Ibn 'UthayminAl‑Baqarah · 2:109–114

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:109–114

2:109–114Page 17

وَدَّ كَثِيرٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِكُمۡ كُفَّارًا حَسَدٗا مِّنۡ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡحَقُّۖ فَٱعۡفُواْ وَٱصۡفَحُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٠٩

Many of the People of the Scripture wish they could turn you back to disbelief after you have believed, out of envy from themselves [even] after the truth has become clear to them. So pardon and overlook until Allāh delivers His command. Indeed, Allāh is over all things competent.

وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَمَا تُقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُم مِّنۡ خَيۡرٖ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ١١٠

And establish prayer and give zakāh, and whatever good you put forward for yourselves - you will find it with Allāh. Indeed Allāh, of what you do, is Seeing.

وَقَالُواْ لَن يَدۡخُلَ ٱلۡجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰۗ تِلۡكَ أَمَانِيُّهُمۡۗ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١١١

And they say, "None will enter Paradise except one who is a Jew or a Christian." That is [merely] their wishful thinking. Say, "Produce your proof, if you should be truthful."

بَلَىٰۚ مَنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ فَلَهُۥٓ أَجۡرُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ١١٢

Yes, [on the contrary], whoever submits his face [i.e., self] in Islām to Allāh while being a doer of good will have his reward with his Lord. And no fear will there be concerning them, nor will they grieve.

وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ لَيۡسَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ لَيۡسَتِ ٱلۡيَهُودُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَهُمۡ يَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ مِثۡلَ قَوۡلِهِمۡۚ فَٱللَّهُ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ١١٣

The Jews say, "The Christians have nothing [true] to stand on," and the Christians say, "The Jews have nothing to stand on," although they [both] recite the Scripture. Thus do those who know not [i.e., the polytheists] speak the same as their words. But Allāh will judge between them on the Day of Resurrection concerning that over which they used to differ.

وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ مَا كَانَ لَهُمۡ أَن يَدۡخُلُوهَآ إِلَّا خَآئِفِينَۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١١٤

And who are more unjust than those who prevent the name of Allāh from being mentioned [i.e., praised] in His mosques and strive toward their destruction. It is not for them to enter them except in fear. For them in this world is disgrace, and they will have in the Hereafter a great punishment.

ثم قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ﴾ ﴿وَدَّ﴾، المودة خالص الحب، يعني: أحب، وقوله: ﴿كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، أهل الكتاب هم اليهود والنصارى، والمراد بالكتاب الجنس، أو نقول (أل) للعهد، والمراد بالكتاب التوراة والإنجيل، وقوله: ﴿كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، يعني: لا كلهم، فإن بعض أهل الكتاب لا يودون أن ترتدوا كفارًا بل يحبون أن تبقوا مسلمين ويسلمون أيضًا هم، ولكن كثير منهم يودون هذا.

وقوله: ﴿كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾، (لو) هذه شرطية ولّا مصدرية؟

* الطلبة: مصدرية.

* الشيخ: مصدرية، والغالب أن (لو) التي تأتي بعد (ود) تكون مصدرية، ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩]، ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة ٢]، ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا﴾ [النساء ٨٩]، وغير ذلك، فالغالب أن (لو) إذا جاءت بعد (ود) فهي مصدرية، وقوله: ﴿لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾، الكاف مفعول أول لـ(يردون)، و(كفارًا) مفعول ثان، يعني: لو يُرجعونكم كفارًا، وهذان المفعولان أصلهما المبتدأ والخبر، نعم أصلهما المبتدأ والخبر؛ لأنك لو حذفت الفعل وقلت: أنتم كفار، استقام الكلام، فعلى هذا يكون أصلهما المبتدأ والخبر.

وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ﴾، ﴿لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ﴾؛ لأن الارتداد ما يكون إلا بعد إيمان، أما الكافر فهو كافر، لكن بعد أن صح إيمانكم وخلص وتبين هم يودون أن يغيّروكم ويحولوكم إلى الكفر كفارًا، وقوله: ﴿حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾، ﴿حَسَدًا﴾ مفعول لأجله عامله قوله: ﴿وَدَّ﴾، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ﴾ أي: ودوا حسدًا، أي: من أجل الحسد؛ لأن ما أنتم عليه نعمة عظيمة، وهؤلاء الكفار أعداء، والعدو يحسد عدوه على ما أصابه من نعمة الله، وقوله: ﴿حَسَدًا﴾، ما معنى الحسد؟ الحسد هو تمني زوال نعمة الغير، سواء تمنى أن تكون له أو لغيره أو لا لأحد، المهم الإنسان اللي يتمنى أن تزول نعمة غيره، يعني نعمة الله على غيره، هذا هو الحاسد، والواجب على المرء إذا رأى أن الله أنعم على غيره نعمة أن يسأل الله من فضله الذي أعطاه يعطيه، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء ٣٢]، خل نعمة الله على أخيك له، ولكن الذي أعطاه قادر على أن يعطيك وأكثر، ولا تحسد؛ لأنك مهما حسدت فلن ترد نعمة الله على غيرك، مهما حسدت ما يمكن تردها، الحاسد في الحقيقة ما يزداد بحسده إلا نارًا تتلظى في جوفه، وكلما ازدادت نعمة الله على عباده ازداد حسرة، فهو في الحقيقة مع أنه كاره لنعمة الله على هذا الغير هو مضاد لله في حكمه وقدره؛ لأنه يكره أن ينعم الله على هذا الشخص والله تعالى قد أنعم وقدر عليه النعمة، فيكون مضادًّا لله في حكمه، ثم إن الحاسد الحسود أو الحاسد مهما أعطاه الله من نعمة ما يرى لله فضلًا فيها؛ لأنه يرى أن غيره أفضل منه، يعني حتى لو فرضنا إنه تميز بأموال كثيرة، وجاء إنسان تاجر وربح، كسب مكسب في سلعة معينة، مكسبًا كبير في سلعة معينة، تجد هذا الحاسد يحسده على هذا المكسب، بينما إن عنده هو ملايين عظيمة، وكذلك أيضًا بالنسبة للعلم، بعض الحاسدين مثلًا إذا برز أحد في مسألة من مسائل العلم تجد لو أن هذا الرجل أعلم منه وأنفع للناس منه مثلًا تجده يحسده على هذه المسألة التي برز بها أو صارت حديث الناس من أجل أنه كتب فيها مثلًا أو ما أشبه ذلك أو قالها، هذا أيضًا معناه أنه ما رأى نعمة الله عليه بهذا الذي أعطاه، فالحسد يا إخواننا أمره عظيم، وعاقبته وخيمة، والناس في خير والحسود في شر، الناس مطمئنون مستريحون، لكن هذا الحسود - والعياذ بالله - يتتبع النعم، نعم الله على العباد، وكلما رأى نعمة صارت جمرة في قلبه، فلهذا يجب أن الإنسان يقول: هذا من فضل الله على هذا الرجل، أسأل الله أن يعطيني مثل ما أعطاه، فيسأل الله من فضله، والله أرشدنا إلى هذا، ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء ٣٢]، ولو لم يكن من خُلُق الحسد إلا أنه من صفات اليهود لكان كافيًا في التنفير منه، هم الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله، فالحاصل إن هؤلاء اليهود والنصارى يودون أن يردوا المؤمنين بعد إيمانهم كفارًا، واعلم أن من أحب شيئًا سعى في تحصيله، سعى في تحصيله، ولّا لا؟ إذن هؤلاء اليهود والنصارى يسعون بكل ما يستطيعون من قوة مادية أو أخلاقية أو غيرهما، وأيش يبغوا؟ ليردوا المسلمين بعد الإيمان كفارًا، شوف، ولم يقل الله: يردوكم يهودًا أو نصارى، ﴿كُفَّارًا﴾؛ لأنهم النصارى الآن واليهود يعرفون أن المسلم بعيد أن يتهود أو يتنصر، لكن يقولون زعماؤهم يقول: فيكم أن تردوا المسلم عن الإيمان، بس أخرجوه من الإيمان بس، ويروح (...)، أخرجوه من الإيمان فقط أو شككوه في الدين لأجل أن يكون مرحلة ثم بعد ذلك ينكرون - والعياذ بالله - فعلينا أن نحذر؛ لأن الله يقول: ﴿وَدَّ﴾، والود خالص المحبة، والمحب للشيء لا بد أن يسعى إلى أيش؟ إلى تحصيله.

وقوله تعالى: ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾، يعني هذا الحسد الذي أو هذه المودة التي يودونها ليست لله ولا من الله، ولكن من عند أنفسهم، وهو إشارة إلى أن هذا خُبث في أنفسهم، خبث، أنفسهم خبيثة ما تريد الحق، ولا تريد الخير لهذه الأمة، بل إنهم يريدون أن ترتد الأمة حسدًا من عند أنفسهم.

وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ﴾، أي: ظهر، ﴿لَهُمُ﴾، لمن؟ لهؤلاء الكثيرين، هم بعد ما تبين لهم الحق وعرفوا أنكم على حق أحبوا أن ترتدوا كفارًا، لو كانوا جاهلين أنكم على حق قالوا: ما ودنا أن يكونوا على دين مشكوك فيه، لكان لهم بعض العذر، لكن هم قد تبين لهم الحق، وعلموا أن الرسول عليه الصلاة والسلام حق، وأن دينه حق، وأن المؤمنين على حق، ومع ذلك يودون هذه المودة ويسعون في كل سبيل إلى أن يصلوا إلى غايتهم ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾، والحق ذكرنا فيما سبق أنه الشيء الثابت، وأنه إن وُصف به الحكم فالمراد به العدل، وإن وُصف به الخبر فالمراد به الصدق، فالحق الصدق في الأخبار، والعدل في الأحكام، ودين الإسلام على هذا، وما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام على هذا، فإن أخباره صدق وأحكامه عدل.

قال الله تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، ﴿فَاعْفُوا﴾ الخطاب للمؤمنين عامة، ويدخل فيهم الرسول ﷺ، والعفو بمعنى ترْك المؤاخذة على الذنب، ترك المؤاخذة عليه، كأنه من عفا الأثر إذا زال؛ لتقادمه.

وقوله: ﴿وَاصْفَحُوا﴾ قيل إنه من باب عطف المترادفين، كقول الشاعر:

....................... ∗∗∗ وَأَلْفَى قَوْلَها كَذِبًا وَمَيْنَا

الْمَين والكذب معناهما واحد، فقال بعضهم: إن ﴿اعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾ معناهما واحد، ولكن الصواب أن بينهما فرقًا، فالعفو ترك المؤاخذة على الذنب، والصفح الإعراض عنه، مأخوذ من صفحة العنق، وهو أن الإنسان يلتفت ولا كأن شيئًا صار، يوليه صفحة عنقه، فالصفح معناه الإعراض عن هذا بالكلية، وكأنه لم يكن، فعلى هذا يكون بينهما فرقًا، العفو لا تؤاخذه بذنبه، ولكن لا حرج إن بقي في نفسك شيء أو تذكُّر له، والصفح معناه تعرض عن هذا إطلاقًا ولا كأن شيئًا جرى، وعلى هذا فالصفح أكمل ولّا لا؟ الصفح أكمل، أكمل إذا اقترن بالعفو وهو أكمل، وإن تعفوا ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾، إلى متى؟ ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾، وهذه إشارة بشرى للمؤمنين، إن المسألة لها منتهى، أنتم الآن اعفوا واصفحوا، ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ (يأتي) منصوبة بأيش؟ بـ(أن) مضمرة بعد (حتى) أو بـ(حتى) نفسها على خلاف بين الكوفيين والبصريين.

وقوله: ﴿يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾، اعلم أن الإتيان المضاف إلى الله سبحانه وتعالى نوعان: أحدهما مطلق، والثاني مقيد، فأما المطلق مثل قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام ١٥٨]، فإذا كان مطلقًا هكذا فإن المراد به إتيان الله حقيقة، إتيانه تعالى بنفسه حقيقة، فإن الله تعالى يأتي على الوجه الذي يليق بجلاله، قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر ٢٢]، فهذا الإتيان عند أهل السنة والجماعة وهم السلف خاصة، وليس أهل السنة والجماعة على مذهبين كما قاله بعض الواهمين إن أهل السنة والجماعة لهم مذهبان؛ مذهب التفويض - كما يقول- ومذهب التأويل، هذا كذب، وليس التأويل بشيء بالنسبة للسنة والجماعة، فإن التأويل تحريف في الحقيقة، تحريف للكلم عن مواضعه، أهل التأويل والأصح أن نقول: أهل التحريف، كما سماهم شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية يقولون: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر ٢٢] مثلًا، جاء أمر ربك؛ لأن الله ما يمكن يأتي، هو نفسه لا يمكن أن يأتي، وإنما الذي يجيء أمره، وهذا لا شك أنه كذب على الله، فإن الله تعالى خاطبنا بلسان عربي مبين، واللسان العربي يقتضي أنه إذا قيل: جاء فلان، فالمعنى جاء هو بنفسه، هذا مقتضى اللسان العربي، فإذا قالوا: جاء أمر ربك، قلنا: كذبتم على الله، كذبتم من وجهين في الواقع: من جهة أنكم قلتم: ما أراد كذا، وهذا قول على الله بلا علم، من الذي قال لكم إنه ما أراد هذا؟ بأي كتاب أو بأية سنة؟ وكذبتم كذبًا آخر حين قلتم: المراد جاء أمره، إذا صرفتموها عن ظاهرها وأنه ما جاء هو من الذي يقول: جاء أمره؟ قد يكون جاء ملك من ملائكته، نعم، ما هو أمره، فحينئذ يكونون كل مؤول محرِّف فقد قال على الله بلا علم من وجهين: (...) الله بأمره، فالمراد يأتي ذلك الأمر، المراد يأتي ذلك الأمر، والدليل على هذا أن إتيان أمر الله هنا الذي جعله الله غاية هو الأمر بالقتال، ويصح أن أقول: جاء الله بأمره، حيث أمر بالقتال، طيب إذا جاءت المسألة مطلقة من وجه، مقيدة من وجه، مثل: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة ٢١٠]، ﴿فِي ظُلَلٍ﴾ فهنا نقول: هي كالمطلقة؛ لأن (في) هنا بمعنى (مع)، يعني يأتيهم الله مع ظلل من الغمام، ويمكن أن نجعلها على ظاهرها، لكنها إذا جعلناها على ظاهرها صار فيها معنى لا يصح، وهو إحاطة الغمام بالله، والله سبحانه وتعالى لا يحيط به شيء من مخلوقاته، فالمهم أن هذا الإتيان يأتيهم الله في ظلل، مثل: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر ٢٢] المراد: يأتي الله بنفسه في ظلل من الغمام، يعني أن الظلل تتقدم مجيء الله، ثم يجيء الله سبحانه وتعالى على الوجه الذي أراد.

قوله: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾، ما المراد بالأمر هنا؟ المراد به الأمر بالقتال، مثل قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة ٢٩]، قاتلوهم ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، هذا من أمر الله سبحانه وتعالى الذي أتى به، فالرسول عليه الصلاة والسلام امتثل وعفا وصفح، ويحتمل أن يكون المراد بالأمر هنا الأمر الكوني، الأمر الكوني، يعني حتى يأتي الله بالسبب الذي من أجله تقاتلونهم، وذلك في مثل نقض العهد من بني النضير وبني قينقاع وبني قريظة، فإن الرسول ﷺ أول ما قدم المدينة ماذا صنع مع هؤلاء اليهود؟ عاهدهم، ثم نقضوا العهد قبيلةً قبيلة، حتى حصل ولله الحمد النصر عليهم، فقد يكون المراد بالأمر هنا ليس الأمر الشرعي، بل الأمر الكوني القدري الذي به تستحلون قتالهم، طيب، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يعني: أن من تمام قدرته سبحانه وتعالى أنه سينصركم عليهم حتى مع العفو والصفح، فإن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يغير الأمور، وتكون الدولة لكم، وقد كان الأمر كذلك ولله الحمد، فإن الدولة كانت للمسلمين على كل أعدائهم، على اليهود، وعلى من؟ وعلى النصارى، وعلى المشركين، وعلى المجوس، كل ولله الحمد المخالفين للإسلام كانت الدولة للإسلام، لكن بعد أن تقهقرت الأمة الإسلامية وتغيرت أحوالها وانتكست حصل البلاء، ودالت الدولة للأعداء، وإذا كان الرسول ﷺ في غزوة أحد حصل مخالفة واحدة، مخالفة واحدة بعد أن رأوا النصر، بعد أن رأوا ما يحبون، والنتيجة ما هي؟ الهزيمة، ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ﴾ [آل عمران ١٥٢] متى؟ ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران ١٥٢]، يعني حصل خلاف ما تحبون، وهي معصية واحدة، وبعد وجود النصر أو بشائر النصر حصلت الهزيمة، كيف هذا في أمة يمكن معاصيها كثيرة جدًّا، والآن نحاول أن ننتصر وبدون أسباب النصر، لا يمكن الانتصار، ما يمكن إلا إذا رجعنا إلى الدين حقيقة، وفي الحقيقة أننا نحمد الله سبحانه وتعالى أنه يوجد الآن في الشباب يقظة، أقول: يقظة، خير من أن أقول: صحوة؛ لأن الصحوة من السَّكَر، واليقظة من النوم، اليقظة من النوم، وإن كان من الهوى والمعاصي نوع من السَّكَر، فالمهم أنه يوجد الآن في الشباب يقظة وانتعاش، لكن تحتاج إلى مثابرة ومصابرة، النبي عليه الصلاة والسلام بقي في مكة كم من سنة؟ ثلاثة عشر سنة وهو يؤيد بالآيات وبالأصحاب المخلصين، وآخر الأمر أنه خرج من مكة، خرج من مكة خائفًا عليه الصلاة والسلام، حتى أعزه الله، كونك أيها الشاب تبغي الانتصار على هذه الأمة وهذا الضلال العارم وهذه الفتن الحالكة تبغي تنتصر عليهم بين عشية وضحاها؟ هذا شيء مستحيل، الدرب طويل؛ لأنك أنت تبني مثلًا لبنة لكن فيه معاول تهدم قصرًا كاملًا، ولا بد من التأني والصبر والمصابرة وعدم الملل، وأنت ما دمت في طريق صحيح فإن أجرك على الله، سواء أدركته ولّا ما أدركته، ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء ١٠٠]، فأنا أريد منكم الحزم والصبر والمصابرة، وأن لا تظنوا إن الأمر سهل وأننا بين عشية وضحاها سنقلب هذه الشعوب المنجرفة المنحرفة هذا الشيء، غير ممكن، لكن بالصبر والمصابرة، ولأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم، وكذلك أيضًا نعامل الناس باللين والرفق، وكلٌّ بحسبه، ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ [النحل ١٢٥]، هذا أحسن، وأنا أقول لكم مثلًا: إننا رأينا تأثير جماعة التبليغ، جماعة التبليغ وإن كان عندهم انحراف في بعض الأمور لكننا رأينا لهم تأثيرًا كبيرًا في المسلمين وفي غير المسلمين؛ لأنهم كانوا يدعون الناس باللطف واللين، باللطف واللين الكامل، ورأينا مثلًا من بعض الناس أو من كثير من الناس نفورًا ممن يريدون من الناس أن يأخذوهم بالعسف والقوة، من الآن يلّا تركبوا السُّنة من الآن، انتظر، أولًا عالج الجرح حتى يندمل، ثم اسع في إزالة أثره، التجميل بعد إزالة العيب، فعلى كل حال شوف تأديب الله للرسول ﷺ وأصحابه، ﴿اعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾، إحنا قلنا الأمر هنا، الأمر أيش؟ يجوز أن يكون الشرعي أو القدري، بالنسبة لنا الأمر الشرعي انتهى، نعفو ونصفح حتى يأتي الله بأمره، الأمر القدري، الأمر القدري ولّا الأمر الشرعي؟ معروف الآن منتهي.

وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قلت لكم: إن فائدتها أن لا ييأس المسلمون من تغير الأحوال؛ فإن الله تعالى على كل شيء قدير وتتغير الأحوال وأنت لا (...).

ثم قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة ١١٠] هذا أيضًا من أسباب النصر والعون، كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة ٤٥]، ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ يعني: قولوا: قد قامت الصلاة.

* الطلبة: لا.

* الشيخ: لا؟ وأيش معناها؟

* الطلبة: أدوا الصلاة.

* الشيخ: أدوا الصلاة على وجه الكمال؛ لأن إقامة الشيء جعله قيمًا معتدلًا مستقيمًا، فمعنى ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ يعني ائتوا بها كاملة بشروطها وأركانها وواجباتها ومكملاتها، وقوله: ﴿الصَّلَاةَ﴾ عام يشمل الفريضة والنافلة، ومن إقامة الفرائض كثرة النوافل؛ لأنه جاء في الحديث أن النوافل تكمل بها الفرائض يوم القيامة، ما من إنسان إلا وفي فريضته نقص، لكن هذه النوافل تكملها وترقّعها.

وقوله: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ أي: أعطوها، ﴿آتُوا﴾ بمعنى أعطوا، وهنا حُذف المفعول الثاني؛ لأن الزكاة مفعول أول، والمفعول الثاني محذوف، يعني مستحقيها، آتوا الزكاة لمستحقيها، ومستحقوها قد بيّنهم الله في سورة (براءة): ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ إلى آخره [التوبة: ٦٠].

وقوله: ﴿آتوا الزكاة﴾ يعني الزكاة في اللغة النماء والزيادة، ومنه قولهم: زكا الزرع إذا نما وزاد، في الشرع عبارة عن دفع مال مخصوص لطائفة مخصوصة تعبّدًا لله عز وجل، هذه الزكاة، وسميت زكاة؛ لأنها تزكي الإنسان، تزكيه، قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة ١٠٣]، فهي تزكي الإنسان في أخلاقه وعقيدته؛ لأنها تخرجه من حظيرة البخلاء إلى حظيرة الأجواد والكرماء، فهي تزكية للإنسان وتطهير له من الرذائل، وقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ بعد أن أمر بالصبر والعفو والصفح يدل على أنه ينبغي للإنسان أن يتشاغل بمهمات دينه عن غيره مع الدعوة إلى الله، لكنه لكل مقام مقال، إنما كون الإنسان يعرض عن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وراء قوم قد لا ينتفعون بالدعوة، فهذا ما ينبغي، ولهذا جاء في الحديث: «إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوىً مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وِإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ وَدَعْ عَنْكَ أَمْرَ الْعَوَامِّ»[[أخرجه أبو داود برقم (٤٣٤١)، والترمذي برقم (٣٠٥٨)، وابن ماجه برقم (٤٠١٤) من حديث أبي ثعلبة الخشني.]].

* طالب: (...).

* الشيخ: نعم؟ لا بأس به، فهذا ينبغي أن الإنسان ما يتشاغل عما يعود لنفسه بالخير من أجل نفع غيره، ويرتب المصالح والعبادات؛ لأنها مرتبة.

وقوله: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، (ما) هذه شرطية وليست موصولة، والدليل على ذلك أنها جزمت الفعل والجواب، الشرط والجواب، ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا﴾ أصلها (تقدمونه)، و﴿تَجِدُوهُ﴾ أصلها (تجدونه)، وقوله: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ قدِّموا لأنفسكم (...)؛ لأن التقديم للنفس يكون بحسب اتباع الشرع.

إذن نأخذ الفوائد الآن، قال الله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ إلى آخره.

من فوائد هذه الآية: بيان شدة عداوة اليهود والنصارى للأمة الإسلامية.

ثانيًا: أن من اليهود والنصارى من ليس شديد العداوة لهم؛ لقوله: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ﴾، مفهومه أن بعضهم لا يود هذا.

ومن فوائد الآية أيضًا: أن الكفر بعد الإسلام يسمى ردة؛ لقوله: ﴿لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾، ولهذا المرتد اللي يكفر بعد الإسلام ما يسمى كافر فقط، يسمى مرتد؛ لأنه رجع عن دين خير مما رجع إليه.

* طالب: (....).

* الشيخ: أيهم؟

* الطالب: (...)؟

* الشيخ: إي نعم، لا نقول بعضهم، وها البعض هذا قد يكون مؤمن وقد لا يؤمن.

ومن فوائد الآية أيضًا: أن الحسد من صفات اليهود والنصارى.

ومن فوائدها أيضًا: علم اليهود والنصارى بأن الإسلام منقبة عظيمة لمتبعه، من أين يؤخذ؟

* طالب: (...).

* الشيخ: لا.

* طالب: من الحسد.

* الشيخ: من الحسد؛ لأن الإنسان ما يحسد إلا على شيء يكون خيرًا ومنقبة.

ومن فوائدها أيضًا: وجوب الحذر من اليهود والنصارى ما داموا كثير منهم يودون لنا هذا فإنه يجب علينا أن نحذر منهم.

ومن فوائد الآية أيضًا: بيان خبث طوية هؤلاء الذين يودون لنا الكفر، بيان خبث طويتهم؛ لأنه قال: ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ ليس من كتاب، وليس من إساءة من المسلمين إليهم، ولكنه من عند أنفسهم، أنفس خبيثة تود الكفر للمسلمين حسدًا.

ومن فوائد الآية أيضًا: أن هؤلاء الذين يودون الكفر للمسلمين قد تبيّن لهم الحق، فيستفاد منه فائدة متفرعة وهو: شهادة غير المسلمين للمسلمين على أنهم على حق؛ لأنه قد تبين لهم.

* ومن فوائد الآية: مراعاة الأحوال وتطور الشريعة، حيث قال: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ يعني: وإن كانوا يودون هذا الأمر، ومَن ود شيئا سعى فيه، فإننا نعفو ونصفح حتى يأتي الله بالأمر.

* طالب: الأمر الشرعي؟

* الشيخ: سواء الشرعي ولّا غير الشرعي، حتى الأمر بالعفو والصفح حتى يأتي الله بأمره داخل فيما ذكرت، وهي مراعاة الأحوال وتطور الشريعة.

ومنها أيضًا، من فوائد الآية الكريمة: إثبات حكمة الله عز وجل؛ لأن الأمر بالعفو والصفح حتى يأتي أمر الله هذا من الحكمة؛ إذ إن القتال قبل وجود أسبابه وتوفر أسبابه من القوة المادية والبشرية هذا ينافي الحكمة.

ومنها، من فوائد الآية: ثبوت صفة القدرة لله؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وأنها عامة شاملة.

ومنها: الرد على المعتزلة القدرية؛ لأنهم يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله، وإذا كان مستقلًّا بعمله لزم من ذلك أن الله ما يقدر على تغييره؛ لأنه إن قدر على تغييره صار الإنسان مستقلًّا ولّا غير مستقل؟ صار غير مستقل.

* طالب: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (...).

* الشيخ: المشيئة القدرية.

* الطالب: (...).

* الشيخ: لأن الله على كل شيء قدير.

* طالب: رد على الأشاعرة؟

* الشيخ: (...) الأشاعرة، القدرية إي نعم، في أنهم يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله، وإنه ما يقدر إن الله سبحانه وتعالى يصرفه عنه، فهو مستقل، ما لله علاقة به إطلاقًا، في حين يقول: إذا كان الله قادرًا على كل شيء فمن الشيء صرف الإنسان عما يريد إلى ما يقدر الله عليه.

ثم قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، ﴿مَا﴾ شرطية، و﴿تُقَدِّمُوا﴾ فعل الشرط، و﴿تَجِدُوهُ﴾ جواب الشرط، وقوله: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾، يعني: أن الإنسان إذا قدم خيرًا فإنما يقدمه لنفسه، ولهذا ليس له من ماله إلا ما أنفق، فما أخّره فهو لوارثه، فلما قال: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، قال: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ﴾، فأنت إذا قدمت شيئًا من مالك من زكاة أو صدقة مستحبة أو نفقة واجبة فإنك قدمته لنفسك، وما أخّرته أخرته لمن؟ للوارث، لوارثك، وفي قوله: ﴿لِأَنْفُسِكُمْ﴾ ترغيب وإغراء للتقديم؛ لأنك تقدم لنفسك وما بقي فلوارثك، وقوله: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾، هذه نكرة في سياق الشرط فتفيد العموم، أيّ خير قدمت لإنسان كثيرًا كان أو قليلًا فإنك ستجده، قال رسول الله ﷺ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ»[[متفق عليه، البخاري برقم (١٤١٧)، ومسلم برقم (١٠١٦ / ٦٨) من حديث عدي بن حاتم.]]، شق تمرة يعني نصفها، يمكن نصف تمرة تقي الإنسان من النار، وهذا خير عظيم، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، مأخوذ من الوجود، يعني أنكم تلقونه عند الله تعالى، متى؟ يوم القيامة، يوم القيامة مدَّخرًا لكم، والحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة ٢٦١]، (...) فيه أيضًا وراء ذلك.

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ هذه جملة مؤكدة بـ(إنّ)، مع أن الخطاب ابتدائي؛ إذ إنه لم يوجَّه إلى متردد ولا منكر، والخطاب إذا لم يوجَّه لمنكر ولا متردد فإنه يسمى ابتدائيًّا، والابتدائي ليس يؤكد، ما حاجة تؤكده، لكن ذكرنا عدة مرات أن الخطاب الابتدائي قد يؤكَّد لا باعتبار حال المخاطب، ولكن باعتبار أهمية مدلوله، فهنا له أهمية عظيمة أن الله يخبرنا سبحانه وتعالى أنه بكل ما نعمل بصير، وقوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، (ما) اسم موصول يفيد العموم، بما نعمل قلبيًّا وبدنيًّا، قوليًّا وفعليًّا؛ لأن القلوب لها أعمال، مثل المحبة والخوف والرجاء والرغبة، وما أشبه ذلك، كل ما نعمل قلبيًّا وبدنيًّا، فعليًّا وقوليًّا، فإن الله تعالى بصير به، وقوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، متعلقة بأيش؟ بـ ﴿بَصِيرٌ﴾، فلماذا قُدِّمت عليها؟ لغرضين؛ الغرض الأول: قد يكون مراعاة الفواصل؛ لأن ما قبلها فاصلة بالراء، ﴿قَدِيرٌ﴾، وبعدها ﴿بَصِيرٌ﴾، وقد يكون أن التقديم من أجل الحصر، والحصر هنا وإن كان يقلل من العموم، لكنه يفيد الترهيب، الترهيب والترغيب أيضًا كلها، أرجو الانتباه؛ لأنه إذا قيل: أيما أولى؛ أن نقول: إن الله بصير بكل شيء مما نعمل ومما لا نعلم، أو أنه بصير بما نعمل فقط؟ أيهم أعظم؟ الأول أعظم، فلماذا قُدِّم المعمول، ونحن نقول: إن المعمول تقديمه يفيد الحصر؟ قلنا: فائدة الحصر هنا عظيمة، وهي تحذير الإنسان أو ترغيبه كأنه يقول: لو لم يكن الله بصيرًا إلا بأعمالكم فإنه يكون بصيرًا، مثل ما يقول الإنسان الذي يهدد ابنه: اذهب فأنا أعلم ما تقول، والأب عنده علم بما يقول وبما لا يقول، لكنه يقوله له على سبيل التهديد، وقد يكون على سبيل الترغيب، فهنا نقول: فائدة الحصر مع أنه يقلل من العموم، هو أيش؟ الترغيب أو الترهيب، حتى نرغب، كأن الله تعالى لو لم يكن بصيرًا لكان بصيرًا بأعمالنا ولا بد.

وقوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، هل هو من البصر اللي هو رؤية العين، أو من الإبصار اللي هو العلم؟ الثاني؛ لأننا ذكرنا أن قوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ يشمل العمل القلبي والبدني، والعمل القلبي لا تتعلق به الرؤية، فيكون المراد بالبصير هنا أيش؟ البصير يعني: العليم، و﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.

﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾، ﴿قَالُوا﴾ من؟ اليهود والنصارى، ﴿قَالُوا﴾ أي اليهود والنصارى، ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا﴾، وهذا قول اليهود، ﴿أَوْ نَصَارَى﴾، وهذا قول النصارى، فاليهود قالوا: ما أحد يدخل الجنة إلا نحن، والنصارى قالوا: ما أحد يدخل الجنة إلا نحن، ما يدخل الجنة إلا يهودي، يقوله اليهود، ما يدخل الجنة إلا نصراني، يقوله النصارى، وهود جمع هائد كعوذ جمع عائذ، العوذ المطافيل، فهود أي: هائد، وهائد بمعنى راجع؛ لقوله: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف ١٥٦]، أي: رجعنا، وقيل: إن الهود جمع يهود، أي: يهوذا، اسم جدهم الأول اللي ينتمون إليه، اسمه يهوذا بالذال، ولكنه لما عُرِّب صار يهود، والله أعلم، على كل حال هم هؤلاء القبيلة من بني إسرائيل الذين يزعمون أنهم متبعون لمن؟ لموسى، أما النصارى فقيل: إنه مأخوذ من النُّصرة، وقيل: إنه مأخوذ من نسبة إلى بلدة تسمى الناصرة، وأيًّا كان فالمراد بهم من ينتسبون إلى عيسى.

﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا﴾، وعلى هذا على رأي اليهود يكون النصارى ما يدخلون الجنة، والمسلمون ما يدخلون الجنة، وقد سبق أنهم قالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة ٨٠]، ثم تخلفوننا فيها، النصارى أيضًا على رأيهم ما يدخل اليهود الجنة، وهذا صحيح؟ صحيح بعد ما أن بُعِث عيسى من كفر به فإنه لا يدخل الجنة، ولن يدخل المسلمون الجنة، هذا غير صحيح، بل نقول: إنكم أنتم أيها النصارى، وكذلك اليهود، بعد بعثة الرسول ﷺ لما كفرتم به كنتم من أهل النار، كما قال رسول ﷺ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ لَا يُؤْمِنُ بِمَا جِئْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ»[[أخرجه مسلم برقم (١٥٣ / ٢٤٠) من حديث أبي هريرة.]]. فالحاصل أن هذا القول كذب، من الطرفين؟ من الطرفين، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾، ﴿تِلْكَ﴾ أي تلك المقالة، ﴿أَمَانِيُّهُمْ﴾، (أماني) جمع أمنية، وهي ما يتمناه الإنسان بدون سبب يصل به إليه، هذه الأمنية إنك تتمنى شيء لكن بدون أن تأتي بالسبب الذي يوصل إليه، واحد قال: أنا أتمنى أن الله يجيب لي ولد، قلنا له: تزوج. قال: لا ما أنا متزوج، وأيش يكون هذا التمني؟ أمنية ولَّا لا؟ نعم (...)، ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَواهَا، وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الْأَمَانِيَّ»[[أخرجه الترمذي برقم (٢٤٥٩)، وابن ماجه برقم (٤٢٦٠) من حديث شداد بن أوس.]]، فهؤلاء يتمنون، يقول: نحن مؤمنون، فالجنة لنا، نقول: هذا أمنية كاذبة، اعملوا للجنة تكونوا من أهل الجنة، أما مجرد أماني كاذبة فهذه (...) شيئًا، ولهذا قال: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾، ثم قضى بالعدل، ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، شوف العدل، يعني: نحن ما نرد كلامكم إلا إذا لم تقيموا عليه الدليل، فإن أقمتم عليه الدليل فهو على العين والرأس، ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾، ﴿قُلْ﴾ يعني: يا محمد، ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، و﴿هَاتُوا﴾ اسم فعل، ولَّا فعل أمر؟

* الطلبة: (...).

* الشيخ: إي، لكن القاعدة أنه يكون فعل أمر؛ لأنه ما دل على الطلب ولحقته العلامة فهو فعل أمر، فهنا يقال: هاتوا، ويقال: هاتي للمرأة، ويقال: هاتيا للاثنين، فإذن هو فعل أمر.

* طالب: العلامة؟

* الشيخ: العلامة أنه إذا قبل اتصال الفاعل به فهو فعل أمر.

* طالب: (...)؟

* الشيخ: نقول هذا مبني على الكسر.

* الطالب: (...).

* الشيخ: قلنا فعل الأمر إي نعم، هو مبني على كل حال مهما جاء، وعلى ما سُمي.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском