Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-Kahf 18:13–21
18:13Page 294
نَّحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ نَبَأَهُم بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّهُمۡ فِتۡيَةٌ ءَامَنُواْ بِرَبِّهِمۡ وَزِدۡنَٰهُمۡ هُدٗى ١٣
It is We who relate to you, [O Muḥammad], their story in truth. Indeed, they were youths who believed in their Lord, and We increased them in guidance.
﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ ﴾ [الكهف: ١٣] نعم القائل صدقًا وعلمًا وبيانًا وإيضاحًا؛ لأن كلام الله تبارك وتعالى متضمن للعلم، والصدق، والفصاحة، والإرادة؛ أربعة أشياء: كلامه عز وجل عن علم، كلامه أيضًا عن صدق، كلامه في غاية الفصاحة، إرادته بهذا الكلام خير إرادة، يريد بما يتكلم به أن يهدي عباده.
إذن ﴿نَحْنُ نَقُصُّ﴾ قصص الله عز وجل أجمل القصص وأحسن القصص؛ لأنه صادر عن علم، والثاني: عن صدق، والثالث: بأفصح ألفاظه وأبينها وأوضحها، ولا شيء أوضح من كلام الله إلا من أزاغ الله قلبه وقال: إن هذا أساطير الأولين.
الرابع: الإرادة، لم يرد الله عز وجل بما يقص علينا أن نضل، ولا بما حكم علينا أن نضل، بل أراد أن نهتدي وأن نعتبر.
وقوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ﴾ إذا قال قائل: هل نحن للواحد أو للجماعة؟
فالجواب: للجماعة، صح؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: واحد، لكنه لا شك أنه جل وعلا من أعظم العظماء، والأسلوب العربي إذا أسند الواحد إلى نفسه صيغة الجمع فهو يعني أنه تعظيم، ومعلوم أنه لا أحد أعظم من الله عز وجل؛ ولهذا تجد الملوك أو الرؤساء إذا أرادوا أن يصدروا القرارات ماذا يقولون؟ نحن فلان وفلان نأمر بكذا؛ إذن كل ضمائر الجمع المنسوبة إلى الله عز وجل المراد بها التعظيم.
﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي: نقص عليك ونحدثك به.
﴿نَبَأَهُمْ﴾ أي: خبرهم.
﴿بالْحَقِّ﴾ أي: بالصدق المطابق للواقع.
﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾، ﴿فِتْيَةٌ﴾ شباب، لكن عندهم قوة في العزيمة، قوة في الإيمان.
﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ زادهم الله عز وجل هدى؛ لأن الله تعالى يزيد الذين يهتدون هدى، وكلما ازددت عملًا بعلم زادك الله هدى، أي: زادك الله علمًا.
18:14Page 294
وَرَبَطۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ إِذۡ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَن نَّدۡعُوَاْ مِن دُونِهِۦٓ إِلَٰهٗاۖ لَّقَدۡ قُلۡنَآ إِذٗا شَطَطًا ١٤
And We bound [i.e., made firm] their hearts when they stood up and said, "Our Lord is the Lord of the heavens and the earth. Never will we invoke besides Him any deity. We would have certainly spoken, then, an excessive transgression.
﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ ﴾ [الكهف: ١٤] أي: ثبّتناها، وجعلنا لها رباطًا؛ لأن جميع قومهم على ضدهم، ومخالفة القوم تحتاج إلى تثبيت، لا سيما أنهم شباب، والشاب ربما يؤثر فيه أبوه فيقول له: اكفر، ولكن الله ربط على قلوبهم وثبتّهم، اللهم ثبّتنا يا رب العالمين.
﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ يعني ثبّتناها قويناها.
﴿إِذْ قَامُوا﴾ يعني في قومهم معلّمين بالتوحيد.
﴿فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ولم يبالوا بأحد، فهم كسحرة فرعون ماذا قالوا؟ ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ سوِّ اللي تبغى.
﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه ٧٢]، والدنيا كلها ماضية منتهية، طالت بك أم قصرت، ولا بد لكل إنسان من أحد أمرين: إما الهرم، وإما الموت، ونهاية الهرم الموت؛ ولهذا يقول الشاعر:
لَا طِيبَ لِلْعَيْشِ مَا دَامَتْ مُنغَّصَةً ∗∗∗ لَذَّاتُــــــــــهُ بِادِّكَـــــــارِ الْمَــــــــــوْتِ وَالْهَــــــــــــرَمِ
كلما تذكر أنه سيموت طالت حياته أم قصرت فإنه لا يطيب العيش له، لكن من نعمة الله عز وجل أن الناس ينسون هذا الأمر، لكن هؤلاء الناسين منهم من ينسى هذا الأمر باشتغاله بطاعة الله عز وجل، ومنهم من ينساه باشتغاله بالدنيا، ففرْق بين الأمرين.
* * *
قوله تبارك وتعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ ما المراد بالفتية هنا؟ يعني معنى الفتية؟
* طالب: هو الشاب الكامل في قوته وعزيمته.
* الشيخ: نعم، أحسنت.
قوله: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾، ولم يقل: (فأنمناهم) إشارة إلى عمق نومهم، وأنهم لا يسمعون شيئًا، والنائم الذي نومه خفيف يسمع، وكلما صوّت عليه سمع، أما هؤلاء فلا يسمعون.
قوله: ﴿بَعَثْنَاهُمْ﴾ يُستفاد منه؟
* طالب: أن النوم يسمى وفاة.
* الشيخ: أن النوم وفاة، وهل في القرآن ما يدل على ذلك صراحة؟
* طالب: نعم، قول الله عز وجل: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ [الأنعام ٦٠].
* الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك.
قوله: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾، أليس الله تبارك وتعالى عالمًا بذلك قبل أن يكون؟
* طالب: الله قادر على علم..
* الشيخ: الجواب نعم ولّا لا؟
* طالب: هو عالم.
* الشيخ: هو عالم، طيب كيف قال: ﴿لِنَعْلَمَ﴾ والمعروف أن اللام للتعليل؟
* طالب: (...) أن يقال: علم ظهور ومشاهدة، أو أنه علم جزاء.
* الشيخ: يعني علم يترتب عليه الجزاء، لكن في غير هذه الآية قد لا يصح هذا الوجه الثاني. ﴿أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾ ما هما؟
* طالب: الحزبان هما هؤلاء الفتية، أو الذين عثروا عليهم.
* الشيخ: إما الفتية، وإما قومهم الذين عثروا عليهم، لكن الفتية أقرب؛ لأن الله سيقول فيما بعد: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ [الكهف ١٩]، أظن انتهينا إلى قوله: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾.
قال الله عز وجل: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ﴿رَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ أي: ثبتناها وقوّيناها كأنها شيء رُبط عليها.
﴿إِذْ قَامُوا﴾ أي: حين قاموا؛ يعني في أقوامهم متبرِّئين مما كان عليه هؤلاء الأقوام.
﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾، وليس رب فلان وفلان، بل هو رب السماوات والأرض فهو سبحانه وتعالى مالك، وخالق، ومدبر للسماوات والأرض؛ لأن الرب الذي هو اسم من أسماء الله معناه الخالق، المالِك، المدبِّر، رب السماوات والأرض، السماوات السبع والأرض كذلك سبع كما جاءت بذلك النصوص ولا حاجة لذكرها؛ لأنها معلومة والحمد لله.
﴿لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ ﴿لَنْ نَدْعُوَ﴾ دعاء مسألة، ولا دعاء عبادة. ﴿إلهًا﴾ سواه، فأقروا بالربوبية، وأقروا بالألوهية.
الربوبية قالوا: ﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ والألوهية قالوا: ﴿لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا﴾ أي: سواه عز وجل.
﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا﴾ الجملة هذه مؤكدة بثلاثة مؤكدات؛ وهي: اللام، وقد، والقسم الذي دلّت عليه اللام.
وقوله: ﴿إذًا﴾ أي: لو دعونا إلهًا سواه.
﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ أي: قولًا مائلًا وموغلًا في الكفر، وصدقوا لو أنهم دعوا غير الله إلهًا لقالوا هذا القول المائل الموغِل في الكفر والعياذ بالله.
18:15Page 294
هَٰٓؤُلَآءِ قَوۡمُنَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗۖ لَّوۡلَا يَأۡتُونَ عَلَيۡهِم بِسُلۡطَٰنِۭ بَيِّنٖۖ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا ١٥
These, our people, have taken besides Him deities. Why do they not bring for [worship of] them a clear evidence? And who is more unjust than one who invents about Allāh a lie?"
﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ ﴾ [الكهف: ١٥] يشيرون إلى وجهة نظرهم في انعزالهم عن قومهم.
قالوا: ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا﴾ أي: صيروا.
﴿آلِهَةً﴾ من دونه آلهة، عبدوها من دون الله.
﴿لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ يعني ﴿لَوْلا﴾ هنا بمعنى (هلَّا)، ولولا لها معانٍ في اللغة العربية، ليس هذا موضع ذكرها، لكنها هنا بمعنى (هلَّا)، مثلها مثل قوله تعالى: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور ١٣]، أي: هلَّا جاؤوا.
﴿يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: على هذه الآلهة؛ أي: على كونها آلهة، وكونهم يعبدونها، فالمطلوب منهم شيئان: أن يُثبتوا أنها هذه آلهة، وأن يُثبتوا أن عبادتهم لها حق، وكلا الأمرين مستحيل.
﴿لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾، وقوله: ﴿بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ السلطان كل ما للإنسان به سلطة، كل شيء له سلطة به فهو سلطان، قد يكون المراد به الدليل، مثل: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ [يونس ٦٨]، وقد يكون المراد القوة والغلبة مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ﴾؛ يعني الشيطان ﴿عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل ١٠٠]، وقد يكون الحجة والبرهان كما هنا، وكما ذكرنا قبل قليل.
﴿بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ أي: بحجة ظاهرة يكون لهم بها سلطة، والجواب يمكن أو لا يمكن؟
لا يمكن؛ ولهذا قالوا: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ الفاء للتفريع، و(مَنْ) استفهام بمعنى النفي؛ أي: لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبًا، واعلم أن الاستفهام إذا ضُمِّن معنى النفي صار فيه زيادة فائدة؛ وهي أنه يكون مشربًا معنى التحدي؛ لأن النفي المجرد لا يدل على التحدي، لو قلت: ما قام زيد. ما فيه تحدٍّ، لكن إذا قلت: ﴿مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فهذا تحدٍّ كأنك تقول: أخبِرْني أو أوجد لي أحدًا أظلم ممن افترى على الله كذبًا.
وقوله: ﴿مَنْ أَظْلَمُ﴾ أي: من أشد ظلمًا ممن افترى على الله كذبًا بنسبة الشريك إليه وغير ذلك، كل من افترى على الله كذبًا فلا أحد أظلم منه، أنت لو كذبت على شخص لكان هذا ظلمًا، على شخص أعلى منه لكان هذا ظلمًا أعلى من الأول، فإذا افتريت على الله كذبًا صار لا ظلم فوقه؛ ولهذا قال: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾.
فإن قال قائل: نجد أن الله تعالى يقول: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾، ويقول: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة ١١٤]، وتأتي أظلم في موضعين: وأظلم تدل على اسم التفضيل، فكيف الجمع؟
نقول: إن الجمع أنها اسم تفضيل في نفس المعنى الذي وردت به، فمثلًا: ﴿مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ أي: لا أحد أظلم منعًا ممن منع مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه، الكذب؛ أي الكذب أظلم؟
الكذب على الله عز وجل، فتكون الأظلميَّة هنا بالنسبة للمعنى الذي سِيقت فيه، ليست أظلميَّة مطلقة؛ لأنها لو كانت أظلمية مطلقًا لكان فيه نوع من التناقض.
لكن لو قال قائل: ألا يمكن أن تقولوا: إنها اشتركت في الأظلمية؟ يعني هذه أظلم شيء وهذه أظلم شيء؟
نقول: لا يمكن؛ لأنه لا يمكن أن تقرِن بين من منع مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه وبين من افترى على الله كذبًا، أيهما أعظم؟
الثاني، فلا يمكن أن يشتركا في الأظلمية، وحينئذٍ يتعين المعنى الأول، ما هو المعنى الأول؟
أن تكون الأظلمية بالنسبة للمعنى الذي سِيقت له أو سيقت فيه، ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾.
18:16Page 295
وَإِذِ ٱعۡتَزَلۡتُمُوهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ فَأۡوُۥٓاْ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ يَنشُرۡ لَكُمۡ رَبُّكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَيُهَيِّئۡ لَكُم مِّنۡ أَمۡرِكُم مِّرۡفَقٗا ١٦
[The youths said to one another], "And when you have withdrawn from them and that which they worship other than Allāh, retreat to the cave. Your Lord will spread out for you of His mercy and will prepare for you from your affair facility."
﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ ﴾ [الكهف: ١٦] من قائل هذا؟ القائل هم الفتية؛ يعني قال بعضهم لبعض: ما دمتم اعتزلتم قومكم وما يعبدون من دون الله؛ يعني أصنامهم ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ يعني ائوُوا إلى الكهف، و(أل) في ﴿الْكَهْفِ﴾ يحتمل أن تكون للعهد، وكأنه كهف ألفوا أن يأووا إليه، أو أن المراد بها الكمال؛ يعني إلى الكهف الكامل الذي يمنعكم من قومكم؛ أما الأول: فيحتاج إلى دليل؛ يعني أنها للعهد، يحتاج أن نعلم أن هؤلاء الفتية كانوا يذهبون إلى كهف معين يأوون فيه.
وأما الثاني: فوجهه أنهم إنما يطلبون كهفًا يمنعهم ويحميهم، فتكون (أل) لبيان الكمال؛ أي: إلى كهف يمنعكم، ويحميكم من عدوكم.
﴿إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا﴾؛ يعني أنكم إذا فعلتم ذلك فإن الله تعالى سوف ييسِّر لكم الأمر؛ لأن من ترك شيئًا لله عوَّضه الله خيرًا منه.
وهنا سؤال: قوله: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ الفاء يتبادر للذهن أنها في جواب الشرط، والمعروف أن (إذ) ليست للشرط، وإنما الذي للشرط هو (إذا) أو (إذ) إذا اقترنت بـ(ما)، لكن إذا لم تقترن بـ(ما) فليست للشرط؟
والجواب عن ذلك أن يقال: إما أنها ضُمِّنت معنى الشرط فجاء الجواب ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ أو إن الفاء للتفريق ليست للربط، والمعنى: فحينئذٍ إذا اعتزلتموهم فأووا إلى الكهف.
وقوله: ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾ أي: يهيئ لكم من شأنكم.
﴿مِرْفَقًا﴾ أي: مكانًا ترتفقون به.
18:17Page 295
۞ وَتَرَى ٱلشَّمۡسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَٰوَرُ عَن كَهۡفِهِمۡ ذَاتَ ٱلۡيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقۡرِضُهُمۡ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ وَهُمۡ فِي فَجۡوَةٖ مِّنۡهُۚ ذَٰلِكَ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِۗ مَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ وَلِيّٗا مُّرۡشِدٗا ١٧
And [had you been present], you would see the sun when it rose, inclining away from their cave on the right, and when it set, passing away from them on the left, while they were [lying] within an open space thereof. That was from the signs of Allāh. He whom Allāh guides is the [rightly] guided, but he whom He sends astray - never will you find for him a protecting guide.
ثم قال عز وجل: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ﴾ [الكهف ١٧] ترى أيها الإنسان الشمس إذا طلعت.
﴿تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾، في قوله: ﴿تَزَاوَرُ﴾ قراءتان: ﴿تَزَّاوَرُ﴾ وأصلها تتزاور، و﴿تَزَاوَرُ﴾ بالتخفيف، والمراد بذلك أنها تميل.
﴿عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾ تصوَّروا كيف يكون الكهف الآن؟ إذا كانت تزاور عنه ذات اليمين، يكون وجه الكهف إلى الشمال، ولهذا قال بعضهم: إن وجه الكهف على بنات نعش، بنات نعش معروفة نجوم في السماء، يعرفها أهل البر.
﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ تكون عن شمال الغار.
وقوله: ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾ قيل: المعنى تتركهم، وقيل: المعنى تصيب منهم، وهو الأقرب أنها تُصيب منهم، وفائدة هذه الإصابة لأجل أن تمنع أجسامهم من التغير؛ لأن الشمس كما يقول الناس: إنها صحة وفائدة للإنسان.
﴿تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾ الضمير في قوله: ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾ يعود على هؤلاء الفتية، هذه الفجوة؛ يعني الشيء الداخل؛ يعني ليسوا على جانب الباب مباشرة، بل هم في مكان داخل؛ لأن ذلك أحفظ لهم.
وفي قوله تعالى: ﴿إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ﴾ ﴿إِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ﴾ دليل على أن الشمس هي التي تتحرك، وهي التي بتحركها يكون الطلوع والغروب، خلافًا لما يقوله الناس الآن: من أن الذي يدور هو الأرض، وأما الشمس فهي ثابتة، فنحن لدينا شيء من كلام الله، الواجب علينا أن نجريه على ظاهره، وألا نتزحزح عن هذا الظاهر إلا بدليل بَيِّن، فإذا ثبت لدينا بالدليل القاطع أن اختلاف الليل والنهار بسبب دوران الأرض فحينئذٍ يجب أن نؤول الآيات إلى المعنى المطابق للواقع، فنقول: ﴿إِذَا طَلَعَتْ﴾ في رأي العين، ﴿إِذَا غَرَبَتْ﴾ في رأي العين ﴿تَزَاوَرُ﴾ في رأي العين، (تقرض) في رأي العين، أما قبل أن يتبين لنا بالدليل القاطع أن الشمس ثابتة والأرض هي التي تدور، وبدورانها يختلف الليل والنهار، فإننا لا نقبل هذا أبدًا، علينا أن نقول: الشمس هي التي بدورانها يكون الليل والنهار؛ لأن الله أضاف الأفعال إليها، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما غربت الشمس قال لأبي ذر: «أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ؟» فأسند الذهاب إليها، ونحن نعلم علم اليقين أن الله تعالى أعلم بخلقه، ولا نقبل حدْثًا ولا ظنًّا، لكن لو أن تيقنَّا يقينًا أن الشمس ثابتة في مكان والأرض تدور، ويكون اختلاف الليل والنهار حينئذٍ تأويل الآيات واجب حتى لا يخالف الشيء المقطوع به.
قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ الضمير يعود على أيش؟ على حال هذه الفتية؛ خروجهم من قومهم، وإيواؤهم إلى هذا الغار، وتيسير الله عز وجل لهم غارًا مناسبًا تمامًا لا شك أنه من آيات الله الدالة على حكمته ورحمته عز وجل، هل نعتبر هذا كرامة؟ الجواب: نعم، نعتبره كرامة ولا شك.
﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ اللهم اهدنا، وأعذنا من الضلال.
﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ﴾ هذه (مَن) الشرطية، والدليل على أنها شرطية حذف الياء من يهدي، والجواب: ﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾.
وقوله: ﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ أصلها (المهتدي) بالياء، لكن حُذفت الياء تخفيفًا، كما حُذفت في قوله تعالى: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد ٩].
﴿وَمَنْ يُضْلِلْ﴾ أي: يُقَدِّر أن يكون ضالًّا.
﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ أي: من يتولّاه ويرشده إلى الصواب، وفي هذا الخبر من الله عز وجل تنبيه على أننا لا نسأل الهداية إلا من الله عز وجل، وأننا لا نجزع إذا رأينا من هو ضال؛ لأن الإضلال بيد من؟
بيد الله عز وجل، فنحن نؤمن بالقدر، ولا نسخط الإضلال الواقع من الله، لكن يجب علينا أن نُرشد هؤلاء الضالين، فهنا شرط وقَدر، القَدر يجب عليك أن ترضى به على كل حال، والمقدور فيه تفصيل؛ المشروع يجب عليك أن ترضى به بكل حال، فنحن نرضى حيث إن الله تعالى جعل الناس على قسمين: مهتدٍ وضالّ، ولكن يجب علينا مع ذلك أن نسعى في هداية الخلق.
18:18Page 295
وَتَحۡسَبُهُمۡ أَيۡقَاظٗا وَهُمۡ رُقُودٞۚ وَنُقَلِّبُهُمۡ ذَاتَ ٱلۡيَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِۖ وَكَلۡبُهُم بَٰسِطٞ ذِرَاعَيۡهِ بِٱلۡوَصِيدِۚ لَوِ ٱطَّلَعۡتَ عَلَيۡهِمۡ لَوَلَّيۡتَ مِنۡهُمۡ فِرَارٗا وَلَمُلِئۡتَ مِنۡهُمۡ رُعۡبٗا ١٨
And you would think them awake, while they were asleep. And We turned them to the right and to the left, while their dog stretched his forelegs at the entrance. If you had looked at them, you would have turned from them in flight and been filled by them with terror.
قال الله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ [الكهف ١٨] ﴿تَحْسَبُهُمْ﴾ أي: الرائي، تحسبهم أيها الرائي، إذا رأيتهم تحسبهم أيقاظًا؛ لأنه ليس عليهم علامة النوم، النائم يكون مسترخيًا، وتغمض عيناه، وهؤلاء كأنهم أيقاظ؛ ولذلك يُفرِّق الإنسان بين رجل نائم ورجل مضطجع من حين ما يراه حتى لو أن المضطجع أراد أن يتنوّم ويخدع صاحبه لعرف أنه ليس بنائم، هم إذا رأيتهم تحسبهم أيقاظًا مما يدل على أن أجسامهم بقيت على طراوتها وعلى قوتها ولم تتغير.
﴿وَهُمْ رُقُودٌ﴾ جمع (راقد).
﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ وهذا من حكمة الله عز وجل؛ يعني مرة يكونون على اليمين، ومرة يكونون على الشمال، ولم يذكر الله الظهر ولا البطن؛ لأن النوم على اليمين أو الشمال هو الأكمل.
وقوله: ﴿نُقَلِّبُهُمْ﴾ فيه دليل على أن فعل النائم لا يُنسب إليه، وجه الدلالة؟ أن الله أضاف تقلبهم إليه، فلو أن النائم قال في نومه: امرأتي طالق، تطلق؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: قال في نومه: في ذمتي لفلان ألف ريال، يثبت؟ لا؛ لأنه لا قصد له، ولا إرادة له، لا في القول ولا في الفعل.
والحكمة من تقليبهم ذات اليمين وذات الشمال؛ بعض العلماء قال: لئلّا تأكل الأرض الجانب الذي يكون ملاصقًا لها، ولكن الصحيح أن الحكمة ليست هذه، الحكمة من أجل توازن الدم في الجسد، حتى يتوازنوا؛ لأن الدم يسير في الجسد، فإذا كان على جانب واحد أوشك أن يَنحرِم منه الجانب الأعلى، ولكن الله عز وجل بحكمته جعلهم يتقلبون.
﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ يعني الكلب كأنه -والله أعلم- لم ينم.
﴿بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ أي: جالس على بطنه وقد مد ذراعيه.
﴿بِالْوَصِيدِ﴾ ما هو الوصيد؟ الوصيد هو يعني فتحة الكهف أو فناء الكهف؛ يعني إما أن يكون على الفتحة، وإما أن يكون إلى جنب الكهف في فنائه ليحرسهم؛ وفي هذا دليل على جواز اتخاذ الكلب للحراسة؛ حراسة الآدميين، أما حراسة الماشية فقد جاءت به السنة، حراسة الحرث جاءت به السنة، حراسة الآدمي من باب أولى؛ لأنه إذا جاز اتخاذ الكلب لحراسة الماشية أو للصيد الذي هو كمال وليس بضرورة، فاتخاذه لحراسة البيت من باب أولى.
قال الله عز وجل: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ﴾ أيها الرائي عليهم ﴿لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا﴾ رهبة ينزلها الله عز وجل في قلب من يراهم حتى لا يحاول أحد أن يدنو منهم؛ ولهذا قال: ﴿لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا﴾ مع أنهم لم يلحقوه، لكنه خائف منهم.
﴿وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ (ملئت)، ما هو مُلئ قلبه، كله بالرعب، وهذا يدل على شدة الخوف الذي يحصل لمن رآه.
18:19Page 295
وَكَذَٰلِكَ بَعَثۡنَٰهُمۡ لِيَتَسَآءَلُواْ بَيۡنَهُمۡۚ قَالَ قَآئِلٞ مِّنۡهُمۡ كَمۡ لَبِثۡتُمۡۖ قَالُواْ لَبِثۡنَا يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖۚ قَالُواْ رَبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثۡتُمۡ فَٱبۡعَثُوٓاْ أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمۡ هَٰذِهِۦٓ إِلَى ٱلۡمَدِينَةِ فَلۡيَنظُرۡ أَيُّهَآ أَزۡكَىٰ طَعَامٗا فَلۡيَأۡتِكُم بِرِزۡقٖ مِّنۡهُ وَلۡيَتَلَطَّفۡ وَلَا يُشۡعِرَنَّ بِكُمۡ أَحَدًا ١٩
And similarly,1 We awakened them that they might question one another. Said a speaker from among them, "How long have you remained [here]?" They said, "We have remained a day or part of a day." They said, "Your Lord is most knowing of how long you remained. So send one of you with this silver coin of yours to the city and let him look to which is the best of food and bring you provision from it and let him be cautious. And let no one be aware of you.
قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ [الكهف ١٩] أي: كما فعلنا بهم من هذه العناية تيسير الكهف لهم، وإنامتهم هذه المدة الطويلة بعثهم الله، أي: مثل هذا الفعل بعثناهم، فعلنا بهم فعلًا آخر.
﴿لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ كما جرت به العادة أن الناس إذا ناموا يتساءلون إذا قاموا، من الناس من يقول: ما الذي رأيته في منامك؟ ومنهم من يقول: لعل نومك لذيذ، وما أشبه ذلك. ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ كجاري العادة كم لنا نائمين؟
﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا﴾ أي: كاملًا.
﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ أي: بعض اليوم؛ وذلك لأنهم دخلوا في أول النهار، وبُعثوا من النوم في آخر النهار فقالوا: لبثنا يومًا إن كان هذا هو اليوم الثاني، أو بعض يوم إن كان هذا هو اليوم الأول، وهذا مما يدل على عمق نومهم.
﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ ﴿قَالُوا﴾ أي: قال بعضهم لبعض.
﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ وكأنّ هؤلاء القائلين قد شعروا بأن النومة طويلة، لكن لا يستطيعون أن يحددوا، أما الأولون فحددوا بناء على إيش؟ بناء على الظاهر، وأما الآخرون فلم يحددوا بناءً على الواقع؛ لأن الإنسان يُفرّق بين النوم اليسير والنوم الكثير، ثم قال بعضهم لبعض: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ ابعثوه بورِقكم؛ الوَرِق هو الفضة، كما جاء في الحديث: «وَفِي الرِّقَةِ رُبْعُ الْعُشْرِ» . كان معهم دراهم من الفضة ﴿ابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ تضمن هذا؛ أولًا: جواز التوكيل في الشراء؛ لقولهم: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ﴾ والتوكيل في الشراء جائز، وفي البيع جائز أيضًا، ولا يخفى أن الرسول ﷺ وكَّل أحد أصحابه أن يشتري له أضحية، أعطاه دينارًا قال: «اشْتَرِ أُضْحِيةً»، فاشترى شاتين بالدينار، ثم باع إحداهما بدينار فرجع بشاة ودينار، فدعا له النبي ﷺ أن يبارك الله له في بيعه، فكان لا يشتري ترابًا إلا ربح فيه» .
وقد أخذ العلماء من هذا الحديث أنه يجوز تصرُّف الفضولي؛ أي: يجوز للإنسان أن يتصرَّف في مال غيره إذا علم أن غيره يرضى بذلك، فهؤلاء وكَّلوا أحدهم أن يذهب إلى المدينة ويأتي بالرزق، وفي هذا أيضًا دليل على أنه لا بأس على الإنسان أن يطلب أطيب الطعام؛ لقولهم: ﴿فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾.
وفيه دليل أيضًا على ضعف قول الفقهاء: إنه لا يصح الوصف بالأفعل، مفهوم هذا؟ طيب الوصف بالأفعل؛ يعني معناه: لا يجوز أن تقول: أبيعه عليك بُرًّا أطيب ما يكون، قالوا: ما يجوز هذا؛ لأنه ما من طيب إلا وفوقه أطيب منه، ولكن يُقال: إن هذا يرجع إلى العرف؛ فأطيب يعني في ذلك الوقت، في ذلك المكان ﴿فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ هل من السنة ما يشهد لطلب الأزكى من الطعام؟
الجواب: نعم، وذلك «أن النبي ﷺ أقرَّ الصحابة الذين باعوا التمر الرديء بتمر جيد ليطعم النبي ﷺ منه» ، ولم ينههم عن هذا، ما قال: هذا ترفُّه، واتركوا طلب الأطيب، فالإنسان قد فَسَح الله له في أن يختار الأطيب من الطعام أو الشراب، أو المساكن، أو الثياب، أو المراكب ما دام الله أعطاه قدرة على ذلك فلا يُلام.
﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ يعني يشتري ويأتيه، فجمعوا في التوكيل بين الشراء والإحضار.
﴿وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ أي: يتعامل بخفية، لئلا يُشْعَر بهم فيؤذون، وهذا يعني أنهم ظنوا أنهم لم يلبثوا إلا قليلًا.
﴿وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ أي: لا يُحضرن أحدًا بكم، ثم علَّلوا هذا الأمر بالتلطُّف والنهي عن الإشعار.
18:20Page 295
إِنَّهُمۡ إِن يَظۡهَرُواْ عَلَيۡكُمۡ يَرۡجُمُوكُمۡ أَوۡ يُعِيدُوكُمۡ فِي مِلَّتِهِمۡ وَلَن تُفۡلِحُوٓاْ إِذًا أَبَدٗا ٢٠
Indeed, if they come to know of you, they will stone you or return you to their religion. And never would you succeed, then - ever."
﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا﴾ ﴾ [الكهف: ٢٠] يعني إن عدتم في ملتهم ﴿أَبَدًا﴾؛ يعني أنهم لا بد أن يقتلوكم أو يردوكم على أعقابكم بعد إيمانكم، وفي هذا دليل على اتخاذ الحذر من الأعداء بكل وسيلة إلا الوسائل المحرمة فهي محرمة لا يجوز أن يقع الإنسان فيها.
18:21Page 296
وَكَذَٰلِكَ أَعۡثَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ لِيَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لَا رَيۡبَ فِيهَآ إِذۡ يَتَنَٰزَعُونَ بَيۡنَهُمۡ أَمۡرَهُمۡۖ فَقَالُواْ ٱبۡنُواْ عَلَيۡهِم بُنۡيَٰنٗاۖ رَّبُّهُمۡ أَعۡلَمُ بِهِمۡۚ قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِمۡ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيۡهِم مَّسۡجِدٗا ٢١
And similarly, We caused them to be found that they [who found them] would know that the promise of Allāh is truth and that of the Hour there is no doubt. [That was] when they1 disputed among themselves about their affair and [then] said, "Construct over them a structure. Their Lord is most knowing about them." Said those who prevailed in the matter, "We will surely take [for ourselves] over them a masjid."2
ثم قال عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [الكهف ٢١] يعني أضِف إلى بعثهم أن الله أعثر عليهم؛ يعني أطلع عليهم قومهم.
﴿لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا﴾ أطلع الله قومهم عليهم ﴿لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾، لماذا؟
إما أن المعنى لقيام الساعة الذي كان ينكره هؤلاء، أو بأن الله تعالى يُنجي المؤمنين من الكفار؛ لأن هؤلاء الفتية السبعة نجوا من أمة عظيمة تقاتلهم وتنهاهم عن التوحيد، والظاهر أن المعنى ليعلموا أن وعد الله حق بنصر أوليائه.
﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا﴾ ﴿السَّاعَةَ﴾؛ يعني قيام الساعة ﴿لا رَيْبَ فِيهَا﴾ أي: لا شك، واقعة لا محالة، ثم قال عز وجل: ﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾ متعلقة بـ..
كل وسيلة إلا الوسائل المحرمة، فهي محرمة لا يجوز أن يقع الإنسان فيها.
ثم قال عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [الكهف ٢١] يعني: أضف إلى بعثهم أن الله أعثر عليهم؛ يعني: أطلع عليهم قومهم، ﴿لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا﴾ أطلع الله قومهم عليهم ليعلموا أن وعد الله حق، لماذا؟
إما أن المعنى: بقيام الساعة الذي كان ينكره هؤلاء، أو بأن الله تعالى ينجي المؤمنين من الكفار؛ لأن هؤلاء الفتية السبعة نجوا من أمة عظيمة تقاتلهم وتنهاهم عن التوحيد، والظاهر أن المعنى: ليعلموا أن وعد الله حق بنصر أوليائه.
﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا﴾ ﴿السَّاعَةَ﴾ يعني: قيام الساعة، ﴿لا رَيْبَ فِيهَا﴾ أي: لا شك واقعة لا محالة.
ثم قال عز وجل: ﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾ متعلقة بـ﴿أَعْثَرْنَا﴾ أعثرنا عليهم حتى تنازعوا أمرهم بينهم، من اللي يتنازعون؟
* الطلبة: قومهم.
* الشيخ: قومهم فيما بينهم تنازعوا؛ ماذا نفعل بهم؟ أنتركهم أم ماذا نصنع؟
﴿فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا﴾ ﴿ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا﴾ هل المعنى: ابنوا على قبورهم؛ يعني: يكون الجدار على القبر، أو المعنى: حوطوهم بذلك؟ الثاني هو المراد؛ يعني: ابنوا حولهم بنيانًا ليكون أثرًا من الآثار.
﴿رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾ يعني: توقفوا في أمرهم، كيف يبقون ثلاث مئة سنة وتسع سنين لا يأكلون ولا يشربون ولا يتغيرون أيضًا؟ ﴿رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾ توقفوا، ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾ وهم أمراؤهم، ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ أي: حولهم، قالوا: بدل من أن نبني بنيانًا نحوطهم به ونسترهم به ولا يكون لهم أثر اتخذوا عليهم مسجدًا، ابنوا المسجد عليهم، والظاهر أنهم فعلوا؛ لأن القائل من؟ الأمراء الذين لهم الغلبة، هذا الفعل؛ أي: اتخاذ المساجد على القبور، هذا من وسائل الشرك، وقد جاءت شريعتنا بمحاربته، حتى إن النبي ﷺ قال: «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»، يحذر ما صنعوا»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٦)، ومسلم (٥٣١ / ٢٢) من حديث عائشة، وابن عباس.]].
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences