Ibn 'UthayminAl‑Kahf · 18:1–12

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

الكهف

Al-Kahf

The Cave · Meccan · 110 ayahs

18:1–5Page 293

ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ ٱلۡكِتَٰبَ وَلَمۡ يَجۡعَل لَّهُۥ عِوَجَاۜ ١

[All] praise is [due] to Allāh, who has sent down upon His Servant [Muḥammad (ﷺ)] the Book and has not made therein any deviance.1

قَيِّمٗا لِّيُنذِرَ بَأۡسٗا شَدِيدٗا مِّن لَّدُنۡهُ وَيُبَشِّرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرًا حَسَنٗا ٢

[He has made it] straight, to warn of severe punishment from Him and to give good tidings to the believers who do righteous deeds that they will have a good reward [i.e., Paradise]

مَّٰكِثِينَ فِيهِ أَبَدٗا ٣

In which they will remain forever

وَيُنذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗا ٤

And to warn those who say, "Allāh has taken a son."

مَّا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٖ وَلَا لِأٓبَآئِهِمۡۚ كَبُرَتۡ كَلِمَةٗ تَخۡرُجُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبٗا ٥

They have no knowledge of it,1 nor had their fathers. Grave is the word that comes out of their mouths; they speak not except a lie.

﴿الْحَمْدُ﴾: هو وصف المحمود بالكمال محبة وتعظيمًا، هذا الحمد؛ أن تصف المحمود بالكمال محبة وتعظيمًا، وبقولنا: محبة وتعظيمًا خرج المدح؛ لأن المدح لا يستلزم المحبة والتعظيم، بل قد يمدح الإنسان شخصًا لا يساوي فلسًا، لكن لرجاء منفعة أو دفع مضرة، أما الحمد فإنه وصف بالكمال مع المحبة والتعظيم.

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ هذا اسم علم على الله عز وجل مختص به لا يُحمد به غيره، وهو علم على الذات المقدسة تبارك وتعالى.

﴿الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ الجملة الآن ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ﴾ هل هي خبر أراد الله سبحانه وتعالى أن يخبر عباده بأنه محمود، أو هي إرشاد وتوجيه على أن نحمد الله عز وجل على هذا، أو الجميع؟

الجميع، وهو خبر من الله عن نفسه، وهو إرشاد لنا أن نحمده عز وجل على ذلك.

﴿الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾، ﴿عَبْدِهِ﴾ يعني محمدًا ﷺ، وصفه بالعبودية؛ لأنه أعبد البشر لله عز وجل، فقد وصفه الله تعالى بالعبودية في حال إنزال الكتاب عليه، وفي حال الدفاع عنه، وفي حال الإسراء به، فقال جل وعلا في حال إنزال القرآن عليه: ﴿أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾، وفي حال الدفاع عنه: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة ٢٣]؛ يعني محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفي حال الإسراء به في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء ١]؛ يعني في أشرف مقامات النبي ﷺ وصفه الله تعالى بأنه عبده، ونِعم الوصف أن يكون الإنسان عبدًا لله حتى قال العاشق:

لَا تَدْعُنِي إِلَّا بِيَا عَبْدَهَا ∗∗∗ فَإِنَّهُ أَشْرَفُ أَسْمَائِــــــــــــــــــــي

وقوله: ﴿أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ هو القرآن، وسمي الكتاب؛ لأنه يُكتب، أو لأنه جامع؛ لأن الكَتْب بمعنى (الجمع)، ولهذا يقال: الكَتيبة يعني المجموعة من الخيل، والقرآن صالح لهذا وهذا، فهو مكتوب، وهو أيضًا جامع؛ الكتاب.

﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾، ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ﴾ أي: لهذا القرآن ﴿عِوَجًا﴾، بل هو مستقيم؛ ولهذا قال: ﴿قَيِّمًا﴾ و﴿قَيِّمًا﴾ حال من قوله: ﴿الْكِتَابَ﴾ يعني حال كونه ﴿قَيِّمًا﴾.

فإن قال قائل: لماذا لم تجعلها صفة؛ لأن ﴿الْكِتَابَ﴾ منصوب و﴿قَيِّمًا﴾ منصوب؟

الجواب: أن ﴿قَيِّمًا﴾ نكرة، و﴿الْكِتَابَ﴾ معرفة، ولا يمكن أن توصف المعرفة بالنكرة، ومعنى ﴿قَيِّمًا﴾ يعني أنه مستقيم غاية الاستقامة، وهنا ذكر نفي العيب أولًا، ثم إثبات الكمال ثانيًا، مثال نفي العيب؟

* طالب: ﴿الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾.

* الشيخ: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾. الكمال ﴿قَيِّمًا﴾ وهكذا ينبغي أن تخلي المكان من الأذى، ثم تضع الكمال، ولهذا يقال: التخلية قبل التحلية، يعني قبل أن تحلي الشيء أخلِ المكان، عما ينافي التحلِّي، ثم حلِّه.

وفي قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا﴾ تنبيه، وهو أنه يجب الوقوف على قوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾؛ لأنك لو وصلت لصار في الكلام تناقض ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا﴾ كيف؟ هل العوج قيم؟ لا، إذن قف؛ ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ ﴿قَيِّمًا﴾ إلى آخره.

وما هي الحكمة في إنزال القرآن؟

بيّنها الله في قوله: ﴿لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ [الكهف ٢] ﴿لِيُنذِرَ﴾ الضمير يحتمل أن يكون عائدًا على ﴿عَبْدِهِ﴾، ويحتمل أن يكون الضمير على ﴿الْكِتَابَ﴾، وكلاهما صحيح، فالكتاب نزل على الرسول لأجل أن ينذر به، والكتاب نفسه مُنذر يُنذر الناس.

﴿لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ أي: من قِبَل الله عز وجل، والبأس هو العذاب كما قال تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة ١٧٧]، وكقوله تعالى: ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا﴾ [الأعراف ٤]؛ يعني عذابًا.

﴿لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ نجد أن الله سبحانه وتعالى حذف المفعول في قوله: ﴿لِيُنذِرَ﴾، وذكر المفعول في قوله: ﴿يُبَشِّرَ﴾ فكيف نُقدم المفعول به ﴿لِيُنذِرَ﴾؟

نقدمه مقابل ﴿يُبَشِّرَ﴾، وهذه فائدة من فوائد علم التفسير: أن الشيء يُعرف بذكر قبيله المقابل له، إذن يبشّر المؤمنين وينذر الكافرين، وحُذِفَ المفعول لدلالة ما بعده عليه.

ذكرنا أن القرآن قد يُستدل ببعض ألفاظه على بعض بذكر مقامه؛ ومنه قوله تعالى: ﴿فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء ٧١]، ﴿ثُبَاتٍ﴾ يعني متفرقين، الدليل؟ ثم قال: ﴿أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا﴾.

﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ لا بد مع الإيمان من العمل الصالح، لا يكفي الإيمان وحده، بل لا بد من عمل صالح، ولهذا قيل لبعض السلف: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ يعني فمن أتى به دخل؟ قال: بلى، ولكن هل يَفتح المفتاح بلا أسنان؟

الجواب: لا، فلا بد من أعمال.

﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ أولًا: نسأل مَن المؤمنون؟

المؤمنون الذين آمنوا بما يجب الإيمان به، وقد بيّن الرسول عليه الصلاة والسلام ما يجب الإيمان به لجبريل لما سأله عن الإيمان فقال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» .

﴿الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ يعني يعملون الأعمال الصالحة، ومتى يكون العمل صالحًا؟ لا يمكن أن يكون صالحًا إلا إذا تضمن شيئين: الأول: الإخلاص لله عز وجل.

والثاني: المتابعة لشريعة الله؛ فالإخلاص لله بألا يقصد الإنسان بعمله سوى وجه الله عز وجل والدار الآخرة، المتابعة ألا يخرج عن شريعة الله عز وجل سواء ما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام أو غيره، ومن المعلوم أن الشرائع بعد بعثة الرسول كلها منسوخة.

الإخلاص ما ضده؟ الشرك، والاتباع ضده البدعة، إذن البدعة مهما ازدادت في قلب صاحبها ومهما كان فيها من الفجور، ومهما كان فيها من ترقيق القلب، (...).

* طالب: (...).

* الشيخ: نعم؛ لأنها ليست موافقة الشيء، ولهذا نقول: كل بدعة مهما استحسنها مبتدعها فإنها غير مقبولة، بل هي ضلالة كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

من عمل عملًا على وفق الشريعة ظاهرًا، لكن القلب فيه رياء، فهذا لا يُقبل، لماذا؟

لفقد الإخلاص.

إذن لا بد من أمرين: إخلاص لله عز وجل، واتباع لرسول الله ﷺ، وإلا لم يكن صالحًا، بماذا يبشرهم؟

قال: ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ [الكهف ٢، ٣] ﴿أَجْرًا﴾ أي: ثوابًا، وسمى الله ثواب الأعمال أجرًا؛ لأنها في مقابلة عمل، وهذا من عدله جل وعلا أن يسمي الثواب الذي يثيب به الطائع لأمره أجرًا حتى يطمئن الإنسان بضمان هذا الثواب؛ لأنه من المعروف أن الأجر إذا قام الأجير بعمله فإنه يستحقه، وسماه أجرًا حتى يطمئن العامل بأنه سوف يكافأ به.

وقوله: ﴿حَسَنًا﴾ قد جاء في آية أخرى ما هو أعلى من هذا الوصف، وهو قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦].

وجاء في آية أخرى مثل هذه الآية: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن ٦٠]، فهل نأخذ بما يقتضي التساوي أو بما يقتضي الأكمل؟

بما يقتضي الأكمل، فنقول: ﴿حسنًا﴾ أي: هو أحسن شيء، ولا شك في هذا أن ثواب الجنة لا يعادله ثواب.

وقول الله عز وجل: ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ أي: باقين فيه.

﴿أَبَدًا﴾ إلى متى؟ إلى ما لا نهاية له، فلا مرض، ولا موت، ولا جوع، ولا عطش، ولا حر، ولا برد، كل شيء كامل من جميع الوجوه، واعلم أن من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الجنة موجودة الآن، وأنها مؤبّدة، وأن النار موجودة الآن، وأنها مؤبّدة، هذه عقيدة أهل السنة والجماعة، وقد جاء هذا في القرآن، فآيات التأبيد بالنسبة لأصحاب اليمين كثيرة، وبالنسبة لأصحاب الشمال ذُكر التأبيد في آيات ثلاث: الأولى؟ في سورة النساء.

* طالب: قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩].

* الشيخ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ والآية الثانية؟

* طالب: في سورة الجن.

* الشيخ: لا، قبل الجن.

* طالب: في سورة الأحزاب، في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾.

* الشيخ: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥]. الآية الثالثة؟

* طالب: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣].

* الشيخ: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، وإذا كان الثلاث آيات من كلام الله عز وجل قرينة للتأبيد فلا ينبغي أن يُقال بخلاف ذلك؛ لأن الشاعر يقول:

وَلَيْسَ كُلُّ خِلَافٍ جَاءَ مُعْتَبَرًا ∗∗∗ إِلَّا خِلافًا لَهُ حَظٌّ مِنَ النَّظَــــرِ

وهذا لا حظّ له، كيف يقول الخالق العليم: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، ثم يقول: لا أبدية؟ هذا غريب، من أغرب ما يكون!!

إذن ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ هذا دليل على أيش؟ على أبدية النار، فانتبهوا للقاعدة في مذهب أهل السنة والجماعة: أن الجنة والنار مخلوقتان لله؛ لأن الله ذكر في الجنة ﴿أُعِدَّتْ﴾، وذكر في النار ﴿أُعِدَّتْ﴾.

ثانيًا: أنهما مؤبدتان، لا تفنيان لا هما، ولا من فيهما (...).

﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الكهف ٤، ٥] هذا كالإيضاح لما أُبهم في الآية السابقة، ﴿وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾، مثل: النصارى، قالوا: عيسى ابن الله، واليهود قالوا: عزير ابن الله، والمشركون قالوا: الملائكة بنات الله، (...) الذكور والإناث وعزير وليس بنبي، ولكنه رجل صالح، والمسيح وهو نبي.

قال الله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الكهف ٥]، ﴿مَا لَهُمْ بِهِ﴾ أي: بالولد أو بالقول؟ بالقول. ﴿مَا لَهُمْ بِهِ﴾ أي: بهذا القول، أو ما لهم به؛ أي: بالولد ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾، وقوله: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ إذن ثبت لهم أيش؟ الجهل.

﴿وَلَا لِآبَائِهِمْ﴾ الذين قالوا مثل قولهم، ليس لهم بذلك علم، ليس إلا هنالك أوهام ظنوها حقائق وإلا ما لهم علوم.

﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾، ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾، هذه قد تُشكل على طالب العلم بأن (...)، وكلمة (...)، فيقال: كبرت كلمةٌ، ولكن الجواب عن هذا أن يقال: إن ﴿كَلِمَةً﴾ تمييز، وإن الفاعل محذوف، والتقدير: كبرت مقالتهم كلمة تخرج من أفواههم، أي: عظُمت؛ لأنها عظيمة والعياذ بالله، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم ٩٠-٩٢]، يعني مستحيل غاية الاستحالة أن يكون له ولد.

فإن قال قائل: أليس الله يقول: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف ٨١]؟

الجواب: بلى، لكن تعليق الشرط لا يدل على وقوع المشروط ﴿إِنْ كَانَ﴾، وهل يمكن أن يكون؟ لا، نفهم من الآيات الأخرى أنه لا يمكن أن يكون، وهذا كقوله تعالى للرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ﴾ [يونس ٩٤].

هل يمكن للرسول يشك؟ لا، لكن على فرض الأمر الذي لا يقع، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء ٢٢]، لا يمكن أن يكون فيهما آلهة غير الله عز وجل، فتبين بهذا -يا إخواني- أن وجود الشرط لا يدل على إمكان المشروط، بل قد يكون مستحيلًا غاية الاستحالة.

﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ فهل لنا أن نستفيد من قوله: ﴿مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ أن هؤلاء يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وأنهم لا يستيقنون أن لله ولدًا؟ لأن أي عاقل لا يمكن أن يقول: إن لله ولدًا، وكيف يمكن أن يكون لله ولد، وهذا الولد من البشر تراه مثلنا يأكل، ويشرب، ويلبس، ويلحقه الجوع والعطش والحر والبرد؟! كيف يكون ولد؟!

هذا غير ممكن، ولهذا قال: ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾، ﴿إِنْ﴾ بمعنى ما يقولون.

ومن علامات (إن) النافية أن يقع بعدها (إلا). ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣]، ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأنعام ٧]، أي: ما يقول هؤلاء إلا كذبًا، والكذب: هو الخبر المخالف للواقع، والصدق: هو الخبر المطابق للواقع.

فإذا قال قائل: قَدِمَ فلان اليوم، وهو لم يَقدم؟

* طالب: كذب.

* الشيخ: هذا كذب، سواء علم أو لم يعلم، حتى وإن لم يعرف أنه جاء، خلافًا لما يقوله بعض الناس: أن الكذب ما كان عن عمد، أي: ما خالف الواقع عن عمد، لا، حتى وإن لم يكن عن عمد، ودليل ذلك قصة سُبيعة الأسلمية رضي الله عنها، حينما مات عنها زوجها وهي حامل، فوضعت بعد موته بليالٍ، ثم خلعت ثياب الحداد، ولبست الثياب الجميلة تريد أن تُخطب، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك قال لها: ما أنت بناكحٍ حتى يأتي عليكِ أربعة أشهر وعشرًا؛ لأن هي وضعت بعد موت زوجها بأربعين ليلة أو أقل أو أكثر، هذا ما ذُكر، كم باقي على الحداد؟

أربعة أشهر وعشرة أيام، قال: ما أنتِ بناكحٍ حتى يأتي عليكِ أربعة أشهر وعشرًا، لبست ثياب الحداد، ثم أتت إلى الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأخبرته بالخبر فقال لها: «كَذَبَ أَبُو السَّنَابِلِ» مع أن الرجل ما تعمَّد، يظن أنها تعتد بأطول الأجلين، إن بقيت حاملًا بعد أربعة أشهر بقيت في الحداد، وإن وضعت بعد أربعة أشهر بقيت في الحداد، تعتد أطول الأجلين، وهذا لا شك ظن لولا السنة لكان هو المراد، لكن السنة ثبتت بأن الحامل عدتها بوضع الحمل، ولو دون أربعة أشهر وعشرًا.

الشاهد من الحديث: هو أن النبي ﷺ أطلق على قول أبي السنابل بن بعكك كذب مع أنه لم يتعمد. ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾.

18:6Page 294

فَلَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ إِن لَّمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ أَسَفًا ٦

Then perhaps you would kill yourself through grief over them, [O Muḥammad], if they do not believe in this message, [and] out of sorrow.

قال الله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف ٦]، ﴿فَلَعَلَّكَ﴾ الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام.

﴿بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أي: مهلك نفسك، وذلك للرسول عليه الصلاة والسلام، إذا لم يجيبوه حزن حزنًا شديدًا، وضاق صدره حتى يكاد يهلك، فسرّه الله عز وجل، وبيَّن له أنه ليس عليه في ذلك من شيء، قال: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾، ﴿بَاخِعٌ﴾ أي: مهلك.

﴿عَلَى آثَارِهِمْ﴾ أي: اقتفاء آثارهم، لعلهم يرجعون إذا تولوا.

﴿إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ والمشار إليه هو القرآن.

﴿أَسَفًا﴾ هذه مفعول من أجله، العامل فيها ﴿بَاخِعٌ﴾.

المعنى: لعلك باخع نفسك من الأسف إذا لم يؤمنوا به، مع أن الرسول عليه الصلاة والسلام ليس عليه من آثارهم من شيء، وظيفة الرسول عليه الصلاة والسلام ما هي؟ وظيفته البلاغ ﴿إِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ [آل عمران ٢٠]، يبلغ والحساب على الله عز وجل، وهكذا ورثته من بعده العلماء، وظيفتهم البلاغ، وأما الهداية فهي بيد الله عز وجل، فلا تحزن عليهم ﴿وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾.

ومن المعلوم أن الإنسان لا شك أنه يحزن إذا لم يستجب الناس للحق، لكن الحال إذا لم يقبل الناس الحق على نوعين: نوع يحزن؛ لأنه لم يُقبل، ونوع يحزن لأن الحق لم يُقبل، أيهما المحمود؟

الثاني؛ لأن الأول إذا دعا فإنما يدعو لنفسه، والثاني إذا دعا فإنما يدعو إلى الله عز وجل؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [النحل ١٢٥].

لكن لو قال إنسان: أنا أحزن إذا لم يُقبل قولي؛ لأنه حق، ولذلك لو تبيّن لي الحق على خلاف قولي أخذت به، فهل يكون محمودًا أو غير محمود؟

يكون محمودًا، لكنه ليس كالآخر الذي ليس له هم إلا قبول الحق سواء جاء من قِبله أو جاء من قِبل غيره، فهذا أكمل -يا إخوان- أدبًا.

﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾ [الكهف ٧] إذا رأيت في القرآن تجد أن الله تعالى يقدم الشرع على الخلق؛ ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ [الرحمن ١ - ٣]، وتأمل الآيات في هذا المعنى تجد أن الله يبدأ بالشرائع قبل ذكر الخلق وما يتعلق به؛ لأن المخلوقات إنما سُخِّرت للقيام بطاعة الله عز وجل، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥٦]، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة ٢٩] إذن المهم هو القيام بطاعة الله، تأمل هذه النكتة حتى يتبين لك أن خلق الدنيا، وإيجاد الدنيا إنما هو بالقيام بشريعة الله عز وجل.

18:7–8Page 294

إِنَّا جَعَلۡنَا مَا عَلَى ٱلۡأَرۡضِ زِينَةٗ لَّهَا لِنَبۡلُوَهُمۡ أَيُّهُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗا ٧

Indeed, We have made that which is on the earth adornment for it that We may test them [as to] which of them is best in deed.

وَإِنَّا لَجَٰعِلُونَ مَا عَلَيۡهَا صَعِيدٗا جُرُزًا ٨

And indeed, We will make that which is upon it [into] a barren ground.

يقول: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾ ﴿جَعَلْنَا﴾ بمعنى (صيَّرنا)، وجعل تأتي بمعنى (خلق)، وتأتي بمعنى (صير)، إن تعدّت مفعولًا واحدًا فإنها بمعنى (خلق)، مثل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام ١]، جعل يعني خلق، وإن تعدّت إلى مفعولين تأتي بمعنى (صير)، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف ٣] أي: صيرناه بلغة العرب، وإنما نبّهت على ذلك؛ لأن الجهمية يقولون: إن الجعل بمعنى الخلق في جميع المواضع، ويقولون: معنى ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أي: خلقناه، ولكننا نقول: (...) جعل إن تعدت لمفعول واحد فهي بمعنى (خلق)، ولمفعولين بمعنى (صير).

قال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾ هنا (جعل) بمعنى خلق أو بمعنى صير؟

بمعنى صير، والمفعول الأول ﴿مَا﴾، والمفعول الثاني ﴿زِينَةً لَهَا﴾، ﴿مَا عَلَى الأَرْضِ﴾ جعله الله زينة للأرض، وذلك لارتباط الناس، هل يتعلقون بهذه الزينة أو يتعلقون بالخالق؟ الناس ينقسمون إلى قسمين: منهم من يتعلق بالزينة، ومنهم من يتعلق بالخالق، واسمع إلى قول الله عز وجل مبينًا هذا: ﴿فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ [الأعراف ١٧٥، ١٧٦] إلى أين؟ إلى منازل عالية.

﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ﴾ مال إليها واطمأن إليها ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ أعاذنا الله وإياكم.

إذن جعل لهم الزينة لاختبار الناس، وسواء كانت هذه الزينة فيما خلقه الله عز وجل وأوجده، أو فيما صنعه الآدمي كالقصور الفخمة المزخرفة، زينة، لكنها من صُنع الآدمي، والأرض بجبالها وأنهارها ونباتها، وإذا أنزل الله الماء عليها اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج يبهج الناظر إليه، هذه زينة من عند الله تعالى.

﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ﴿لِنَبْلُوَهُمْ﴾ أي: نختبرهم.

﴿أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ والضمير يعود للخلق، وهنا قال: ﴿أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ لم يقل: (أكثر عملًا)؛ لأن العبرة بالأحسن لا بالأكثر، وعلى هذا لو صلَّى إنسان أربع ركعات، لكن على يقين ضعيف، وصلى آخر ركعتين بيقين قوي ومتابعة قوية، أيهما أحسن؟

الثاني أحسن وأفضل؛ لأن العبرة بإحسان العمل وإتقانه إخلاصًا ومتابعة.

في بعض العبادات الأفضل التخفيف كركعتي الفجر مثلًا، لو قال إنسان: أنا أحب أن أطيل، أحب القراءة في الركوع، وفي السجود، وفي القيام، وفي القعود، وآخر قال: أنا أحب أن أخفِّف، أيهما أفضل؟

الثاني أفضل، ولهذا ينبغي علينا إذا رأينا عاميًّا يطيل في ركعتي الفجر فلنسأل: هل هاتان الركعتان ركعة الفجر أو تحية المسجد؟

إن كان تحية المسجد فشأنه، وإن كانت ركعتي الفجر قلنا: لا، الأفضل أن تخفف.

في الصيام رخّص النبي ﷺ لأمته أن يواصلوا إلى الفجر؛ يعني ألَّا تفطر إلا بعد السحور، وندبهم إلى أن يفطروا من دون غروب الشمس، فصام رجلان أحدهما: امتد صومه إلى السحور، والثاني: أفطر من حين غابت الشمس، أيهما أفضل؟

الثاني بلا شك، والأول وإن كان لا ينهى عنه، لكنه جائز وليس بمشروع، جائز، ولكن انتبه لهذا.

﴿أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ولذلك تجد النبي ﷺ يفعل من العبادات يحث على اتباع الجنائز، وتمر به الجنائز ولا يتبعها، يحث على أن نصوم يومًا ونفطر يومًا ومع ذلك هو لا يفعل هذا، لا يصوم يومًا ويفطر يومًا، بل كان أحيانًا يطيل الصوم حتى يقال: لا يفطر، وبالعكس، كل هذا يدفع ما كان أرضى لله عز وجل وأصلح لقلبه.

﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف ٨] حال الأرض بقصورها وأشجارها ونباتها سوف يجعلها الله عز وجل صعيدًا خاليًا كما قال عز وجل: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه ١٠٥]، أي: نسفًا عظيمًا، ولهذا جاء منكّرًا؛ أي: نسفًا عظيمًا فيجعلها ﴿قَاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه ١٠٦] ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [طه ١٠٧]، وليحذر كل ما يكون سبحان الله.

إذن هذه الأرض -يا أخي- لا يتعلق قلبك بها؛ هي زائلة، هي ستكون كأن لم تكن، كما قال الله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ [يونس ٢٤].

﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾، وتأمل الآن ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ﴾، فيها مؤكدان؛ (إن)، و(اللام)، ثم إنها جاءت بالجملة الاسمية الدالة على القدرة المستمرة.

﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ إذا قامت القيامة أين القصور؟ لا قصور، لا جبال، لا أشجار، الأرض كأنها حجر واحد أملس، ما فيه لا نبات، ولا بناء، ولا أشجار، ولا غير ذلك.

18:9Page 294

أَمۡ حَسِبۡتَ أَنَّ أَصۡحَٰبَ ٱلۡكَهۡفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ مِنۡ ءَايَٰتِنَا عَجَبًا ٩

Or have you thought that the companions of the cave and the inscription were, among Our signs, a wonder?1

﴿أَمْ حَسِبْتَ﴾ ﴾ [الكهف: ٩] (أم) هنا منقطعة؛ فهي بمعنى (بل).

و﴿حَسِبْتَ﴾ بمعنى (ظننت).

﴿أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ [الكهف ٩]، فهنا أتى بـ(أم) المنقطعة التي تتضمن الاستفهام من أجل شد النفس إلى الاستماع إلى القصة؛ لأنها حقيقة العجب، هذه القصة عجب!

﴿أَصْحَابَ الْكَهْفِ﴾ الكهف هو الغار في الجبل.

و﴿الرَّقِيمِ﴾ بمعنى (المرقوم)؛ أي: المكتوب؛ لأنه كُتب على هذا الكهف قصتهم من أولها إلى آخرها.

﴿كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ [الكهف ٩] ﴿كَانُوا﴾ أي: أصحاب الكهف والرقيم من آيات الله، الكونية ولَّا الشرعية؟ من آيات الله الكونية.

﴿عَجَبًا﴾ أي: محل تعجب واستغراب؛ لأن هؤلاء سبعة معهم كلب، كرهوا ما عليه أهل بلدتهم من الشرك، وخرجوا متجهين إلى الله عز وجل، يريدون أن ينجوا بأنفسهم مما كان عليه أهل بلدهم.

﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف ٢٢] فلجؤوا إلى هذا الغار، وكان من حسن حظهم أن هذا الغار له باب لا يتجه للمشرق ولا للمغرب، سبحان الله العظيم؛ لأنه لو اتجه إلى المشرق أكلتهم الشمس عند شروقها، وإلى المغرب تأكلهم عند غروبها، لكنه متجه إلى ما بين المشرق والمغرب كما قال عز وجل: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾ [الكهف ١٧]، وسيأتي إن شاء الله.

18:10Page 294

إِذۡ أَوَى ٱلۡفِتۡيَةُ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ فَقَالُواْ رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةٗ وَهَيِّئۡ لَنَا مِنۡ أَمۡرِنَا رَشَدٗا ١٠

[Mention] when the youths retreated to the cave and said, "Our Lord, grant us from Yourself mercy and prepare for us from our affair right guidance."

يقول عز وجل: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ﴾ هنا بدأت القصة، وعلى هذا يكون ﴿إِذْ أَوَى﴾ متعلق بمحذوف تقديره: اذكر إذ أوى الفتية، وكانوا قد سألوا النبي ﷺ، كفار قريش سألوا النبي ﷺ عن قصتهم وهو عليه الصلاة والسلام لم يقرأ كتابًا فيدري.

﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت ٤٨]، فوعدهم فأنجز الله له الوعد.

قال: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ الفتى هو الشاب الكامل القوة والعزيمة.

* طالب: الجنة والنار فيهما أحد الآن؟

* الشيخ: الرسول ﷺ «رأى عمرو بن لحي الخزاعي يجر قُصْبَه في النار ، ورأى في النار المرأة التي تعذب في هِرَّة حبستها ، ورأى في النار صاحب المحجن» ، أتعرفون المحجن؟ بالنون، العصا المحمية الرأس، وصاحب المحجن رجل معه محجن إذا مر الحجيج به في مكة جلب المتاع بهذا المحجن، إن لم ينتبه صاحب المتاع راح، وإن فطن سوى هذا المحجن، هذا نعم (...) الناس، وهو كذلك، فأخبر الرسول ﷺ أنه يعذب في نار جهنم، ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج ٢٥].

* طالب: (...).

* الشيخ: إذا كان غير مؤهل للتأسي به كأن يكون طالب علم وعابدًا لله، فلا حرج عليه، أما إذا كان ليس أهلًا (...) يعمل.. ما يصح، أو غيره أنه رجل عالم، لكنه ليس عنده قوة في العبادة.

يقول الله عز وجل: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ يعني الغار في الجبل.

﴿أَوَى﴾ بمعنى لجؤوا إليه، من أي شيء؟ من قومهم، فارين من قومهم خوفًا من أن يصيبهم ما أصاب هؤلاء القوم، ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾، و﴿الْفِتْيَةُ﴾ قلنا: إنه جمع (فتى)، والفتى هو الشاب القوي.

﴿فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف ١٠]، لجؤوا إلى الله.

﴿آتِنَا﴾ يعني أعطنا.

﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾ من عندك.

﴿رَحْمَةً﴾ أي: ترحمنا بها، وهذا كقول النبي ﷺ لأبي بكر بما علمه من دعاء قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ» .

يقول: ﴿وَهَيِّئْ لَنَا﴾ هيئ بمعنى اجعل لنا، وتهيئة الشيء يعني إعداده ليكون شيئًا مستعدًّا به، وخالصًا للعمل به.

﴿هَيِّئْ لَنَا﴾ أي: يسِّر لنا من أمرنا رشدًا، والرَّشد: ضده الغي؛ يعني: اجعل شأننا موافقًا للصواب.

18:11Page 294

فَضَرَبۡنَا عَلَىٰٓ ءَاذَانِهِمۡ فِي ٱلۡكَهۡفِ سِنِينَ عَدَدٗا ١١

So We cast [a cover of sleep] over their ears within the cave for a number of years.

قال الله تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ﴾ [الكهف ١١] ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾ أي: أنمناهم نومة عميقة، وتعلمون أن النوم نوعان: خفيف؛ هذا لا يمنع السماع، ولهذا (...) أول ما يجيك النوم تسمع من حولك، لكن إذا نمت نومًا عميقًا (...)، ولهذا قال: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾ أي: بحيث لا يسمعون.

﴿فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ أي: معدودة، وسيأتي بيانها في قوله تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف ٢٥].

﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ﴾ وذلك بإيقاظهم من النوم، وسمى الله الإيقاظ من النوم بعثًا؛ لأن النوم وفاة، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ [الأنعام ٦٠] أي: بالنهار، وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ﴾ [الزمر ٤٢] يتوفَّاها في منامها.

18:12Page 294

ثُمَّ بَعَثۡنَٰهُمۡ لِنَعۡلَمَ أَيُّ ٱلۡحِزۡبَيۡنِ أَحۡصَىٰ لِمَا لَبِثُوٓاْ أَمَدٗا ١٢

Then We awakened them that We might show which of the two factions was most precise in calculating what [extent] they had remained in time.

وفي هذا قال: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ﴾ يعني أيقظناهم ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾، ﴿لِنَعْلَمَ﴾. قد يقع فيه إشكال، وهل الله لا يعلم ذلك؟

* طالب: لا.

* الشيخ: لكن اعلم أن مثل هذه العبارة يُراد بها شيئان:

الشيء الأول: علم الرؤية، وظهور، ومشاهدة أي: لنرى، ومعلوم أن علم ما سيكون ليس كعلم ما كان، أليس كذلك؟

* طالب: بلى.

* الشيخ: نعم، هو كذلك؛ لأن علم الله عز وجل بالشيء قبل وقوعه علم بأنه سيقع، لكن بعد وقوعه علم بأنه وقع.

الأمر الثاني: أن العلم الذي يترتّب عليه الحساب هو المراد بالآية، كيف نعلم علمًا يترتب عليه الجزاء، وذلك كقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد ٣١]، وهو يعلم هذا قبل أن يبتلينا قد علم من هو المطيع ومن هو العاصي، لكن هذا لا يترتب عليه لا الجزاء ولا الثواب، فصار المعنى لنعلم علم ظهور ومشاهدة، وليس علم الظهور والمشاهدة كعلم ما سيكون.

والثاني: علمًا يترتب عليه الحساب؛ أمَّا تحقق وقوع المعلوم بالنسبة لله فلا فرق بين ما علم أنه يقع وما علم أنه وقع، كل سواء، أما بالنسبة لنا صحيح أنَّا نعلم ما سيقع في خبر الصادق، لكن ليس علمنا بذلك كعلمنا به إذا شاهدناه بأعيننا، ولهذا جاء في الحديث الصحيح: «لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ» .

﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ [الكهف ١٢] ﴿الْحِزْبَيْنِ﴾ يعني الطائفتين.

﴿أَحْصَى﴾ يعني أبلغ إحصاءً، وليست فعلًا ماضيًا، بل هي اسم تفضيل.

﴿أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾ يعني أضبط.

﴿لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ يعني المدة التي لبثوها؛ لأنهم تنازعوا أمرهم فقالوا: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف ١٩]، ثم جاء الناس من بعدهم أيضًا اختلفوا كم لبثوا؟ ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском