Ibn 'UthayminAl‑Kahf · 18:22–26

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Al-Kahf 18:22–26

18:22Page 296

سَيَقُولُونَ ثَلَٰثَةٞ رَّابِعُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ وَيَقُولُونَ خَمۡسَةٞ سَادِسُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ رَجۡمَۢا بِٱلۡغَيۡبِۖ وَيَقُولُونَ سَبۡعَةٞ وَثَامِنُهُمۡ كَلۡبُهُمۡۚ قُل رَّبِّيٓ أَعۡلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا قَلِيلٞۗ فَلَا تُمَارِ فِيهِمۡ إِلَّا مِرَآءٗ ظَٰهِرٗا وَلَا تَسۡتَفۡتِ فِيهِم مِّنۡهُمۡ أَحَدٗا ٢٢

They [i.e., people] will say there were three, the fourth of them being their dog; and they will say there were five, the sixth of them being their dog - guessing at the unseen; and they will say there were seven, and the eighth of them was their dog. Say, [O Muḥammad], "My Lord is most knowing of their number. None knows them except a few. So do not argue about them except with an obvious argument1 and do not inquire about them among [the speculators] from anyone."

ثم قال عز وجل: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف ٢٢]، هنا ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ﴾ سيقولون خمسة، كيف يمكن أن يكون قولان لقائل واحد؟ هذا يخرّج على وجهين: إما أن المعنى: سيقول بعضهم: ثلاثة رابعهم كلبهم، ويقول البعض الآخر: خمسة سادسهم كلبهم، ويقول البعض الثالث: سبعة وثامنهم كلبهم، أو أن المعنى: سيترددون في هذا؛ مرة يقولون: ثلاثة، ومرة يقولون: خمسة، ومرة يقولون: سبعة، وكلاهما محتمل ولا يتنافيان، فتجدهم أحيانًا يقول كذا، وأحيانًا يقول كذا حسب ما يقوم في ذهنه.

قال الله تعالى: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ قاله في الذين قالوا: ﴿ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ و﴿خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾، كلا القولين قال الله تبارك وتعالى: إنهم قالوه رجمًا بالغيب؛ أي: راجمين بالغيب وليس عندهم يقين.

﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ ولم يقل: رجمًا بالغيب، بل سكت سبحانه وتعالى، وهذا يدل على أن عددهم كم؟ سبعة وثامنهم كلبهم؛ لأن الله لما أبطل القولين الأولين وسكت عن الثالث صار الثالث صوابًا.

نظيره قول الله تبارك وتعالى عن المشركين إذا فعلوا فاحشة: ﴿قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾ [الأعراف ٢٨] هذا واحد، ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ هذا اثنان، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ وسكت عن قولهم: ﴿وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾، فأبطل قولهم: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾، وسكت عن الأول، فدل هذا على أن الأول صحيح.

وهذا أيضًا نقول: لما قال: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ في القولين الأولين وسكت عن الثالث نقول: إذن نجزم بأنهم سبعة وثامنهم كلبهم.

قال الله عز وجل: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ يعني: إذا حصل النزاع فقل للناس: ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾، وهل أعلمنا الله بهذه العدة؟ أجيبوا

* الطلبة: نعم.

* الشيخ: نعم، أعلمنا بأنهم سبعة وثامنهم كلبهم، يعني: فإذا كان الله أعلم بعدتهم فالواجب أن نرجع إلى ما أعلمنا الله ونقول جازمين بأن عدتهم سبعة وثامنهم كلبهم، ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ يعني: ما يعلمهم قبل إعلام الله أنهم سبعة وثامنهم كلبهم إلا قليل.

ثم قال عز وجل: ﴿فَلا تُمَارِ فِيهِمْ﴾ أي: في شأنهم، في زمنهم، في مكانهم، في عددهم، في مآلهم، ﴿لَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ يعني: إلا جدلًا ظاهرًا لا يصل إلى القلب؛ لأنه إذا وصل الجدال إلى القلب اشتد المجادل وغضب وانتفخت أوداجه وتأثر، لكن لما لم يكن للجدال فيهم كبير فائدة قال الله تعالى: ﴿لَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ مراء على اللسان لا يصل إلى أيش؟ إلى القلب.

﴿وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ ولا تستفت في أهل الكهف، ﴿مِنْهُمْ﴾ أي: من الناس سواء من أهل الكتاب أو غيرهم، ﴿أَحَدًا﴾.

قال الله عز وجل: ﴿لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ ما هو السلطان بالمعنى العام؟

* طالب: كل من له سلطة أو ولاية فهو سلطان.

* الشيخ: سلطة أيش؟

* الطالب: كل من له سلطة فهو سلطان.

* الشيخ: سواء كان في الدليل أو في السطوة أو غير ذلك؛ يعني: الأمير سلطان، الرجل على أهله سلطان، وهلم جرًّا، الحجة سلطان، وما المراد بها في هذه الآية؟

* طالب: الحجة.

* الشيخ: الحجة، طيب.

قوله: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ قوله: ﴿إِلَّا اللَّهَ﴾ يحتمل أن تكون استثناء من قوله: ﴿يَعْبُدُونَ﴾، وعلى هذا يكون هؤلاء القوم يعبدون الله ويعبدون غيره، والفتية اعتزلوهم وما يعبدون إلا الله، ويحتمل أن تكون (إلا) منقطعة، فيكون المعنى: أن هؤلاء القوم لا يعبدون الله، ويكون معنى الآية: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ﴾ مطلقًا، ثم قال: ﴿إِلَّا اللَّهَ﴾ فلم تعتزلوهم ولكنكم آمنتم به، ويحتمل أن تكون استثناء على سبيل الاحتياط؛ يعني: أن هؤلاء الفتية قالوا: ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ يخشون أن يكون أحد من أقوامهم يعبد الله.

قوله: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ الفاء هنا؟

* طالب: يحتمل أنها واقعة في جواب الشرط.

* الشيخ: يحتمل أن تكون واقعة في جواب الشرط، وأن تكون (إذ)؟

* الطالب: (...) شرط.

* الشيخ: إي نعم، ويحتمل؟

* طالب: (...) للتفريع.

* الشيخ: أن الفاء للتفريع، وأن (إذ) على ما هي عليه ظرف.

قوله: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ﴾ إلى آخره استدللنا بها على أيش؟

* طالب: على أن الشمس هي التي تتحرك.

* الشيخ: نعم، على أن الشمس هي التي تتحرك، ويكون الظل والإضاءة بسبب حركة الشمس، وهل نبقى على هذا؟

* الطالب: نقول: إذا ثبت دليل قطعي على أن الشمس..

* الشيخ: لا، هل نبقى على هذا أو لا؟ قل: نعم ولَّا لا.

* طالب: نعم.

* الشيخ: نعم، نبقى على هذا وجوبًا، إلا إذا ثبت بطريق حسي نقتنع به بأن الشمس واقفة والأرض هي التي تدور، فنحن نؤمن بذلك ونقول: إن القرآن الكريم إنما خاطب الناس بحسب رؤيتهم؛ يعني: بحسب ما يرون.

قوله: ﴿وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ ولم يقل: ولا أخذك الرعب لأيش؟ أيهما أبلغ؟

* طالب: الأول.

* الشيخ: وهو؟

* الطالب: ملئت منهم رعبًا.

* الشيخ: ﴿لَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾؛ لأنه يدل على أنهم امتلؤوا من الرعب وليس في القلب فقط، أفهمت؟

* الطالب: نعم.

* الشيخ: لماذا ألقى الله عز وجل على من رآهم واطلع عليهم؟

* طالب: حتى لا يلتفت إليهم.

* الشيخ: إي، يعني من أجل حمايتهم، طيب، أحسنت.

قوله: ﴿بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ اللام لم نذكر هي لام التعليل أو لام العاقبة وهي لام العاقبة؛ يعني: ما بعثوا لأجل التساؤل ولكنهم بعثوا فتساءلوا، واللام تأتي للعاقبة كما في قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ أيش؟ ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص ٨]، اللام ليست للتعليل أبدًا، ولا يمكن أن تكون للتعليل؛ لأن آل فرعون لم يلتقطوه لهذا الغرض، لكنهم التقطوه فكان لهم عدوًّا وحزنًا.

لماذا قالوا: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾؟

* طالب: (...).

* الشيخ: نعم؛ لأنهم ناموا أول النهار وبعثوا آخره، فظنوا أنه بعض يوم، أو أنه يوم كامل إن كانوا قد ناموا بالأمس، كذا؟ طيب.

في هذه القصة ما يدل على جواز التوكيل؟

* طالب: كما قالوا: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾.

* الشيخ: نعم.

* الطالب: فهم وكلوا أحدهم حتى يشتري لهم من المدينة..

* الشيخ: ويأتي به.

* الطالب: نعم، الشراء مع إحضاره.

* الشيخ: طيب.

هل في الآية ما يدل على أنه لا حرج على الإنسان إذا طلب الطعام الأفضل؟

* طالب: قوله تعالى: ﴿أَزْكَى طَعَامًا﴾.

* الشيخ: ﴿أَزْكَى طَعَامًا﴾. وهل جاءت السنة بذلك؟

* طالب: (...).

* الشيخ: نعم، طيب، بارك الله فيك.

ماذا كان مآل هؤلاء الفتية بالنسبة لأقوامهم؟

* طالب: تنازعوا فيهم.

* الشيخ: تنازعوا فيهم؛ هل يبنون عليهم بنيانًا أو يتركونهم، والنتيجة؛ يعني آخر شيء؟

* الطالب: قال أهل الرأي منهم؛ أهل الغلبة ببناء مسجد عليهم.

* الشيخ: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾، تمام، أي: نبني عليهم مكانًا يكون محلًا للسجود يأتي الناس إليه ويسجدون فيه.

ماذا تقول: أهم ثلاثة أو خمسة أو سبعة؟

* طالب: سبعة.

* الشيخ: سبعة، الدليل؟

* الطالب: ترجيح الآية بعد التردد.

* الشيخ: ترجيح الآية بعد التردد، ما فهمتها.

* الطالب: أكدت الآية بأنهم سبعة وثامنهم كلبهم بعدما تردد القوم في عددهم.

* الشيخ: لا.

* طالب: أن الله ذكر القولين الأولين وأبطلهما بقوله: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾.

* الشيخ: إي نعم، أن الله ذكر القولين الأولين؛ ثلاثة وخمسة وأبطلهما بقوله: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾، وذكر القول الثالث وسكت عنه، تمام، وإبطال الشيئين والسكوت عن الثالث؟

* الطالب: يدل على أنه الصواب.

* الشيخ: يدل على أنه هو الصواب، هل لهذا نظير؟

* طالب: قول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف ٢٨]، فأبطل الله قولهم: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ وسكت عن قولهم: ﴿وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾.

* الشيخ: فدل على أن قولهم: ﴿وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾ صحيح، كذا؟ طيب، بارك الله فيك.

قال تعالى: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ يعني: لا يصل إلى القلب، اجعل الجدال جدالًا ظاهرًا، ويؤخذ من هذا: أن ما لا فائدة في الجدال فيه لا ينبغي للإنسان أن يتعب قلبه بالجدال، وهذا يقع كثيرًا، أحيانًا يحتمي بعض الناس إذا جودل في شيء لا فائدة من الجدال فيه، نقول: يا أخي لا تجادل، اجعل جدالك ظاهرًا على اللسان فقط لا يصل إلى القلب فتحتمي وتغضب، وهذا يدل على أن ما لا خير فيه لا ينبغي فيه التعمق، وهذا كثير.

وأكثر ما يوجد في علم الكلام؛ فإن علماء الكلام الذين خاضوا في التوحيد والعقيدة يأتون بأشياء لا فائدة منها، مثل قولهم: تسلسل الحوادث في الأزل، في المستقبل، وما أشبه ذلك من الكلام الفاضي الذي لا داعي له، وهم يكتبون الصفحات في تحرير هذه المسألة نفيًا أو إثباتًا مع أنه لا طائل تحته، فالشيء الذي ليس فيه فائدة لا تتعب نفسك، وإذا رأيت من صاحبك المجادلة فقل له: تأمل الموضوع وسد الباب، يعني بعض الناس -نسأل الله السلامة- مفتون بالجدل، وما ابتلي قوم بالجدل إلا ضلوا، والعياذ بالله.

﴿فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ أي: لا تسأل أحدًا عن حالهم، * وفيه: إشارة إلى أن الإنسان لا ينبغي أن يستفتي من ليس أهلًا للإفتاء، حتى وإن زعم أن عنده علمًا فلا تستفته إذا لم يكن أهلًا.

18:23–24Page 296

وَلَا تَقُولَنَّ لِشَاْيۡءٍ إِنِّي فَاعِلٞ ذَٰلِكَ غَدًا ٢٣

And never say of anything, "Indeed, I will do that tomorrow,"

إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَهۡدِيَنِ رَبِّي لِأَقۡرَبَ مِنۡ هَٰذَا رَشَدٗا ٢٤

Except [when adding], "If Allāh wills." And remember your Lord when you forget [it] and say, "Perhaps my Lord will guide me to what is nearer than this to right conduct."

﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤] ﴿لا تَقُولَنَّ﴾ الخطاب هنا للرسول ﷺ كالخطاب في الآية التي قبلها، ﴿لا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ﴾ أي: في شيء، ﴿إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ذكروا[[أخرجه الطبري في التفسير (١٥ / ١٤٣) من حديث ابن عباس.]] أن قريشًا أرسلت إلى اليهود في المدينة وقالوا: إن رجلًا بعث فينا يقول: إنه نبي، فقالوا لهم: اسألوه عن ثلاث: اسألوه عن فتية خرجوا من مدينتهم ولجؤوا إلى غار، ما شأنهم؟ واسألوا عن رجل ملك مشارق الأرض ومغاربها، واسألوه عن الروح، ثلاثة أشياء، فسألوا النبي ﷺ عن أصحاب الكهف، قال: «أُخْبِرُكُمْ غَدًا»، فتوقف الوحي نحو خمسة عشر يومًا لم ينزل عليه الوحي، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يدري عن قصص السابقين، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت ٤٨]، ولكن الله عز وجل ابتلاه واختبره، فأمسك الوحي خمسة عشر يومًا، كما ابتلى سليمان عليه الصلاة والسلام لما قال: «لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً تَلِدُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ غُلَامًا يُقَاتِلُ فِي سِبِيلِ اللَّهِ، فقال له الملك: قل: إن شاء الله، ما قال: إن شاء الله، فطاف على تسعين امرأة يجامعهن،» وما الذي حصل؟ «أَتَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ بِشِقِّ إِنْسَانٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٦٣٩)، ومسلم (١٦٥٤ / ٢٥) من حديث أبي هريرة.]]، حتى يري الله عز وجل عباده أن الأمر أمره، وأن الإنسان مهما بلغ في المرتبة عند الله عز وجل والوجاهة فإنه لا مفر له من قدر الله.

مكث الوحي خمسة عشر يومًا، ومن المعلوم أن النبي عليه الصلاة والسلام سوف يلحقه الغم والهم لئلا يتخذ هؤلاء القوم من تأخر إخباره بذلك وسيلة إلى تكذيبه، والحقيقة أن هذا ليس وسيلة إلى تكذيبه؛ يعني قد يقولون: وعدنا محمد بأنه يخبرنا غدًا ولم يفعل، أين الوحي الذي يدعي أنه ينزل عليه؟ لكن نقول: إن تأخر الوحي وتأخر إخبار النبي ﷺ بذلك يدل على أيش؟ على صدقه؛ لأنه لو كان كاذبًا لصنع قصة فيما بين ليلة وضحاها، صنع قصة وقال: هذا قصتهم؛ لئلا يتهموه، فتأخر الوحي والنبي ﷺ لم يخبرهم يدل على كمال صدقه ﷺ.

﴿إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ لا تقل: إني فاعل إلا قولًا مقرونًا بمشيئة الله، وقرن ذلك بمشيئة الله يستفيد منه الإنسان فائدتين عظيمتين:

إحداهما: أن الله ييسر الأمر له؛ حيث فوضه إليه جل وعلا.

والثانية: إن كان حالفًا لم يحنث.

* ويستفاد من قوله: ﴿إِنِّي فَاعِلٌ﴾ أنه لو قال: سأفعل هذا على سبيل الخبر لا على سبيل الجزم بوقوع الفعل، فإن ذلك لا يلزم أن يأتي فيه بالمشيئة؛ يعني: لو قال لك صاحبك: هل تمر عليَّ غدًا؟ فقلت: نعم، الآن قلت: إنك ستمر، لكن هل هذا خبر أو أنه سيقع ولا بد؟ الجواب: هذا خبر، أما إذا أردت أنه سيقع ولا بد فقل: إن شاء الله، وجه ذلك: أن الأول خبر عما في قلبك، والذي في قلبك حاصل الآن، وأما أنك ستفعل في المستقبل، فهذا خبر عن شيء لم يكن ولا تدري هل يكون أو لا يكون؟ انتبهوا لهذا الفرق.

إذا قال الإنسان: سأسافر غدًا؛ فإن كان يخبر عما في قلبه فلا يحتاج إلى أن يقول: إن شاء الله، لأيش؟ لأنه خبر عن شيء واقع، أما إذا كان يريد بقوله: سأسافر أنني سأنشئ السفر وأسافر فعلًا، فهنا لا بد أن يقول: إن شاء الله؛ ولهذا جاءت الآية الكريمة: ﴿إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ولم يقل: إني سأفعل، بل قال: ﴿إِنِّي فَاعِلٌ﴾، فلا تقل لشيء مستقبل: إن فاعله إلا مقرونًا بمشيئة الله.

﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ يعني: اذكر ربك؛ أي: أمر ربك بأن تقول: إن شاء الله، ﴿إِذَا نَسِيتَ﴾ أن تقولها؛ لأن الإنسان قد ينسى، وإذا نسي فقد قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة ٢٨٦]، وقال النبي ﷺ: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٧)، ومسلم (٦٨٤ / ٣١٤)، وأبي يعلى (٣٠٨٦) واللفظ له من حديث أنس.]]، المشيئة إذا نسي الإنسان متى يقولها؟ إذا ذكرها، ولكن هل تنفعه؛ بمعنى أنه لو حنث لم تلزمه الكفارة أو لا تنفعه؟

من العلماء من قال: تنفعه حتى لو لم يذكر إلا بعد يوم أو يومين أو سنة أو سنتين؛ لأن الله أطلق ﴿اذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾.

ومن العلماء من قال: لا تنفعه، إلا إذا ذكر بزمن قريب بحيث ينبني الاستثناء على المستثنى منه، وهذا هو الذي عليه جمهور العلماء.

وسأضرب مثلًا يتبين به الأمر، إذا قلت: والله لأفعلن هذا، ونسيت أن تقول: إن شاء الله، ثم ذكرت بعد عشرة أيام، فقلت: إن شاء الله، ثم لم تفعل، بناء على أن من قال: إن شاء الله لم يحنث، هل ينفعه هذا أو لا؟

من العلماء من قال: ينفعه؛ لأنه هنا قال: ﴿اذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾.

ومنهم من قال: لا ينفعه؛ لأن الكلام لم ينبنِ بعضه على بعض، إذن ما الفائدة من أمر الله أن نذكره إذا نسينا؟ قال: الفائدة هو ارتفاع الإثم؛ لأن الله قال: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، فإذا نسيت فقلها إذا ذكرت، لكن هل تنفعك فلا تحنث أو يرتفع عنك بذلك الإثم؟ الظاهر الثاني؛ أنه يرتفع الإثم، وأما الحنث فإنه يحنث لو خالف؛ لأن الاستثناء بالنسبة للحنث لا ينفع إلا أن يكون متصلًا.

ثم الاتصال هل يقال: إن الاتصال معناه أن يكون الكلام متواصلًا بعضه مع بعض أو أن الاتصال ما دام في المجلس؟

فيه أيضًا خلاف؛ بعضهم يقول: ما دام في المجلس فهو متصل، وإذا قام عن المجلس فقد انقطع، قال: لأن النبي ﷺ قال: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ» أيش؟ «مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٧٩)، ومسلم (١٥٣٢ / ٤٧) من حديث حكيم بن حزام.]]، فجعل التفرق فاصلًا.

ومنهم من قال: لا، العبرة باتصال الكلام بعضه مع بعض، والظاهر -والله أعلم- أنه إذا كان في مجلسه ولم يذكر كلامًا يقطع ما بين الكلامين فإنه لا بأس أن يستثني.

﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ ﴿عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي﴾ ﴿عَسَى﴾ هذه بمعنى الرجاء إذا وقعت من مخلوق، وبمعنى الوقوع إذا وقعت من الخالق، انتبه، إذا وقعت من مخلوق فهي للرجاء، ومن الخالق فهي للوقوع، فقول الله تبارك وتعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُم﴾ [النساء ٩٨، ٩٩]، نقول: (عسى) هنا واقعة.

وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ أيش؟ ﴿فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة ١٨].

أما من الإنسان فهي للرجاء، فقوله عز وجل: ﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي﴾ هذه للرجاء، ﴿أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي﴾ أي: يدلني إلى الطريق؛ ولهذا قال: ﴿لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ هداية، وقد فعل أو لا؟ فعل عز وجل، لكن الرسول ﷺ أول ما قال: «سَأُخْبِرُكُمْ غَدًا»[[أخرجه الطبري في التفسير (١٥ / ١٤٣) من حديث ابن عباس.]]، يحتاج إلى أن ينتظر أمر الله عز وجل، ﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾.

18:25Page 296

وَلَبِثُواْ فِي كَهۡفِهِمۡ ثَلَٰثَ مِاْئَةٖ سِنِينَ وَٱزۡدَادُواْ تِسۡعٗا ٢٥

And they remained in their cave for three hundred years and exceeded by nine.1

قال الله تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف ٢٥] ﴿لَبِثُوا﴾ أي: هؤلاء الفتية.

ذكرنا أن هذا ينقسم إلى؟

* طالب: إلى قسمين؛ (...) فلا يحتاج إلى أن يقول: إن شاء الله، وإن كان يريد إيقاع الفعل يقول: إن شاء الله.

* الشيخ: نعم، إذا كان يخبر عما في نفسه فهذا لا يحتاج إلى أن يقول: إن شاء الله؛ لأن ما في نفسه قد وقع وقد شاءه الله عز وجل، مثل أن يسأل متى تسافر؟ قال: أسافر غدًا، هذا يخبر عما في نفسه وعما نواه، لا حاجة إلى أن يقول: إن شاء الله، أما إذا أراد تحقيق الفعل وإيقاع الفعل فلا بد أن يقول: إن شاء الله.

هل يمكن أن يفهم هذا التفصيل من الآية؟

* طالب: نعم؛ لأن الله قال: ﴿إِنِّي فَاعِلٌ﴾ مؤكد.

* الشيخ: ﴿إِنِّي فَاعِلٌ﴾ ولم يقل: سأفعل.

* الطالب: نعم.

* الشيخ: فاعل، كأنه أمر مؤكد أنني سأفعل، هذا من وجه، من وجه آخر: أن ما في ضميره قد شاءه الله، إذا كان يخبر عما في ضميره فقد شاءه الله، فلا حاجة أن يقول: إن شاء الله؛ لأنه يخبر عما في ضميره.

قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ ما معناها؟

* طالب: أي: اذكر أمر ربك إذا نسيت قل: إن شاء الله.

* الشيخ: نعم، إذا نسيت أن تقول: إن شاء الله فاذكر أمر الله عز وجل، واستغفر لذنبك؛ لأنك خالفت ما أمر الله به، وقيل: ﴿اذْكُرْ رَبَّكَ﴾ أي: الاستثناء، هل يصلح الاستثناء منفصل عن المستثنى منه؟

* طالب: فيه خلاف.

* الشيخ: نعم، أيش الخلاف؟

* الطالب: بعضهم قال: ينفع الاستثناء ولو طالت المدة.

* الشيخ: ولو بعد مدة.

* الطالب: ولو بعد مدة.

* الشيخ: يعني: لو حلف أن يقول: والله لأفعلن كذا يوم جمعة ونسي أن يقول: إن شاء الله، في يوم الخميس ذكر فقال: إن شاء الله، ينفعه أو لا ينفعه؟

* الطالب: على هذا القول ينفعه.

* الشيخ: على هذا القول ينفعه، تمام. القول الثاني؟

* طالب: القول الثاني: أنه لا بد من الاتصال في الكلام.

* الشيخ: لا بد أن يكون الاستثناء متصلًا بالمستثنى منه، طيب، لكن ينفعه؟

* الطالب: ينفعه بحيث يرفع الإثم.

* الشيخ: في رفع الإثم عنه، تمام، هذا هو الذي عليه جمهور العلماء.

يذكر أن الخليفة العباسي المنصور لما سمع أن أبا حنيفة رحمه الله ينكر قول ابن عباس: إن الاستثناء ينفع ولو بعد مدة[[أخرجه سعيد بن منصور في تفسيره (١٣٣٣) عن ابن عباس بلفظ: أنه كان يرى الاستثناء ولو بعد سنة.">، وتعرفون أن المنصور من ذرية آل النبي ﷺ، وابن عباس يرى أن الاستثناء ينفع حكمًا ورفع إثم ولو طال الزمن، دعاه وقال: كيف تخالف ابن عباس؟ قال: يا أمير المؤمنين، هذا من حظك، أرأيت الناس يبايعونك ويحلفون لك، فإذا قلنا بقول ابن عباس وخرجوا من عندك قالوا: إن شاء الله، وإذا قالوا: إن شاء الله بطلت اليمين التي بايعوك عليها. وهذا من ذكاء أبي حنيفة فلم ينكر عليه؛ لأنه لو صححنا قول ابن عباس لكان الذين يبايعون ويعاهدون الله إذا خرجوا قالوا: إن شاء الله، وحينئذٍ تبطل البيعة، فرجع؛ يعني: قصدي رفع عنه الملامة ولم يعاقبه.

قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٦) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ [الكهف ٢٥، ٢٦] إلى آخره ﴿لَبِثُوا﴾ يعني: أصحاب الكهف، ﴿فِي كَهْفِهِمْ﴾ يعني: الذي اختاروه لأنفسهم وناموا فيه.

﴿ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾ ﴿ثَلاثَ مِائَةٍ﴾ تكتب اصطلاحًا مربوطة (ثلاث) مربوطة بـ(مائة)، وتكتب (مائة) بالألف، لكن هذه الألف لا ينطق بها، ويخطئ من نسمعهم يقولون كثيرًا: ثلاث مَائَة، هذا غلط؛ كيف يقولون (مَائَة) وهي (مِائة) في القرآن الكريم ﴿لَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ﴾؟ وبعضهم يكتب (ثلاث) وحدها (ومائة) وحدها، وهذا أيضًا صحيح، وهي عندي كذلك مكتوبة: ﴿ثَلاثَ مِائَةٍ﴾؛ (ثلاث) وحدها، و(مائة) وحدها، وهذه قاعدة صحيحة.

وقوله: ﴿مِائَةٍ سِنِينَ﴾ ﴿مِائَةٍ﴾ بالتنونين، و﴿سِنِينَ﴾ عطف بيان لـ﴿ثَلاثَ مِائَةٍ﴾؛ لأن (ثلاث مائة) لولا كلمة (سنين) لكنا لا ندري هل ثلاث مئة يوم أو ثلاث مئة أسبوع أو ثلاث مئة سنة؟ فلما قال: ﴿سِنِينَ﴾ بين ذلك، يقول: ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ ازدادوا على الثلاث مئة، فكم يكن لبثهم؟ ثلاث مئة وتسع سنوات.

قد يقول قائل: لماذا لم يقل ثلاث مئة وتسع سنين؟ قلنا: هذا بمعنى هذا ولا فرق، لكن القرآن العظيم أبلغ الكلام، فمن أجل تناسب الآيات ورؤوس الآيات قال: ﴿ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾، وليس كما قال بعضهم: ﴿ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾ بالشمسية، ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ بالقمرية، فإنه لا يمكن أن نشهد على الله بأنه أراد هذا، من الذي يشهد على الله أنه أراد ثلاث مئة سنين بالشمسية وتسع سنين زائدة بالقمرية؟ حتى لو وافقت أن ثلاث مئة سنين شمسية هي ثلاث مئة وتسع سنين بالهلالية، فإنه لا يمكن أن نشهد على الله بهذا؛ لأن الحساب واحد، وما هي العلامات التي يكون بها الحساب عند الله عز وجل؟ الأهلة؛ ولهذا نقول: إن القول: بأن ﴿ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾ شمسية ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ يعني: قمرية قول ضعيف؛ أولًا: أنه لا يمكن أن نشهد على الله بأنه أراد هذا.

ثانيًا: أن عدة الشهور عند الله والسنوات هي بالأهلة؛ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ﴾ بعدها ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس ٥].

﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ إذن لبثوا ثلاث مئة وتسع سنوات بالهلالية.

18:26Page 296

قُلِ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثُواْۖ لَهُۥ غَيۡبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ أَبۡصِرۡ بِهِۦ وَأَسۡمِعۡۚ مَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِيّٖ وَلَا يُشۡرِكُ فِي حُكۡمِهِۦٓ أَحَدٗا ٢٦

Say, "Allāh is most knowing of how long they remained. He has [knowledge of] the unseen [aspects] of the heavens and the earth. How Seeing is He and how Hearing! They have not besides Him any protector, and He shares not His legislation with anyone."

قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ ﴿قُلِ﴾ يا محمد: الله أعلم بما لبثوا، وهذه الجملة تؤيد قول من يقول: إن قوله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ﴾ من قول الذين يتحدثون عن لبث أهل الكهف في كهفهم وهم اليهود الذين يدعون أن التوراة تدل على هذا، وعليه؛ على هذا القول يكون قوله: ﴿وَلَبِثُوا﴾ مقولًا لقول محذوف والتقدير: وقالوا: لبثوا في كهفهم ثلاث مئة سنين، ثم قال: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾، لكن هذا القول وإن قاله بعض المفسرين فالصواب خلافه، وأن قوله: ﴿وَلَبِثُوا﴾ من قول من؟

* طالب: من كلام الله.

* الشيخ: من قول الله، ويكون قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ من باب التوكيد؛ أي: توكيد الجملة أنهم لبثوا في كهفهم ثلاث مئة سنين، والمعنى قل: الله أعلم بما لبثوا، وقد أعلمنا أنهم لبثوا كم؟ ثلاث مئة سنين وازدادوا تسعًا.

قال الله عز وجل: ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: له ما غاب في السماوات والأرض، أو له علم غيب السماوات والأرض، وكلا الأمرين حق، و(السماوات) جمع (سماء)، وهي سبعة كما هو معروف، والأرض هي أيضًا سبع أرضين، فلا يعلم الغيب؛ غيب السماء والأرض إلا الله؛ ولهذا من ادعى علم الغيب فهو كاذب، والمراد بالغيب المستقبل.

وأما الموجود أو الماضي فمن ادعى علمه فليس بكافر؛ لأن هذا الشيء قد حصل وعلمه من علمه من الناس، لكن غيب المستقبل لا يكون إلا لله عز وجل؛ ولهذا من أتى كاهنًا يخبره عن المستقبل وصدقه فهو كافر بالله عز وجل؛ لأنه مكذب لقوله تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل ٦٥].

أما ما كان واقعًا، فمن المعلوم أن ما كان واقعًا هو غيب بالنسبة لقوم وشهادة بالنسبة لآخرين، الآن ما في الشارع هو بالنسبة لنا غيب، بالنسبة لمن يشاهد هناك شهادة، ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾.

﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ هذا يسميه النحويون فعل تعجب، فـ(أبصر) بمعنى ما أبصره، و(أسمع) بمعنى ما أسمعه، وهو غاية ما يكون من علو هذين الوصفين؛ البصر والسمع، فالله تبارك وتعالى يبصر كل شيء، يبصر دبيب النمل على الصفاة السوداء في ظلمة الليل، يبصر ما لا تدركه أعين الناس مما هو أخفى وأدق، كذلك في السمع يسمع كل شيء، يعلم السر وأخفى من السر، ويعلم الجهر، ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه ٧].

تقول عائشة رضي الله عنها في قصة المجادلة التي ظاهر منها زوجها وجاءت تشتكي إلى الرسول ﷺ، وكانت عائشة في الحجرة، والحجرة صغيرة كما هو معروف، وكان الرسول ﷺ يحاور المرأة، وعائشة يخفى عليها بعض حديثها، والله عز وجل يقول: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة ١]، تقول: «الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، إني لفي الحجرة وإنه ليخفى عليَّ بعض حديثها، والله عز وجل فوق كل شيء، ومع ذلك سمع قولها ومحاورتها للرسول ﷺ»[[أخرجه النسائي (٣٤٦٠)، وابن ماجه (١٨٨) من حديث عائشة.]].

وفي الإيمان بأن الله تعالى ذو بصر نافذ لا يغيب عنه شيء، وذو سمع ثاقب لا يخفى عليه شيء، في الإيمان بذلك ما يقتضي للإنسان ألَّا يري ربه ما يكرهه الله، ولا يسمعه ما يكرهه الله؛ لأنك إذا آمنت بأن الله إن عملت أي عمل رآك، إن قلت أي قول سمعك، فهذا يوجب أن تخشى الله عز وجل، وألَّا تفعل فعلًا يكرهه الله، ولا تقول قولًا يكرهه الله عز وجل، لكن الإيمان ضعيف، فتجد الإنسان عندما يريد أن يقول أو أن يفعل لا يخطر بباله أن الله يسمع أو يرى إلا إذا نبه، الغفلة كثيرة، فيجب علينا جميعًا أن ننتبه لهذه النقطة العظيمة.

قال: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ ﴿مَا لَهُمْ﴾ هل الضمير يعود على أصحاب الكهف أو على من في السماوات والأرض؟ الثاني هو المتعين؛ يعني: ليس لأحد ولي من دون الله، حتى الكفار وليهم الله عز وجل، وحتى المؤمنون وليهم الله عز وجل، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام ٦١، ٦٢]، فالله ولي لكل أحد، وهذه هي الولاية العامة، أليس الله تعالى يرزق الكافرين، وينمي أجسامهم، وييسر لهم ما في السماوات والأرض، وسخر الشمس والقمر والنجوم والأمطار، وكذلك الأرض؟ هذه ولاية، ويتولى المؤمنين أيضًا، لكن هذه ولاية عامة.

الولاية الخاصة للمؤمنين، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة ٢٥٧]، الولاية الخاصة تستلزم عناية خاصة، اللهم اجعلنا من أوليائك، تستلزم ولاية خاصة أن الله تعالى يسدد العبد، يفتح له أبواب العلم النافع والعمل الصالح؛ ولهذا قال: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ بماذا يخرجهم؟ بالعلم، فيعلمهم أولًا، ويخرجهم ثانيًا.

إذن ﴿مَا لَهُمْ﴾ أي: ما لأهل السماوات والأرض، ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أي: من سواه، ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ أي: يتولى أمورهم ويدبِّرها، إعراب الجملة هذه: أن ﴿مَا﴾ نافية، و﴿لَهُمْ﴾ خبر مقدم، و﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ مبتدأ مؤخر دخلت عليها؛ على هذه الكلمة حرف الجر الزائد؛ لأنك لو حذفت (من) وقلت: ما لهم من دونه ولي لاستقام الكلام، لكن جاءت (مِن) من أجل التوكيد والتنصيص على العموم؛ يعني: لا يمكن أن يوجد لأهل السماوات والأرض ولي سوى الله عز وجل.

﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ لا يشرك أحدًا في حكمه، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا﴾ لمن؟ ﴿لِلَّهِ﴾ [الأنعام ٥٧]، ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ١٠]، والحكم كوني وشرعي؛ الخلق والتقدير وتدبير هذه الخلائق العظيمة، هذا كوني، والحكم بين الناس بالأوامر والنواهي، هذا شرعي.

فهل المراد بقوله: ﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ الأمران أو أحدهما؟ المراد الأمران، لا أحد يشرك الله عز وجل في حكمه لا الكوني ولا الشرعي.

* وفيه: دليل على وجوب الرجوع إلى حكم الله الشرعي، وأنه ليس لنا أن نشرع في دين الله ما ليس منه؛ لا في العبادات ولا في المعاملات.

وأما من قال من أهل العلم: إنه لنا أن نشرع في المعاملات ما يناسب الوقت، فهذا قول باطل؛ لأنه على قولهم لنا أن نجوز الربا، وأن نجوز الميسر، وأن نجوز كل ما فيه الكسب ولو كان محرمًا، ولا شك أن هذا قول باطل، فالشرع صالح لكل زمان ومكان، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها.

الحكم الكوني هل أحد يشرك الله فيه؟ أبدًا، ولا أحد يدعي هذا، هل يستطيع أحد أن ينزل الغيث؟ لا، هل يستطيع أحد أن ينبت الأرض؟ لا، الحكم الكوني لا أحد يدعي الشركة فيه، الحكم الشرعي هو الذي محل اختلاف البشر، ودعوى بعضهم أن لهم أن يشرعوا للناس ما يرون أنه مناسبًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском