Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:10–20, continued
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ١٧ - ٢٠].
* الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
* طالب: شيخ الآية التي قبلها ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا﴾.
* الشيخ: الفوائد أنهي؟
* الطالب: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: أخذنا الفوائد.
* الشيخ: أخذتوها؟
* الطالب: نعم، ومن فوائدها أن الله يوصف بالاستهزاء في مقابلة من يستهزئ برسله وعباده الصالحين.
* الشيخ: نعم، من فوائد الآية الكريمة ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ بقي علينا تنبيه لطيف، وهو قوله تعالى: ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾، المرض قسمان: مرض شبهة، ومرض شهوة.
أما مرض الشبهة فهو الجهل، فإن الجهل عمى وهو مرض، والجاهل يرتكب الخطأ من حيث لا يشعر، وأما مرض الشهوة فهو مرض استكبار في الغالب، ومرض المنافقين إما مرض شبهة، وإما مرض شهوة، فمن اشتبه عليه الأمر فمرضه مرض إيش؟ شبهة، ومن لم يشتبه عليه الأمر فمرضه مرض شهوة.
ومن أمراض القلوب ما يحصل للإنسان من مرض شهوة النساء، وذلك كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب ٣٢].
أما الآيتان اللتان ذكرتهما فهما في الأول قال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، والثانية قال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، فما وجه التفريق في الفاصلتين الأولى والثانية؟ وجه التفريق ظاهر لمن تأمله، الإفساد في الأرض يدرك بالحس ولّا يدرك بالعقل؟ بالحس، ولهذا نفى فيه الشعور، والشعور يتعلق بالمحسوسات، ولهذا تقول: ما شعرت بهذا الشيء، أي ما أدركته بحسي، وأما السفه فإنه يدرَك بالعلم والتأمل، حتى يُنظر هل هذا سفيه أو غير سفيه، فلهذا نفى عنهم العلم؛ لأن السفه من الأمور المعقولة لا من الأمور المحسوسة، وإنما نبهت على هذا؛ لأنه يرد في القرآن الكريم آيات مثل هذه، بمعنى أن الله يُخلف العبارة ويأتي بعبارتين يظن الظان أنهما واحد، ولكن عند التأمل يحصل الفرق الكبير، ويشبه ذلك أن يأتي الله عز وجل بما لا يتوقعه الإنسان، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ [غافر ٢٠]، وكان المتوقع أن يقال: يقضون بالباطل، ضد الحق، لكن ليبين عجز هؤلاء الذين يدعون من دونه، وأنه ليس لهم قضاء إطلاقًا، فلهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾، لا حق ولا باطل؛ لأنها أعجز من أن تقضي بشيء.
والقرآن الكريم في الحقيقة إذا تأمله الإنسان يزداد -سبحان الله- بصيرة وعلما ونورًا، لكن يحتاج إلى قيد أشار إليه شيخ الإسلام رحمه الله فقال في العقيدة الواسطية وما أبركها من عقيدة، قال: من تدبر القرآن طالبًا الهدى منه تبين له طريق الحق، فجعل الشرطين: التدبر وحسن القصد، طالبًا الهدى منه، يعني لا طالبًا الغلبة، أن يكون يغلب غيره مثلا، أو طالبًا الهوى لعله يجد في القرآن ما يؤيد قوله، فهذا قد يُحرم والعياذ بالله، لكن من تدبره طالبًا الهدى منه تبين له طريق الحق ووجد فيه من العلوم والمعارف وإصلاح القلوب ما لا يستطيع الإنسان أن يصفه، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهله، آمين، اللهم صل على محمد.
نرجع الآن إلى ما وقفنا عليه ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
* من فوائد هذه الآية الكريمة قلنا: إثبات صفة الاستهزاء من الله عز وجل، لكنها صفة مقيدة بمن يستهزئ؛ ليتبين بذلك أن الله فوق استهزاء هؤلاء.
* من فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يُمَدّ في الطغيان ويُمهَل له، فيزداد طغيانا، حتى إذا أخذه الله لم يفلته كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» »[[متفق عليه، أخرجه البخاري (٤٦٨٦)، ومسلم (٢٥٨٣/٦١) من حديث أبي موسى.]]، ولهذا إذا رأيت نعم الله تترى عليك فتوقف، انظر هل أنت قائم بطاعته فهي نِعَم، هل أنت لم تقم، فهي نقم واستدراج.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الطاغي يكون في ضلال -والعياذ بالله- ويحجب الوصول إلى الحق؛ لقوله: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ فإياك يا أخي أن تكون من هؤلاء الذين عندهم طغيان في حق الله وطغيان في حق عباد الله، فإنك سوف تزداد ضلالا.
ثم قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ أخذناها وفوائدها، إي نعم.
* من فوائدها: أن الذين اشتروا الضلالة بالهدى، يعني اختاروا الضلالة على الهدى ليس لهم ربح إطلاقًا، حتى لو ربحوا في الدنيا فهو استدراج، والربح في الدنيا لا يعني الربح في الواقع؛ لأن مآل ربح الدنيا كالمال والبنين والترف والنعيم، وإيش مآله؟ الزوال، قال الله تعالى في قوم فرعون: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان ٢٥ - ٢٨] نعيم الدنيا ليس بشيء؛ لأنه زائل ذاهب، فلهذا قال: ﴿مَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، حتى لو أن الإنسان أُملي له وزاد ربحا في طغيانه فإنه خاسر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بلاغة القرآن الكريم، وذلك بتصوير المعقول تصوير المحسوس، وجهه؟ ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾، وهذا الشراء والبيع يكون في المحسوسات، ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، أيضًا التجارة في المحسوسات ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من سلك طريق الضلالة حُجب عن طريق الهدى؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾.
ولهذا شواهد، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام ١١٠]، وقال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق ٥]: مضطرب، في شك، في غفلة.
ثم قال الله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، ضرب الله لهؤلاء المنافقين مثلين: مثلا ناريًّا ومثلا مائيًّا، حسب أحوالهم، فقال: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، يعني كمثل رجل ليس معه نار، ولكنه استوقد، أي طلب من غيره إيقاد ناره؛ لأن اسْتَفْعَلَ، معناها الطلب مثل استغفر، أي: طلب المغفرة، استنصر: طلب النصر؛ وقد تأتي لغير ذلك، قد تأتي للمبالغة، السين والتاء قد تأتي للمبالغة، مثل استكبر، ليس معناه طلب الكبر، ولكن معناه ازداد في كبريائه، إذن استفعل تأتي لإيش؟ للطلب، وقد تأتي للمبالغة.
﴿اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ أي: طلب إيقاد نار، وهذا يدل على أنه كان في إيش في ظلمة، لكن طلب إيقاد النار، أما هو نفسه ما عنده نار، ولا عنده ضياء،
﴿اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، ﴿أَضَاءَتْ﴾ أي النار التي استوقدها، ﴿مَا حَوْلَهُ﴾ أي: حول المستوقِد، ما هو حول النار، لو كان المراد حول النار لقال: ما حولها، ولما قال: ﴿مَا حَوْلَهُ﴾ أي: ما حول المستوقد، لم تذهب بعيدًا، أضاءت ما حوله.
﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، فبقي الحرارة والظلمة؛ لأن عادة النار إذا خمدت أن تكون حارة وظلمة دخان، راح الضياء، بقيت الحرارة والظلمة. ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾، ﴿ظُلُمَاتٍ﴾ جمع، لا بد أن ندرك ما هذا الجمع؟ أولًا: ظلمة الليل، كيف ظلمة الليل، من أين درينا أن هذا في الليل؟
* الطلبة: ﴿اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾.
* الشيخ: ﴿أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾، في النهار ما تضيء النار ما حولها؛ لأن نور الشمس يحجب كل نور. الظلمة الثانية: أنه إذا أتت الظلمة بعد الضياء صارت أشد، وجرب نفسك، أطفئ اللمبة وأنت فاتح العينين تجد الظلمة، وإذا بك بعد قليل ترى ما حولك، ولهذا أنصح كل من أراد أن يطفئ اللمبة أن يغمض عند إطفائها؛ لأنه إذا غمض حين إطفائها ثم فتّح وإذا الأمر طبيعي، أليس كذلك؟ طيب، لا أنا أريد إقرارك الطبي.
* طالب: صحيح.
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: لأنه في أثناء وجود الضوء تكون حدقة العين منقبضة.
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: وعند الظلمة تكون مفتوحة.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: فيمر الوقت حتى يحدث هذا.
* الشيخ: إي نعم، الحمد لله، هذا أدركناه بالتجربة، وأخونا أدركه بالطب نظريًّا، على كل حال، هذه إذا ذهب الضوء بسرعة صار ظلمة شديدة، كذا؟
الظلمة الثالثة: ظلمة الدخان؛ لأن عادة النار إذا طفئت بدون أن ينتهي الوقود فإنه يكون دخانا، وهنا الوقود لم ينته؛ لأنه قال: ﴿اسْتَوْقَدَ﴾ ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ﴾، بمجرد الإضاءة ذهب الله بالنور، معناه أن الوقود لم ينته بعد، وحينئذ يكون الدخان، فصارت الظلمات الآن ثلاثة، صارت ثلاثا، ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾، النور مفرد، ﴿بِنُورِهِمْ﴾ الظلمات جمع؛ لأن النور واحد لا يتكرر أو لا يتضعّف، واحد، سواء قوي أو ضعف، ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾، أي: لا يرون.
﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾، أعوذ بالله، هذا حالهم، يعني بعد أن ذكر المثل ذكر الحال، ﴿صُمٌّ﴾ عن سماع الحق، ﴿بُكْمٌ﴾ عن قول الحق، ﴿عُمْيٌ﴾ عن رؤية الحق، فهم والعياذ بالله قد سُدت عليهم الأبواب من كل جانب، لا يسمعون إلى حق، ولو سمعوا ما انتفعوا، والثاني: ﴿بُكْمٌ﴾ لا ينطقون به؛ لأنهم ينطقون بالباطل، ﴿إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴾، ولا ينطقون أبدًا بالحق، حتى لو نطقوا به فهو باللسان فقط.﴿عُمْيٌ﴾ يعني عن الحق لا يرونه، ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ أي: فبناء على هذه الأوصاف الثلاثة لا يرجعون عما كانوا عليه.
نعود إلى فوائد الآية.
* في هذه الآية الكريمة: دليل على بلاغة القرآن حيث يضرب للمعقولات أمثالًا، إيش؟ محسوسات؛ لأن الشيء المحسوس أقرب إلى العقل من الشيء المعقول، لكن من بلاغة القرآن أن الله تعالى يضرب الأمثال المحسوسة للمعاني المعقولة حتى يدركها الإنسان جيدًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إقرار القياس، يعني أنه دليل يؤخذ به، وجه ذلك؟
* طالب: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾.
* الشيخ: لا، هذه الآية، هذا الدليل، لكن نريد وجه الاستدلال؟
* الطالب: الكاف.
* الشيخ: الكاف أيضًا للتشبيه.
* الطالب: الله عز وجل قاس هؤلاء بـ ﴿الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾.
* الشيخ: أراد منا أن نقيس حالهم على حال من استوقد، وكل مثل في القرآن فهو دليل على إقرار القياس وإثبات القياس، أي مثل في القرآن فهو دليل، فيكون بذلك رد على منكري القياس، يعني بعد ما نُثبت نقول: فيها رد، أنتم تقرؤون القرآن كل يوم وليلة وتجدون فيه الأمثال، وهي لا شك قياس واضح جلي.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء المنافقين ليس في قلوبهم نور؛ لقوله: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، أي: طلب إيقادها من غيره، وهو كذلك، فهؤلاء المنافقون يستطعمون الهدى والعلم والنور، فإذا وصل إلى قلوبهم بمجرد ما يصل إليها يتضاءل ويزول؛ لأن هؤلاء المنافقين إخوان للمؤمنين من حيث النسب وأعمام وأخوال وأقارب، فربما يجلس إلى المؤمن حقا فيتكلم له بالإيمان الحقيقي ويدعوه، فينقدح في قلبه هذا الإيمان، ولكن سرعان ما يزول، نسأل الله لنا ولكم الثبات.
* من فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان لا بد أن يكون له أثره حتى في قلب المنافق؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾، الإيمان أضاء بعض الشيء في قلوبهم، ولكن لما لم يكن على أسس لم يستقر، ولهذا قال تعالى في سورة المنافقين وهي أوسع ما تكلم وتحدث الله به عن المنافقين قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المنافقون ٣]، هذا الإيمان الذي انقدح في قلوبهم على طول زال.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن نور الإيمان في قلوب المنافق لا يعدو صدورهم؛ لقوله: ﴿أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾، ولم يتقدم إلى الأمام، لم يؤمنوا بالآخرة ولا بالرسل السابقين، ولكن حصل هذه القلة من الإيمان فأضاءت ما حوله ثم ذهب.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه بعد أن ذهب هذا الضياء حلّت بعده الظلمة الشديدة بل الظلمات.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى جازاهم على حسب ما في قلوبهم، ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، كأنه أخذه قهرًا.
فإن قال قائل: أليس في هذا دليل على مذهب الجبرية؟ فالجواب: لا؛ لأن هذا الذي حصل من رب العباد عز وجل بسببهم، وتذكر دائما قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾، حتى يتبيّن لك أن كل من وصفه الله بأنه أضله فهو السبب، هو سبب نفسه، أي سبب ضلاله.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تخلي الله عنهم؛ لقوله: ﴿وَتَرَكَهُمْ﴾، تخلى الله عنهم، ويتفرع على ذلك أن من تخلى الله عنه فهو هالك ليس عنده نور ولا هدى ولا صلاح، ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾، يعني لا يمكن أن يكون لهم.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ١٩، ٢٠]
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، انتهى المثل الأول الذي ضربه الله تعالى للمنافقين؛ لأن الله تعالى ضرب لهم مثلين: المثل الأول مثل ناري، والمثل الثاني مثل مائي، وانتهى الكلام على المثل الأول في فوائده وأحكامه، أليس كذلك؟
* طالب: نعم، في فوائد ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ ما أخبرتم؟
* الشيخ: طيب،* من فوائد هذه الآية: أن هؤلاء -والعياذ بالله- أصم الله آذانهم فلا يسمعون الحق، ولو سمعوا ما انتفعوا، ويجوز أن يُنفى الشيء لانتفاء الانتفاع به، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢١].
﴿بُكْمٌ﴾، * ويستفاد منها: أن هؤلاء المنافقين لا ينطقون بالحق كالأبكم.
* ويستفاد أيضًا من هذه الآية: أنهم لا يبصرون الحق كالأعمى.
* ويستفاد من هذا: أنهم لن يرجعوا عن غيهم؛ لأنهم يعتقدون أنهم محسنون، وأنهم صاروا أصحابًا للمؤمنين وأصحابًا للكافرين، هم أصحاب للمؤمنين في الظاهر، وأصحاب للكافرين في الباطن، ومن استحسن شيئًا فإنه لا يكاد أن يرجع عنه، وهذه هي الفائدة أيضًا.
* فائدة أخيرة: أن الإنسان إذا استحسن الشيء فإن رجوعه عنه يكون بعيدًا.
أما المثل الثاني فقال الله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾، (أو) هنا للتنويع وليست للشك؛ لأن الله سبحانه تعالى عليم بكل شيء، فلا يدخل الشك في خبره، فهي إذن للتنويع، وهل هذا النوع مثل آخر ينطبق على أصحاب المثل الأول؟ أو هو مثَل لأصناف آخرين من المنافقين؟ في هذا قولان للعلماء: فمنهم من قال: إن حال المنافقين تشبه المثل الأول وتشبه المثل الثاني، ومنهم من قال: إن لكل مثل قوما من هؤلاء المنافقين، وبعد أن نشرح إن شاء الله تعالى هذا المثل يتبين أي القولين أصح.
قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾، قيل: إن فيه محذوفا، والتقدير: كأصحاب صيب، بدليل قوله: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ﴾، أي: يجعل أصحاب هذا الصيب أصابعهم في آذانهم، وقيل: إنه لا يحتاج إلى هذا التقدير، بل إن الله تعالى ضرب المثل بالصيب نفسه، والصيب هو المطر، سمي بذلك؛ لأنه ينزل، وكل شيء نازل يسمى صيبا، وأصلها من صاب يصوب، فنجد الآن أن إحدى الياءين منقلب عن واو، أيهما؟ الياء الأولى أو الثانية؟
* الطلبة: الأولى.
* الشيخ: أصلها صَيْوِب، فهي إذن الثانية، ولكنها اجتمعت الواو والياء في كلمة وسبقت إحداهما بالسكون فقُلبت الثانية ياء وأدغمت في الياء الأولى، هذه قاعدة تصريفية ربما لا يعرفها من لم يكن عرف الصرف، لكن هذه القاعدة تصريفية، إذا اجتمعت الواو والياء في كلمة وسبقت إحداهما بالسكون وجب قلب الواو ياء ثم تدغم مع الياء الموجودة.
﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾، قوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ هذه بيان للواقع وليست قيدًا مخرجًا لما يخالف المنطوق، وذلك أن الصيب لا بد أن يكون من السماء؛ لأنا قلنا إنه النازل، النازل وهو المطر، وفائدة ذكره بيان الواقع من وجه، وبيان أن هذا الصيب عظيم؛ لأن النازل من السماء يخوِّف أكثر من الجاري في الأرض؛ لأن الجاري من الأرض يمكن الهرب منه، لكن النازل من السماء لا يمكن الهرب منه.
﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾، ﴿ظُلُمَاتٌ﴾ جمع ظلمة، فما هذه الظلمات؟ الظلمات: ظلمة الليل، هذه واحدة، الثانية: ظلمة السحاب، الثالث: ظلمة الصيب الذي هو المطر، فإنه يحدث الظلمة ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾، ﴿وَرَعْدٌ﴾، وهو الصوت المسموع من السحاب. ﴿وَبَرْقٌ﴾ وهو النور أو الضوء المشاهد في السحاب، والبرق سابق على الرعد؛ لأن الرعد يتأخر بواسطة المسافة بينه وبين الأرض، والصوت أقل سرعة من الضوء؛ لأن الضوء تدركه العين، والصوت تدركه الأذن.
﴿وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ﴾، الفاعل في (يجعلون) يعود على أصحاب الصيب، ما هو على المطر، المطر ليس له أصابع وليس له آذان، لكن يجعلون، أي: الذين أصيبوا بهذا الصيب، فيكون المعنى: أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق أصاب قوما، فصاروا يجعلون أصابعهم في آذانهم، الأصابع معروفة، والآذان كذلك معروفة.
ولكن في قوله: ﴿أَصَابِعَهُمْ﴾، كيف يصح مع أن الأصبع لا يدخل في الأذن، إنما يدخل في الأذن الأنملة، لكن لشدة إدخالهم الأصبع كأنهم يحاولون أن تدخل الأصابع كلها حتى لا يسمعوا صوت الرعد، وهو دليل على جبنهم وخوفهم.
﴿أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾ (من) هنا للسببية، أي: بسبب الصواعق التي ترسلها السحب.
والصاعقة هي عبارة عن شحنة كهربائية عظيمة يرسلها الله عز وجل فيصيب بها من يشاء، يرسلها الله فيصيب بها من يشاء، وهي -سبحان الله - قد تصيب الرجل على فراشه مع امرأته فيهلك الرجل وتسلم المرأة، أو تصيب الشاة يجرها صاحبها ويسلم صاحبها، أو يسوقها ويسلم السائق؛ لأن الله تعالى يرسلها فيصيب بها من يشاء، والمسألة ليست هكذا جزافا، بل كل شيء عند الله تعالى بمقدار، وهذه الشحنة يقولون إنه لو اجتمع جميع مولدات الكهرباء في الدنيا بأقوى ما يكون فإنها لن تبلغ ما تحمله هذه الشحنة، وهذا شيء واضح، إذا رأيت -سبحان الله العظيم- البرق وإيش بيننا وبينه؟ مسافات، ومع ذلك تجد البرق إذا ومض تجده مثلًا أحيانًا يكون شبر، يعني عرضه أحيانًا، مع بُعده، الطائرة لو كانت دونه في المستوى ما تجلّى كالنجمة الخفية، لكن هذا تجد شيء عظيم، ويدل لهذا النور الذي يكون على الأرض منه وأنه شيء عظيم.
وقوله: ﴿مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾، ﴿الصَّوَاعِقِ﴾ جمع صاعقة، وهي التي تصعق الإنسان فتهلكه، ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾، هذه مفعول لأجله، وعاملها ﴿يَجْعَلُونَ﴾، والمعنى أنهم يجعلون ذلك لئلا يموتوا، ولكن هل هذا يغني عنهم شيئًا؟ لا يغني، لكن هذا فعل النعامة تدس رأسها في الرمل لئلا ترى الصياد، ولكن الصياد يراها، فلا تسلم منه بذلك، كذلك هؤلاء الذين يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق لا يسلمون بهذا، إذا أراد الله أن يصيبهم أصابهم، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ فلن ينفعهم هذا الحذر.
ثم بيّن الله تعالى شدة هذا عليهم، شدة الضوء، لما بين شدة الصوت وأنهم لفرارهم منه وعدم تحملهم إياه ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ بيّن شدة الضوء عليهم، فقال: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾؛ لأن أبصارهم ضعيفة لا تتحمل، وإنما يكاد يخطف أبصارهم يعني يأخذها بسرعة؛ لأنه يأتي بسرعة، ثم تأتي بعده ظلمة سريعة، فربما يكون ذلك سببًا لفقد البصر، ثم قال: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، شوف الفرق، الإضاءة قال: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾، فكأنهم ينتهزون الفرصة، فرصة الإضاءة، ولا يتأخرون عن الإضاءة طرفة عين، وينتهزون الفرصة في ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾، ولو شيئًا يسيرًا، وهو شيء يسير، إذا لم يكن البرق متعاقبًا بسرعة فإن وميض البرق يسير جدًّا، لا يخطون خطوة إلا وقد جاءهم الظلام.
﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، يعني وقفوا، ﴿قَامُوا﴾ بمعني وقفوا، ﴿إِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، كيف أظلم عليهم؟ لأن وميض البرق يولِّد ظلمة فوق ظلمة الليل، ونحن ذكرنا في أول الآية أنه ظلمات: ظلمة الليل، وظلمة السحاب، وظلمة المطر، هؤلاء إذا أظلم عليهم قاموا، فتكون هذه ظلمة رابعة، وهي فقد الضوء، فإن فقد الضوء، إذا فقدت الضوء صار الشيء مظلمًا أكثر مما كان عليه في الواقع، فيكون الآن الظلمات تكون أربع ظلمات. ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، أي: وقفوا.
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾، دون أن تحدث الصواعق ودون أن يحدث البرق؛ لأن الله تعالى على كل شيء قدير، فهو قادر على أن يُذهب السمع والبصر بدون أسباب، فالسمع بدون صواعق؛ لأن الصواعق صوتها عظيم ربما يصم الآذان، والبرق أيضًا نوره عظيم ربما يخطف الأبصار. ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ دون أن يحصل هذا. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
لننظر الآن على أي شيء ينطبق هذا المثل؟ هذا المثل ينطبق على قوم منافقين لم يؤمنوا إطلاقا، لم يؤمنوا، أصلهم منافقون، وهم المنافقون اليهود؛ لأن المنافقين منهم عرب من الخزرج والأوس، ومنهم يهود من بني إسرائيل، اليهود لم يذوقوا طعم الإسلام أبدًا، ليش؟ لأنهم كفار من الأصل، لكن أظهروا الإسلام خوفًا من النبي ﷺ بعد أن أعزه الله في بدر، هؤلاء ليسوا على هدى كالأولين، الأولين استوقدوا النار، وصار عندهم شيء من النور بهذه النار، ثم -والعياذ بالله- انتكسوا، لكن هؤلاء من الأصل.
دون أن تحدث الصواعق ودون أن يحدث البرق؛ لأن الله تعالى على كل شيء قدير، فهو قادر على أن يُذهب السمع والبصر بدون أسباب، فالسمع بدون صواعق؛ لأن الصواعق صوتها عظيم ربما يصم الآذان، والبرق أيضا نوره عظيم ربما يخطف الأبصار، ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ دون أن يحصل هذا، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
لننظر الآن على أي شيء ينطبق هذا المثل؟ هذا المثل ينطبق على قوم منافقين لم يؤمنوا إطلاقا، لم يؤمنوا، أصلهم منافقون وهم المنافقون اليهود؛ لأن المنافقين منهم عرب من الخزرج والأوس، ومنهم يهود من بني إسرائيل، اليهود لم يذوقوا طعم الإسلام أبدا، ليش؟ لأنهم كفار من الأصل، لكن أظهروا الإسلام خوفا من النبي ﷺ بعد أن أعزه الله في بدر، هؤلاء ليسوا على هدى كالأولين، الأولين استوقدوا النار، وصار عندهم شيء من النور بهذه النار، ثم -والعياذ بالله- انتكسوا، لكن هؤلاء من الأصل في ظلمات، فيكون هذا المثل غير المثل الأول، بل هو لقوم آخرين، والمنافقون أصناف بلا شك، حال هؤلاء لم يدخلوا في الإسلام من الأصل فحالهم حال هؤلاء القوم الذين أصابهم الصيب وصارت حالهم إلى ما ترى. فلننظر.
﴿الصَّوَاعِق﴾: عبارة عن ما في القرآن من الإنذار والخوف، ولهذا يقول الله عنهم في آية أخرى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون ٤].
﴿الْبَرْقُ﴾: نور الإسلام، لكنه ليس نورا يستمر، نور البرق كما تعلمون.. أيش؟ ينقطع بلحظة، وميض، فهؤلاء لم يدخل الإيمان في قلوبهم أصلا ولا فكروا في ذلك، وإنما يرون هذا النور العظيم الذي شع، فينتفعون به لمجرد خطوة يخطونها فقط، وبعد ذلك يقفون.
كذلك أيضا ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُم﴾؛ لأنهم لا يتمكنون من رؤية النور الذي جاء به النبي ﷺ، بل لكبريائهم وحسدهم للعرب يكاد هذا البرق يعمي أبصارهم؛ لأنه قوي عليهم لا يستطيعون مدافعته ومقابلته، فالظاهر أن القول الراجح: أن هذين مثلان يتنزلان على صنفين من المنافقين.
طيب، إذا قال قائل: الصنف الأول كيف نقول: إنه دخل الإيمان في قلوبهم؟ نقول: نعم قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون٣]، دخلهم الإيمان لكنه لم يتمكن في قلوبهم، صاروا كالأعراب الذين قالوا: ﴿آمَنَّا﴾ [الحجرات ١٤] فقال الله: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات ١٤]، وإلا فإن الإيمان إذا دخل القلب دخولا حقيقيا مطمئنا الإنسان فيه فإنه لن يخرج منه بإذن الله، ولهذا سأل هرقل أبا سفيان عن أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام الذين يدخلون الإسلام: «هل أحدٌ منهم ارتدَّ عن دينِهِ؟ فقال: لا، فقال: هذا الإيمانُ، إذا وقَرَ في القلبِ فإنّه لا يخرُجُ منْهُ»[[أخرجه البخاري (7) من حديث أبي سفيان بلفظ: أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب.]].
لكن الإيمان الهش الذي لم يتمكن من القلب هذا هو الذي يُخشى على صاحبه، أجارني الله وإياكم.
* في هذه الآية من الفوائد: ما سبق من كمال بلاغة القرآن وبيانه، وذلك بضرب الأمثال المحسوسة للوصول إلى معرفة المعاني المعقولة.
* ومن فوائد هذه الآية: إثبات القياس في الشرع، وقد ذكرنا قبل هذا قاعدة أن كل مثل في القرآن فإنه يدل على أيش؟ على إثبات القياس؛ لأن المراد به إلحاق هذا الشيء بهذا الشيء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه كلما عظمت الظلمات صار الإنسان أشد فزعا؛ لقوله: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾.
* ومن فوائدها أيضا: أن الخوف من الرعد والبرق كان أمرا طبيعيا؛ لما يحدث من الرعد أحيانا من الصواعق، ولو كان مجرد صوت أو ضياء ما خاف الناس، لكن الناس يخافون أيش؟ يخافون الصواعق، أما مجرد الصوت فإنه ولو كان أقوى من هذا لا يفزع الناس، لكن يفزعون من هذا، إلا أنه قد قيل: متى سمعت صوت الرعد فقد سلمت من الصاعقة؛ صح؟
* طالب: صحيح.
* الشيخ: ليش؟ لأن الضوء أسرع، فهذه الشحنة الكهربائية تصل إلى الأرض قبل أن تسمع الصوت، فمتى سمعت الصوت فاعلم أنك سلمت من هذه الصاعقة التي تكون في هذا الرعد.
* ومن فوائد هذه الآية: بيان شح الإنسان بحياته؛ لقوله: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ وإلا من المعلوم أن الإنسان لو أقصى أصبعه في أذنه فسوف يتألم، لكنه يتألم خوفا مما هو أشد ألما وهو الموت، هل يمكن أن يستفاد من ذلك ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: إي نعم، يمكن، لكن كما تعلمون هذا أمر طبيعي ما هو أمر شرعي، الذي يمكن أن نستدل به على ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما ما حصل من الخضر حين خرق السفينة حفاظا عليها؛ لأن السفينة سوف تمر بملك يأخذ السفن الصالحة غصبا، فإذا مرت به وهي مخروقة تركها، فصار إفساد بعضها من أجل الإبقاء على الجميع.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تهديد الكفار بأن الله محيط بهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِين﴾.
* ومن فوائدها: الانتقال من المعنى المحسوس إلى المعنى المعقول؛ لأن الله لم يقل: محيط بهم، بل قال: ﴿مُحِيطٌ بِالْكَافِرِين﴾، والمثل الذي ضُرب ضُرب مثلا للإنسان، يعني أي إنسان إذا حصل ظلمات ورعد وبرق فسوف يخاف ويحزن.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة، التي بعد من؟ ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾، * من فوائدها: أن البرق الشديد يخطف البصر، ولهذا يُنهى الإنسان أن ينظر إلى البرق حال كون السماء تبرق؛ لئلا يُخطف بصره.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: اغتنام الفرص؛ ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيه﴾، وأن اغتنام الفرص من أعمال العقلاء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: اجتناب الهلكات؛ ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات مشيئة الله؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾.
* ومن فوائدها: أنه ينبغي للإنسان أن يلجأ إلى الله عز وجل أن يمتعه بسمعه وبصره، وفي الدعاء المأثور: «مَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا مَا أَبْقَيْتَنَا»[[أخرجه الترمذي (3502) بلفظ: مَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا.]]؛ لقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات هذا الاسم لله وهو: القدير.
* ومن فوائدها: عموم قدرة الله تعالى على كل شيء، فهو جل وعلا على كل شيء قدير، قادر على إيجاد المعدوم وعلى إعدام الموجود، وعلى تغيير الصالح إلى فاسد والفاسد إلى صالح، وغير ذلك.
* طالب: شيخ، قلنا: إذا سمعت الرعد فقد سلمت من الصاعقة، هل هذه الآية تقول: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ﴾، هم يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق؟
* الشيخ: هذا ظنا منهم، ظنا منهم أنهم يسلمون، لكن ما يسلمون؛ لأن الله قال: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِين﴾.
* الطالب: إذن هذه المقولة ليست على إطلاقها؟
* الشيخ: لا، على إطلاقها.
* طالب: إذا تكرر..؟
* الشيخ: خله إذا تكرر، هذه شحنة جديدة، ولهذا قلنا: الشحنة السابقة على الرعد إذا سمعت الرعد ما عادت تصيب.
* طالب: قد تصاب بالصاعقة في نفس هذا المطر؟
* الشيخ: إي نعم، لكن من شحنة جديدة، يعني لو فُرض البرق يتكرر هذا يمكن أن يأتي من غير ما سمعت أولا.
* طالب: الصوت والضوء بينهما فرق كبير.
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: شيخ، إذا قيل: من فوائد هذه الآية من ناحية البلاغة أنه عبّر بالكل وأراد الجزء، هل يلزم من ذلك إثبات المجاز؟
* الشيخ: أيهم؟ ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُم﴾؟ لا، ما يلزم؛ لأن كلّ يعرف أن أصابعهم ليس المراد جميع الأصبع.
* طالب: إذا قيل هكذا أراد، عبر بالكل وأراد الجزء؟
* الشيخ: نعم للمبالغة.
* طالب: عبر بالجزء وأراد..
* الشيخ: لا، عبر بالكل وأراد الجزء.
* طالب: خطْف البرق لأبصار هؤلاء هل يختص بهم؟
* الشيخ: لا، هذا هو الواقع أنه يكاد يخطف أبصارهم، ولهذا ينبغي للإنسان إذا أراد أن يطفئ المصباح أن يغمض عينيه أو يغطي وجهه، هذا شيء مشاهَد.
* طالب: شيخ ذكر البرق والرعد للتخويف هل هو للمنافقين فقط والكفار، أم على إطلاقه؟ يعني بس الآن لا نخاف من مثل البرق، هل هذا دليل إيمان؟
* الشيخ: لا، هذا خوف طبيعي، بارك الله فيك، كل إنسان يخاف.
* طالب: بس الحين ما حد يخاف من شدة البرق والرعد إلا إذا كان في الصحراء؟
* الشيخ: هذا ما أحد ما يخاف؟ إلا الحجاج إن صح ما نُقل عنه، أنه لما حاصر مكة أرسل الله تعالى السحاب وفيه الرعد والبرق، وكانوا يخوّفونه فيقول: لا، هذه أيش، يعني قعاقع الحجاز، أو كلمة نحوها، يعني استهتر والعياذ بالله، وإلّا الإنسان بطبيعته لا بد أن يخاف.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences