At-TabariAl‑A'raf · 7:178–180

At-Tabari · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:178–180

7:178Page 173

مَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِيۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ١٧٨

Whoever Allāh guides - he is the [rightly] guided; and whoever He sends astray1 - it is those who are the losers.

القول في تأويل قوله : مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (178)

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: الهداية والإضلال بيد الله، و " المهتدي" =وهو السالك سبيل الحق، الراكبُ قصدَ المحجّة= في دينه، مَن هداه الله لذلك, فوفَّقه لإصابته. والضالُّ من خذله الله فلم يوفقه لطاعته, ومن فعل الله ذلك به فهو " الخاسر ": يعني الهالك.

* * *

وقد بيّنا معنى " الخسارة " و " الهداية "، و " الضلالة " في غير موضع من كتابنا هذا بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (153)

------------------------

الهوامش:

(153) انظر تفسير هذه الألفاظ في فهارس اللغة ( هدى ) ، ( خسر ) ، ( ضلل ) .

7:179Page 174

وَلَقَدۡ ذَرَأۡنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ لَهُمۡ قُلُوبٞ لَّا يَفۡقَهُونَ بِهَا وَلَهُمۡ أَعۡيُنٞ لَّا يُبۡصِرُونَ بِهَا وَلَهُمۡ ءَاذَانٞ لَّا يَسۡمَعُونَ بِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡغَٰفِلُونَ ١٧٩

And We have certainly created for Hell many of the jinn and mankind. They have hearts with which they do not understand, they have eyes with which they do not see, and they have ears with which they do not hear. Those are like livestock; rather, they are more astray.1 It is they who are the heedless.

القول في تأويل قوله : وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولقد خلقنا لجهنّم كثيرًا من الجن والإنس.

* * *

يقال منه: ذرأ الله خلقه يذرؤهم ذَرْءًا. (1)

* * *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك:

15443 - حدثني علي بن الحسين الأزدي قال: حدثنا يحيى بن يمان, عن مبارك بن فضالة, عن الحسن, في قوله: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرًا من الجن والإنس) قال: مما خلقنا. (2)

15444 - .... حدثنا أبو كريب قال: حدثنا ابن أبي زائدة, عن مبارك, عن الحسن, في قوله: (ولقد ذرأنا لجهنم) قال: خلقنا.

15445 - .... قال: حدثنا زكريا, عن عتاب بن بشير, عن علي بن بذيمة, عن سعيد بن جبير قال: أولاد الزنا ممّا ذرأ الله لجهنم.

15446 - قال: حدثنا زكريا بن عدي، وعثمان الأحول, عن مروان بن معاوية, عن الحسن بن عمرو, عن معاوية بن إسحاق, عن جليس له بالطائف, عن عبد الله بن عمرو, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله لما ذرأ لجهنم ما ذرأ, كان ولدُ الزنا ممن ذرأ لجهنم ". (3)

15447 - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط, عن السدي: (ولقد ذرأنا لجهنم)، يقول: خلقنا.

15448 - حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا أبو سعد قال: سمعت مجاهدًا يقول في قوله: (ولقد ذرأنا لجهنم) قال: لقد خلقنا لجهنم كثيرًا من الجن و الإنس.

15449 - حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله قال: حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: (ولقد ذرأنا لجهنم)، خلقنا.

* * *

قال أبو جعفر: وقال جل ثناؤه: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرًا من الجن والإنس )، لنفاذ علمه فيهم بأنهم يصيرون إليها بكفرهم بربِّهم.

* * *

وأما قوله: (لهم قلوبٌ لا يفقهون بها)، فإن معناه: لهؤلاء الذين ذرأهم الله لجهنم من خلقه قلوب لا يتفكرون بها في آيات الله, ولا يتدبرون بها أدلته على وحدانيته, ولا يعتبرون بها حُجَجه لرسله, (4) فيعلموا توحيد ربِّهم, ويعرفوا حقيقة نبوّة أنبيائهم. فوصفهم ربُّنا جل ثناؤه بأنهم: " لا يفقهون بها "، لإعراضهم عن الحق وتركهم تدبُّر صحة [نبوّة] الرسل، (5) وبُطُول الكفر. وكذلك قوله: (ولهم أعين لا يبصرون بها)، معناه: ولهم أعين لا ينظرون بها إلى آيات الله وأدلته, فيتأملوها ويتفكروا فيها, فيعلموا بها صحة ما تدعوهم إليه رسلهم, وفسادِ ما هم عليه مقيمون، من الشرك بالله، وتكذيب رسله; فوصفهم الله بتركهم إعمالها في الحقّ، بأنهم لا يبصرون بها. (6)

وكذلك قوله: (ولهم آذان لا يسمعون بها)، آيات كتاب الله، فيعتبروها ويتفكروا فيها, ولكنهم يعرضون عنها, ويقولون: لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ، [سورة فصلت: 26]. وذلك نظير وصف الله إياهم في موضع آخر بقوله: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ، [سورة البقرة: 171] .والعرب تقول ذلك للتارك استعمالَ بعض جوارحه فيما يصلح له, ومنه قول مسكين الدارمي:

أَعْمَــى إِذَا مَــا جَـارَتِي خَرَجَـتْ

حَــتَّى يُــوَارِيَ جَــارَتِي السِّـتْرُ (7)

وَأَصَــمُّ عَمَّـا كَـــانَ بَيْنَهُمَــا

سَــمْعِي وَمَـا بِالسَّـمْعِ مِـنْ وَقْــرِ

فوصف نفسه لتركه النظر والاستماع بالعمى والصمم. ومنه قول الآخر: (8) وَعَــوْرَاءُ اللِّئَــامِ صَمَمْـتُ عَنْهَـا

وَإِنِّــي لَــوْ أَشَــاءُ بِهَـا سَـمِيعُ (9)

وَبَـادِرَةٍ وَزَعْـــتُ النَّفْـسَ عَنْهَـا

وَقَـدْ تَثِقَـتْ مِـنَ الْغَضَـبِ الضُّلُـوعُ (10)

وذلك كثير في كلام العرب وأشعارها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* * *

* ذكر من قال ذلك:

15450 - حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا أبو سعد قال: سمعت مجاهدًا يقول في قوله: (لهم قلوب لا يفقهون بها) قال: لا يفقهون بها شيئًا من أمر الآخرة =(ولهم أعين لا يبصرون بها)، الهدى=(ولهم آذان لا يسمعون بها) الحقَّ، ثم جعلهم كالأنعام سواءً, ثم جعلهم شرًّا من الأنعام, (11) فقال: بَلْ هُمْ أَضَلُّ ، ثم أخبر أنهم هم الغافلون.

* * *

القول في تأويل قوله : أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179)

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (أولئك كالأنعام)، هؤلاء الذين ذرأهم لجهنم، هم كالأنعام, وهي البهائم التي لا تفقه ما يقال لها، (12) ولا تفهم ما أبصرته لما يصلح وما لا يَصْلُح، (13) ولا تعقل بقلوبها الخيرَ من الشر، فتميز بينهما. فشبههم الله بها, إذ كانوا لا يتذكَّرون ما يرون بأبصارهم من حُججه, ولا يتفكرون فيما يسمعون من آي كتابه. ثم قال: (بل هم أضل)، يقول: هؤلاء الكفرة الذين ذَرَأهم لجهنم، أشدُّ ذهابًا عن الحق، وألزم لطريق الباطل من البهائم، (14) لأن البهائم لا اختيار لها ولا تمييز، فتختار وتميز, وإنما هي مسَخَّرة، ومع ذلك تهرب من المضارِّ، وتطلب لأنفسها من الغذاء الأصلح. والذين وصفَ الله صفتهم في هذه الآية, مع ما أعطوا من الأفهام والعقول المميِّزة بين المصالح والمضارّ, تترك ما فيه صلاحُ دنياها وآخرتها، وتطلب ما فيه مضارّها, فالبهائم منها أسدُّ، وهي منها أضل، كما وصفها به ربُّنا جل ثناؤه.

وقوله: (أولئك هم الغافلون)، يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين وصفتُ صفتهم, القومُ الذين غفلوا =يعني: سهوًا (15) عن آياتي وحُججي, وتركوا تدبُّرها والاعتبارَ بها والاستدلالَ على ما دلّت عليه من توحيد ربّها, لا البهائم التي قد عرّفها ربُّها ما سخَّرها له.

----------------

الهوامش :

(1) انظر تفسير (( ذرأ )) فيما سلف 12 : 130 ، 131 ، وهناك زيادة في مصادره .

(2) ( 1) الأثر : 15443 - (( على بن الحسن الأزدي )) ، وفي المطبوعة والمخطوطة : (( على بن الحسين )) ، وتبعت ما مضى برقم 10258 ، لموافقته لما في تاريخ الطبري . وقد ذكرت هناك أنى لم أجد له ترجمة ، وبينت مواضع روايته عنه في التاريخ . ووقع هناك خطأ ، فإن الذي في الإسناد (( على بن الحسن )) ، وكتبت أنا في الهامش والتعليق : (( على بن الحسين )) ، وكذلك فعلت في الفهارس ، فليصحح ذلك . ووقع خطأ آخر في الفهارس ، كتبت رقم : ( 10285 ) ، وصوابه ( 10258 ) .

(3) الأثر : 15446 - (( زكريا بن عدى بن زريق التيمى )) ، شيخ أبي كريب ، وهو راوى الخبر ، ثقة جليل ، مضى برقم : 1566 .

(( عثمان الأحول )) ، شيخ أبي كريب ، هو (( عثمان بن سعيد القرشي )) ، الزيات الأحول الطيب الصائغ . مضى برقم : 137 ، 11547 .

و (( مروان بن معاوية الفزارى )) ، الحافظ الثقة ، مضى برقم : 1222 ، 3322 ، 3842 ، 7685 . و (( الحسن بن عمرو الفقيمى التميمى )) ، ثقة أخرج له البخاري في صحيحه ، مضى برقم : 3765 . و (( معاوية بن إسحق بن طلحة التيمى )) ، تابعى ثقة ، مضى برقم : 3226 . وهذا إسناد ضعيف ، لجهالة من روى عنه (( معاوية بن إسحق )) ، وهو(( جليس له بالطائف )) . وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 147 ، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم ، وأبي الشيخ وابن مردويه .

(4) انظر تفسير (( الفقه )) فيما سلف 11 : 572 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(5) في المطبوعة والمخطوطة : (( صحة الرشد )) ، ولا معنى لها ، واستظهرت الصواب من سياق تفسيره ، وزدت ] نبوة [ بين القوسين ، لتطلب الكلام لها .

(6) في المطبوعة : (( بأنهم لا يبصرون )) ، وأثبت ما في المخطوطة .

(7) أمالي المرتضى 1: 43 : 44 ثم 474 ، من قصيدة رواها وشرحها ، وخزانة الأدب 1 : 468 ، وصواب رواية البيت الأول : (( جارتى الخدر )) ، لأن قبله : مــا ضــر جــارى إذ أجـاوره

أن لا يكـــون لبيتـــه ســـتر

ورواية الشطر الثاني : (( سمعى ، وما بى غيره وقر )) ، بغير إقواء .

(8) هو عبد الله بن مرة العجلي .

(9) حماسة البحترى : 172 ، وأنسيت أين قراتها في غير الحماسة . والذي في حماسة البحترى : (( وعوراء الكلام )) ، وكانت في المخطوطة : و (( عوراء اللام )) ، وكأن الصواب ما في الحماسة .

و (( العوراء )) ، الكلمة القبيحة ، أو التي تهوى جهلا في غير عقل ولا رشد . ومن أجود ما قيل في ذلك ، قول حاتم الطائي ، أو الأعور الشني :وعَـوْرَاءُ جَـاءَتْ مِــنْ أخٍ فَرَدَدْتُهـا

بسَــالِمَةِ العَيْنيــن طَالِبــة عُـذْرَا

ولــو أنَّنـى إذ قَالهـا قلـتُ مثلَهـا

ولـم أعْـفُ عنهـا، أوْرَثتْ بيْنَنَا غَمْرَا

فـأعْرَضْتُ عَنْــهُ وانتظـرتُ به غَدا

لعــلَّ غــدًا يُبْـدِي لمنتظـرٍ أمْـرَا

وقلــتُ لـه: عـد بـالأخوة بينَنـا!

ولـم أتَّخِـذ مـا كـان من جَهْلِه قمرَا

لأنــزع ضبًّـا كامنًـا فـي فــؤادِه

وأُقَلِّـمُ أظفـارًا أطَـالَ بهــا الحـفرَا

(10) في المطبوعة : (( ولو بنيت من العصب )) ، وهو كلام فاسد ، غير ما في المخطوطة ، وكان فيها (( وقد نتقت من العصب )) ، غير منقوطة ، فلم يفهمها ، فأتى بما لا يعقل . وفي حماسة البحترى : (( إذا تيقت )) ، ووضع كسرة تحت التاء ، وفتح القاف . ولا معنى له .

و (( البادرة )) ، الخطأ والسقطات التي تسبق من المرء إذا ما غضب واحتد ، من فعل أو قول .

و ( وزع النفس عن الشيء )) ، كفها وحبسها . و (( تئق الرجل )) ، امتلأ غضباً وغيظاً . و (( التأق )) ، شدة الامتلاء حتى لا موضع لمزيد .

(11) في المخطوطة : (( ثم جعلهم كالأنعام ، ثم جعلهم سواء شراً من الأنعام )) ، فحذف ناشر المطبوعة كلمة (( سواء )) ، ولكنى أثبتها في حاق مكانها .

(12) انظر تفسير (( الأنعام )) فيما سلف 12 : 139 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(13) في المطبوعة : (( مما يصلح ، ومما لا يصلح )) ، أثبت ما في المخطوطة وهو جيد .

(14) انظر تفسير (( الضلال )) فيما سلف من فهارس اللغة ( ضلل ) .

(15) انظر تفسير (( غفل )) فيما سلف ص : 115 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

7:180Page 174

وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَاۖ وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلۡحِدُونَ فِيٓ أَسۡمَٰٓئِهِۦۚ سَيُجۡزَوۡنَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٨٠

And to Allāh belong the best names, so invoke Him by them. And leave [the company of] those who practice deviation concerning His names.1 They will be recompensed for what they have been doing.

القول في تأويل قوله : وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180)

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره (ولله الأسماء الحسنى)، , وهي كما قال ابن عباس: -

15451 - حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي, قال حدثني عمي ، قال حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها)، ومن أسمائه: " العزيز الجبار ", وكل أسمائه حسن.

15452 - حدثني يعقوب قال: حدثنا ابن علية, عن هشام بن حسّان, عن ابن سيرين, عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن لله تسعة وتسعين اسمًا, مائة إلا واحدًا, من أحصاها كُلَّها دخل الجنة ". (16)

* * *

وأما قوله: (وذروا الذين يلحدون في أسمائه)، فإنه يعني به المشركين. (17)

* * *

وكان إلحادهم في أسماء الله، أنهم عدَلوا بها عمّا هي عليه, فسموا بها آلهتهم وأوثانهم, وزادوا فيها ونقصوا منها, فسموا بعضها " اللات " اشتقاقًا منهم لها من اسم الله الذي هو " الله ", وسموا بعضها " العُزَّى " اشتقاقًا لها من اسم الله الذي هو " العزيز ".

* * *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك:

15453 - حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: ثني عمي قال: حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: (وذروا الذين يلحدون في أسمائه)، قال: إلحاد الملحدين: أن دعوا " اللات " في أسماء الله.

15454 - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد: (وذروا الذين يلحدون في أسمائه) قال: اشتقوا " العزى " من " العزيز ", واشتقوا " اللات " من " الله ".

* * *

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله (يلحدون).

فقال بعضهم: يكذّبون.

* ذكر من قال ذلك:

15455 - حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله قال: حدثني معاوية, عن ابن عباس, قوله: (وذروا الذين يلحدون في أسمائه) قال: الإلحاد: التكذيب.

* * *

وقال آخرون: معنى ذلك: يشركون.

* ذكر من قال ذلك.

15456- حدثني محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا أبو ثور, عن معمر, عن قتادة: (يلحدون) قال: يشركون. (18)

* * *

وأصل " الإلحاد " في كلام العرب: العدول عن القصد, والجورُ عنه, والإعراض. ثم يستعمل في كل معوَجّ غير مستقيم, ولذلك قيل للحْد القبر: " لحد ", لأنه في ناحية منه، وليس في وسطه. يقال منه: " ألحد فلانٌ يُلْحِد إلحادًا ", و " لَحد يلْحَد لَحْدًا ولُحُودًا ". (19) وقد ذكر عن الكسائي أنه كان يفرّق بين " الإلحاد " و " اللحٍْد ", فيقول في " الإلحاد ": إنه العدول عن القصد, وفي " اللحد " إنه الركون إلى الشيء. وكان يقرأ جميع ما في القرآن: (يُلْحِدُونَ) بضم الياء وكسر الحاء, إلا التي في النحل, فإنه كان يقرؤها: " يَلْحَدُون " بفتح الياء والحاء, (20) ويزعم أنه بمعنى الركون.

وأما سائر أهل المعرفة بكلام العرب، فيرون أن معناهما واحدٌ, وأنهما لغتان جاءتا في حرفٍ واحدٍ بمعنى واحد.

* * *

واختلفت القرأة في قراءة ذلك. فقرأته عامة قراء أهل المدينة وبعض البصريين والكوفيين: (يُلْحِدُون)، بضم الياء وكسر الحاء من " ألحد يُلْحِد " في جميع القرآن.

* * *

وقرأ ذلك عامة قراء أهل الكوفة: " يَلْحَدُونَ" بفتح الياء والحاء من " لَحَد يَلْحَدُ".

* * *

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك، أنهما لغتان بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ الصوابَ في ذلك. غير أنِّي أختار القراءة بضمِّ الياء على لغة من قال: " ألحد ", لأنها أشهر اللغتين وأفصحهما.

* * *

وكان ابن زيد يقول في قوله: (وذروا الذين يلحدون في أسمائه)، إنه منسوخٌ.

15457 - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد, في قوله: (وذَرُوا الذين يلحدون في أسمائه) قال: هؤلاء أهل الكفر, وقد نُسِخ, نَسَخه القتال.

* * *

= ولا معنى لما قال ابن زيد في ذلك من أنه منسوخ, لأن قوله: (وذروا الذين يلحدون في أسمائه)، ليس بأمر من الله لنبيّه صلى الله عليه وسلم بترك المشركين أن يقولوا ذلك، حتى يأذن له في قِتالهم, وإنما هو تهديدٌ من الله للملحدين في أسمائه، ووعيدٌ منه لهم, كما قال في موضع آخر: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ، [سورة الحجر: 3] الآية, وكقوله: لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ، [سورة العنكبوت: 66] وهو كلام خرج مخرج الأمر بمعنى الوعيد والتهديد, ومعناه: أنْ مَهِّل الذين يلحدون، يا محمد، في أسماء الله إلى أجل هم بالغوه, (21) فسوف يجزون، إذا جاءهم أجل الله الذي أجلهم إليه، (22) جزاءَ أعمالهم التي كانوا يعملونها قبل ذلك من الكفر بالله، والإلحاد في أسمائه، وتكذيب رسوله.

--------------

الهوامش :

(16) الأثر : 15452 - (( هشام بن حسان القردوسي )) ، ثقة . روى له الجماعة ، مضى برقم : 2827 ، 7287 ، 9837 ، 10258 . وهذا إسناد صحيح . رواه البخاري من طريق أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ( الفتح 5 : 262 / 11 : 180 - 194) ، شرحه ابن حجر مستقصى غاية الاستقصاء .

ورواه مسلم في صحيحه ، من مثل طريق البخاري ، ثم من طريق معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة ( مسلم 17 : 4 ، 5 ) .

ورواه أحمد في مسنده من طرق ، رقم : 7493 ، 7612 ، 8131 ، 9509 ، 10486 ، 10539 ، 10696 . وانظر تخريجه هناك .

وفي بعض طرقه زيادة : (( وإن الله وتر يحب الوتر )) أو (( إنه وتر يحب الوتر )) .

(17) انظر تفسير (( ذر )) فيما سلف من فهارس اللغة ( وذر ) .

(18) الأثر : 10456 - (( ابن ثور )) هو ((محمد بن ثور الصنعانى )) ، مضى في الإسناد مرارًا ، آخره رقم : 15437 ، حيث صححت خطأ آخر هناك . ثم ما سيأتي: 15459 . وكان في المطبوعة والمخطوطة هنا (( حدثنا أبو ثور )) ، وهو خطأ محض .

(19) ( 2 ) المصدر الثاني (( اللحود )) ، قلما نجده في معاجم اللغة ، فقيده .

(20) آية سورة النحل : 103 على قراءة الكسائى : "لِسَانُ الَّذِي يَلْحَدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ " . وهي قراءة عامة قرأة أهل الكوفة / كما قال بن جرير بعد في تفسيره 14 : 120 ( بولاق ) ، ولم يفرد الكسائي بالذكر هناك ، لأنه خالفهم في قراءة الحرف في غير هذا الموضع .

(21) في المطبوعة : (( أن تمهل )) لم يحسن قراءة المخطوطة .

(22) في المطبوعة : (( الذي أجله إليهم )) ، غير الضمائر ، فأفسد الكلام إفساداً

Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском