Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
محمد
Muhammad
Muhammad · Medinan · 38 ayahs
47:1Page 507
ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ ١
Those who disbelieve and avert [people] from the way of Allāh - He will waste their deeds.1
(p-٢٤٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ مُحَمَّدٍ
سُورَةُ القِتالِ وهي سُورَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وهو الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ وأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِن رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَهُمْ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، قالَ بَعْضُهم: هو مِنَ الصُّدُودِ؛ لِأنَّ صَدَّ في الآيَةِ لازِمَةٌ.
وَقالَ بَعْضُهم: هو مِنَ الصَّدِّ؛ لِأنَّ صَدَّ في الآيَةِ مُتَعَدِّيَةٌ.
وَعَلَيْهِ فالمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ صَدُّوا غَيْرَهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، أيْ عَنِ الدُّخُولِ في الإسْلامِ.
وَهَذا القَوْلُ الأخِيرُ هو الصَّوابُ؛ لِأنَّهُ عَلى القَوْلِ بِأنَّ صَدَّ لازِمَةٌ، فَإنَّ ذَلِكَ يَكُونُ تَكْرارًا مَعَ قَوْلِهِ: كَفَرُوا؛ لِأنَّ الكُفْرَ هو أعْظَمُ أنْواعِ الصُّدُودِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ.
وَأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ صَدَّ مُتَعَدِّيَةٌ فَلا تَكْرارَ؛ لِأنَّ المَعْنى أنَّهم ضالُّونَ في أنْفُسِهِمْ، مُضِلُّونَ لِغَيْرِهِمْ بِصَدِّهِمْ إيّاهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”النَّحْلِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهُمْ﴾ الآيَةَ [النحل: ٩٧]، أنَّ اللَّفْظَ إذا دارَ بَيْنَ التَّأْكِيدِ والتَّأْسِيسِ وجَبَ حَمْلُهُ عَلى التَّأْسِيسِ، إلّا بِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ أبْطَلَ ثَوابَها، فَما عَمِلَهُ الكافِرُ مِن حَسَنٍ في الدُّنْيا، كَقَرْيِ الضَّيْفِ، وبِرِّ الوالِدَيْنِ، وحَمْيِ الجارِ، وصِلَةِ الرَّحِمِ، والتَّنْفِيسِ عَنِ المَكْرُوبِ، يَبْطُلُ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَضْمَحِلُّ ويَكُونُ لا أثَرَ لَهُ، كَما قالَ تَعالى: (p-٢٤٥)﴿وَقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] . وهَذا هو الصَّوابُ في مَعْنى الآيَةِ.
وَقِيلَ: أضَلَّ أعْمالَهم، أيْ أبْطَلَ كَيْدَهُمُ الَّذِي أرادُوا أنْ يَكِيدُوا بِهِ النَّبِيَّ ﷺ .
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وهو الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ أيْ غَفَرَ لَهم ذُنُوبَهم وتَجاوَزَ لَهم عَنْ أعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ ﴿وَأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ أيْ أصْلَحَ لَهم شَأْنَهم وحالَهم إصْلاحًا لا فَسادَ مَعَهُ، وما ذَكَرَهُ - جَلَّ وعَلا - هُنا في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ مِن أنْ يُبْطِلَ أعْمالَ الكافِرِينَ، ويُبْقِيَ أعْمالَ المُؤْمِنِينَ - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها وهم فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الفاتحة: ١٥ - ١٦] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٣ - ٢٤] .
وَقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِهَذا مَعَ بَعْضِ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِيهِ، مَعَ زِيادَةِ إيضاحٍ مُهِمَّةٍ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] . وفي سُورَةِ ”النَّحْلِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ﴾ الآيَةَ [النحل: ٩٧] . وذَكَرْنا طَرَفًا مِنهُ في سُورَةِ ”الأحْقافِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها﴾ الآيَةَ [الأحقاف: ٢٠] .
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أصْلُهُ مِنَ الضَّلالِ بِمَعْنى الغَيْبَةِ والِاضْمِحْلالِ، لا مِنَ الضّالَّةِ كَما زَعَمَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿وَضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٤] .
وَقَدْ قَدَّمْنا مَعانِيَ الضَّلالِ في القُرْآنِ واللُّغَةِ في سُورَةِ ”الشُّعَراءِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٢٠] . وفي آخِرِ ”الكَهْفِ“ في الكَلامِ (p-٢٤٦)عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ الآيَةَ [الكهف: ١٠٤] . وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ في أوَّلِ سُورَةِ ”الكَهْفِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٢] . وفي سُورَةِ ”النَّحْلِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ﴾ الآيَةَ [النحل: ٩٧] .
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ﴾ [محمد: ٢] .
قالَ فِيهِ ابْنُ كَثِيرٍ: هو عَطْفُ خاصٍّ عَلى عامٍّ، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ شَرْطٌ في صِحَّةِ الإيمانِ بَعْدَ بِعْثَتِهِ ﷺ . ا هـ مِنهُ.
وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [هود: ١٧] .
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: وهو الحَقُّ جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ تَتَضَمَّنُ شَهادَةَ اللَّهِ بِأنَّ هَذا القُرْآنَ المُنَزَّلَ عَلى هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ ﷺ هو الحَقُّ مِنَ اللَّهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهو الحَقُّ﴾ [الأنعام: ٦٦] . قالَ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلى الكافِرِينَ وإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ [ ٦٩
- ٥١ ] . وقالَ تَعالى: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَبِّكم فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ الآيَةَ [يونس: ١٠٨] . وقالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالحَقِّ مِن رَبِّكُمْ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٧٠] . والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ وأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِن رَبِّهِمْ﴾ [محمد: ٣] أيْ ذَلِكَ المَذْكُورُ مِن إضْلالِ أعْمالِ الكُفّارِ، أيْ إبْطالِها واضْمِحْلالِها وبَقاءِ ثَوابِ أعْمالِ المُؤْمِنِينَ، وتَكْفِيرِ سَيِّئاتِهِمْ وإصْلاحِ حالِهِمْ، كُلُّهُ واقِعٌ بِسَبَبِ أنَّ الكُفّارَ اتَّبَعُوا الباطِلَ، ومَنِ اتَّبَعَ الباطِلَ فَعَمَلُهُ باطِلٌ.
والزّائِلُ المُضْمَحِلُّ تُسَمِّيهِ العَرَبُ باطِلًا، وضِدُّهُ الحَقُّ.
وَبِسَبَبِ أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ، ومُتَّبِعُ الحَقِّ أعْمالُهُ حَقٌّ، فَهي ثابِتَةٌ باقِيَةٌ، لا زائِلَةٌ مُضْمَحِلَّةٌ.
(p-٢٤٧)وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أنَّ اخْتِلافَ الأعْمالِ يَسْتَلْزِمُ اخْتِلافَ الثَّوابِ، لا يَتَوَهَّمُ اسْتِواءَهُما إلّا الكافِرُ الجاهِلُ الَّذِي يَسْتَوْجِبُ الإنْكارَ عَلَيْهِ - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٥ - ٣٦] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ [ص: ٢٨] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهم ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١] .
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَهُمْ﴾ .
قالَ فِيهِ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: أيْنَ ضَرْبُ الأمْثالِ ؟
قُلْتُ: في جَعْلِ اتِّباعِ الباطِلِ مَثَلًا لِعَمَلِ الكُفّارِ، واتِّباعِ الحَقِّ مَثَلًا لِعَمَلِ المُؤْمِنِينَ. أوْ في أنَّ جَعَلَ الإضْلالَ مَثَلًا لِخَيْبَةِ الكُفّارِ، وتَكْفِيرَ السَّيِّئاتِ مَثَلًا لِفَوْزِ المُؤْمِنِينَ. ا هـ مِنهُ.
وَأصْلُ ضَرْبِ الأمْثالِ يُرادُ مِنهُ بَيانُ الشَّيْءِ بِذِكْرِ نَظِيرِهِ الَّذِي هو مَثَلٌ لَهُ.
47:2Page 507
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَءَامَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٖ وَهُوَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡ كَفَّرَ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَأَصۡلَحَ بَالَهُمۡ ٢
And those who believe and do righteous deeds and believe in what has been sent down upon Muḥammad - and it is the truth from their Lord - He will remove from them their misdeeds and amend their condition.
No commentary for this ayah
47:3Page 507
ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلۡبَٰطِلَ وَأَنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلۡحَقَّ مِن رَّبِّهِمۡۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ أَمۡثَٰلَهُمۡ ٣
That is because those who disbelieve follow falsehood, and those who believe follow the truth from their Lord. Thus does Allāh present to the people their comparisons.1
No commentary for this ayah
47:4Page 507
فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرۡبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَثۡخَنتُمُوهُمۡ فَشُدُّواْ ٱلۡوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّۢا بَعۡدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلۡحَرۡبُ أَوۡزَارَهَاۚ ذَٰلِكَۖ وَلَوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَٱنتَصَرَ مِنۡهُمۡ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَاْ بَعۡضَكُم بِبَعۡضٖۗ وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٤
So when you meet those who disbelieve [in battle], strike [their] necks until, when you have inflicted slaughter upon them, then secure [their] bonds,1 and either [confer] favor2 afterwards or ransom [them] until the war lays down its burdens.3 That [is the command]. And if Allāh had willed, He could have taken vengeance upon them [Himself], but [He ordered armed struggle] to test some of you by means of others. And those who are killed in the cause of Allāh - never will He waste their deeds.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: فَضَرْبَ الرِّقابِ مَصْدَرٌ نائِبٌ عَنْ فِعْلِهِ، وهو بِمَعْنى فِعْلِ الأمْرِ، ومَعْلُومٌ أنَّ صِيَغَ الأمْرِ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ أرْبَعٌ: وهي فِعْلُ الأمْرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٧٨] .
واسْمُ فِعْلِ الأمْرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ الآيَةَ [المائدة: ١٠٥] .
والفِعْلُ المُضارِعُ المَجْزُومُ بِلامِ الأمْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهم ولْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ الآيَةَ [الحج: ٢٩] .
والمَصْدَرُ النّائِبُ عَنْ فِعْلِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾، أيْ فاضْرِبُوا رِقابَهم، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهُمْ﴾، أيْ أوَجُعْتُمْ فِيهِمْ قَتْلًا.
(p-٢٤٨)فالإثْخانُ هو الإكْثارُ مِن قَتْلِ العَدُوِّ حَتّى يَضْعُفَ ويَثْقُلَ عَنِ النُّهُوضِ.
وَقَوْلُهُ: فَشُدُّوا الوَثاقَ، أيْ فَأْسِرُوهم، والوَثاقُ - بِالفَتْحِ والكَسْرِ - اسْمٌ لِما يُؤْسَرُ بِهِ الأسِيرُ مِن قَيْدٍ ونَحْوِهِ.
وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِنَ الأمْرِ بِقَتْلِ الكُفّارِ حَتّى يُثْخِنَهُمُ المُسْلِمُونَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَأْسِرُونَهم - جاءَ مُوَضَّحًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٦٨] . وقَدْ أمَرَ بِقَتْلِهِمْ في آياتٍ أُخَرَ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٥] .
• وقَوْلِهِ: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ [الأنفال: ١٢] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ الآيَةَ [التوبة: ٣٦] .
• وقَوْلِهِ: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٥٧] .
وقَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ أيْ فَإمّا تَمُنُّونَ عَلَيْهِمْ مَنًّا، أوْ تُفادُونَهم فِداءً.
وَمَعْلُومٌ أنَّ المَصْدَرَ إذا سِيقَ لِتَفْصِيلٍ وجَبَ حَذْفُ عامِلِهِ، كَما قالَ في الخُلاصَةِ:
؎وَما لِتَفْصِيلٍ كَإمّا مَنّا عامِلُهُ يُحْذَفُ حَيْثُ عَنّا
وَمِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَأجْهَدَنَّ فَإمّا دَرْءَ واقِعَةٍ تُخْشى ∗∗∗ وإمّا بُلُوغُ السُّؤْلِ والأمَلِ
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِالآياتِ الَّتِي ذَكَرْنا قَبْلَها، ومِمَّنْ يُرْوى عَنْهُ هَذا القَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ وابْنُ جُرَيْجٍ.
وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ما يُؤَيِّدُهُ.
وَنَسْخُ هَذِهِ الآيَةِ هو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَإنَّهُ لا يَجُوزُ عِنْدَهُ المَنُّ ولا الفِداءُ؛ لِأنَّ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ عِنْدَهُ، بَلْ يُخَيَّرُ عِنْدَهُ الإمامُ بَيْنَ القَتْلِ والِاسْتِرْقاقِ.
وَمَعْلُومٌ أنَّ آياتِ السَّيْفِ النّازِلَةَ في بَراءَةٍ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ القِتالِ هَذِهِ.
وَأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ يَقُولُونَ: إنَّ الآيَةَ لَيْسَتْ مَنسُوخَةً، وإنَّ جَمِيعَ الآياتِ المَذْكُورَةَ (p-٢٤٩)مُحْكَمَةٌ، فالإمامُ مُخَيَّرٌ، ولَهُ أنْ يَفْعَلَ ما رَآهُ مَصْلَحَةً لِلْمُسْلِمِينَ مِن مَنٍّ وفِداءٍ وقَتْلٍ واسْتِرْقاقٍ.
قالُوا: قَتَلَ النَّبِيُّ ﷺ عُقْبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ والنَّضْرَ بْنَ الحارِثِ أسِيرَيْنِ يَوْمَ بَدْرٍ، وأخَذَ فِداءَ غَيْرِهِما مِنَ الأُسارى.
وَمَنَّ عَلى ثُمامَةَ بْنِ أُثالٍ سَيِّدِ بَنِي حَنِيفَةَ، وكانَ يَسْتَرِقُّ السَّبْيَ مِنَ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ.
وَقالَ الشَّوْكانِيُّ في نَيْلِ الأوْطارِ: والحاصِلُ أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ في جِنْسِ أسارى الكُفّارِ جَوازُ القَتْلِ والمَنِّ والفِداءِ والِاسْتِرْقاقِ، فَمَنِ ادَّعى أنَّ بَعْضَ هَذِهِ الأُمُورِ تَخْتَصُّ بِبَعْضِ الكُفّارِ دُونَ بَعْضٍ لَمْ يُقْبَلْ مِنهُ ذَلِكَ إلّا بِدَلِيلٍ ناهِضٍ يُخَصَّصُ العُمُوماتِ، والمُجَوَّزُ قائِمٌ في مَقامِ المَنعِ، وقَوْلُ عَلِيٍّ وفِعْلُهُ عِنْدَ بَعْضِ المانِعِينَ مِنِ اسْتِرْقاقِ ذُكُورِ العَرَبِ حُجَّةٌ، وقَدِ اسْتَرَقَّ بَنِي ناجِيَةَ ذُكُورَهم وإناثَهم وباعَهم، كَما هو مَشْهُورٌ في كُتُبِ السِّيَرِ والتَّوارِيخِ اهـ مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ.
وَمَعْلُومٌ أنَّ بَنِي ناجِيَةَ مِنَ العَرَبِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: لَمْ يَخْتَلِفِ المُسْلِمُونَ في جَوازِ المِلْكِ بِالرِّقِّ.
وَمَعْلُومٌ أنَّ سَبَبَهُ أسْرُ المُسْلِمِينَ الكُفّارَ في الجِهادِ، واللَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى - في كِتابِهِ يُعَبِّرُ عَنِ المِلْكِ بِالرِّقِّ بِعِبارَةٍ هي أبْلَغُ العِباراتِ، في تَوْكِيدِ ثُبُوتِ مِلْكِ الرَّقِيقِ، وهي مِلْكُ اليَمِينِ؛ لِأنَّ ما مَلَكَتْهُ يَمِينُ الإنْسانِ فَهو مَمْلُوكٌ لَهُ تَمامًا، وتَحْتَ تَصَرُّفِهِ تَمامًا،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] .
• وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ في سُورَةِ ”قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ“ [المؤمنون: ٥ - ٦] . و ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ [المعارج: ٢٩ - ٣٠] .
• وقَوْلِهِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ [النساء: ٢٤] .
• وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكم فَكاتِبُوهُمْ﴾ الآيَةَ [النور: ٣٣] .
• وقَوْلِهِ: ﴿والجارِ ذِي القُرْبى والجارِ الجُنُبِ والصّاحِبِ بِالجَنْبِ وابْنِ السَّبِيلِ وما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦] .
• وقَوْلِهِ: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ ولَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إلّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٥٢] .
• وقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ اللّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٥٠] .
• وقَوْلِهِ: (p-٢٥٠)﴿أوْ نِسائِهِنَّ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١] .
• وقَوْلِهِ: ﴿وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾ [النحل: ٧١] .
• وقَوْلِهِ: ﴿فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ [النحل: ٧١] .
• وقَوْلِهِ: ﴿هَلْ لَكم مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن شُرَكاءَ﴾ الآيَةَ [الروم: ٢٨] .
فالمُرادُ بِمِلْكِ اليَمِينِ في جَمِيعِ هَذِهِ الآياتِ كُلِّها المِلْكُ بِالرِّقِّ، والأحادِيثُ والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ يَتَعَذَّرُ حَصْرُها، وهي مَعْلُومَةٌ، فَلا يُنْكِرُ الرِّقَّ في الإسْلامِ إلّا مُكابِرٌ أوْ مُلْحِدٌ أوْ مَن لا يُؤْمِنُ بِكِتابِ اللَّهِ ولا بِسُّنَّةِ رَسُولِهِ.
وَقَدْ قَدَّمْنا حِكْمَةَ المِلْكِ بِالرِّقِّ وإزالَةَ الإشْكالِ في مِلْكِ الرَّقِيقِ المُسْلِمِ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] .
وَمِنَ المَعْلُومِ أنَّ كَثِيرًا مِن أجِلّاءِ عُلَماءِ المُسْلِمِينَ ومُحَدِّثِيهِمُ الكِبارِ كانُوا أرِقّاءَ مَمْلُوكِينَ، أوْ أبْناءَ أرِقّاءَ مَمْلُوكِينَ.
فَهَذا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ كانَ أبُوهُ سِيرِينُ عَبْدًا لِأنَسِ بْنِ مالِكٍ.
وَهَذا مَكْحُولٌ كانَ عَبْدًا لِامْرَأةٍ مِن هُذَيْلٍ، فَأعْتَقَتْهُ.
وَمِثْلُ هَذا أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى، كَما هو مَعْلُومٌ.
واعْلَمْ أنَّ ما يَدَّعِيهِ بَعْضٌ مِنَ المُتَعَصِّبِينَ لِنَفْيِ الرِّقِّ في الإسْلامِ مِن أنَّ آيَةَ ”القِتالِ“ هَذِهِ دَلَّتْ عَلى نَفْيِ الرِّقِّ مِن أصْلِهِ؛ لِأنَّها أوْجَبَتْ واحِدًا مِن أمْرَيْنِ لا ثالِثَ لَهُما، وهُما المَنُّ والفِداءُ فَقَطْ - فَهو اسْتِدْلالٌ ساقِطٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ فِيهِ اسْتِدْلالًا بِالآيَةِ، عَلى شَيْءٍ لَمْ يَدْخُلْ فِيها، ولَمْ تَتَناوَلْهُ أصْلًا، والِاسْتِدْلالُ إنْ كانَ كَذَلِكَ فَسُقُوطُهُ كَما تَرى.
وَإيضاحُ ذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي فِيها تَقْسِيمُ حُكْمِ الأُسارى إلى مَنٍّ وفِداءٍ، لَمْ تَتَناوَلْ قَطْعًا إلّا الرِّجالَ المُقاتِلِينَ مِنَ الكُفّارِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾، وقَوْلَهُ: ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ - صَرِيحٌ في ذَلِكَ كَما تَرى.
وَعَلى إثْخانِ هَؤُلاءِ المُقاتِلِينَ رَتَّبَ بِالفاءِ قَوْلَهُ: ﴿فَشُدُّوا الوَثاقَ﴾ .
فَظَهَرَ أنَّ الآيَةَ لَمْ تَتَناوَلْ أُنْثى ولا صَغِيرًا البَتَّةَ.
وَيَزِيدُ ذَلِكَ إيضاحًا أنَّ النَّهْيَ عَنْ قَتْلِ نِساءِ الكُفّارِ وصِبْيانِهِمْ ثابِتٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (p-٢٥١)وَأكْثَرُ أهْلِ الرِّقِّ في أقْطارِ الدُّنْيا إنَّما هو مِنَ النِّساءِ والصِّبْيانِ.
وَلَوْ كانَ الَّذِي يَدَّعِي نَفْيَ الرِّقِّ مِن أصْلِهِ يَعْتَرِفُ بِأنَّ الآيَةَ، لا يُمْكِنُ أنْ يُسْتَدَلَّ بِها عَلى شَيْءٍ غَيْرِ الرِّجالِ المُقاتِلِينَ، لِقَصْرِ نَفْيِ الرِّقِّ الَّذِي زَعَمَهُ عَلى الرِّجالِ الَّذِينَ أُسِرُوا في حالَ كَوْنِهِمْ مُقاتِلِينَ، ولَوْ قَصَرَهُ عَلى هَؤُلاءِ، لَمْ يُمْكِنْهُ أنْ يَقُولَ بِنَفْيِ الرِّقِّ مَن أصْلِهِ كَما تَرى.
الوَجْهُ الثّانِي: هو ما قَدَّمَنا مِنَ الأدِلَّةِ عَلى ثُبُوتِ الرِّقِّ في الإسْلامِ. وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ أيْ: إذا لَقِيتُمُ الكُفّارَ فاضْرِبُوا أعْناقَهم ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ قَتْلًا فَأْسِرُوهم ﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ أيْ حَتّى تَنْتَهِيَ الحَرْبُ.
وَأظْهَرُ الأقْوالِ في مَعْنى وضْعِ الحَرْبِ أوْزارَها أنَّهُ وضْعُ السِّلاحِ، والعَرَبُ تُسَمِّي السِّلاحَ وزَرًا، وتُطْلِقُ العَرَبُ الأوْزارَ عَلى آلاتِ الحَرْبِ وما يُساعِدُ فِيها كالخَيْلِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: وأعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أوْزارَها رِماحًا طُوالًا وخَيْلًا ذُكُورًا وفي مَعْنى أوْزارِ الحَرْبِ أقْوالٌ أُخَرُ مَعْرُوفَةٌ تَرَكْناها، لِأنَّ هَذا أظْهَرُها عِنْدَنا. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
No commentary for this ayah
47:6Page 507
وَيُدۡخِلُهُمُ ٱلۡجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمۡ ٦
And admit them to Paradise, which He has made known to them.
No commentary for this ayah
47:7Page 507
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ ٧
O you who have believed, if you support Allāh, He will support you and plant firmly your feet.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكم ويُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ﴾ . ذَكَرَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ المُؤْمِنِينَ، إنْ نَصَرُوا رَبَّهم، نَصَرَهم عَلى أعْدائِهِمْ، وثَبَّتَ أقْدامَهم، أيْ عَصَمَهم مِنَ الفِرارِ والهَزِيمَةِ.
وَقَدْ أوْضَحَ هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ، وبَيَّنَ في بَعْضِها صِفاتِ الَّذِينَ وعَدَهم بِهَذا النَّصْرِ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠]، ثُمَّ بَيَّنَ صِفاتِ المَوْعُودِينَ بِهَذا النَّصْرِ في قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَهُ: ﴿الَّذِينَ إنْ مَكَّنّاهم في الأرْضِ أقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ وأمَرُوا بِالمَعْرُوفِ ونَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ ولِلَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١]،
• وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [غافر: ٥١]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وَإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
(p-٢٥٢)وَقَوْلُهُ تَعالى في بَيانِ صِفاتِ مَن وعَدَهم بِالنَّصْرِ في الآياتِ المَذْكُورَةِ: ﴿الَّذِينَ إنْ مَكَّنّاهم في الأرْضِ أقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ وأمَرُوا بِالمَعْرُوفِ﴾ [الحج: ٤١] .
يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِينَ لا يُقِيمُونَ الصَّلاةَ، ولا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ، ولا يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ، ولا يَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ، لَيْسَ لَهم وعْدٌ مِنَ اللَّهِ بِالنَّصْرِ البَتَّةَ.
فَمَثَلُهم كَمَثَلِ الأجِيرِ الَّذِي لَمْ يَعْمَلْ لِمُسْتَأْجِرِهِ شَيْئًا، ثُمَّ جاءَهُ يَطْلُبُ مِنهُ الأُجْرَةَ.
فالَّذِينَ يَرْتَكِبُونَ جَمِيعَ المَعاصِي مِمَّنْ يَتَسَمَّوْنَ بِاسْمِ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ سَيَنْصُرُنا - مَغْرُرُونَ؛ لِأنَّهم لَيْسُوا مِن حِزْبِ اللَّهِ المَوْعُودِينَ بِنَصْرِهِ كَما لا يَخْفى.
وَمَعْنى نَصْرِ المُؤْمِنِينَ لِلَّهِ - نَصْرُهم لِدِينِهِ ولِكِتابِهِ، وسَعْيُهم وجِهادُهم في أنْ تَكُونَ كَلِمَتُهُ هي العُلْيا، وأنْ تُقامَ حُدُودُهُ في أرْضِهِ، وتُمْتَثَلَ أوامِرُهُ وتُجْتَنَبَ نَواهِيهِ، ويُحْكَمَ في عِبادِهِ بِما أنْزَلَ عَلى رَسُولِهِ - ﷺ .
47:8Page 507
وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعۡسٗا لَّهُمۡ وَأَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٨
But those who disbelieve - for them is misery, and He will waste their deeds.
No commentary for this ayah
47:9Page 507
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأَحۡبَطَ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٩
That is because they disliked what Allāh revealed, so He rendered worthless their deeds.
No commentary for this ayah
47:10Page 507
۞ أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡۖ وَلِلۡكَٰفِرِينَ أَمۡثَٰلُهَا ١٠
Have they not traveled through the land and seen how was the end of those before them? Allāh destroyed [everything] over them,1 and for the disbelievers is something comparable.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ . قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ في سُورَةِ هُودٍ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣]، وأحَلْنا عَلى الآياتِ المُوَضِّحَةِ لِذَلِكَ في سُورَةِ الرُّومِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وأثارُوا الأرْضَ﴾ [الروم: ٩]، وأوْضَحْناها في الزُّخْرُفِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا﴾ [الزخرف: ٨]، وفي الأحْقافِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ﴾ [الأحقاف: ٢٦]، وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ.
47:11Page 507
ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوۡلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَّ ٱلۡكَٰفِرِينَ لَا مَوۡلَىٰ لَهُمۡ ١١
That is because Allāh is the protector of those who have believed and because the disbelievers have no protector.
No commentary for this ayah
47:12Page 508
إِنَّ ٱللَّهَ يُدۡخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأۡكُلُونَ كَمَا تَأۡكُلُ ٱلۡأَنۡعَٰمُ وَٱلنَّارُ مَثۡوٗى لَّهُمۡ ١٢
Indeed, Allāh will admit those who have believed and done righteous deeds to gardens beneath which rivers flow, but those who disbelieve enjoy themselves and eat as grazing livestock eat, and the Fire will be a residence for them.
No commentary for this ayah
47:13Page 508
وَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةٗ مِّن قَرۡيَتِكَ ٱلَّتِيٓ أَخۡرَجَتۡكَ أَهۡلَكۡنَٰهُمۡ فَلَا نَاصِرَ لَهُمۡ ١٣
And how many a city was stronger than your city [i.e., Makkah] which drove you out? We destroyed them; and there was no helper for them.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجَتْكَ أهْلَكْناهم فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ . الآياتُ الَّتِي تُوَضِّحُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ، هي المُشارُ إلَيْها في نَفْسِ الآيَةِ، الَّتِي ذَكَرْنا قَبْلَها.
وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، مِن إخْراجِ كُفّارِ مَكَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مِنها بَيَّنَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ وقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكم مِنَ الحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وإيّاكُمْ﴾ [الممتحنة: ]، (p-٢٥٣)وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: - ٣٠] .
وَقَدْ أخْرَجُوهُ فِعْلًا بِمَكْرِهِمُ المَذْكُورِ، وبَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ وأصْحابَهُ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ لا ذَنْبَ لَهم يَسْتَوْجِبُونَ بِهِ الإخْراجَ إلّا الإيمانَ بِاللَّهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إلّا أنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ [الحج: ٤٠]، وقالَ تَعالى: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وإيّاكم أنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ [الممتحنة: ١]، أيْ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وإيّاكم لِأجْلِ إيمانِكم بِرَبِّكم.
وَقالَ تَعالى في إخْراجِهِمْ لَهُ: ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهم وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ﴾ [التوبة: ١٣]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَرَأ هَذا الحَرْفَ عامَّةُ السَّبْعَةِ، غَيْرَ ابْنِ كَثِيرٍ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَ الكافِ وياءٍ مُشَدَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ ونُونٍ ساكِنَةٍ.
وَقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ: ”وَكائِنْ“ بِألِفٍ بَعْدِ الكافِ، وهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ.
وَكُلُّهم عِنْدُ الوَقْفِ يَقِفُونَ عَلى النُّونِ السّاكِنَةِ، كَحالِ الصِّلَةِ، إلّا أبا عَمْرٍو فَإنَّهُ يَقِفُ عَلى الياءِ.
وَقَدْ قَدَّمْنا أوْجُهَ القِراءَةِ في ”كَأيِّنْ“ ومَعْناها، وما فِيها مِنَ اللُّغاتِ، مَعَ بَعْضِ الشَّواهِدِ العَرَبِيَّةِ في سُورَةِ الحَجِّ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها وهي ظالِمَةٌ﴾ [الحج: ٤٥] .
47:14Page 508
أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّهِۦ كَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَهۡوَآءَهُم ١٤
So is he who is on clear evidence from his Lord like him to whom the evil of his work has been made attractive and they follow their [own] desires?
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences