Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:10–20
2:10–20Page 3
فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡذِبُونَ ١٠
In their hearts is disease, so Allāh has increased their disease;1 and for them is a painful punishment because they [habitually] used to lie.
وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ لَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ قَالُوٓاْ إِنَّمَا نَحۡنُ مُصۡلِحُونَ ١١
And when it is said to them, "Do not cause corruption on the earth," they say, "We are but reformers."
أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡمُفۡسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشۡعُرُونَ ١٢
Unquestionably, it is they who are the corrupters, but they perceive [it] not.
وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُۗ أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَٰكِن لَّا يَعۡلَمُونَ ١٣
And when it is said to them, "Believe as the people have believed," they say, "Should we believe as the foolish have believed?" Unquestionably, it is they who are the foolish, but they know [it] not.
وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ ١٤
And when they meet those who believe, they say, "We believe"; but when they are alone with their evil ones, they say, "Indeed, we are with you; we were only mockers."
ٱللَّهُ يَسۡتَهۡزِئُ بِهِمۡ وَيَمُدُّهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ١٥
[But] Allāh mocks them and prolongs them in their transgression [while] they wander blindly.
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمۡ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ ١٦
Those are the ones who have purchased error [in exchange] for guidance, so their transaction has brought no profit, nor were they guided.
مَثَلُهُمۡ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسۡتَوۡقَدَ نَارٗا فَلَمَّآ أَضَآءَتۡ مَا حَوۡلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمۡ وَتَرَكَهُمۡ فِي ظُلُمَٰتٖ لَّا يُبۡصِرُونَ ١٧
Their example is that of one who kindled a fire, but when it illuminated what was around him, Allāh took away their light and left them in darkness [so] they could not see.
صُمُّۢ بُكۡمٌ عُمۡيٞ فَهُمۡ لَا يَرۡجِعُونَ ١٨
Deaf, dumb and blind - so they will not return [to the right path].
أَوۡ كَصَيِّبٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَٰتٞ وَرَعۡدٞ وَبَرۡقٞ يَجۡعَلُونَ أَصَٰبِعَهُمۡ فِيٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلۡمَوۡتِۚ وَٱللَّهُ مُحِيطُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ ١٩
Or [it is] like a rainstorm from the sky within which is darkness, thunder and lightning. They put their fingers in their ears against the thunderclaps in dread of death. But Allāh is encompassing1 of the disbelievers.
يَكَادُ ٱلۡبَرۡقُ يَخۡطَفُ أَبۡصَٰرَهُمۡۖ كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوۡاْ فِيهِ وَإِذَآ أَظۡلَمَ عَلَيۡهِمۡ قَامُواْۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمۡعِهِمۡ وَأَبۡصَٰرِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٠
The lightning almost snatches away their sight. Every time it lights [the way] for them, they walk therein; but when darkness comes over them, they stand [still]. And if Allāh had willed, He could have taken away their hearing and their sight. Indeed, Allāh is over all things competent.
ثم قال عز وجل: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: 10].﴾
* في هذه الآية الكريمة فوائد: أولًا: أن المنافقين مرضى القلوب؛ لقوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، وجعل المرض محفوفا بظرفية القلب، كأنه متمكن من القلب -والعياذ بالله- ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، فما هو مرض هؤلاء؟ مرض هؤلاء الشك أو الكفر والجحود والمخادعة والمكر، وما أشبه ذلك.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من علم الله فيه شرًّا وسوءًا زاده من سوئه وشره، ولهذا قال: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾، وهذا أشد من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ ﴾[الصف:٥]؛ لأن هذا صريح في أن الله تعالى زادهم مرضا، وإذا زاد المرض فالمآل الهلاك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وعيد هؤلاء المنافقين بالعذاب الأليم المؤلم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات السببية؛ لقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾، وفي قراءة: ﴿يُكَذِّبُونَ﴾ كما مر، فهم كاذبون مكذِّبون، وهذا من فوائد القراءتين؛ أن الأولى تدل على أنهم هم بأنفسهم يكذِبون، والثانية: أنهم يكذِّبون الحق والصدق.
وإثبات الأسباب هو ما دل عليه الشرع والعقل والواقع، وانتفاؤها نقص في العقل ونقص في الدين، أعني نفيها؛ لأن كل أحد يعلم أن كل شيء له سبب، لكن منه ما أسبابه معلومة، ومنه ما أسبابه مجهولة لنا.
وقد اختلف علماء الملة في الأسباب، فمنهم من غالى فيها، ومنهم من فرط، ومنهم من توسط.
فأما المغالون فيها، فقالوا: إن الأسباب مؤثرة بنفسها لا بمحل قابل ولا بسبب فاعل، هي مؤثرة بنفسها، وليس لله فيها أي تعلق، وهؤلاء هم الطبائعيون والفلاسفة الذين يجعلون الأشياء تتفاعل بنفسها ولا علاقة لله تعالى بها، وهذا لا شك أنه شرك وجحود للخالق.
والقسم الثاني: فرّطوا في الأسباب، وقالوا: الأسباب ما لها تأثير أبدًا، ولو جعلنا لها تأثيرا لأثبتنا لله شريكًا، وأن احتراق ما يقبل الاحتراق بالنار ليس بالنار، لكن احترق عندما جُعل فيها لا بها، وكذلك يقولون في الكسر، إذا انكسر الشيء، انكسر الزجاج بالحجر، يقولون: الحجر ما كسر الزجاج، إنما انكسر عند الصدمة لا بالصدمة، ولا شك أن هذا سفه في العقل وضلال في الدين. أما السفه في العقل فواضح، لو تأتي أي صبي من الصبيان وترمي بالحجر على الزجاج وتنكسر وتسأل: وإيش اللي كسره؟ ويش يقول؟ الحجر، بفطرته وطبيعته. وأما كونه ضلالا في الدين فلأن القرآن والسنة مملوءان بذكر الأسباب وتأثير الأسباب، لكن تأثيرها بما أودع الله فيها من القوى المؤثرة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى حكمٌ عدل، لا يعذب إلا من يستحق؛ لأنه قال: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾.
* ومن فوائد الآية: أن اختلاف القراءات يكون فيه زيادة المعنى، فإن قوله: ﴿يَكْذِبُونَ﴾ هذه قراءة ﴿يُكَذِّبُونَ﴾ قراءة أخرى، لو كانت الآية ليس فيها إلا ﴿يَكْذِبُونَ﴾ صار الوعيد على كذبهم هم بأنفسهم، يقولون: آمنا، وهم غير مؤمنين، ولو كانت ﴿يُكَذِّبُونَ﴾ لكان الوعيد أيضًا على تكذيبهم لا على كذبهم، فإذا اقترنت الآيتان حصل بذلك معنى زائد.
ولها نظائر منها: ﴿مَلِكُ يَوْمِ الدِّينِ﴾ و ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة٤] بالألف وبدونها، تزداد الفائدة باجتماع القراءتين بأن الله ملك، إيش؟ مالك، إذ يوجد من المخلوقين من هو ملك ولكنه ليس بمالك، ويوجد من هو مالك ولكنه ليس بملك، ولهذا أمثال، مثل: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات٦]، وفي قراءة ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ ، هذه جمعت بين معنيين: التبيّن أولًا والتثبت ثانيًا، يعني تثبتوا حتى يبين لكم، التثبت أولًا والبيان ثانيًا، يعني عكس ما قلت: التثبت أولًا ثم التبيّن ثانيًا. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ من القائل؟ القائل المؤمنون، ﴿لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾، وذلك بم؟ بخداعهم وغشهم وكذبهم.
﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾، يعني ما نحن إلا مصلحين، والحمد لله أنهم لم يقولوا إنما نحن المصلحون، لو قالوا إنما نحن المصلحون لكان أكبر دعوى، إذا قالوا إنما نحن المصلحون، يعني ولا مصلح غيرنا، أما إذا قالوا: نحن مصلحون، فلا يمنع أن يكون غيرهم مصلحا، ولكنهم حصروا في صفاتهم بأنهم مصلحون، يعني ليس فينا شيء من الإفساد،ولكن الله رد عليهم بقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ رد عليهم ردًّا قويًّا، بماذا كان قويًّا؟ أولًا: بأداة الاستفتاح (ألا) يعني تفيد التنبيه والتوكيد.
وثانيًا: بـ(إن) الدالة على التوكيد.
وثالثًا: بـ(هم) التي هي ضمير فصل تفيد الحصر والتوكيد.
فقال الله عز وجل: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ﴾ وحدهم، ﴿الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بفسادهم؛ لأنهم -والعياذ بالله- قد طُبِع على قلوبهم فلا شعور عندهم.
* ففي هذه الآية من الفوائد: أن هؤلاء المنافقين قد نُصحوا، ولكنهم أصروا على ما هم عليه ظنًّا منهم أنه إصلاح.
* ومن فوائد هذه الآية: الحذر، أي حذر الإنسان من عمى القلب، حيث يعمل العمل يظن أنه مصلح، وهو مفسد، وهذا من أخسر الناس، بل هو أخسر الناس عملًا، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف ١٠٣] من؟ ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف ١٠٤]، فهؤلاء المنافقون يقولون: إنما نحن مصلحون، فهل هذه دعوى أو هذا ظن منهم أنهم مصلحون؟ الظاهر الثاني أنهم ظنوا أنهم على إصلاح، جمعوا بين إرضاء المؤمنين وإرضاء الكافرين، فظنوا أنهم مصلحون، ولهذا قال ﴿وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أنهم مفسدون؛ لأنهم قد عميت بصائرهم والعياذ بالله، ففيه الحذر من أن يرى الإنسان الباطل حقًّا والحق باطلًا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة والتي بعدها: أن الإنسان قد يعمى قلبه ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦] فيرى الباطل حقًّا والحق باطلًا؛ لقولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ فإن هذه الجملة لا شك أنها تفيد الحصر والتوكيد، لكن مع هذا ليس عندهم صلاح.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الرد على أهل الباطل، وبيان أنهم على ضلال؛ لأن الله لم يسكت عن هؤلاء، بل رد عليهم وأبطل ما هم عليه من المنهج الفاسد، ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان قد يكون من المفسدين في الأرض ولكنه لا يشعر بذلك؛ لما ران على قلبه من ظلمات المعاصي حتى لا يشعر بأن الباطل الذي هو عليه باطل.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾، من قال؟ المؤمنون، يقول ﴿آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾: كما آمن فلان وآمن فلان؛ يقولون: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾؟ يعني لن نؤمن، فالاستفهام هنا للنفي، ثم إنهم ليتهم اقتصروا على نفي الإيمان بل وصفوا المؤمنين بأنهم سفهاء، وهذا كما حكى الله عن المجرمين أنهم إذا رأوا المؤمنين قالوا: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين ٣٢]، فهم هنا يقولون: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾؟ والسفهاء جمع سفيه، والسفيه هو الذي لا يحسن التصرف، هذا الضابط العام للسفيه، هو الذي لا يحسن التصرف، إن كان في المال ففي المال، إن كان في الولاية ففي الولاية، إن كان في عمل خاص ففي العمل الخاص، المهم أن نقول: السفيه من لا يحسن التصرف.
قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾، وهذا دفاع عن المؤمنين، ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾، نقول فيها بالنسبة للتوكيد كما قلنا في الآية التي قبلها ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ ﴿، ﴿وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، وهنا قال: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾، وهناك قال: ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾، وذلك لأن هذا الشيء أمره ظاهر، إيمان المؤمنين ظاهر، وكفر المنافقين ظاهر أيضًا، لكن هؤلاء فقدوا العلم فلم يكن عندهم علم، بل كانوا جهالًا بالواقع.
* ففي هذه الآية من الفوائد: أن هؤلاء قد أُمِروا بالمعروف، وفي التي قبلها نُهوا عن المنكر، ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ هذا نهي عن منكر، ﴿آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾، هذا أمر بالمعروف، ولكنهم أبوا -والعياذ بالله- فلم ينتهوا عن منكر ولم يأتمروا بمعروف.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان عرض من استجاب للحق، أو بيان ذكر من استجاب إلى الحق ليكون مشجعا على قبوله، حيث قال: ﴿كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾، وهذا أمر معلوم؛ لأن الإنسان لا شك أنه يتأسى بالغير، فإذا أردنا أن ندعو شخصًا له رتبته الكبيرة نقول: آمِن كما آمَن فلان، قم بهذا الأمر كما قام به فلان؛ ليكون ذلك تنشيطًا له وتشجيعًا له.
* ومن فوائد هذه الآية: بيان حقد المنافقين على المؤمنين؛ لإنكارهم الإيمان الذي هو من ديدن، مَن؟ السفهاء، حيث يقولون: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾، ولا شك أن أعظم الناس حقدًا على الإسلام والمسلمين هم المنافقون، كما قال تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾ [المنافقون ٤].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن وصف المؤمنين، أو تلقيب المؤمنين بألقاب السوء أمر كان عليه الناس من قبل، وإلى يومنا هذا، من وصف المؤمنين بأنهم رجعيون مثلا، وقالوا: هؤلاء رجعيون ليس عندهم شيء من التقدم، هذا الوصف ينطبق على من؟ على الذين وصفوهم بالرجعية أو على المؤمنين؟ على الذين وصفوهم بالرجعية؛ لأن الرجعية في الحقيقة هو مَن لم يسبق إلى الخير، وأما من سبق إلى الخير والإيمان والعمل الصالح فهو المتقدم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: دفاع الله تعالى عن المؤمنين بقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾. وهذا دفاع يتضمن شيئين: يتضمن رفع السفه عن المؤمنين؛ لأنه حصر السفاهة بمن؟ بالمنافقين. والثاني: وصف هؤلاء المنافقين بالسفاهة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الماكر المخادع سواء في الدين أو في غير الدين يعتبر سفيها؛ لأنه لا بد أن يُظهر الله أمره ويفضحه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من الناس من يكون على سفه وضلال، ولكن يُحجب عنه العلم، فيبقى ظانًّا أنه على حق، نسأل الله لنا ولكم السلامة.
* طالب: شيخ جزاك الله خير، بيان القسم الثالث من قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ في هذا الوصف لا يكون القسم الثاني (...)؟
* الشيخ: هذا التقسيم حتى الآن، الناس الآن بين مؤمن صريح وكافر صريح ومنافق.
* الطالب: إذا قال المنافق: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ فهو من الكفار؟
* الشيخ: إي نعم، لكن يخفيه.
* الطالب: يعني ما يلفظ بهذا القول.
* الشيخ: ما يصرح به
* الطالب: يعني يقول في قلبه
* الشيخ: يقول في قلبه أو يقول لمن قال له خاصة.
* طالب: شيخ بارك الله فيك، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾، هذا مما يظهر، هؤلاء الناس حجتهم يوم القيامة يأتون رب العزة جل وعلا يقولون: يا رب ظهر لنا أو قيل لنا أن هؤلاء سفهاء (...)، يأتي الواحد، دعاة أم لا، يجمع بعض الناس، يقول: يا إخوانا أنا شايف هذا طريق خير وهذا هو صلاحكم، وهذا هو كذا وكذا، ثم يقول هذا: ما تسمعون، يأتي آخرون ويلبّسون عليهم، فما حجة هؤلاء يا شيخ؟
* الشيخ: ما لهم حجة، ما دام بلغهم الحق.
* الطالب: بلغهم الحق، هناك أعلى وأدنى يا شيخ، الأعلى وصل لهم الباطل، والأدنى ما يملك شيئًا.
* الشيخ: الواجب عليهم أنه لما قال لهم الأدنى: إن هذا غلط، وهذا كفر، هذا شرك، الواجب أن يتوقفوا ويبحثوا، أما أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب ٦٧] فليس بحجة.
* طالب: شيخ بارك الله فيكم، فيما مر علينا من صفات الكفار والمنافقين، ومن أصول أهل السنة والجماعة إقامة الحجة على المعين ليثبت كفره أو النفاق الأكبر فيه، فهل يصح إطلاق الكفر والنفاق بغلبة الظن، أم لا بد من التيقن بإقامة الحجة؟
* الشيخ: لا، لا بد من التيقن، لا بد من التيقن؛ لأن غلبة الظن ما يكفي، وهذا حكم، ستقول: هذا كافر، هذا منافق، فلا بد من العلم.
* طالب: قلت بارك الله فيك أن حب انتصار الكفار على المؤمنين هذا من النفاق؟
* الشيخ: نعم.
* الطالب: طيب الآن هذا شاب يعني يشجع مثلا منتخبه أو فريقه، فقدر الله أن يكون المنتخب الكافر يقابل المنتخب المسلم، أحب أن ينتصر المنتخب الكافر.
* الشيخ: قصدك الكرة؟ الكرة هذه؟
* الطالب: هل هذا يكون نفاق أكبر أم أصغر، علما بأنه الآن أحب انتصار الكفار؟
* الشيخ: أنا لا أعتبر هذه الألعاب شيئًا أصلًا، وأحذر من المشاركة فيها، وأحذر من مشاهدتها، بينما بعض الناس لا يشبع من مشاهدتها، يبقى الليل كله وربما تقام صلاة الجماعة وهو يشاهد.
* الطالب: يا شيخ أعطيت مثالًا تشبيهي، ولّا المسألة يعنى تدخل..
* الشيخ: على كل حال، كل إنسان يحب أن ينتصر الكفار على المؤمنين فإن فيه شيئًا من النفاق.
* الطالب: هذا كافر؟
* الشيخ: عام.
* طالب: هل مناصرة الكفار بإعطائهم أموالا لينتصروا على المسلمين في أمور سياسية، لا حبا لانتصارهم على المسلمين، يعد كفرا أكبر؟
* الشيخ: والله أخشى أن يعد هذا من الكفر الأكبر؛ لأن مسألة سياسية، وإيش معنى سياسية؟ سياسية أن كافرًا ينتصر على المؤمن؟
* الطالب: يمدونهم بالأموال والأطعمة.
* الشيخ: اللهم إلا أن يكون المؤمن منافق، يعني يتظاهر بالإيمان وهو مبتدع بدعة مكفِّرة، يمكن.
* الطالب: مؤمن يعنى يظهر الإسلام؟
* الشيخ: على كل حال نحن نعامل الناس بالظاهر.
* الطالب: ما يكفر بفعله هذا؟
* الشيخ: والله ما أدري، أتوقف فيه.
* طالب: سُمع عن بعض من ينتسبون إلى العلم هم الآن يعني يقودون بعض الناس، فينكرون مثلا حد الردة، ويقولون: إن الرسول ﷺ لم يكن يحد المرتدين، وأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [النساء ١٣٧] ثم يقول قائلهم هكذا: هيك هيك، هذا الناس يكفروا عدة مرات ليش الرسول ما أقام عليهم الحد ولم يقتلهم؟ توصل بذلك إلى إنكار حد الردة، وقال: ما يمكن أن الأحاديث تنسخ الآية، فما حكم هذا؟
* الشيخ: حكم هذا أن يقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠]، وإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من بدل دينه فاقتلوه» »[[أخرجه البخاري (٣٠١٧) من حديث ابن عباس.]]، يكون هذا كقول الله، وأما هؤلاء ﴿آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ فهذه حكاية حال، وهل الرسول علم بهم واطلع عليهم؟ ما فيه دليل على أنه اطلع عليهم.
* الطالب: هذا الذي تزعم القول هذا؟
* الشيخ: عليه أن يتقي الله عز وجل، وأن يراجع نفسه، وأن لا يكون ممن يتبعون المتشابه.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦) مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ١٤ - ٢٠]
* الشيخ: سبحانه وتعالى، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾، الفاعل في ﴿لَقُوا﴾ يعود على المنافقين، و ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني المؤمنين الخلّص كالصحابة رضي الله عنهم. ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ بألسنتهم فقط؛ لأن الله يقول في أول سياق الآيات: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴾، فيقولون بألسنتهم: آمنا، وهم كاذبون، نشهد أنهم كاذبون، كما قالوا للرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون ١]، فقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المنافقون ١، ٢].
﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾، ﴿خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾، قد يتبادر إلى الذهن أن يكون السياق: وإذا خلوا مع شياطينهم، أو خلوا بشياطينهم، لكن الآيات جت: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾، فقيل: إن معنى الآية: ﴿وَإِذَا خَلَوْا﴾ أي: انفردوا عن المؤمنين راجعين إلى شياطينهم، وقيل: إن ﴿خَلَوْا﴾ ضُمِّنت معنى الرجوع، وهذا أصح، وبناء على هذا القول الأخير لا تحتاج الآية إلى تقدير، فيكون (خلا) مضمَّن معنى الرجوع، وهذا من بلاغة القرآن واختصار الكلمات، أن يضمَّن الفعل معنى فعل آخر يدل عليه مُتَعَلَّق أو مُتَعَلِّق هذا الفعل، وله أمثلة: منها قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان ٦]، العين ليس يُشرب بها، إنما يُشرب بالإناء، فلماذا قال: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾؟ قال العلماء: إن الباء، أي يشرب منها، وهذا قول الكوفيين، وقال أهل البصرة: بل إن (يشرب) ضمِّنت معنى يروى، فهم يشربون ريا، وحينئذ يصح أن تتعدى بإيش؟ بالباء.
إذن ﴿إِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾، أي: رجعوا إلى شياطينهم، فضُمِّن ذلك معنى الرجوع. والشياطين جمع شيطان، والمراد بهم أسيادهم الذين ينتمون إليهم؛ لأن المنافقين لهم أسياد، فمثلا عبد الله بن أبي سيد في قومه، يذهب قومه إلى الرسول ﷺ وإلى الصحابة، ويقولون: نحن معكم، فإذا رجعوا إليه وأمثاله قالوا: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾. ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ هذا إثبات لولايتهم لهم، لكن يحتاج مع الإثبات للولاية البراءة من المؤمنين، عبروا عن البراءة من المؤمنين بقولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾، بمن؟ بالمؤمنين. وتأمل قوله: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ تجدها جملة مؤكدة بـ(إن)، وتأمل قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ تجدها جملة فيها الحصر، يعني: ما نحن إلا مستهزئون، أي ما حالنا مع الذين آمنوا إلا الاستهزاء فقط، وليس لنا نية أن نؤمن.
في هذه الآية الكريمة: بيان خداع المؤمنين من المنافقين، يعني أن المنافقين يخادعون المؤمنين، وهذه طبيعتهم أنهم يخادعون الله والذين آمنوا؛ لقولهم: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾، ثم إذا ذهبوا إلي شياطينهم قالوا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ليس لنا نحن إلا الظاهر، فنعامل الناس بظاهرهم، حتى إن الرسول صلوات الله وسلامه عليه قال: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ بِنَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْئًا، أَوْ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقْتَطِعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ، أَوْ قَالَ: جَمْرَةً مِنَ النَّارِ، فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ» »[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٦٩٦٧)، ومسلم (١٧١٣/٤)، ولفظه عند البخاري: «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا، فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار».]]، فنحن في الدنيا ليس لنا إلا الظاهر، لكن الحساب في الآخرة على الباطن، وجه ذلك أن المؤمنين يعاملون هؤلاء المنافقين على أنهم إيش؟ مؤمنون؛ لقولهم: ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن دين المنافقين دين اختفاء واستسرار لا يعلنون به؛ لأنهم يخافون من القتل، بدليل: ﴿إِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: صحة إطلاق الشيطان على دعاة الكفر؛ لقوله: ﴿إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن الشيء إذا كان محصورا فإنه يُذْكَر بصيغة تدل على الحصر، حيث قال: ﴿شَيَاطِينِهِمْ﴾، ولم يقل: إلى الشياطين، وهناك فرق بين (شياطينهم)، وبين (الشياطين)، كما نقول مثلا إذا خاطبنا رئيسا للكفر لا نقول: الرئيس فلان، وإنما نقول: رئيس قومه، ولهذا كتب الرسول عليه الصلاة والسلام إلى هرقل فقال: «هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ» »[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٧)، مسلم (١٧٧٣/٧٤) من حديث أبي سفيان.]]، ولم يقل: العظيم، بل قال: عظيم الروم، وإبراهيم عليه الصلاة والسلام قال: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء ٦٣]، ولم يقل: الكبير، قال: كبيرهم، فمثل هذا يجب التنبه له، يعني لا نعطي الشيء المطلق مع أنه مخصوص.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: قوة موالاة المنافقين للكفار؛ لقولهم: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾، يعني على الزين والشين، كما يقول العوام، على الشدة والرخاء.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: تأكيد هؤلاء المنافقين لشياطينهم بأنهم إنما يعاملون المؤمنين معاملة استهزاء لا حقيقة، ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾.
قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، هذا جزاء من جنس العمل، هم يستهزئون بالمؤمنين، والله تعالى يستهزئ بهم، بهؤلاء المنافقين، وذلك بما أعطى المسلمين من الأحكام التي تُبنى على الظاهر، فإن هذا استهزاء بهم؛ لأنهم يعامَلون في الظاهر معاملة من؟ المؤمنين، وهذا استهزاء أن نجعل الكافر معاملته كمعاملة المسلم. وقوله: ﴿يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ ﴾، هل ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿يَمُدُّهُمْ﴾؟ أو بـ ﴿يَعْمَهُونَ﴾؟ الظاهر الثاني أنها قُدِّمت على ﴿يَعْمَهُونَ﴾؛ لإفادة الحصر ولتناسب رؤوس الآيات.
﴿يَمُدُّهُمْ﴾، قال العلماء: يَمُد في الشر، ونُمِد في الخير، يعني أَمَدَّ الرباعية في الخير، قال تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور ٢٢، ٢٣]، وأما مَدَّ فهي في الشر، قال الله تعالى: ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ [مريم ٧٩]، وهنا قال: ﴿يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾؛ لأن هذا شر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الطغاة في الغالب يعمون عن الحق -والعياذ بالله- لما في نفوسهم من الاستكبار والعلو، فهم يعمهون في الطغيان، ولا يتصورون أنه طغيان، فيتمادون في هذا الطغيان.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الاستهزاء لله، أي أن الله يوصف بالاستهزاء، ولكن هل يوصف به على الإطلاق؟ لا، لا يوصف به على الإطلاق، إنما يوصف به في مقابلة من يستهزئ به ورسلِه وعبادِه الصالحين.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أيضًا أن الله تعالى قد يملي للإنسان في الطغيان فيستمر عليه حتى يزداد إثما، ولهذا من علامة حب الله للإنسان أن يعجل له العقوبة في الدنيا حتى تكون العقوبة مكفِّرة لسيئاته ومنبهة له؛ لأن كل إنسان عاقل مؤمن إذا أصيب بالمصيبة وعلم أنه هو السبب سوف يرتدع عن فساده ومعصيته، فإذا أراد الله تعالى تنبيه المؤمن عجل له العقوبة، وصار يمشي على الأرض وليس عليه من ذنب بسبب تكفير السيئات بهذه البلايا.
ثم قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. هذه الآية يكيِّف عليها أهل البلاغة؛ لأنهم يجعلونها استعارة تصريحية تبعية، أو استعارة مكنية، ثم يقولون: فيها ترشيح، أي تقوية، وهو قوله: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، هذه واحدة للتصريحية، ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ للمكنية، وبناء على أننا لم نُدَرِّس في البلاغة لأكثر الحاضرين منكم نُعرض عن التفصيل في ذلك ونذكر المعنى. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾، أي اختاروها، على إيش؟ على الهدى، لكن سمى اختيارهم إياها اشتراء؛ لأن المشتري يشتري السلعة على أنه راغب فيها، فهم رغبوا الضلالة فاشتروها، وزهدوا بالهدى فباعوه، والباء في قوله: ﴿بِالْهُدَى﴾ الباء للبدل والعوض، يعني أخذوا الضلال -والعياذ بالله- وبدلوا الهدى، اشتروا الضلالة بالهدى. ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ (ما) نافية، يعني هذه التجارة التي ظنوها ربحا هي خاسرة، المنافقون الآن يرون أنهم رابحون، المنافقون في معاملتهم للمؤمنين ولشياطينهم يرون أنهم رابحون، وأنهم لعبوا بعقول هؤلاء وهؤلاء، لكنهم حقيقة مع الكفار، فظنوا أنهم ربحوا، لكن هل هذا ربح؟ يقول الله عز وجل: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، بل هي خاسرة. ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾؛ لأنهم بقوا على هذا العمل وأُمْلي لهم به، فظنوا أنهم على صواب، والإنسان إذا فعل المنكر وظن أنه على صواب فإنه لا يكاد يفلت عنه لا في العقائد ولا في الأقوال ولا في الأفعال.
* في الآية الكريمة هذه فوائد، منها: بيان سفه هؤلاء المنافقين حيث اشتروا الضلالة بالهدى.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: أنه يجوز أن نعبر بالعبارة الدالة على المعنى ولو لم تكن موضوعة له في الأصل؛ لأن الله عبر باختيارهم الضلالة على الهدى عبر عنه بأنهم اشتروه، فإذا ظهر المعنى فلا بأس أن تعبر بما يدل عليه، بل إن هذا يُكسب المعنى جمالا ورونقا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان قد يظن أنه أحسن عملا وهو قد أساء؛ لأن هؤلاء اشتروا الضلالة بالهدى ظنا منهم أنهم على صواب وأنهم رابحون، فقال الله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المدار في الربح والخسران على اتباع الهدى؛ لأن الله نفى ربح تجارتهم لأنهم اختاروا الضلالة على الهدى، فالمدار في الربح، والخسران على الهدى، ويؤيد هذا قول الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر ١ - ٣]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف ١٠]، أكمل الآية.
* طالب: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف ١١]
* الشيخ: أحسنت، ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، قف، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، لو وصلناها بما قبلها صار الخير معلقا بكوننا نعلم، وهو خير علمنا أم لم نعلم، المهم على كل حال أن التجارة الرابحة هي هذه التجارة؛ الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيل الله بالمال والنفس.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء لن يهتدوا، ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾؛ لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، فلذلك لا يرجعون، وهكذا كل فاسق أو مبتدع يظن أنه على حق فإنه لن يرجع، فالجاهل البسيط خير من هذا؛ لأن هذا جاهل مركب يظن أنه على صواب، وليس على صواب، اللهم اهدنا صراطك المستقيم.
* طالب: بعض الأحيان شيخ تبدأ بالفوائد قبل الانتهاء بالتفسير، هل أنبه؟
* الشيخ: إيه.
* الطالب: في الدرس الماضي ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ ما فسرنا وقد بدأت بالفوائد؟
* الشيخ: صحيح.
* الطالب: واليوم كذلك ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ما فسرت هذا وبدأت..
* الشيخ: لا، فسرناها.
* الطالب: يعمهون يعني..
* الشيخ: ما فسرنا الاستهزاء، صحيح ما فسرنا الاستهزاء، لكن الاستهزاء معلوم.
* طالب: هو يقصد فعل يعمهون.
* الشيخ: إيش؟ لا، احنا قلنا معنى يعمهون يعني يتيهون في الطغيان فلا يهتدون.
* طالب: صحيح يا شيخ، بس أنتم ذكرتم فوائد رأسًا بدون فصل، لكن لو أنكم حررتم المسألة البلاغية؛ لأن الآن الغرض من إعادة الشرح هو تغيير السهو من الشرح الأول يعني.
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: إعادة الشرح أول البقرة لو حررتم المسألة البلاغية في الآية يكون أفضل علشان نكتب يعني.
* الشيخ: لا أبدًا، لو نجيب الاستعارة المكنية والتصريحية والتبعية والترشيح والتجريد والإطلاق نحتاج إلى خمسة دروس، هي تحتاج إلى دروس.
* طالب: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ هذا ما فسرتم؟
* الشيخ: هذا صحيح، هذا يحتاج إلى شرح، ويحتاج إلى تقسيم المرض، مرض القلوب، يعني قد يكون مرض النفاق، قد يكون مرض الشهوة، قد يكون مرض حب الدنيا، إي نعم.
* الطالب: الدرس القادم إن شاء الله؟
* الشيخ: ذكِّرونا إن شاء الله.
* طالب: يا شيخ، بارك الله فيك، ظاهر الآيتين التي ذُكر فيها أولو العزم أن نوح أفضل من عيسى عليه الصلاة والسلام؟
* الشيخ: هذا يحتمل، هذا لأن ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الشورى ١٣] ذكر إبراهيم بعد نوح، يمكن هذا ترتيب زمني، على كل حال هنا نحن متدبرين الموضوع متأملينه من زمان.
* الطالب: قلنا من زمن قدم محمد عليه الصلاة والسلام؟
* الشيخ: لا لا؛ لأنه شرع ﴿مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾؛﴾ لأنه جمع بين أول الرسل وآخر الرسل، ثم ذكر من بينهما.
* الطالب: (...)
* الشيخ: ما يظهر لي، أنا تأملتها كثيرا ما ظهر لي، ظهر إما أن نقول هما في منزلة واحدة، وفضلهما الذي عند الله عند الله ما نتكلم فيه، لكن مما يظهر لنا، وإما أن نقول نسكت.
انتهى، نبدأ.
* * *
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences