Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:109–114, continued
* الشيخ: لا نحن قلنا: إنه سعى في خرابها الخراب المعنوي والحسي، إذا لم تقم فيه الجماعة فهو خراب معنوي، لكن قد يقال: من ترك الجماعة، نعم، إن أجمعوا فهذا قد يدخل في هذا الشيء؛ لأنهم عطلوها، أما إذا كان واحد فإنه إذا تخلف واحد جاء غيره، ما يلزم من تخلفه أن يعطل المسجد.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) فالأعمال بالنيات.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: امدح وتكلم بالتوحيد؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: امدح الرسول ﷺ بما يستحق عليه الصلاة والسلام لا تغلو فيه، أقول: امدح الرسول وتكلم في التوحيد.
* طالب: ما يتكلم بالتوحيد (...).
* الشيخ: المديح البدعي، هذا ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، ولكن ينبغي إنكم تتفاهمون معهم مثلا تجلس، ولا تعاند فيحصل فوضى، وبعدين تفاهم معهم بالتي هي أحسن.
* طالب: المساجد عندنا يجيء جماعة يوم الأربعاء، يجيبوا عبي بيضاء وطواقي ويمسكوا الناس بالقوة يخلوهم علشان يذكروا ويتمايلوا وذكر؟
* الشيخ: هذا من السعي في الخراب؛ لأن إقامة البدع في المساجد خراب لها.
* الطالب: بالمرة برضة قلنا لهم: يا جماعة ما تمسكوا، اللي عايز يقعد معاكم (...) يقعد، ما تمسكوا الناس بالعافية.
* الشيخ: أعوذ بالله.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: معنى هذا إن بني النضير لما حصل المصالحة معهم، وعرفوا أنهم ماشيين يخلون بيوتهم بدؤوا يخربونها، يكسرون البيبان ويخربون الأشياء اللي فيها لأجل إذا أخذها المسلمون وإذا هي خربانة.
* طالب: وأيدي المؤمنين.
* الشيخ: وأيدي المؤمنين بالنسبة لهم هم خراب، يعني هم الآن خربوها عليهم حيث احتلوها.
* طالب: (...)
* الشيخ: منع تنصب مفعولين.
* طالب: (...)
* الشيخ: مساجد هو المفعول الأول.
* طالب: عطف.
* الشيخ: عطف أيش؟ ما فيها واو.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، قلنا لكم: إن فيها وجهان: أحدها أن تكون منصوبة بنزع الخافض بتقدير من يعني: من أظلم ممن منع مساجد الله من أن يذكر، منعها من أن يذكر فيها اسمه، أو أنها بدل اشتمال من قوله: ﴿مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾؛ لأن المعنى: ومن أظلم ممن منع أن يذكر الله في المساجد.
قوله: ﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾ ما معناها؟ ﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾ ويش معناها؟
* طالب: المنافقين ما كان لهم أن يدخلوا هذه المساجد؛ لأن قلوبهم ليست صادقة مع الله (...).
* الشيخ: وغيره من يفهم؟
* طالب: المعنى أن هؤلاء الذين يمنعون الناس ما يحق لهم دخول المساجد إلا وهم خائفون.
* الشيخ: إي نعم، صح، يعني معناه كان الذي ينبغي أن لا يدخلها هؤلاء إلا خائفون؛ لأنهم كافرون بالله عز وجل فليس لهم حق أن يدخلوا المساجد إلا خائفين، فكيف يمنعون عباد الله؟ أو أن المعنى وجه آخر أن هذا خبر بمعنى النهي، يعني: لا تدعوهم يدخلونها إذا ظهرتم عليهم إلا خائفين، أو أنها بشارة من الله عز وجل، بأن هؤلاء الذين منعوا المساجد، ومنهم المشركون الذين منعوا النبي ﷺ المسجد الحرام بأنه ستكون الدولة عليهم، ولا يدخلونها إلا وهي ترتجف قلوبهم فالاحتمالات ثلاثة الآن.
يستفاد من هذه الآية الكريمة الآن فوائد:
إما أنها للنهي يعني لا تدعوهم يدخلونها إلا خائفين، أو أنها لبيان حال هؤلاء، وأنه ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا المساجد فضلًا أن يمنعوا عباد الله، أو أنها بشرى من الله أن المسلمين سينتصرون عليهم وتكون لهم الغلبة بحيث لا يدخل هؤلاء المساجد إلا في حال خوف.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، تدخل في هذا، تشير (...) المعنى الكامل لها، تشير إلى ذلك.
من فوائد الآيات الآن ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة 111]
يستفاد من هذه الآية الكريمة: بيان ما كان عليه اليهود والنصارى من الإعجاب.
ويستفاد منها أيضًا: أن ما ادعوه كذب؛ لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾.
* ومن فوائد الآية: أن من اغتر بالأماني، وطمع في المنازل العالية بدون عمل لها، ففيه شبه من اليهود والنصارى أيضًا.
ومنها: عدل الله عز وجل في مخاطبة عباده؛ حيث قال: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾؛ لأن هذا من باب أيش؟ مراعاة الخصم، من باب مراعاة الخصم، وأنه إن كان لكم بينة فهاتوها، وهذا لا شك أنه من أبلغ ما يكون من العدل، وإلا فالحكم لله العلي الكبير.
ومنها: أن هؤلاء لا برهان لهم على ما ادعوه بدليل أنهم لم يأتوا به.
ومنها أيضًا: أنهم كاذبون؛ لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، ولو كان لهم أدنى حيلة فيما يبرر قولهم ويصدقه لأتَوا به إذن فهم كاذبون.
ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة 112]
يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن أهل الجنة هم الذين جمعوا بين وصفين، الإخلاص لله؛ لقوله: ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾؟، والثاني: اتباع شرعه؛ لقوله: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾.
* ومن فوائد الآية: أن حسن النية وحده لا يكفي في تبرير العبادة، أو في تبرير التعبد لله، حسن النية وحده ما يكفي في تبرير التعبد لله، من أين نأخذه؟ لأنه قال: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾.
يتفرع على هذه الفائدة أن أهل البدع لا ثواب لهم على بدعهم، ولو مع حسن النية، لماذا؟ لعدم الإحسان اللي هو المتابعة، فصاحب البدعة إذا قال: أنا ما أردت إلا خيرًا، قلنا: ولكنك لم تحسن، والأجر مشروط بأمرين: إسلام الوجه لله، والثاني الإحسان.
ومنها: ثبوت الأجر في الآخرة، ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾، وأن العمل لن يضيع.
ومنها: إثبات الجزاء أو هذا يكفي التي قبله؟
إذن منها: أن الجزاء من جنس العمل.
ومنها: عظم هذا التواضع؛ لإضافته إلى الله في قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾.
ومنها: انتفاء الخوف والحزن لمن تعبد لله سبحانه وتعالى بهذين الوصفين وهما؟ الإخلاص والمتابعة،؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ [الأنعام 82]، فمن تعبد لله سبحانه تعالى بهذين الوصفين فإنه لا خوف عليه ولا حزن.
ومنها: حسن عاقبة المؤمنين؛ لانتفاء الخوف عنهم والحزن، غير المؤمنين تملأ قلوبهم رعبًا، وحزنًا أيضًا؟ نعم وحزنًا، قال الله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة 166]، وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة 167]، وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [مريم 39] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على تحسر هؤلاء الذين ما هدوا إلى صراط الحميد.
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ﴾
* طالب: قلنا: المبتدع ليس له أجر، ولكن إذا كان مقلدًا، قلد وهو حسن النية، لكنه ما يدري، يكون له أجر؟
* الشيخ: ما له أجر (...).
* الطالب: بس، يعني عذر بالشق الثاني في شروط العمل، وأتى بالشق الأول..؟
* الشيخ: لكن هذا العمل هذا ما يؤجر عليه لأنه بدعة ولو كان جاهلًا؛ لأنه لو كان عالما ويش يحصل له؟ إثم، يحصل عليه الإثم، فإذا كان جاهلًا قلنا: أنت معذور بالجهل لكن هذا لا ينفعه؛ لأن كل عمل يشترط فيه شرطان: الإخلاص والمتابعة، فإذا لم تكن المتابعة فإنه ما يقبل، وإذا لم يقبل لم ينفعه.
* الطالب: وإذا كان فيه خلاف، ممكن مسح الوجه بعضهم يراه بدعة وبعضهم يراه مندوبًا؟
* الشيخ: إذا كان فيه خلاف على حسب ما يؤديه إليه اجتهاده، إذا كان اجتهاده أداه إلى أن هذا من المشروع هو وغيره فإنه يثاب؛ لأنه يعمل لله وهو يرى أنه متبع، إنما صاحب البدعة قد يثاب صاحب البدعة الجاهل قد يثاب على النية العامة من حسن القصد، النية العامة ما هي بنية هذه البدعة بالذات، يثاب على حسن قصده على سبيل العموم، أما أن يثاب على نيته لهذه العبادة المبتدعة فهذا ما يمكن.
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ إلى آخره [البقرة: 113]
هذا أيضًا فيه دليل على أن الأمم الكافرة يكفِّر بعضها بعضًا، فاليهود يقولون: النصارى ليسوا على شيء، والنصارى يقولون: اليهود ليسوا على شيء، والصواب مع من؟ بعد بعثة الرسول كلهم على خطأ، لكن قبل بعثة الرسول الصواب مع النصارى، فإن اليهود ليسوا على شيء.
* ومن فوائد الآية: تقبيح القول إذا كان عن علم، تقبيح القول المخالف للحق إذا كان عن علم؛ لقوله: ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ فإن هذه الجملة تفيد زيادة القبح فيما قالوه؛ حيث قالوا ذلك وهم يتلون الكتاب ويعرفون الحق.
* ومن فوائد الآية: أن هذا القول الذي قاله اليهود والنصارى قد وُرِث ممن قبلهم، وورثه من بعدهم؛ لقوله: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾.
* ومن فوائد الآية: إثبات يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
ومنها: إثبات الحكم لله، ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾.
ومنها أيضًا من فوائد الآية: أن هؤلاء الذين اختلفوا في الحق والباطل سوف يكون القضاء بينهم يوم القيامة بين يدي الله، فيقول لصاحب الحق: أنت على حق. ولصاحب الباطل: أنت على باطل، أيهما اللي بيخصم؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: لقوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء 141].
ولهذا ما في حكم مبين للخصم أن الحق له دون خصمه إلا في هذا، يعني: القاضي ما يقول مثلًا للخصمين: لن يكون لصاحبك سبيل عليك، ما يقول حتى إنه يتبين كل يدلي بحجته، لكن هنا بين الله أن الكافرين ما لهم سبيل على المؤمنين، لماذا؟ لأن الحجة قائمة وواضحة للجميع.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
في هذا دليل على أن المعاصي تختلف؛ لقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ وأظلم اسم تفضيل، واسم التفضيل يقتضي مفضلًا ومفضلًا عليه، وكما أن المعاصي تختلف فكذلك الطاعات تختلف، بعضها أفضل من بعض، وإذا كانت الأعمال تختلف فالعامل نتيجة لها يختلف، فبعض الناس أقوى إيمانًا من بعض، وبهذا نعرف أن القول الصحيح قول أهل السنة والجماعة في أن الإيمان يزيد وينقص، يتفاوت تفاوتًا عظيمًا، لا في الكسب القلبي، ولا في الكسب البدني، يتفاوت، فإن الناس يتفاوتون في اليقين، ويتفاوتون في الأعمال الظاهرة من قول أو فعل، ولَّا لا؟ تفاوتهم في اليقين أظنه معلوم، حتى الإنسان نفسه تتفاوت أقواله بين حين وآخر، في بعض الأحيان يصفو ذهنه وقلبه حتى كأنما يشاهد الآخرة رأي عين، ولَّا لا؟ وفي بعض الأحيان تستولي عليه الغفلة؛ ولهذا قال الله تعالى لإبراهيم: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة 260]. وتفاوت الناس في المعلوم أمر معلوم، الآن لو جاءني رجل وقال: قدم فلان، والرجل عندي ثقة صار عندي علم به، فإذا جاء آخر وقال: قدم فلان ازداد علمي، فإذا جاء الثالث ازداد علمي، فإذا رأيته أنا ازداد، فالأمور العلمية تتفاوت في إدراك القلوب لها، أيضًا يتفاوت الناس في الأقوال، الذي يسبح الله عشر مرات أكثر من الذي يسبحه خمس مرات أليس كذلك؟ وهذه الزيادة كمية الإيمان، كذلك تتفاوت بالأعمال؛ فالذي يصلي ست ركعات أكثر من الذي يصلي ركعتين، فبهذا يكون القول الراجح بلا ريب مذهب أهل السنة والجماعة في أن الإيمان يزيد وينقص، من خالفهم في هذا؟ خالفهم طائفتان المرجئة والخوارج والمعتزلة، المرجئة قالوا: إن الإيمان ما يزيد ولا ينقص؛ لأن الإيمان إقرار القلب، والناس لا يتفاوتون فيه، وأفسق الناس وأعدل الناس في الإيمان سواء، حتى جعلوا إيمان جبريل مثل إيمان الشيطان - أعوذ بالله - قالوا: لأن كل واحد منهم يقر بالله والإيمان إقرار الإنسان بالله، ولا يتفاوت، وابن القيم يقول:
وَالنَّاسُ فِي الْإِيمَانِ شَيْءٌ وَاحِدٌ ∗∗∗ كَالْمُشْطِ عِنْدَ تَمَاثُلِ الْأَسْنَانِ
ثم قال: فصل
وَاسْأَلْ أَبَا الْجِنِّ اللَّعِينَ أَتَعْرِفُ الْـ ∗∗∗ خَلَّاقَ أَمْ أَصْبَحْتَ ذَا نُكْرَانِ ؎وَاسْأَلْ ثَمُودَ وَعَادَ بَلْ سَلْ قَبْلَـهُمْ ∗∗∗ أَعْدَاءَ نُوحٍ أُمَّةَ الطُّوفَــانِ
وإلى آخر ما قال، فعندهم الناس سواء، رجل يزني ويسرق ويشرب الخمر ويقتل النفس المحرمة، لكنه يؤمن بالله، ورجل مستقيم أبعد الناس عن المعاصي وأقواهم في طاعة الله، فالإيمان في هذا وفي هذا على حد سواء، هذا معقول؟ ما هو معقول، عاكسهم في ذلك الخوارج والمعتزلة، قالوا: الإيمان ما يزيد ولا ينقص، لكن لو فات منه ذرة فات كله، الزاني لو هو يصلي ويصوم ويزكي ويحج ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله كافر ما هو مؤمن، وغلاة المرجئة، أيش يقولون؟ مؤمن كامل الإيمان شوف - أعوذ بالله - بدعًا غريبة، إنما أهل السنة والجماعة يقولون: إن الإيمان يزيد وينقص في الكمية، وفي الكيفية، في إقرار القلب، وفي أقوال اللسان، وفي أعمال الجوارح، والآية التي معنا تدل عليه، أيش وجه الدلالة من الآية؟ أن المعاصي تتفاوت فيلزم من ذلك تفاوت العاملين؛ لأن من عصى معصية أعظم صار أعظم جرمًا وإثمًا.
ومنها من فوائد الآية: تحريم منع المساجد من أن يذكر فيها اسمه، سواء كان ذلك بالصلاة أو قراءة القرآن أو تعليم العلم أو غير ذلك، ما يجوز أن تمنع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه.
ومنها من فوائد الآية: جواز منع المساجد لمصلحة المساجد، مثل أن تُغلَّق خوفًا عليها من الإفساد أو السرقة أو ما أشبه ذلك؛ لأن المحرم ما هو؟ أن يذكر فيها اسمه، هذا المحرم والظلم، واستدل بعض العلماء بهذه الآية على تحريم التحجر، تعرفون التحجر؟ إن الإنسان يخلي حمى مكان له بالصف، قال: لأن هذا منع هذا المكان أن يذكر فيها اسم الله؛ لأن هذا المكان من أحق الناس به أسبق الناس إليه، فأنت الآن حطيت نعالك، نعالك هذه تذكر وتسبح؟
* طالب: بس غير التسبيح اللي..
* الشيخ: غير التسبيح الذي بني له المسجد، وإلا لصار نملأ المسجد نعال ونمشي، لكنها ما تسبح التسبيح الذي بُني من أجله المسجد، الآن منعت هذا المكان من رجل يأتي إليه، ويذكر اسم الله فيه ولَّا لا؟ هذا وجه الاستدلال، ولا شك أن التحجر حرام، إن الإنسان يحط حذاءه ويروح يبيع ويشري، ولَّا يروح مثلا بيته ويستمتع بأولاده وأهله هذا ما يجوز، أما نعم إذا صار الإنسان في نفس المسجد، واحتاج إلى أن يأخذ هذا المكان يبقى فيه، ويروح ينتفع في جهة أخرى في المسجد، فهذا لا شك أنه سابق إلى المسجد، لكن رأى إن هذا المكان الآن غير مناسب له، ولكن حتى في هذه المسألة لو مثلًا صار في الصف الثاني ووصله الناس وصلوا إليه، فالواجب عليه أن يقوم إلى مكانه في الصف الأول؛ لأنه لو يبقى منع هذا المكان من أن يذكر فيها اسم الله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: شرف المساجد؛ وذلك لإضافتها إلى الله ﴿مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾.
ومنها: أنه لا يجوز أن يوضع فيها ما يكون سببًا للشرك؛ لأن مساجد الله معناها موضع السجود له، فإذا وضع فيها ما يكون سببًا للشرك، فقد أخرجناها عن موضوعها مثل أيش؟
* طالب: القبور.
* الشيخ: نعم، أن نقبر فيها الموتى فإن هذا محرم؛ لأن هذا وسيلة إلى الشرك، فنكون قد أخرجنا المساجد عن موضوعها.
ومنها: وجوب تطهير المساجد، من أين نأخذ؟ من إضافتها لله القاضي بتشريفها وتعظيمها، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج 26]
ممكن نقول: ومنها أن الناس فيها سواء؟
* طالب: نعم (...).
* الشيخ: لا، من كونها أضافها الله إلى نفسه، والناس عباد الله بالنسبة إلى الله سواء، ما نقول: هذا إنسان شريف وكريم وغني وأمير ووزير وملك يجب أن يكون هو المقدم في هذه المساجد، الناس فيها سواء؛ لأنها مساجد الله فكل من أتى إلى هذه المساجد لعبادة الله فإنه لا فرق بينه وبين الآخرين.
طيب، هل يؤخذ من هذه الآية الكريمة إنه يجوز للعالم أن يخصص مكانًا للدرس في هذه المساجد؟ إذن يجوز، يجوز أن يتخذ مكانًا يجعله للذكر، لكنه إذا أقيمت الصلاة ما يمنع الناس، يقول: لا تصلوا في مكاني، هو وغيره سواء، لكن إذا اتخذ مكانًا للجلوس وتعليم الناس أو موعظة للناس فإنه له الحق.
ومنها أي من فوائد الآية: أن ذكر الله لا بد أن يكون باسمه، فتقول: لا إله إلا الله، سبحان الله، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، سبحان ربي العظيم، تذكره باسمه؛ لقوله: ﴿أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة 114]، فذكره سبحانه وتعالى بالضمير المفرد هذا بدعة، وليس بذكر مثل طريقة الصوفية يقولون: أفضل الذكر أن تقول: هو هو هو هو هو، لأيش؟ لأنك لا تشاهد إلا الله -والعياذ بالله- يرون أن أكمل حالة للإنسان الفناء، أن يفنى عن مشاهدة سوى الله، بحيث أنه ما يشاهد عندهم إلا الخالق، فلا تقول: لا إله إلا هو، فتثبت اثنين، واحد منفي وواحد مثبت، بل قل: هو هو هو، حسب هزة رؤوسهم، فهذا لا شك إنه من البدع، وليس ذكرًا لله عز وجل بل هو من المنكرات.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم تخريب المساجد؛ لقوله: ﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ والتخريب كما قلنا في التفسير: إنه حسي ومعنوي، فمن الحسي أن يكسر اللمبات ويقشع الجص مثلا، يقطع الأسلاك، يشقق البسط، وما أشبه ذلك.
* طالب:(...)؟
* الشيخ: لا لا، هذا طيب، هذا تعمير وليس تخريب. ومن المعنوي أن يفعل ما يشوش على المصلين والقارئين؛ لأنه إذا شوش عليهم ما أحسنوا ذكر الله، ولا ريب أن الحيلولة بين الناس وبين إحسان ذكر الله تخريب ولَّا لا؟ تخريب وإفساد معنوي، تخريب وإفساد معنوي؛ ولهذا قال العلماء: يحرم أن يرفع صوته بقراءة القرآن وهو في المسجد إذا كان يشوش على المصلين، مع أنه بيرفع صوته بذكر الله.
ومن فوائد الآية الكريمة في قوله: ﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾: البشارة للمؤمنين بأن العاقبة لهم، فهؤلاء الذين منعوهم سوف لا يدخلونها إلا وهم خائفون، وهذا على أحد الاحتمالات التي ذكرناها.
ومنها: أن عقوبة من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها الخزي والعار في الدنيا، والعذاب العظيم في الآخرة.
* ومن فوائد الآية: أن الذنب إذا كان فيه تعد على العباد، فإن الله قد يجمع لفاعله بين العقوبتين: عقوبة الدنيا وعقوبة الآخرة، أما إذا كان لله فإن الله تعالى لا يجمع له بين العقوبتين ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى 30].
قال العلماء: يعني ولا يجمع للإنسان بين العقوبتين، وهذا إذا كانت المعصية تتعلق بمن؟ بالله عز وجل، فإنه لا يستوفي حقه من عبده مرتين، أما إذا كانت المعصية متعلقة بالمخلوق فقد يجمع الله بين العقوبتين لهذا الفاعل، عقوبة الدنيا لماذا؟ مثل ما قال الله عز وجل يشفي قلب المظلوم، يشفي قلب المظلوم المعتدى عليه ولَّا لا؟ ولا شك أن الإنسان مثلًا إذا اعتدى عليك، ثم رأيت عقوبة الله فيه أنك تفرح بأن الله سبحانه وتعالى اقتص لك منه، فالحاصل يا إخوانا إذا قال قائل: كيف يكون لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم، والله تعالى لا يجمع بين العقوبتين؟ نقول: لأن هذه العقوبة تتعلق بحق المخلوق، فلذلك عاقب الله فاعلها في الدنيا والآخرة؛ لأجل أن يشاهد المظلوم أن الله تعالى اقتص له.
ومنها: إثبات يوم القيامة؛ لقوله: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
ومنها: أن عذاب الآخرة أعظم من عذاب الدنيا كما أن نعيم الآخرة أعظم من نعيم الدنيا، ولكن الله سبحانه وتعالى يُرِي عباده نموذجًا من هذا ومن هذا؛ لأنه ما يستقيم فَهْم الوعيد ولا فهم الوعد إلا بأيش؟ إلا بمشاهدة نموذج من ذلك، لو كان الله مثلًا توعد بالنار، إحنا ما ندري ويش النار؟ هل نخاف؟ ما نخاف إلا خوفًا إجماليًّا عامًّا، وكذلك لو توعد بالنعيم في الجنة، ونحن ما نعرف ويش هذا النعيم، كان ما يكون لنا رغبة مثل ما إذا عين ووجدنا نظيره في الاسم في الدنيا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences