَ﴾ .

(p-٣٣٣)وَمَنافِعُ الأنْعامِ الَّتِي بَيَّنَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - امْتِنانَهُ بِها عَلى خَلْقِهِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، بَيَّنَها لَهم أيْضًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ،

• كَقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِها ولَكم فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وَعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢١، ٢٢]،

• وقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنها ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وَلَكم فِيها مَنافِعُ ولِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكم وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ ﴿وَيُرِيكم آياتِهِ فَأيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ [غافر: ٧٩ - ٨١]،

• وقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا فَهم لَها مالِكُونَ﴾ ﴿وَذَلَّلْناها لَهم فَمِنها رَكُوبُهم ومِنها يَأْكُلُونَ﴾ ﴿وَلَهم فِيها مَنافِعُ ومَشارِبُ أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٧١ - ٧٣]،

• وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٢، ١٣]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر: ٦]،

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

والأظْهَرُ في إعْرابِ: والأنْعامَ [النحل: ٥]، أنَّ عامِلَهُ وهو: خَلَقَ اشْتَغَلَ عَنْهُ بِالضَّمِيرِ فَنُصِبَ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ وُجُوبًا، يُفَسِّرُهُ: ”خَلَقَ“ المَذْكُورُ، عَلى حَدِّ قَوْلِ ابْنِ مالِكٍ في الخُلاصَةِ:

؎فالسّابِقُ انْصِبْهُ بِفِعْلٍ أُضْمِرا حَتْمًا مُوافِقٍ لِما قَدْ أظْهَرَ

وَإنَّما كانَ النَّصْبُ هُنا أرْجَحَ مِنَ الرَّفْعِ؛ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَعْمُولِ فِعْلٍ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ﴾ الآيَةَ [النحل: ٤]، فَيَكُونُ عَطْفُ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ عَلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ أوْلى مِن عَطْفِ الِاسْمِيَةِ عَلى الفِعْلِيَّةِ لَوْ رُفِعَ الِاسْمُ السّابِقُ؛ وإلى هَذا أشارَ ابْنُ مالِكٍ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ عاطِفًا عَلى ما يُخْتارُ فِيهِ النَّصْبُ:

؎وَبَعْدَ عاطِفٍ بِلا فَصْلٍ عَلى ∗∗∗ مَعْمُولِ فِعْلٍ مُسْتَقِرٍّ أوَّلا

وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ قَوْلَهُ: والأنْعامَ مَعْطُوفٌ عَلى الإنْسانَ، مِن قَوْلِهِ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ [النحل: ٤]، والأوَّلُ أظْهَرُ كَما تَرى.

وَأظْهَرُ أوْجُهِ الإعْرابِ في قَوْلِهِ: ﴿لَكم فِيها دِفْءٌ﴾ [النحل: ٥] أنَّ قَوْلَهُ: دِفْءٌ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ لَكم فِيها، وسَوَّغَ الِابْتِداءَ بِالنَّكِرَةِ؛ اعْتِمادُها عَلى الجارِّ والمَجْرُورِ قَبْلَها وهو الخَبَرُ كَما هو مَعْرُوفٌ، خِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّ: دِفْءٌ فاعِلُ الجارِّ والمَجْرُورِ الَّذِي هو (p-٣٣٤)لَكم.

وَفِي الآيَةِ أوْجُهٌ أُخْرى ذَكَرَها بَعْضُ العُلَماءِ تَرَكْنا ذِكْرَها؛ لِعَدَمِ اتِّجاهِها عِنْدَنا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَلَكم فِيها جَمالٌ﴾ [النحل: ٦]، يَعْنِي: أنَّ اقْتِناءَ هَذِهِ الأنْعامِ ومِلْكِيَّتَها فِيهِ لِمالِكِها عِنْدَ النّاسِ جَمالٌ؛ أيْ: عَظَمَةٌ ورِفْعَةٌ، وسَعادَةٌ في الدُّنْيا لِمُقْتَنِيها. وكَذَلِكَ قالَ في الخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ: ﴿لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ [النحل: ٨]، فَعَبَّرَ في الأنْعامِ بِالجَمالِ، وفي غَيْرِها بِالزِّينَةِ. والجَمالُ: مَصْدَرُ جَمُلَ فَهو جَمِيلٌ وهي جَمِيلَةٌ. ويُقالُ أيْضًا: هي جَمْلاءُ. وأنْشَدَ لِذَلِكَ الكِسائِيُّ قَوْلَ الشّاعِرِ:

؎فَهِيَ جَمْلاءُ كَبَدْرٍ طالِعٍ ∗∗∗ بَذَّتِ الخَلْقَ جَمِيعًا بِالجَمالِ

والزِّينَةُ: ما يُتَزَيَّنُ بِهِ. وكانَتِ العَرَبُ تَفْتَخِرُ بِالخَيْلِ والإبِلِ ونَحْوِ ذَلِكَ كالسِّلاحِ، ولا تَفْتَخِرُ بِالبَقَرِ والغَنَمِ. ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُ العَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ يَفْتَخِرُ بِمَآثِرَ قَبِيلَتِهِ بَنِي سُلَيْمٍ:

؎واذْكُرْ بَلاءَ سُلَيْمٍ في مَواطِنِها ∗∗∗ فَفي سُلَيْمٍ لِأهْلِ الفَخْرِ مُفْتَخَرُ

؎قَوْمٌ هم نَصَرُوا الرَّحْمَنَ واتَّبَعُوا ∗∗∗ دِينَ الرَّسُولِ وأمْرُ النّاسِ مُشْتَجِرُ

؎لا يَغْرِسُونَ فَسِيلَ النَّخْلِ وسَطَهم ∗∗∗ ولا تَخاوَرُ في مَشْتاهُمُ البَقَرُ

؎إلّا سَوابِحَ كالعِقْبانِ مُقْرَبَةً ∗∗∗ في دارَةٍ حَوْلَها الأخْطارُ والعَكَرُ

والسَّوابِحُ: الخَيْلُ. والمُقْرَبَةُ: المُهَيَّأةُ المُعَدَّةُ قَرِيبًا. والأخْطارُ: جَمْعُ خَطْرٍ - بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، أوْ كَسْرٍ فَسُكُونٍ - وهو عَدَدٌ كَثِيرٌ مِنَ الإبِلِ عَلى اخْتِلافٍ في قَدْرِهِ. والعَكَرُ - بِفَتْحَتَيْنِ -: جَمْعُ عَكَرَةٍ، وهي القَطِيعُ الضَّخْمُ مِنَ الإبِلِ أيْضًا عَلى اخْتِلافٍ في تَحْدِيدِ قَدْرِهِ. وقَوْلُ الآخَرِ:

؎لَعَمْرِي لَقَوْمٌ قَدْ تَرى أمْسِ فِيهِمُ ∗∗∗ مَرابِطَ لِلْأمْهارِ والعَكَرِ الدَّثَرْ

؎أحَبُّ إلَيْنا مِن أُناسٍ بِقِنَّةٍ ∗∗∗ يَرُوحُ عَلى آثارِ شائِهُمُ النَّمِرْ

وَقَوْلُهُ: ”العَكَرُ الدَّثَرُ“، أيِ: المالُ الكَثِيرُ مِنَ الإبِلِ. وبَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾ [النحل: ٦]؛ لِأنَّها وقْتُ الرَّواحِ أمْلَأُ ضُرُوعًا وبُطُونًا مِنها وقْتَ سَراحِها لِلْمَرْعى.

وَأظْهَرُ أوْجُهِ الإعْرابِ في قَوْلِهِ: وزِينَةً [النحل: ٨]، أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ، مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ؛ أيْ: لِأجْلِ الرُّكُوبِ والزِّينَةِ.

16:6Page 267

وَلَكُمۡ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسۡرَحُونَ ٦

And for you in them is [the enjoyment of] beauty when you bring them in [for the evening] and when you send them out [to pasture].

No commentary for this ayah

16:7Page 268

وَتَحۡمِلُ أَثۡقَالَكُمۡ إِلَىٰ بَلَدٖ لَّمۡ تَكُونُواْ بَٰلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ ٱلۡأَنفُسِۚ إِنَّ رَبَّكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ ٧

And they carry your loads to a land you could not have reached except with difficulty to yourselves. Indeed, your Lord is Kind and Merciful.

No commentary for this ayah

16:8Page 268

وَٱلۡخَيۡلَ وَٱلۡبِغَالَ وَٱلۡحَمِيرَ لِتَرۡكَبُوهَا وَزِينَةٗۚ وَيَخۡلُقُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٨

And [He created] the horses, mules and donkeys for you to ride and [as] adornment. And He creates that which you do not know.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ (p-٣٣٥)يَخْلُقُ ما لا يَعْلَمُ المُخاطَبُونَ وقْتَ نُزُولِها، وأبْهَمَ ذَلِكَ الَّذِي يَخْلُقُهُ؛ لِتَعْبِيرِهِ عَنْهُ بِالمَوْصُولِ، ولَمْ يُصَرِّحْ هُنا بِشَيْءٍ مِنهُ، ولَكِنْ قَرِينَةُ ذِكْرِ ذَلِكَ في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ بِالمَرْكُوباتِ تَدُلُّ عَلى أنَّ مِنهُ ما هو مِنَ المَرْكُوباتِ، وقَدْ شُوهِدَ ذَلِكَ في إنْعامِ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ بِمَرْكُوباتٍ لَمْ تَكُنْ مَعْلُومَةً وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ: كالطّائِراتِ، والقِطاراتِ، والسَّيّاراتِ.

وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ إشارَةُ النَّبِيِّ ﷺ إلى ذَلِكَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ. قالَ مُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنا لَيْثٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي سَعِيدٍ، عَنْ عَطاءِ بْنِ مِيناءَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «واللَّهِ لَيَنْزِلَنَّ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عادِلًا فَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيبَ، ولَيَقْتُلَنَّ الخِنْزِيرَ، ولَيَضَعَنَّ الجِزْيَةَ، ولَتُتْرَكَنَّ القِلاصُ فَلا يُسْعى عَلَيْها، ولَتَذْهَبَنَّ الشَّحْناءُ والتَّباغُضُ والتَّحاسُدُ، ولَيَدْعُوَنَّ إلى المالِ فَلا يَقْبَلُهُ أحَدٌ» . اهـ.

وَمَحَلُّ الشّاهِدِ مِن هَذا الحَدِيثِ الصَّحِيحِ قَوْلُهُ ﷺ: «وَلَتُتْرَكَنَّ القِلاصُ فَلا يُسْعى عَلَيْها»؛ فَإنَّهُ قَسَمٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ سَتُتْرَكُ الإبِلُ فَلا يُسْعى عَلَيْها، وهَذا مُشاهَدٌ الآنَ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْ رُكُوبِها بِالمَراكِبِ المَذْكُورَةِ.

وَفِي هَذا الحَدِيثِ مُعْجِزَةٌ عُظْمى، تَدُلُّ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ ﷺ، وإنْ كانَتْ مُعْجِزاتُهُ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وسَلامُهُ - أكْثَرَ مِن أنْ تُحْصَرَ.

وَهَذِهِ الدَّلالَةُ الَّتِي ذَكَرْنا تُسَمّى دَلالَةَ الِاقْتَرانِ، وقَدْ ضَعَّفَها أكْثَرُ أهْلِ الأُصُولِ، كَما أشارَ لَهُ صاحِبُ مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ:

؎أمّا قِرانُ اللَّفْظِ في المَشْهُورِ فَلا يُساوِي في سِوى المَذْكُورِ

وَصَحَّحَ الِاحْتِجاجَ بِها بَعْضُ العُلَماءِ، ومَقْصُودُنا مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِها هُنا أنَّ ذِكْرَ: ﴿وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨] في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ بِالمَرْكُوباتِ لا يَقِلُّ عَنْ قَرِينَةٍ دالَّةٍ عَلى أنَّ الآيَةَ تُشِيرُ إلى أنَّ مِنَ المُرادِ بِها بَعْضَ المَرْكُوباتِ، كَما قَدْ ظَهَرَتْ صِحَّةُ ذَلِكَ بِالعِيانِ.

وَقَدْ ذُكِرَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: أنَّهُ يَخْلُقُ ما لا يَعْلَمُهُ خَلْقُهُ غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِالِامْتِنانِ بِالمَرْكُوباتِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ ومِن أنْفُسِهِمْ ومِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٦] .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском