Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-Kahf 18:27–35
18:27Page 296
وَٱتۡلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَۖ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلۡتَحَدٗا ٢٧
And recite, [O Muḥammad], what has been revealed to you of the Book of your Lord. There is no changer of His words, and never will you find in other than Him a refuge.
﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾ هذا كالنتيجة لقوله: ﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾، فقوله: ﴿اتْلُ﴾ يشمل التلاوة اللفظية والتلاوة العملية، أما التلاوة اللفظية فظاهرة، تقول: فلان تلا عليَّ سورة الفاتحة، التلاوة الحكمية العملية أن تعمل بالقرآن، فإذا عملت به فقد تلوته؛ أي: تبعته؛ ولهذا نقول في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ [فاطر ٢٩] يشمل التلاوة اللفظية والحكمية.
وقوله: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾ [الكهف ٢٧] الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، ولكن اعلم أن الخطاب الموجه للرسول ﷺ ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ما دل الدليل على أنه خاص به فهو خاص به.
الثاني: ما دل الدليل أنه للعموم فهو للعموم.
الثالث: ما يحتمل الأمرين؛ فقيل: إنه عام، وقيل: إنه خاص وتتبعه الأمة لا بمقتضى هذا الخطاب ولكن بمقتضى أنه أسوتها وقدوتها.
مثال الأول الذي دل الدليل على أنه خاص به: قوله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١]، هذا لا شك أنه خاص به، ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ [الضحى ٦]، هذا خاص به.
ومثال الثاني الذي دل الدليل على أنه عام: قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق ١]، فإن قوله: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ خطاب لمفرد ولَّا لجماعة؟ لجماعة وهم الأمة، لكن نادى زعيمَها ورسولَها؛ لأنهم تابعون له فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾، إذن الخطاب يشمل النبي ﷺ وجميع الأمة.
ومثال ما يحتمل الأمرين: هذه الآية ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾، لكن هذه قد يقول قائل: إن فيها قرينة تدل على أنه خاص به كما سنذكرها إن شاء الله، لكن الأمثلة على هذا كثيرة، والصواب: أن الخطاب للأمة لكن وجه لزعيمها وأسوتها؛ لأن الخطابات الهامة إنما توجه للرؤساء والمتبوعين.
وقوله: ﴿مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾ هو القرآن، وفي إضافة الرب إلى الرسول ﷺ دليل على أن ما أوحاه الله إلى رسوله من تمام عنايته به، ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ يعني: لا أحد يستطيع أن يبدل كلماته لا الكونية ولا الشرعية، أما الكونية فظاهر، لا أحد يستطيع أن يبدلها، فإذا قال الله تعالى: كن، في أمر كوني فلا يستطيع أحد أن يبدله، واضح؟
* طالب: لا يستطيع أحد أن يبدل كلمات الله عز وجل الكونية.
* الشيخ: الكونية لا أحد يستطيع، الشرعية لا أحد يستطيع شرعًا، فيكون النفي هنا ليس نفي الوجود ولكنه نفي للإمكان الشرعي، لا أحد يستطيع أن يبدل كلمات الله الشرعية على وجه شرعي، أبدًا، بل الواجب على الجميع أن يستسلموا لله عز وجل.
لو قال قائل: وجدنا من يبدل كلام الله، فإن الله تعالى أشار إلى هذا في قوله في الأعراب: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ [الفتح ١٥]؟
قلنا: نعم، لكن هذا التبديل شرعي، والتبديل الشرعي قد يقع من البشر فيحرفون الكلم عن مواضعه، ويفسرون كلام الله بما لم يرده الله، ومن ذلك جميع المعطلة لصفات الله عز وجل أو لبعضها ممن بدلوا كلام الله.
﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ يعني: لن تجد أيها الرسول من دون الله عز وجل، ﴿مُلْتَحَدًا﴾ أي: أحدًا تميل إليه وتلجأ إليه؛ لأن أصل الالتحاد من اللحد وهو الميل؛ يعني: لو أرادك أحد بسوء ما وجدت أحدًا يمنعك دون الله عز وجل، إذن عندما يصيب الإنسان شيء يتضرر به أو يخافه يلتجئ إلى من؟ إلى الله عز وجل، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الجن ٢١، ٢٢].
18:28Page 297
وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا ٢٨
And keep yourself patient [by being] with those who call upon their Lord in the morning and the evening, seeking His face [i.e., acceptance]. And let not your eyes pass beyond them, desiring adornments of the worldly life, and do not obey one whose heart We have made heedless of Our remembrance and who follows his desire and whose affair is ever [in] neglect.1
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨] إلى آخره، ﴿اصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ يعني: احبسها مع هؤلاء الذين يدعون الله دعاء مسألة ودعاء عبادة، ﴿بالغداة﴾ أول النهار، ﴿وَالْعَشِيِّ﴾ آخر النهار، مخلصين لله عز وجل ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ ولا يريدون شيئًا من الدنيا؛ يعني: أنهم يفعلون ذلك لله وحده لا لأحد سواه.
وفي الآية إثبات الوجه لله عز وجل، وقد أجمع علماء أهل السنة على ثبوت الوجه لله تعالى؛ لدلالة الكتاب والسنة على ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن ٢٧]، وقال النبي ﷺ: «أَعُوذُ بِوَجْهِكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٢٢٧)، ومسلم (٢٨٤١ / ٢٨) من حديث أبي هريرة.]]، وأجمع سلف الأمة وأئمتها على ثبوت الوجه لله.
ولكن هل يكون هذا الوجه مماثلًا لأوجه المخلوقين؟ اسمعوا يا إخواني ولا سيما الجدد، لا يمكن أن يكون وجه الله مماثلًا لأوجه المخلوقين؛ لقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى ١١]، وقوله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم ٦٥] أي: شبيهًا ونظيرًا، وقال الله تبارك وتعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ٢٢]، وهكذا كل ما وصف الله به نفسه فالواجب علينا أن نجريه على ظاهره، لكن بدون تمثيل.
فإن قال قائل: إذا أثبت لله وجهًا لزم من ذلك التمثيل، ونحمل قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ يعني: إلا فيما أثبته، كالوجه واليدين مثلًا؟
فالجواب: أن هذا مكابرة؛ لأننا نعلم حسًّا وعقلًا أن كل مضاف إلى شيء فإنه يناسب ذلك الشيء، أليس للإنسان وجه، وللجمل وجه، وللحصان وجه، وللفيل وجه، هل هذه الأوجه متفقة؟ لا، أبدًا، تناسب ما أضيفت إليه، بل إن الوقت والزمن له وجه، كما في قوله تعالى: ﴿آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ [آل عمران ٧٢]، ﴿وَجْهَ النَّهَارِ﴾ فأثبت للزمن وجهًا، هل يمكن لأحد أن يقول: وجه النهار مثل وجه الإنسان؟ لا يمكن.
إذن ما أضافه الله لنفسه من الوجه لا يمكن أن يكون مماثلًا لأوجه المخلوقين؛ لأن كل صفة تناسب الموصوف.
فإن قال قائل: إنه جاء في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٢٢٧)، ومسلم (٢٨٤١ / ٢٨) من حديث أبي هريرة.]]، فما الجواب؟
الجواب من أحد وجهين:
إما أن يقال: على صورة الله، لكن لا يلزم من كونه على صورته أن يكون مماثلًا له، الدليل أن النبي ﷺ أخبر بأن «أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٥)، ومسلم (٢٨٣٤ / ١٧) من حديث أبي هريرة.]]، ونحن نعلم أنه ليس هناك مماثلة بين هؤلاء والقمر، لكن على صورته من حيث العموم؛ إضاءةً وابتهاجًا ونورًا.
الوجه الثاني: أن يقال: على صورته؛ أي: على الصورة التي اختارها عز وجل، فإضافة صورة الآدمي إلى الله على سبيل التشريف والتعظيم، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة ١١٤]، ومن المعلوم أن الله ليس يصلي في المساجد، لكن أضيفت إلى الله على سبيل أيش؟ التشريف والتعظيم؛ ولأنها إنما بنيت لطاعة الله، وكقول صالح لقومه: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس ١٣]، ومعلوم أن الله عز وجل ليست هذه الناقة له يركبها، لكن أضيفت إلى الله على سبيل التشريف والتعظيم، فيكون خلق آدم على صورته أو على صورة الرحمن؛ يعني: على الصورة التي اختارها من بين سائر المخلوقات.
قال الله تعالى في سورة الانفطار: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار ٦، ٧] أي: جعلك ذا اعتدال، وهذا يشمل اعتدال القامة واعتدال الخلقة.
ففهمنا الآن -والحمد لله- أن الله تعالى له وجه حقيقي وأنه لا يشبه أوجه المخلوقين.
﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ وفي هذا إشارة إلى الإخلاص؛ لقوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾، فعليك أخي المسلم بالإخلاص حتى تنتفع بالعمل.
﴿وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يعني: لا تعد عيناك عن هؤلاء السادة الكرام، ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بل اجعل نظرك إليهم دائمًا وصحبتك لهم دائمًا، وفي قوله: ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ إشارة إلى أنه لو أن الرسول عليه الصلاة والسلام فارقهم لمصلحة دينية، فهل يدخل هذا في النهي أو لا؟ لا، النهي أن تترك أهل الخير للدنيا لا لمصلحة دينية.
﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ ﴿لا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ يعني: عن ذكره إيانا، أو عن الذكر الذي أنزلناه، فعلى الأول يكون المراد: أن الإنسان الذي يذكر الله بلسانه دون قلبه داخل في الآية، وعلى الثاني يكون المراد: الرجل الذي أغفل الله قلبه عن القرآن، فلم يرفع به رأسًا ولم ير في مخالفته بأسًا.
﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ ولم يتبع الهدى، ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ﴾ أي: شأنه، ﴿فُرُطًا﴾ أي: منفرطًا عليه، تمضي الأيام والليالي ولا يحس بشيء.
* وفي هذه الآية: إشارة إلى أهمية حضور القلب عند ذكر الله، وأن الإنسان الذي يذكر الله بلسانه لا بقلبه تنزع البركة من أعماله وأوقاته حتى يكون أمره فرطًا عليه، تجده يبقى الساعات الطويلة وهو لم يحصِّل شيئًا، لكن لو كان قلبه مع الله لحصلت له البركة في جميع أعماله، ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾.
18:29Page 297
وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡۚ إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلظَّٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمۡ سُرَادِقُهَاۚ وَإِن يَسۡتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٖ كَٱلۡمُهۡلِ يَشۡوِي ٱلۡوُجُوهَۚ بِئۡسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتۡ مُرۡتَفَقًا ٢٩
And say, "The truth is from your Lord, so whoever wills - let him believe; and whoever wills - let him disbelieve." Indeed, We have prepared for the wrongdoers a fire whose walls will surround them. And if they call for relief, they will be relieved with water like murky oil, which scalds [their] faces. Wretched is the drink, and evil is the resting place.
ثم قال عز وجل: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الكهف ٢٩] ﴿قُلِ﴾ الخطاب لمن؟ للرسول ﷺ؛ أي: قلها معلنًا، ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ لا من غيره، فلا تطلب الحق من طريق غير طريق الله عز وجل؛ لأن الحق من عند الله.
﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ والأمر في قوله: ﴿وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ للتهديد وليس للإباحة وليس للإيجاب، بل هو للتهديد، كما يهدد الإنسان غيره فيقول: افعل كذا، أو إن كنت صادقًا فافعل كذا، ويدل لذلك قوله: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ يعني: من كفر فله النار قد أعدت.
وقوله: ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ المراد به الكافرون، والدليل على هذا قوله: ﴿فَلْيَكْفُرْ﴾.
فإذا قال قائل: هل الكفر يسمى ظلمًا؟ الجواب: نعم، كما قال عز وجل: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤]، ولا أحد أظلم ممن جعل مع الله شريكًا وهو الذي خلقه وأمده وأعده.
﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ ﴿أَحَاطَ بِهِمْ﴾ أي: بالنار، ﴿سُرَادِقُهَا﴾ ما حولها؛ يعني: أن النار قد أحاطت بهم، والعياذ بالله، لا يمكن أن يفروا عنها يمينًا ولا شمالًا، ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ يعني: أن أهل النار -أعاذني الله وإياكم منها- إذا عطشوا عطشًا شديدًا، وذلك بأكل الزقوم أو بغير ذلك أغيثوا بهذا الماء أغيثوا بماء كالمهل، تقول: كعكل الزيت؛ يعني: تفله أو ما أشبه ذلك مما هو منظر كريه ولا تقبله النفوس، كما قال الله تعالى: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ﴾ أي: كالصديد، ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ [إبراهيم ١٧].
﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ أعوذ بالله، إذا قرب منها شواها وتساقطت؛ لأنها تنهري -والعياذ بالله- من شدة فيح هذا الماء، وإذا وصل إلى أمعائهم قطعها، كما قال جل وعلا: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد ١٥]، وما أعظم الوجع والألم فيمن تقطع أمعاؤهم من الداخل، لكن مع ذلك تقطع وتعاد كالجلود، ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء ٥٦]، الله أكبر، سبحان القادر على كل شيء! وبلحظة يكون هذا الشيء متتابع، كلما نضجت بدلوا، كلما تقطعت الأمعاء فإنها توصل بسرعة.
يقول عز وجل: ﴿يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ هذا قدح في هذا الشراب، و﴿بِئْسَ﴾ فعل ماضٍ لإنشاء الذم، بئس الشراب شرابهم، والعياذ بالله، ﴿وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ أي: قبح مرتفقها والارتفاق بها، الْمُرْتَفَق: ما يرتفق به الإنسان من سكن، قد يكون حسنًا وقد يكون سيئًا، في الجنة: حسنت مرتفقًا، في النار: ساءت مرتفقًا.
18:30Page 297
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ مَنۡ أَحۡسَنَ عَمَلًا ٣٠
Indeed, those who have believed and done righteous deeds - indeed, We will not allow to be lost the reward of any who did well in deeds.
ثم قال عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف ٣٠] هذا من أسلوب القرآن أنه سبحانه وتعالى إذا ذكر أهل النار ذكر أهل الجنة، وهذا من معنى قوله: ﴿مَثَانِيَ﴾ [الزمر ٢٣] أي: تثنى فيه المعاني والأحوال والأوصاف؛ ليكون الإنسان جامعًا بين الخوف والرجاء في سيره إلى ربه، وسبق الكلام على قوله: ﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.
﴿إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ كان الذي يتوقعه الإنسان أن يقول: إنا لا نضيع أجرهم، ولكنه عز وجل قال: ﴿أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾؛ لبيان العلة في ثواب هؤلاء وهو أنهم أحسنوا العمل، و﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن ٦٠]، هذا من وجه معنوي، الوجه اللفظي أن تكون رؤوس الآي متوافقة متطابقة؛ لأنه لو قال: إنا لا نضيع أجرهم، اختلفت رؤوس الآي.
﴿إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ وبماذا يكون إحسان العمل؟ يكون بأمرين: الأول: الإخلاص لله عز وجل.
والثاني: المتابعة لرسول الله ﷺ.
ولا يخفى ما في الآية الكريمة من الحث على إحسان العمل.
18:31Page 297
أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُ يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَيَلۡبَسُونَ ثِيَابًا خُضۡرٗا مِّن سُندُسٖ وَإِسۡتَبۡرَقٖ مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِۚ نِعۡمَ ٱلثَّوَابُ وَحَسُنَتۡ مُرۡتَفَقٗا ٣١
Those will have gardens of perpetual residence; beneath them rivers will flow. They will be adorned therein with bracelets of gold and will wear green garments of fine silk and brocade, reclining therein on adorned couches. Excellent is the reward, and good is the resting place.
﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ [الكهف: ٣١] المشار إليه ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، ﴿لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ و(الجنات) جمع (جنة)، وهي الدار التي أعدها الله تعالى لأوليائه؛ فيها ما لا عين رأيت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، و(العدن) بمعنى (الإقامة)؛ يعني: جنات إقامة، ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف ١٠٨] أي: لا يبغون تحولًا عنها.
ومن تمام النعيم: أن كل واحد منهم لا يرى أن أحدًا أنعم منه، ومن تمام الشقاء في أهل النار: أن الواحد منهم لا يرى أحدًا أشد منه عذابًا، لكن هؤلاء لا يرون أن أحدًا أنعم منهم؛ لأنهم لو رأوا ذلك لتنغص نعيمهم حيث يتصورون أنه أقل.
قوله تبارك وتعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ ما معنى هذه التركيبة ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾؟
* طالب: الرد على من زعم..
* الشيخ: يعني قصدي لماذا لم تكن الآية: ولبثوا في كهفهم ثلاث مئة سنين وتسع سنين؟
* الطالب: للرد على اليهود؛ لأنهم زعموا أن في التوراة يوجد هذا العدد؛ عدد ثلاث مئة وتسعة.
* الشيخ: خطأ.
* طالب: لأنهم قالوا: إن هذا بين الشمسية والقمرية يا شيخ، (...).
* الشيخ: لا، غلط أيضًا.
* طالب: قلنا: إن المعنيين بمعنى واحد أو الأسلوبين بمعنى واحد، ولكن من قول الله..
* الشيخ: يعني ثلاث مئة سنين وتسع سنين بمعنى ثلاث مئة سنين وازدادوا تسعًا.
* الطالب: ولكن قال الله تعالى ذلك -والله أعلم- لتناسب رؤوس الآيات.
* الشيخ: رؤوس الآيات، ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾، طيب.
يرى بعض أهل العلم أن قوله: ﴿ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾ باعتبار السنوات الشمسية، ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ باعتبار السنوات الميلادية، ماذا تقول؟
* طالب: قلنا: إن القول هذا غير صحيح؛ لأن عدة الشهور عند الله بالسنة الهلالية.
* الشيخ: نعم؛ لأن العدد المعتبر في التوقيت هي الأشهر الهلالية، ما دليلك؟
* طالب: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة ٣٦].
* الشيخ: طيب.
* طالب: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ﴾ [البقرة ١٨٩].
* الشيخ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾، طيب، آية ثالثة؟
* طالب: قول الله عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس ٥].
* الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك، تمام.
قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ استدل بعض المفسرين بهذه الجملة على أن قوله: ﴿وَلَبِثُوا﴾ من قول أهل الكتاب؛ أي: وقالوا: ولبثوا، فما جوابك؟
* طالب: الجواب أن نقول: إن هذا من كلام الله عز وجل..
* الشيخ: أن قوله: ﴿وَلَبِثُوا﴾ من كلام الله، إذن كيف قال: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾؟
* طالب: هي (...) الله عز وجل.
* الشيخ: لتأكيد أيش؟ الجملة السابقة أنهم لبثوا ثلاث مئة سنين وازدادوا تسعًا، فقال: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾، وقد أخبرنا سبحانه وتعالى أنهم لبثوا ثلاث مئة سنين وازدادوا تسعًا.
قوله: ﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ أي الحكمين؛ الكوني أو الشرعي؟
* طالب: الكوني والشرعي.
* الشيخ: المراد الحكمان، نعم، أما الكوني فلا أحد يستطيع أن يغير حكم الله، وأما الشرعي فقد يغير حكم الله ولكنه ليس مأذونًا له في ذلك، فيكون النفي لنفي مشروعيته، طيب، بارك الله فيك.
قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾ له معنيان؟
* طالب: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾ أي..
* الشيخ: تلاوة قراءة.
* الطالب: تلاوة القراءة اللفظية، وتلاوة القراءة المعنوية.
* الشيخ: إي، يعني: الاتباع؛ ﴿اتْلُ﴾ يعني بذلك: اتله لفظًا، واتله أيضًا اتباعًا؛ لأن المتبع يقال: تلا فلانًا؛ أي: تابعه.
قوله: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ معناها؟
* طالب: أي: لا تنظر لغيرهم.
* الشيخ: لا تنظر لغيرهم، هل هذا النهي مقيد؟
* طالب: (...).
* الشيخ: بماذا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: بقوله: ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، بارك الله فيك.
ماذا نستفيد من قوله: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾؟
* طالب: ينبغي أن يكون الإنسان حاضر القلب..
* الشيخ: عند ذكر الله، تفيد أنه لا بد من حضور القلب عند ذكر الله عز وجل. هل الناس الآن واقعون في هذه الغفلة؟
* طالب: كثير.
* الشيخ: كثير، أحسنت، ولا سيما إذا كان الإنسان في الصلاة، فإن الشيطان يتسلط عليه ليغفل قلبه عن ذكر الصلاة الذي هو متلبس به.
هل في الآية ﴿وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ﴾ ما يدل على أن الكفر ظلم؟
* طالب: يدل عليه قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾.
* الشيخ: بعد قوله: ﴿فَلْيَكْفُرْ﴾. وهل عندك آية تدل على أن الكافر ظالم؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: ما هي؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا.
* الطالب: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾..
* الشيخ: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، بارك الله فيك.
* طالب: أحسن الله إليك، ما فائدة قوله تعالى: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ هذه زيادة، ما اكتفى بقوله: أحاطت بهم؟
* الشيخ: إي نعم، يعني معناه: أن النار لها سرادق -وهو ما حولها- محيط بهؤلاء، وهو أبلغ من الإحاطة بها؛ لأن هذا السرادق محيط بالنار وبأهل النار.
* طالب: إن الله جل وعلا إذا ذكر قولًا أو شيئًا ثم سكت عنه كأنها موافقة، فمنه قوله تبارك وتعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾، في قوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾، هذا من المعلوم أنه محرم ومع ذلك سكت الله عنه، ولم..؟
* الشيخ: لا، ما سكت، جاء في السنة بأنه منكر. وقد يقول قائل: إنه في شريعة هؤلاء ليس حرامًا، أليس الرسول عليه الصلاة والسلام أخبر قال: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٥٦)، ومسلم (٢٦٦٩ / ٦) من حديث أبي سعيد.]]، خبر ولم ينه عنه، لكن جاء النهي عنه في نصوص أخرى.
* طالب: قول الله تعالى ﴿أَبْصِرْ بِهِ﴾ إلى أي شيء؟
* الشيخ: ﴿أَبْصِرْ﴾ قلنا لكم: هذه تعجب؛ يعني: ما أبصره وما أسمعه!
* طالب: ﴿أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾، ﴿ذِكْرِنَا﴾ ما المراد بها؟
* الشيخ: ذكرنا فيها قولين: ﴿عَنْ ذِكْرِنَا﴾ أي: عن ذكره إيانا، أو ﴿عَنْ ذِكْرِنَا﴾: عن الذكر الذي أنزلنا وهو القرآن، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر ٩].
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، قلنا: الآية شاملة لهذا ولهذا، شاملة للأمرين.
* طالب: (...) عن ذكره؟
* الشيخ: إيانا؛ يعني: هو يذكر بلسانه لكن قلبه غافل، وهذا حال كثير من الناس اليوم.
* طالب: فضيلة الشيخ في الدرس الماضي لما عثر عليهم القوم؛ قوم أهل الفتية أصحاب الكهف، لما عثروا عليهم هل أعثروا عليهم بعدما.. لأنهم تنازعوا عليهم وبنوا عليهم مسجدًا على قبورهم؛ يعني: أمراؤهم أمروهم أن يبنوا مسجدًا على قبورهم، فهل معنى ذلك أنهم عثروا عليهم بعدما توفوا؟
* الشيخ: إي، بعدما توفوا.
* طالب: أحسن الله إليك، في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾ هل يؤخذ منه عدم العذر بالإجبار؟
* الشيخ: ما هو ظاهر؛ لأن هؤلاء قد يذكرون بيان الواقع؛ أن هذا أو هذا سيكون.
قال الله عز وجل: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ﴾ (الأنهار) جمع (نهر)، وهي أربعة أنواع ذكرها الله تعالى في سورة محمد ﷺ قال: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد ١٥]، وهنا قال: ﴿تَحْتِهِمُ﴾ وفي آية أخرى يقول: ﴿تَحْتِهَا﴾ والمعنى واحد؛ لأنه إذا كانت الأنهار تجري تحت أشجارها وقصورها فهي تجري تحتها بلا شك.
﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾ أي: في هذه الجنات، ﴿مِنْ أَسَاوِرَ﴾ قال بعضهم: إن (من) هنا زائدة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان ٢١]، فـ(من) زائدة، لكن هذا القول ضعيف؛ لأن (من) لا تزاد في الإثبات، كما قال ابن مالك رحمه الله في الألفية:
وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرْ ∗∗∗ نَكِرَةً كَـ(مَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرْ)
وإذا بطل هذا القول، فإن (من) إما أن تكون للبيان؛ لأن أساور من أي شيء؛ من فضة، من حديد، من ذهب، من زبرجد؟ ما ندري، فتكون (من) أيش؟ بيانية، ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ﴾ إما أن تكون للتبعيض؛ يحلون فيها بعض أساور؛ لأن الأساور الكثيرة العظيمة توزع عليهم، فتكون (من) للتبعيض؛ يعني: بعض أساور؛ أي: يحلى كل واحد منهم شيئًا من هذه الأساور، وحينئذٍ لا يكون فيه إشكال.
﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾ هذه (من) بيانية، (من) بيان لأساور أنها من ذهب، ولكن لا تحسبوا أن الذهب الذي في الجنة كالذهب الذي في الدنيا يختلف اختلافًا عظيمًا.
قال بعضهم: إن (مِن) هنا زائدة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان ٢١]، فـ(مِن) زائدة، لكن هذا القول ضعيف؛ لأن (مِن) لا تُزاد في الإثبات، كما قال ابن مالك رحمه الله في الألفية:
وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرْ ∗∗∗ نَكِرَةً كَـ(مَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرْ)
وإذا بطل هذا القول فإن (مِن) إما أن تكون للبيان؛ لأن أساور من أي شيء؟ من فضة، من حديد، من ذهب، من زبرجد، ما ندري فتكون (مِن) أيش؟ بيانية.
﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ﴾ [الكهف ٣١]، إما أن تكون للتبعيض، يحلون فيها بعض أساور؛ لأن الأساور الكثيرة العظيمة توزع عليهم، فتكون (من) للتبعيض، يعني بعض أساور؛ أي يُحلى كل واحد منهم شيئًا من هذه الأساور، وحينئذ لا يكون فيه إشكال.
و﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾، هذه (من) بيانية، ﴿مِنْ﴾ بيان لأساور أنها من ذهب، ولكن لا تحسبوا أن الذهب الذي في الجنة كالذهب الذي في الدنيا، يختلف اختلافًا عظيمًا؛ لقوله تبارك وتعالى في الحديث القدسي: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَر عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤ / ٢) من حديث أبي هريرة.]]، ولو كان كذهب الدنيا لكانت العين رأته، ﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾.
﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُندُسٍ﴾، السندس: ما رق من الديباج والحرير، ﴿يَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا﴾، وخصها بالـ(خُضْر)؛ لأن اللون الأخضر أشد ما يكون راحة للعين، ففيه جمال، وفيه راحة للعين لناظره، و ﴿مِنْ سُندُسٍ﴾.
وقوله: ﴿وَإِسْتَبْرَقٍ﴾، هذا ما غلظ من الديباج، فالسندس الديباج الرقيق، والإستبرق الديباج الغليظ.
﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ﴾؛ ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ هذا حال من قوله تبارك وتعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾، يعني حال كونهم متكئين فيها، والاتكاء يدل على راحة النفس، وعلى الطمأنينة.
﴿عَلَى الأَرَائِكِ﴾؛ جمع أريكة، والأريكة نوع من المرتفق الذي يرتفق فيه، وقيل: إن الأريكة هي الخيمة الصغيرة المغطاة بالثياب الجميلة، تشبه ما يسمونه بالكوخ، يعني أن كل واحد منهم يكون متكئًا على هذا، فهي إذن عبارة عن حجلة صغيرة، وفيها أَسِرَّة يتكئون فيها.
﴿عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ﴾، هذا إنشاء للمدح، مدح هذه الجنة وما فيها من النعيم، ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾؛ ففيها الثناء على هذه الجنة بأمرين: بأنها نعم الثواب وأنها حسنت مرتفقا، قال الله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان ٢٤].
18:32Page 297
۞ وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلٗا رَّجُلَيۡنِ جَعَلۡنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيۡنِ مِنۡ أَعۡنَٰبٖ وَحَفَفۡنَٰهُمَا بِنَخۡلٖ وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُمَا زَرۡعٗا ٣٢
And present to them an example of two men: We granted to one of them two gardens of grapevines, and We bordered them with palm trees and placed between them [fields of] crops.
ثم قال الله عز وجل: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ [الكهف ٣٢]، ﴿اضْرِبْ﴾ بمعنى: اجعل وصَيِّر، ﴿لَهُمْ﴾ أي: للكفار من قريش وغيرهم، ﴿مَثَلًا﴾ مفعول (اضرب)، وبيّن هذا المثل بقوله: ﴿رَجُلَيْنِ﴾ وعلى هذا فيكون ﴿رَجُلَيْنِ﴾ عطف بيان، وتفسير للمثل، ﴿جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا﴾؛ أي لأحد الرجلين، ﴿جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾، أغلب ما في الجنتين العنب، وأطراف الجنتين النخيل، وما بينهما زرع، ففيها الفاكهة والغذاء من الحب وثمر النخيل.
18:33Page 297
كِلۡتَا ٱلۡجَنَّتَيۡنِ ءَاتَتۡ أُكُلَهَا وَلَمۡ تَظۡلِم مِّنۡهُ شَيۡـٔٗاۚ وَفَجَّرۡنَا خِلَٰلَهُمَا نَهَرٗا ٣٣
Each of the two gardens produced its fruit and did not fall short thereof in anything. And We caused to gush forth within them a river.
يقول عز وجل: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ [الكهف ٣٣]، ولم يقل: أتتا أكلها؛ لأنه يجوز مراعاة اللفظ ومراعاة المعنى في (كلتا)، وقد اجتمع ذلك؛ أي مراعاة اللفظ والمعنى في قول الشاعر:
كِلَاهُمَا حِينَ جَدَّ الْجَرْيُ بَيْنَهُمَا ∗∗∗ قَدْ أَقْلَعَا وَكِلَا أَنْفَيْهِــــــــــــــــــمَارَابِي
يشير إلى فرسين تسابقا، فيقول: (كلاهما)، أي كلا الفرسين، (حين جد الجري بينهما): يعني المسابقة، (قد أقلعا): وقفا، (وكلا أنفيهما رابي) يعني: منتفخ؛ لأنه مع شدة الجري تنتفخ مناخر الفرسين الشاهد (كلاهما حين جد الجري بينهما قد أقلعا)، ولم يقل: قد أقلع، (وكلا أنفيهما رابي) ولم يقل: رابيان، ففي البيت مراعاة المعنى ومراعاة اللفظ، وهنا ﴿آتَتْ أُكُلَهَا﴾ مراعاة أيش؟
* طالب: اللفظ.
* الشيخ: اللفظ ﴿آتَتْ أُكُلَهَا﴾ يعني ثمرها، ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ أي: لم تنقص، ﴿وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا﴾ كان خلال الجنتين نهر، لو تصورت المشهد لتصورت مشهدًا عظيمًا، جنتان فيهما كل مقومات الغذاء، أعناب وأيش؟ ونخيل وزرع، ثم بينهما هذا النهر المُطّرد.
18:34Page 297
وَكَانَ لَهُۥ ثَمَرٞ فَقَالَ لِصَٰحِبِهِۦ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَنَا۠ أَكۡثَرُ مِنكَ مَالٗا وَأَعَزُّ نَفَرٗا ٣٤
And he had fruit, so he said to his companion while he was conversing with him, "I am greater than you in wealth and mightier in [numbers of] men."
﴿وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا (٣٣) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ [الكهف: ٣٣، ٣٤]، ﴿كَانَ﴾ يعني أحد الرجلين، ﴿لَهُ ثَمَرٌ﴾ كأن له ثمرًا زائدًا على ما تثمره هاتان الجنتان، ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ في الكلام، يتجاذبان الكلام، ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾، افتخر عليه بشيئين: أولًا: كثرة المال. وثاني: عز العشيرة والقبيلة، ولهذا قال: ﴿أَعَزُّ نَفَرًا﴾، فافتخر عليه بالغنى والحسب.
﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ يقول ذلك افتخارًا ولّا تحدثًا بنعم الله؟
* طلبة: افتخارا.
* الشيخ: يقوله افتخارًا بدليل العقوبة التي حصلت عليه، والله أعلم.
* * *
وأيضًا لتناسب رؤوس الآيات.
قوله: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾، الأساور جمع سوار، أو أسْوِرة، وأسورة جمع سوار، نعم.
* طالب: (...).
* الشيخ: وما هو السوار؟
* الطالب: ما تلبسه المرأة (...).
* الشيخ: لا، يعني معناه أنه ما يلبس الأسورة في الجنة إلا النساء؟
* الطالب: ما يلبسه الشخص في يده.
* الشيخ: نعم، ما يتحلى به في يده.
الواقع أن الله عز وجل ذكر لهم أساور من ذهب وفضة ولؤلؤ، يعني أصنافا ثلاثة، وإذا اجتمعت في ذراع الإنسان فهي من أكمل ما يكون رؤية وانشراحًا.
قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا﴾ هذا مبتدأ درس اليوم؟
* طالب: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾.
* الشيخ: نعم، قول الله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رجلين﴾، هل هذا المثل حقيقي أو تقديري؟ بمعنى: هل هذا الشيء واقع أو أنه شيء مقدر ضربه الله تعالى مثلًا؟ أظن هذه لم نتعرض لها، لكن الآن نتعرض لها، نقول: من العلماء من قال: إنه مثل تقديري؛ كقوله تبارك وتعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾ [النحل ٧٦]، وقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ [الزمر ٢٩]، وما أشبه هذا، فيكون هذا مثلًا تقديريًّا وليس واقعيًّا، ولكن السياق وما فيه من المحاورة والأخذ والرد يدل على أنه مثل حقيقي واقعي، ﴿رَجُلَيْنِ﴾ أحدهما أنعم الله عليه في الدنيا، والثاني لم يكن له مثله، بماذا افتخر صاحب الجنتين؟
* طالب: بالمال، والسلطان.
* الشيخ: بالمال وأيش؟
* الطالب: بالمال، والسلطان.
* الشيخ: بالمال والثاني ويش؟
* الطالب: العزة.
* طالب آخر: القبيلة يا شيخ، إنه من قبيلة..
* الشيخ: يعني بالمال والعشيرة.
18:35Page 298
وَدَخَلَ جَنَّتَهُۥ وَهُوَ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِۦٓ أَبَدٗا ٣٥
And he entered his garden while he was unjust to himself.1 He said, "I do not think that this will perish - ever.
قال الله تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ [الكهف ٣٥]، يعني أحد الرجلين، ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾، قوله: ﴿دَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ مع أنه قال: ﴿جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنتَينِ﴾، فإما أن يراد الجنس، وإما أن يراد إحدى الجنتين وتكون العظمى منهما هي التي دخلها، ﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾، الجملة حالية، يعني: والحال أنه ظالم لنفسه، وبماذا ظلم نفسه؟ ظلم نفسه بالكفر كما سيتبين.
﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾، يعني ما أظن أن تفنى وتزول أبدًا، أُعجب بها وبما فيها من القوة وحسن المنظر وغير ذلك، حتى نسي أن الدنيا كلها تزول وأنها لا تبقى لأحد، ﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ من إعجابه بها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences