Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:115–119
2:115–119Page 18
وَلِلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ فَأَيۡنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجۡهُ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ١١٥
And to Allāh belongs the east and the west. So wherever you [might] turn, there is the Face1 of Allāh. Indeed, Allāh is all-Encompassing and Knowing.
وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗاۗ سُبۡحَٰنَهُۥۖ بَل لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ كُلّٞ لَّهُۥ قَٰنِتُونَ ١١٦
They say, "Allāh has taken a son." Exalted is He!1 Rather, to Him belongs whatever is in the heavens and the earth. All are devoutly obedient to Him,
بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَإِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ١١٧
Originator of the heavens and the earth. When He decrees a matter, He only says to it, "Be," and it is.
وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ لَوۡلَا يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوۡ تَأۡتِينَآ ءَايَةٞۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِم مِّثۡلَ قَوۡلِهِمۡۘ تَشَٰبَهَتۡ قُلُوبُهُمۡۗ قَدۡ بَيَّنَّا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يُوقِنُونَ ١١٨
Those who do not know say, "Why does Allāh not speak to us or there come to us a sign?" Thus spoke those before them like their words. Their hearts resemble each other. We have shown clearly the signs to a people who are certain [in faith].
إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗاۖ وَلَا تُسۡـَٔلُ عَنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلۡجَحِيمِ ١١٩
Indeed, We have sent you, [O Muḥammad], with the truth as a bringer of good tidings and a warner, and you will not be asked about the companions of Hellfire.
قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة 115] ﴿لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ اللام هذه للملك والاختصاص، يعني: أن الله تعالى مالك المشرق والمغرب، وما الدنيا كلها إلا مشرق ومغرب، إذن فالله تعالى مالك لكل شيء، المشرق مكان الشروق أو زمانه؟ مكانه، والمغرب كذلك مكانه، وقد وردت المشرق والمغرب في القرآن على ثلاثة أوجه: مفردة، ومثناة، وجمع، فهنا قال: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾، وفي آية أخرى قال: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [الشعراء 28] وفي آية ثانية قال: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن 17]
وفي ثالثة: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج 40]
فكيف نجمع بين هذه الأوجه الثلاثة؟ نقول: أما المشرق فلا ينافي المشارق ولا المشرقين، لماذا؟ لأنه مفرد محلى بأل، فهو للجنس الشامل الواحد والمتعدد، وأما ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ و﴿رَبُّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ فالجمع بينهما إما أن يقال: إنه جُمع المشارق والمغارب باعتبار الشارق والغارب؛ لأن الشارق والغارب واجد ويش (...) غير الشمس؟ القمر والنجوم ومن يحصي النجوم؟ وثُنِّي باعتبار مشرق الشتاء ومشرق الصيف، فمشرق الشتاء تكون الشمس في أقصى الجنوب، والصيف في أقصى الشمال وبينهما مسافات عظيمة ما يعلمها إلا الله، شوف المسافة من مشرقها في الشتاء إلى مشرقها في أيام الصيف مسافة عظيمة يعني كبر الأرض يمكن آلاف الآلاف، فهي ثنيت بهذا الاعتبار، ثم إنكم لاحظوا أن سورة الرحمن أكثر ما فيها بصيغة التثنية، أو لا؟ فلذلك كان من المناسب اللفظي أن يذكر المشرق و المغرب بصيغة التثنية، أما عند العظمة ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (40) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ [المعارج 40، 41].
ويش جاء بصيغة؟ بصيغة الجمع؛ لأن الجمع أدل على التعظيم من المثنى؛ لأن المثنى نص في دلالته على الحصر، طيب ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ أي: مشرق كل شارق، ومغرب كل غارب.
﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ نشوف (أين) ويش إعرابها؟ (أين) أظن أننا نعلم أنها؟
* طالب: ظرف.
* الشيخ: لا، هي ظرف، لكنها أخص من ذلك شرطية، أين شرطية، وما زائدة و﴿تُوَلُّوا﴾ الفعل هذا فعل الشرط، و﴿تُوَلُّوا﴾ هي مضارع ولَّا ماضي ولَّا أمر؟
* طالب: مضارع.
* الشيخ: ويش الدليل أنها مضارع؟
* طالب: أنه مجزوم، محلها محل جزم.
* الشيخ: هل تقول: تولون؟ نعم في القرآن: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر 33] فإذن تولوا فعل مضارع مجزوم بأداة الشرط، وعلامة جزمه حذف الواو والنون فاعل؟
* طالب: حذف النون؟
* الشيخ: نعم، حذف النون، والواو فاعل.
طيب، وقوله: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ الفاء هي رابطة لجواب الشرط، و﴿ثَمَّ﴾ اسم إشارة، وهو ظرف، لكنه اسم إشارة يشار به للبعيد، وهو متعلق بمحذوف خبر مقدم، ﴿وَجْهُ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة من المبتدأ وخبره في محل جزم جواب الشرط، انتهينا الآن من الإعراب.
ما معنى ﴿تُوَلُّوا﴾؟ ﴿تُوَلُّوا﴾ تتجهوا، وقوله: ﴿فَثَمَّ﴾ أي: فهناك، والإشارة إلى الجهة التي توليت إليها.
وقوله: ﴿وَجْهُ اللَّهِ﴾ اختلف فيه المفسرون من السلف والخلف، فقال بعضهم: المراد به وجه الله الحقيقي، وقال بعض العلماء: المراد به الجهة، فوجه بمعنى جهة، أي ففي المكان الذي اتجهتم به جهة الله عز وجل؛ وذلك لأن الله محيط بكل شيء، محيط بكل شيء، ففيها للعلماء قولان، ولكن الراجح أن المراد به الوجه الحقيقي؛ لأن ذلك هو الأصل وليس هناك ما يمنعه، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الله تعالى قبل وجه المصلي[[لحديث ابن عمر رضي الله عنه مرفوعًا: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَبْصُقْ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى». متفق عليه؛ البخاري (406)، ومسلم (547 / 50).]] والمصلون إلى أين يتجهون؟ أحد إلى الشرق، واحد إلى الغرب، واحد إلى الشمال، واحد إلى الجنوب، حسب مكانه، فأهل اليمن يتجهون إلى الشمال وأهل الشام إلى الجنوب وأهل نجد إلى الغرب، وأهل مصر إلى الشرق واضح؟ وكل يتجه جهة، لكن هذا الاتجاه الذي يجمعهم القبلة وكل يتجه إلى وجه الله، فعلى هذا يقول الله عز وجل معنى الآية: أنكم مهما توجهتم في صلاتكم، فإنكم تتجهون إلى الله، سواء إلى المشرق أو إلى المغرب أو إلى الجنوب أو إلى الشمال، أفهمتم؟ ونحو منه ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة 177].
الشيخ: ولكن ما معناه؟ بديع بمعنى؟
* الطالب: فاعل يعني فعيل.
* الشيخ: فعيل بمعنى؟
* الطالب: بمعنى مفعول؛ يعني بديع بمعنى (مبدوع).
* الشيخ: لا.
* الطالب: بمعنى مبدع.
* الشيخ: بمعنى مبدع (فَعِيل بمعنى مُفْعِل). طيب لها نظير في اللغة العربية.
* الطالب: لها نظير فعيل.
* الشيخ: مثل.
* الطالب: مثل قول الشاعر، ما أنا بحافظه.
* طالب آخر: قتيل.
* الشيخ: لا؛ لأن قتيل بمعنى مقتول.
* طالب: رحيم.
* الشيخ: لا.
* الطالب: أليم بمعنى مؤلم.
* الشيخ: أليم بمعنى مؤلم.
* الطالب: سميع.
* الشيخ: سميع بمعنى مسمع، صح.
* طالب: سميع بمعنى سامع؟
* الشيخ: لا، بمعنى مسمع، وعليه قول الشاعر، سميع بمعنى مُسمع.
* الطالب:
أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِــــــــــي هُجُـــــــــــوعُ
* الشيخ: أمِن ريحانة الداعي السميع، يعني: المسمع.
يؤرقني وأصحابي هجوع. السميع بمعنى الْمُسمِع. و﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ بمعنى مبدعهما على غير مثال، موجدهما على غير مثال سبق.
الغرض من هذه الجملة، وأيش الغرض من قوله: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؟ من يعرف؟
الرد على من قالوا: إن الله اتخذ ولدًا؛ يعني إن اللي قادر على إبداع السماوات والأرض قادر على أن يخلق ولدًا بدون أب؛ لأن النصارى قالوا: المسيح ابن الله وأين أبوه؟ جاء من أم فأين أبوه؟ قالوا: أبوه الله، الملائكة من أين جاءت؟ قالوا: بنات الله، فالله قال: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يعني: والقادر على بدع السماوات والأرض قادر على أن يخلق بشرًا بدون أب.
قوله: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران ٤٧]، وأيش معنى إذا قضى؟
* الطالب: إذا أراد قضاءها.
* الشيخ: إذا أراد قضاءها. هل يأتي الفعل بمعنى إرادته؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: مثل؟
* الطالب: إذا قام إلى الصلاة.
* الشيخ: أبغي من القرآن؟
* الطالب: قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾.
* الشيخ: فاغسلوا؟ نعم، وقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل ٩٨] أي أردت قراءته.
ما الدليل على تأويل قضى بمعنى أراد؟ ما هو الدليل على أن قضى بمعنى أراد أن يقضي؟
* طالب: (...).
* الشيخ: بدليل من القرآن؛ لأن القرآن يفسر بعضه بعضًا، ونجد لكم الآية من القرآن الدليل؟
* طالب: يعني هذا من غير الآية.
* الشيخ: من غير الآية هذه؟
* طالب: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء ٢٣]؟
* الشيخ: لا، آفة العلم النسيان، الله أكبر! ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢].
على أني قلت لكم: يصلح أن نجعل قضى ليس بمعنى أراد، بل بمعنى فعل شيئًا، فإنما يقول له عند فعله: كن فيكون، يعني أنه إذا قضى شيئًا فإن ذلك ليس أمرًا شاقًّا عليه، ليس لقضائه إلا أن يقول: كن فيكون.
في قوله: ﴿فَيَكُونُ﴾ قراءتان، هما ﴿فَيَكُونُ﴾ فيها قراءتان؟
* الطالب: ما ذكرناه.
* الشيخ: ما ذكرناه؟
* الطالب: فيه النصب، ﴿فَيَكُونَ﴾ جوابًا للأمر أو على تقدير فعل شرط محذوف؟
* الشيخ: فهو يكون.
* الطالب: والثاني ﴿فَيَكُونُ﴾ على الرفع.
* الشيخ: أي على تقدير الاستئناف، أي فهو يكون.
فيها قراءتان: النصب ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونَ﴾ والقراءة الثانية: ﴿فَيَكُونُ﴾ فعلى قراءة النصب تكون جوابًا للأمر، كن فبسبب ذلك يكون، تكون الفاء للسببية، وعلى قراءة الرفع تكون على الاستئناف؛ أي فهو يكون، إذا قال له: كن فإنه يكون، كن هذه تامة ولَّا ناقصة؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: تامة، وأيش السبب؟ أو لأن التمام أحسن من النقص؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: عجيب صحيح؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: إذن نكمل الآية.
﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ هنا القضاء كوني أو شرعي؟ نقول: إنه كوني، القضاء كوني، وقضى يحتمل أنها بمعنى أراد أن يقضي كما يدل على ذلك قوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢] ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾ ما قال: إذا قضى شيئًا، قال: ﴿إِذَا أَرَادَ﴾، والفعل يُطلق على إرادته المقارنِة مثل قوله؟ ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ و﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة ٦]، وكان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٢)، ومسلم (٣٧٥ / ١٢٢) من حديث أنس بن مالك.]] أي إذا أراد دخوله. وقوله: ﴿أَمْرًا﴾ أمرًا واحد الأوامر، أو واحد الأمور؟
* طالب: واحد الأمور.
* الشيخ: واحد الأمور؛ يعني الشؤون، أي إذا قضى شأنًا من شؤونه سبحانه وتعالى فإن ذلك لا يصعب عليه ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، كلمة واحدة (كن) بدون تكرار، فيكون، يكون على ما أراد الله سبحانه وتعالى.
وقوله: ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ﴾ (إنما) هذه أداة حصر، أي: ما يقول له إلا كن، وكن هنا تامة؛ أي: احدِث، يعني (حَدَث يَحدِث احْدِث)، فهي تامة. ﴿فَيَكُونُ﴾ أيضًا تامة أي فيكون، أي فيحدث كما أمره الله سبحانه وتعالى، والغرض من هذه الجملة أيضًا إثبات أن عيسى عليه الصلاة والسلام ليس بابن لله؛ لأنه كان بأي شيء؟ بازدواج بين مريم وبين الله جل وعلا؟ كلا، ولكن بالكلمة: كن، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران ٥٩] آدم خُلق من غير أب ولا أم؛ ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ﴾ أي كن بشرًا فكان، فالذي قدر على أن يخلق آدم بدون أب ولا أم يكون أقدر على أن يخلق بشرًا بدون أب من أم بلا أب.
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ انظر إذا أردتم مثالًا لذلك فاقرؤوا قول الله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٣، ١٤]. زجرة واحدة يزجر بها الخلائق كل الخلائق التي أُعدمت وفنيت منذ خلقها الله إلى يوم القيامة يزجرها الله مرة واحدة على أن تقوم حية فتقوم. شوف ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ (إذا) فجائية كما تعرفون، والفجائية تدل على المباشرة والتعقيب. ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ هؤلاء الخلق من يحصيهم؟
* طالب: ما يحصيهم إلا خالقهم.
* الشيخ: ما يحصيهم إلا اللي خلقهم على اختلاف أصنافهم وأشكالهم وكِبَرهم وصغرهم بكلمة واحدة، سبحان الله العظيم! إذا هم بالساهرة على ظهر الأرض، هذا دليل على كمال قدرته جل وعلا وسلطانه وعزته، وأنه إذا أراد شيئًا لا يمتنع عليه، يقول له: كن فيكون، فكيف تقولون من أين يأتي عيسى؟ من أين تأتي الملائكة؟ بهذا يكون الآية فيها دليل على إبطال هذا القول من عدة أوجه:
أولًا: ﴿سُبْحَانَهُ﴾.
ثانيًا: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
وثالثًا: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾. ورابعًا: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. وأيش بعد؟
وخامسًا: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ خمسة أوجه كلها تدل على بطلان دعوى هؤلاء الذين يقولون: إن الله اتخذ ولدًا بحجة أن هذا أمر لن يكون إلا أن يكون ولدًا لله. ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
* الطالب: فيه أشياء مثل أشياء مخلوقات ما خلقها بكن، مثل السماوات والأرض والأشياء اللي ما خلقها بكن، هل هي فقط والباقي يقول للشيء: كن؟
* الشيخ: من قال أنها ما خلقت بغير كن؟
* الطالب: بس في ستة أيام؟
* الشيخ: طيب، ستة أيام هي تتكون شيئًا فشيئًا، انتهت في ستة أيام، كل شيء يتكون لا بد أن يكون قد قيل له: كن.
* الطالب: (...) سوى آدم؟
* الشيخ: كل شيء، خلقه من تراب، ثم قال له: كن فيكون، الآية ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾ وكل الكون مراده.
* الطالب: بس خلقه بيده؟
* الشيخ: (...) بيده، وقال له: كن، فكان.
* الطالب: خلقت بيدِي جعل الخلق بيدي أو بيديَّ (...)؟
* الشيخ: صحيح، لكن مع كونه مخلوقًا باليد هو بالكلمة أيضًا، ثم قال له: كن فيكون.
* الطالب: تعقيب فيكون يدل على وجوده (...) الآن؟
* الشيخ: نعم، أصل الخلق الآن، تكوين آدم بيد الله عز وجل، لا شك أن الله أراده، إنما نعم القول قد لا يقول له كن إلا بعد أن أتم خلقه بيده، ما قال له: كن إلا بعد أن أتم خلقه بيده، فيكون الخلق والتكوين باليد بدون أن يقال له شيء. فيكون كونه إنسانًا بشرًا بقول: كن.
* الطالب: طيب ما فيه شيء (...)؟
* الشيخ: ما أعرف شيء.
* الطالب: الله سبحانه وتعالى كتب التوراة والزبور بيده، ثم قال (كن)؟
* الشيخ: المسائل الشرعية ما يقال لها (كن) حتى القرآن كله ما قال (كن)، القرآن تكلم به ونزل به جبريل، كلماته ما هو يقول هي نفسها كلمات.
* الطالب: أيضًا الكتابة.
* الشيخ: الكتابة من كلماته؟ ولهذا تعتبر التوراة من كلمات الله.
* الطالب: شيخ، فيه فرق بين يتكون ويكون، يتكون شيئًا فشيئًا، لكن يكون الله بعد التعقيب بالفاء إنه يكون فعلًا؟
* الشيخ: إذا أراد، كل شيء اللي يريده فيقول: كن، مثلًا هذا الذي يتكون الجنين، أراد الله تعالى أن يكون نطفة فكان، قال: كن نطفة فكان، ثم علقة، ثم إلى آخره، ثم بعد ذلك أنشأناه خلقًا آخر، كل شيء فإنه مراد الله سواء كان متطورًا أو حادثًا فجأة، ولا أعرف في هذا أن شيئًا يحدث فجأة هكذا إلا بتطور؛ لأن من سُنة الله تعالى التطوير في الشرع وفي القدر، كل شيء لا بد أن يكون له تدريج حتى يتم وينتهي، وعندنا الآن عموم ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ [آل عمران ٤٧] وكل أمر فهو مقضي له.
﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ هذا ما يمكن يخرج من هذا العموم إلا شيء نعلم علم اليقين أنه خرج منه، وصحيح أن آدم، خَلْقُ الله تعالى له باليد ما نستطيع أن نقول: إن الله تعالى كلما أراد أن يخلق شيئًا منه يقول له: كن، ما نستطيع هذا، قد يكون الله سبحانه وتعالى بإرادته أنشأه بيده على ما يريد، ثم قال له: كن، أي كن بشرًا سويًّا، وأما حديث: «أَجْعَلُ مَنْ خَلَقْتُهُ بِيَدَيَّ كَمَنْ خَلَقْتُهُ بِكَلِمَتِي»[[أخرجه البيهقي في الشعب (١٤٧) من حديث جابر بن عبد الله.]] هذا يجب أن ينظر فيه، فلا أدري عن صحته، إن شاء الله تحققوه لنا.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ [البقرة ١١٨] هؤلاء المكذبون للرسل، والمراد بهم من في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام بدليل قوله: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ الذين لا يعلمون هم الذين في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، قالوا: ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ فاقترحوا على النبي عليه الصلاة والسلام أشياء جاء النبي عليه الصلاة والسلام بأعظم منها، ومع ذلك ما آمنوا بها، فدل هذا على أن اقتراحهم إنما هو تعنت وعناد، وليس لقصد الوصول إلى الحق؛ لأن الرسول ﷺ جاء بأعظم مما اقترحوه، ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾. هل يلزم انتفاء صدق الرسول عليه الصلاة والسلام لانتفاء الآية التي طلبوا وهو تكليم الله لهم؟
* الطلبة: لا، لا يلزم.
* الشيخ: لا يلزم؛ لأن الثابت لا يتعين بدليل واحد؛ بمعنى أن الأشياء قد يكون لها أدلة متعددة، فثبوت رسالة الرسول عليه الصلاة والسلام لا تتوقف على هذه الآيات التي اقترحوها ما دام أنه قد أتى بآيات أقوى منها، ولهذا من القواعد المقررة انتفاء الدليل المعين لا يستلزم انتفاء المدلول، لماذا؟ لأن المدلول له أدلة متعددة، إذا قدَّرنا أنه لم يثبت بهذا الدليل فقد ثبت بدليل آخر، إبراهيم لما جادله الذي قال: أنا أحيي وأميت جاء بدليل آخر ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة ٢٥٨]، المهم أن الذين قالوا: لولا يكلمنا الله، نقول: تكليم الله سبحانه وتعالى لكم لا يستلزم وجوده صِدْقَ الرسول عليه الصلاة والسلام ولا انتفاؤه عدم صدقه لوجود آيات وأدلة أقوى مما زعمتم، فكونكم تقولون: لا بد تجيئنا ها الآية ،هذا غير مُسلَّم ما دام وجد آيات دالة على صدقه، فطلبكم هذه الآية المعينة هذا تعنت، مثل ما لو طلبت من إنسان الحاجة وجابها لك، وقلت: لا، أنا ما أبي إلا من فلان وهي نفس الحاجة، وأيش معنى هذا؟
* طالب: التعنت.
* الشيخ: معنى هذا التعنت، مطلوبك حصل، أما كونك تتعنت بكذا وكذا بدون سبب، وهؤلاء بدون سبب؛ لأن تكليم الله لهم لا يريدون بذلك تشريف الله لهم بالكلام، ما يريدون هذا، لو أرادوا هذا لقلنا: إنه طلب معقول، لكن ماذا يريدون به؟
* طالب: التعجيز.
* الشيخ: يريدون به إثبات رسالة الرسول عليه الصلاة والسلام، يقولون: إن كنت صادق خلي الله يكلمنا، عرفتم ولَّا لا؟ أنا أقول الآن: لو كانوا طلبوا أن يكلمهم الله تشريفًا لهم لكان طلبهم معقولًا، لكن هم طلبوا أن يكلمهم الله لتثبت بذلك رسالة الرسول ﷺ.
نقول: هذه الدعوى منكم تعنت؛ إذ إن الرسول ﷺ أتى بأمر أعظم من هذا، كذلك قالوا: ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ سبحان الله! ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾؟ كأنهم ما جاءهم آية على صدق الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذا من الجحود، فالأول تعنت، والثاني جحود، الأول: تعنت كونهم يقترفون شيئًا معينًا، يقولوا: نجيبوه ولَّا ما نؤمن، والثاني: جحود وإنكار أو تأتينا آية؛ لأن ما فيه شك أنه جاءتهم آيات عظيمة، أكبر آية جاءتهم هذا القرآن، قال لهم الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة ٢٣]. ائتوا بسورة من مثله، قدروا؟
* الطلبة: لا يا شيخ.
* الشيخ: إذن، القرآن من محمد ﷺ؟ لا، لو كان من محمد استطاعوا أن يأتوا بمثله؛ لأنهم مثله، وإن كان هو أفصحهم بسبب ما نزل عليه من الوحي؛ إذن ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ نقول: هذا الاقتراح الأخير لا شك أنه جحود وإنكار، لماذا؟
* طالب: لأنه قد أتتهم آية.
* الشيخ: لأنه قد أتتهم آية بل آيات. قال الله عز وجل: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ [البقرة ١١٨]. (كذلك) أي مثل هذا القول قال الذين من قبلهم، وعلى هذا يكون ﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ توكيدًا لقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثل هذا القول قالوه واقترحوه من قبلهم، قوم موسى قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة ٥٥]. وإلا ما نؤمن، ورينا الله عيانًا وإلا ما نؤمن لك، فهذه دأب المكذبين للرسل، ينكرون ويقترحون، وقد أوتوا من الآيات بأعظم مما اقترحوه، قال الله عز وجل: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾، والغرض من قوله: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ الغرض من هذا تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام، ولَّا لا؟
* الطلبة: إي نعم.
* الشيخ: لأن الإنسان المصاب إذا رأى أن غيره أصيب فإنه يتسلى بذلك، وهذا أمر معلوم، ولَّا لا؟ افرض مثلًا أن لصوصًا هجموا على بيوت فسرقوا من إنسان مئة ريال، طبعًا بيحزن، لكن لما أصبح قال الثاني: سُرق مني مئتين، وأيش يصير؟
* طالب: .. سهلة.
* الشيخ: تهون عليه، تهون عليه كثيرًا، الخنساء لما مات أخوها صخر قالت:
وَلَوْلَا كَثْرَةُ الْبَاكِينَ حَوْلِــــــــــــــي ∗∗∗ عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي ؎وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ ∗∗∗ أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّــــــــي
والله تعالى يسلِّي رسوله عليه الصلاة والسلام بأن هذا القول الذي قيل لك قد قيل لمن قبلك ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾. قال الله عز وجل: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ شوف، الأولون والآخرون قلوبهم متشابهة في رد الحق وإبطاله والعناد والتعنت والجحود من أول ما بُعثت الرسل إلى خاتمهم محمد عليه الصلاة والسلام، بل وإلى يوم القيامة، القلوب قلوب أهل الكفر والعياذ بالله والعناد متشابهة، إنما يختلف الأسلوب، الموضوع واحد، لكن الأسلوب يختلف، قد يقترح هؤلاء شيئًا وهؤلاء شيئًا، لكن الكلام على جنس الاقتراح وعدم القبول ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، ولهذا قال: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ شوف القول يقول: ﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾، والقلوب يقول: ﴿تَشَابَهَتْ﴾، فهل معنى ذلك أن المشابهة هي المماثلة ولَّا لا؟ اللي إحنا قررنا فيما سبق أن المشابهة ليست كالمماثلة؛ لأن المشابهة معناها المقاربة، والمماثلة هي المساواة ولَّا لا؟
* الطلبة: إي نعم.
* الشيخ: ولا ريب أن القلوب تتشابه، وإن تطابقت الأقوال؛ إذ قد يكون في قلوب هؤلاء ما ليس في قلوب هؤلاء من شدة الكفر والعناد، ولكن الأقوال تكون متطابقة.
قال الله تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ بيّنا بمعنى أظهرنا؛ لأن (بان) بمعنى ظهر، و(بيَّن) بمعنى أظهر. وقوله: ﴿الْآيَاتِ﴾ جمع آية وهي العلامة المعيِّنة لمدلولها، كل علامة تُعيِّن مدلولها تُسمى آية؛ فالآيات المعيِّنة لمن هي آية له تسمى آية، فآيات الله تعالى هي العلامات الدالة عليه؛ أي: المعيِّنة له سبحانه وتعالى، وقد ذكر أهل العلم أنها تنقسم إلى قسمين: آيات شرعية وآيات كونية؛ فالآيات الشرعية ما جاءت به الرسل من الوحي وكانت آيات؛ لأنه لا يوجد لها نظير في صدق الأخبار وحسن القَصص وعدل الأحكام، آيات الله الشرعية ليس لها نظير من كلام البشر في هذه الأمور الثلاثة، وهي: صدق الأخبار، وحسن القصص؛ يعني جميع القصص اللي في القرآن (...) كلها قصص نافعة وعبر عظيمة، والثالث: وعدل الأحكام، لا يوجد لها نظير أبدًا، مهما وجدتَ مثلًا من النظم والقوانين والْمُثل السائرة وغير السائرة ما يمكن تجد مثل هذا القرآن؛ إذن فهو آية من آيات الله.
كذلك الآيات الكونية وظهورها أعظم وأبين؛ لأنه يمكنك أن تحاج بها عقليًّا من ينكر الله ولَّا لا، مثل ؟
* طالب: الليل والنهار، والشمس والقمر.
* الشيخ: إي نعم، مثل السماوات والأرض والشمس والقمر والليل والنهار وكل شيء.
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ∗∗∗ تَدُلُّ عَلَى أَنَّــــــــــــهُ وَاحِدُ
فهي آيات، هذه الآيات يا جماعة يقول الله إنه قد بينها، لكن لمن؟ ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ الموقِن تبيَّنت له الآيات وعرفها، والشاك ما تتبين، الشاك ما تتبين -والعياذ بالله- وربما تنطمس، وربما تنطمس عليه الأمور، ويكون بعد الشك إلى مرحلة الإنكار؛ لأن الشك -كما تعرفون- مرحلة بين مرحلتين؛ بين الإقرار والإنكار، فقد يكون مع الشك والعياذ بالله يصل إلى حد الإنكار، والشك لا يكفي في الإيمان، وفي هذه الآية: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ﴾ دليل على أن الله قد أقام الحجة، وعلى أن الآيات ما تنفع كل أحد إنما تنفع من أيقن، أما من شك فإنها لا تنفعه الآيات، لو هو شاك ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ١٠١].
* طالب: شيخ، هذا القول قول يهود المدينة أن السورة مدنية؟
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: الذين قالوا بأن السورة مدنية.
* الشيخ: لا هي عامة، يعني ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ عامة، و(قال): فعل ماضٍ تشمل الموجود في زمن نزول الآية والذي قبله.
* الطالب: (...) هو فلق القمر، انشقاق القمر، (...) فهل..؟
* الشيخ: لا، العلماء قالوا: إنهم طلبوا آية غير معينة.
* الطالب: أجيبوا؟
* الشيخ: إيه، أجيبوا بهذه الآية، والذي يهلكون إذا اقترحوا فأجيبوا، إذا طلبوا آية معينة وأجيبوا لها فإنهم يهلكون.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [البقرة ١١٩] يعني معناه: أن هؤلاء الذين يقولون: ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ يُرد عليهم بهذه الآية: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ وإن للتوكيد، أين اسمها؟
* طالب: (...).
* طالب آخر: اسمها الضمير.
* الشيخ: وأين الضمير؟
* الطالب: نحن.
* الشيخ: وأين نحن؟
* طالب: (نا) يا شيخ.
* الشيخ: اسمها (نا)، لكنها حُذفت النون فقط لتوالي الأمثال مع أنها أحيانًا لا تحذف (إننا)، ﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ﴾ [هود ٦٢]، لكن ما تقول اسمها الألف بأني أخشى أن أحدكم يقول: اسمها الألف؛ إذ إن الألف لا تكون ضميرًا إلا إذا اتصلت بالفعل، مثل: قال، وقام، وما أشبه ذلك.
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ أرسلناك لمن؟ حذف المرسل إليهم لإفادة العموم؛ لأن النبي ﷺ مرسَل إلى جميع الخلق وغيره من الرسل إلى مَنْ؟
* الطلبة: إلى قومه خاصة.
* الشيخ: إلى قومهم خاصة، أما الرسول ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾.
وقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ الباء هنا للمصاحبة والملابسة، يعني أرسلناك متلبسًا بالحق، أو أن المعنى حاملًا الحق بهذه الرسالة؛ يعني أن الآية تحتمل معنيين؛ أحدهما: أن إرسالك حق. والثاني: أن ما أرسلت به حق، فهمتم الفرق بين المعنيين؟
والمعنيان ثابتان، الرسول عليه الصلاة والسلام رسالته حق، وعليه فالباء للملابسة، والرسول عليه الصلاة والسلام ما أرسل به فهو حق، وعلى هذا فالباء للمصاحبة، يعني رسالتك مصحوبة بالحق؛ لأن ما جئت به حق، والحق قلنا: إنه ضد الباطل، وهو الثابت المستقر، فإن أضيف إلى الأخبار فالمراد به الصدق، وإن أضيف إلى الأحكام فالمراد به العدل، ما جاء به الرسول صلى الله عليه سلم فهو حق في أخباره وفي أحكامه ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥] الظاهر أنه لا يخفى على الجميع أن الحق مقبول ومطلوب من كل نفس، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: إذا كان هكذا، فمن رامَ الحقَّ وجده، ومن أعرض عنه إلى الباطل عوقب بحرمانه، فهمتم؟
﴿بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ اللهم صلِّ وسلم عليه ﴿بَشِيرًا﴾ حال من أين؟
* طالب: من الكاف في ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾.
* الشيخ: من الكاف في ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾ اللي هي المفعول. و﴿وَنَذِيرًا﴾: حال أخرى بواسطة حرف العطف، فجمع الله له بين كونه مبشِّرًا منذرًا؛ لأن ما جاء به أمر ونهي، المناسب للأمر البَشارة، وللنهي الإنذار، فعليه تكون رسالة النبي عليه الصلاة والسلام جامعة بين البُشرى وبين الإنذار، فمن الذي يُبشر بها؟ ومن الذي يُنذَر بها؟
بينه الله تعالى في عدة آيات؛ في سورة الكهف: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ [الكهف ٢]، وكذلك قال: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم ٩٧].
إذن فالرسول ﷺ مبشِّر للمتقين الذين يعملون الصالحات، ومنذر لِلُّدِّ جمع (ألدّ)، وهو الخَصم المعاند، هؤلاء ينذرهم بالعقوبة الدنيوية أو الأخروية أو هما؟
* الطلبة: هما.
* الشيخ: هما، إي نعم، هما أو إحداهما، لا بد أن يأتيهم عقوبة، وإذا قلنا بأن العقوبة تشمل حرمان الإنسان من الطاعة والإيمان، فلا بد أن يكون معاقبًا بالأمرين: الدنيوية والدينية. ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾. في قوله: ﴿وَلَا تُسْأَلُ﴾ قراءتان إحداهما: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ بلا النافية، والفعل مبني للمجهول، يعني ولا تسأل أنت عن أصحاب الجحيم يعني ما يسألك الله عنهم؛ لأنك بلغت والحساب على من؟ على الله، والقراءة الثانية: ﴿وَلَا تَسْأَلْ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ . ولا تسألْ على أن (لا) ناهية وتسأل: فعل مضارع مبني للفاعل، ولا تسأل أنت، أوْ: ولا تسألُ أيها المخاطب.
أما على القراءة الأولى: ﴿وَلَا تُسْأَلُ﴾ فالمعنى أنك لا تُسأل عنهم وكيف لم يؤمنوا إنما عليك البلاغ وعلينا الحساب.
وعلى القراءة الثانية ﴿وَلَا تَسْأَلْ﴾ ﴿وَلَا تَسْأَلْ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ المراد به الإنذار والوعيد؛ يعني لا تسأل عن أحوالهم فإنهم في أمر ما يحتاج إلى السؤال -والعياذ بالله- لأنهم أصحاب الجحيم؛ الجحيم النار نسأل الله العافية، وأَصْحَابِ، الصاحب هو الملازم؛ يعني أصحاب الجحيم أحد يسأل عن حالهم هل هم في نعيم ولَّا في بلاء؟
* طالب: من السياق هذا معلوم.
* الشيخ: لا تسأل عن حالهم؛ فإنهم -والعياذ بالله- في حال لا يتصورها الإنسان، وهذا في غاية ما يكون من الإنذار لهؤلاء المكذبين المخالفين الذين هم أصحاب الجحيم.
* طالب: بشير، من أين اشتق؟
* الشيخ: بشير من البشرى، والبشرى مصدر من بَشَّر، والتبشير كما قلنا أظنه مر علينا لكن يمكنني أذكركم به أيضًا أن البشرى والبَشارة هي الإخبار بما يَسُرُّ، ولا تكون في غير ما يَسُرُّ إلا أحيانًا، وإنما سميت (بُشرى) بُشرى لظهور أثرها على البَشرة، فإن الإنسان إذا سُرّ تبرق أسارير وجهه؛« كان الرسول عليه الصلاة والسلام إذا سُرّ استنار وجهه حتى كأنه فلقة قمر ﷺ »[[متفق عليه؛ البخاري (٣٥٥٦)، ومسلم (٢٧٦٩ / ٥٣) من حديث كعب بن مالك بلفظ: «إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ».]]. وهذا أمر ظاهر، يجيك الإنسان (مغلدن) تعرف إنه محزون، ويجيك ما شاء الله وجهه يتلامع تعرف أنه مسرور، وقد تطلق البشارة إما تهكمًا وإما لعِظَم وقعها عليهم بما يؤلم ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أما الإنذار فهو الإعلام بالْمَخُوفة؛ أي بما يخاف منه، والرسول ﷺ لا شك أنه مبشر بما يسر وهي الجنة، ومنذر بما يُخاف منه وهو النار.
* طالب: الذي يضر المشؤم منه يتغير تغير ملامح الوجه فيصدق اشتقاقه اللغوي، أيش هذا؟
* الشيخ: إي نعم، لكنهما حسب العرف والاستعمال ما يقال إلا فيما يسر؛ لأن كون الإنسان يتغير وجهه بما يسره هذا أمر مطلوب يستريح إليه الإنسان، وكونه يبشر بأمر يُؤَثِّر عليه، وإن كان يتغير لكن الأمر مكروه، فقد جرى العرف بأن البشارة إنما تكون في الأشياء المحبوبة، وقد تُطلق إما من باب التهكم كما قاله بعض العلماء في قوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ وإما من باب الحقيقة على أن الجسم أو البشرة تتأثر بذلك.
* طالب: يعني كل بحسب المضاف إليها وبحسب المعنى؟
* الشيخ: لكن أصل البشارة إنما تكون فيما يسر.
* الطالب: الدليل.
* الشيخ: لأن تغير البشَرَة بهذا أمر مطلوب ويحبه الإنسان، فلهذا قيلت فيما يسر، وإن كان قد يتأثر بما يؤلمه وبما يخاف منه لكنه ما يقال: (بشره) إلا على سبيل التهكم أو نادرًا، ولا يلزم من كون الاشتقاق لهذا المعنى أن يتعدى إلى غيره كما قلنا في جمع مثلًا مزدلفة تسمى جمعًا لاجتماع الناس فيها، ولا تسمى عرفة جمعًا وإن كان الناس يجتمعون فيها، ليس هذا بلازم.
قال: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ ﴿الْجَحِيمِ﴾ هي النار العظيمة، وهي لها أسماء كثيرة، منها: النار، ومنها: الجحيم، والسعير، وجهنم، كل ذلك لاختلاف أوصافها وإلا فهي واحدة.
* طالب: هل من أسمائها الهاوية؟
* الشيخ: لا، ما هو من أسمائها، لكنها في الحقيقة لها قعر، الشيء يهوي فيها، وما تسمى بالهاوية.
ثم قال: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ كأن النبي ﷺ يحب أن يتألف اليهود والنصارى، والذي يُحب أن يتألفهم يحب أن يرضوا عنه، فبين الله عز وجل أن هؤلاء اليهود والنصارى قوم ذو عِناد ما يمكن يرضون عنك مهما تألفتهم، ومهما ركنت إليهم بالتألف لا بالمودة فإنهم لن يرضَوا، ولهذا أول ما قدم الرسول ﷺ المدينة كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يُنْهَ عنه، ثم بعد ذلك تركهم وخالفهم قال الله تعالى: ﴿لَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُم﴾ أي: دينهم. (...) يعني مع أنهم لا يؤمنون حتى يكلمهم.
قوله: ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ ما المراد بها؟
* طالب: ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ أي: معجزة.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences