Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:142–143
2:142–143Page 22
۞ سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمۡ عَن قِبۡلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيۡهَاۚ قُل لِّلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ١٤٢
The foolish among the people will say, "What has turned them away from their qiblah,1 which they used to face?"2 Say, "To Allāh belongs the east and the west. He guides whom He wills to a straight path."
وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗاۗ وَمَا جَعَلۡنَا ٱلۡقِبۡلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيۡهَآ إِلَّا لِنَعۡلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِۚ وَإِن كَانَتۡ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَٰنَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ ١٤٣
And thus We have made you a median [i.e., just] community that you will be witnesses over the people and the Messenger will be a witness over you. And We did not make the qiblah which you used to face except that We might make evident who would follow the Messenger from who would turn back on his heels.1 And indeed, it is difficult except for those whom Allāh has guided. And never would Allāh have caused you to lose your faith [i.e., your previous prayers]. Indeed Allāh is, to the people, Kind and Merciful.
ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وقد تقدم الكلام على فوائدها، فليرجع إلى ما سبق.
ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ قوله: ﴿سَيَقُولُ﴾ السين للتنفيس، وإذا دخلت على المضارع أخلصته للمستقبل، المضارع إذا دخلت عليه (لم) أخلصته للماضي، وإذا دخلت عليه السين أخلصته للمستقبل، وإذا كان مجردًا فهو صالح للحاضر والمستقبل، فهنا يقول: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾ للمستقبل، وقوله: ﴿سَيَقُولُ﴾ تفيد أيضًا مع الاستقبال تفيد تحقيق وقوع هذا الشيء أو لا؟ وقد مر علينا أنها تدل على التحقيق، وتفيد أيضًا قرب هذا الشيء، بخلاف سوف، فإنها تدل على المستقبل البعيد.
وقوله: ﴿السُّفَهَاءُ﴾ جمع سفيه، والسفيه هو الذي لا يحسن التصرف لنفسه، وكل من خالف الحكمة في تصرفه فهو سفيه، والسفيه كما لا يؤتمن على المال؛ لقوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء ٥]، فهو أيضًا غير مؤتمن على الدين، فهؤلاء السفهاء سفهاء في دينهم لا في مالهم، قد يكونون في المال جيدين لكنهم سفهاء في الدين، وما هو سفه الدين؟ سفه الدين بيّنه الله في قوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة ١٣٠]، فكل من رغب عن ملة إبراهيم -وهي الانقياد لله عز وجل بكمال التوحيد- فإنه سفيه.
وقوله: ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ بيان للسفهاء، وهي في موضع نصب على الحال، يعني: حال كونهم من الناس.
مقول القول: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾، هذا مقول القول في قوله: ﴿سَيَقُولُ﴾، فالجملة ﴿مَا وَلَّاهُمْ﴾ في موضع نصب على أنها مقول القول، وقوله: ﴿مَا وَلَّاهُمْ﴾ ما إعرابها؟ ويش إعراب ﴿مَا وَلَّاهُمْ﴾؟
* طالب: استفهامية ما.
* الشيخ: نعم، (ما) اسم استفهام، أي: أي شيء ولَّاهم؟
و﴿وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ أي: صرفهم، ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ أي: صرفهم عن قبلتهم.
وقوله: ﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ أي: ما يستقبلون، فقبلة الإنسان ما يستقبله، والمراد بها بيت المقدس؛ لأن الرسول ﷺ أول ما قدم المدينة صار متجهًا إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، يعني: إما سنة وأربعة أشهر، أو سنة وخمسة أشهر.
إذا كان مستقبلًا بيت المقدس فأين تكون الكعبة؟ أين تكون بالنسبة له؟ على يمينه ولا عن يساره ولا خلفه؟
* طالب: خلفه.
* الشيخ: تكون خلفه.
* طالب: عن يساره.
* الشيخ: تكون عن يساره؟
* الطالب: نعم.
* الطلبة: تكون خلفه.
* الشيخ: تكون خلفه تمامًا، تكون خلفه؛ ولهذا يقول ابن عمر: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْضِي حَاجَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ مُسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةِ »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٤٨)، ومسلم (٢٦٦ / ٦٢) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، ولفظه: مُسْتدبِرَ القبلَة.]]، فعلى هذا كان يستقبل عليه الصلاة والسلام بيت المقدس، يستقبله بأمر أو باجتهاد؟ اختلف فيه أهل العلم، فبعضهم قال: إنه باجتهاد، وإن النبي ﷺ كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر بخلافه، حتى دخل العرب في الإسلام، فكان يخالف أهل الكتاب، وقال بعض أهل العلم: إنه بأمر من الله؛ لقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام ٩٠] ﴿هُدَاهُمُ﴾ عام في كل ما يعملونه، و﴿اقْتَدِهْ﴾ يعني: اقتد، والهاء للسكت، وهذه الآية: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ في أي سورة؟
* الطلبة: الأنعام.
* الشيخ: في سورة الأنعام وهي مكية، وقالوا: إن الرسول ﷺ في مكة كان يتجه إلى بيت المقدس أيضًا، لكنه يجعل الكعبة بينه وبينه، فيصلي من ناحية ما بين الركن اليماني والحجر الأسود، هكذا قالوا..
* طالب: يستشكل على أن إبراهيم كانت قبلته الكعبة..
* الشيخ: نعم، هو يجمع بينها.
* الطالب: ولما هاجر إلى المدينة كانت إبراهيم قبلته الكعبة، والأنبياء بعضهم (...)؟
* الشيخ: يقولون: إنه -الرسول عليه الصلاة والسلام- لما قيل: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ وأمر بالاقتداء بهم صار يجمع بين الأمرين، فيصلي بين الركن اليماني والحجر الأسود، وحينئذٍ يكون متجهًا إلى الكعبة وإلى بيت المقدس، فالله أعلم بهذا؛ لأنه ما ثبت من الناحية التاريخية هذا الأمر، وإلا قد قيل به، وقيل: إنه في مكة يتجه إلى الكعبة، وفي المدينة اجتهادًا منه اتجه إلى بيت المقدس.
وعلى كل حال، فإنه بأمر الله، سواء كان باجتهاد أقره الله عليه، أو كان بأمر من الله، فبقي الرسول عليه الصلاة والسلام على هذا ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، وفرح اليهود بذلك حين وافقهم على قبلتهم، ولكن لما انصرف عن هذه القبلة صار اليهود يتكلمون والمشركون يتكلمون، وقيل: والمنافقون يتكلمون، ويش السبب؟ لأيش انصرف؟ كل يوم له قبلة معناه كل يوم له دين، فهذا الرجل ليس على قدم راسخ، فصاروا -والعياذ بالله- يطعنون، وتأمل قوله: ﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ ولم يقل: عن القبلة التي كانوا عليها، فهذه الإضافة تدل على أنهم هم الذين اختاروا هذه القبلة، فكيف ينكرونها اليوم؟ ما قال: عن القبلة ﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾، أضافها إليهم كأنهم يكونون هم الذين اختاروها كيف يتولون عنها اليوم؟
وقوله: ﴿الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ ماضٍ ولَّا مستقبل؟
* الطلبة: ماضٍ.
* الشيخ: ماضٍ، باعتبار قولهم ماضٍ، أما باعتبار الآية الكريمة فليست ماضية، لكن القرآن يتحدث عما سيقال. ﴿الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ الله سبحانه وتعالى أعلم نبيه ﷺ بما سيحدث وأعلمه بالجواب عليه.
ومن هنا أخذ النبي عليه الصلاة والسلام هذه القاعدة: أن يعلم بما سيحدث للإنسان، فقال لمعاذ بن جبل وقد بعثه إلى اليمن: «إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ»[[أخرجه مسلم (١٩ / ٢٩)، من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه.]] ليكون مستعدًّا، فهنا أخبره الله أن هؤلاء السفهاء سيقولون هذا القول، ثم أعلمه ما يرد عليهم.
﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ ﴿لِلَّهِ﴾ خبر مقدم، و﴿الْمَشْرِقُ﴾ مبتدأ مؤخر، وتقديم الخبر وحقه التأخير يفيد الحصر، يعني: لله وحده المشرق والمغرب، فهو الذي يوجه إن شاء إلى المشرق، وإن شاء إلى المغرب، وإن شاء إلى الشمال، وإن شاء إلى الجنوب، وخص المشرق والمغرب؛ لأن منهما تطلع والشمس وتغرب، ودائمًا تجدون أن النص بالجهات يكون على الشرق والغرب؛ لأنهما الأصل، هما الأصل.
وقوله: ﴿لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ المشرق مكان الشروق، شروق أيش؟
* طالب: الشمس والقمر.
* الشيخ: الشمس والقمر بس؟
* طالب: والنجوم.
* الشيخ: والنجوم، ذكرت المشرق والمغرب في القرآن على ثلاثة أوجه: بالإفراد، والتثنية، والجمع، الإفراد مثل هذه الآية، والتثنية؟
* طالب: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾.
* الشيخ: نعم، والجمع؟
* طالب: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ﴾.
* الشيخ: لا هذا مثنى، إيه في القرآن جمعت أيضًا المشرق والمغرب؟
* الطالب: ﴿رَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج ٤٠]؟
* الشيخ: ويش رب المشارق والمغارب، اقرأ الآية؟
* طالب: ﴿رَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ﴾.
* الشيخ: اقرأ الآية؟ اقرأ أول الآية؟
* الطالب: ﴿رَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾.
* الشيخ: لا.
* طالب: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾.
* الشيخ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾، الجمع بينهما أن الإفراد باعتبار الجهة، أي: جهة المشرق والمغرب، والتثنية باعتبار مشرقي الشتاء والصيف، فإن بينهما بعدًا كبيرًا، والجمع باعتبار مشارق النجوم والقمر والشمس، أو باعتبار مشرق كل يوم ومغربه؛ لأن كل يوم للشمس مشرق ومغرب، وللقمر مشرق ومغرب.
﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ فهو المالك سبحانه وتعالى للجهات، يصرف إليها العباد كيف شاء، ونحن ليس علينا إلا السمع والطاعة، قال لنا: اتجهوا إلى كذا، سمعًا وطاعة، قال: اتجهوا إلى كذا، سمعًا وطاعة، قال: اسجدوا لله، قلنا: سمعًا وطاعة، قال: اسجدوا لآدم فسجد الملائكة، المهم أنك تكون مطيعًا لله هذا المهم، لا أن تتجه إلى كذا أو إلى كذا، فهمتم يا جماعة؟ السجود لغير الله شرك، وكان بالنسبة لآدم حين أمر الله به الملائكة طاعة وعبادة، وقتل النفس بغير حق، ولا سيما قتل الولد من أكبر الكبائر، وحين كان طاعة لله في أمر إبراهيم بقتل ولده كان قربة، فالاعتبار بطاعة الله سبحانه وتعالى.
﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿يَهْدِي﴾ يدل ويوفق، وقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ مفعول ﴿يَهْدِي﴾، وهي عامة، ولكن سبق لنا أن كل شيء قيد بمشيئة الله، فهو مقرون بالحكمة، ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ممن هو أهل للهداية، ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ المشيئة هي الإرادة الكونية، ولا تنقسم كما تنقسم الإرادة، أما الإرادة فقد سبق لنا أنها تنقسم إلى إرادة الكونية وإرادة الشرعية، أما المشيئة فهي قسم واحد فقط وهي كونية.
وقوله: ﴿إِلَى صِرَاطٍ﴾ صراط على وزن فِعال، وهي بمعنى مفعول؛ أي: مصروط، والصَّرْط هو المرور بسرعة، ومنه قول الناس: ظَرَتُّ كذا، ظَرَتُّ اللحمةَ، ويش معناه؟
* طالب: بلعت بسرعة.
* الشيخ: بلعت بسرعة؛ ولهذا يقال: ظِراط، وصِراط، وسِراط بثلاثة الحروف.
* طالب: سبعية؟
* الشيخ: لا، باللغة العربية، أما القراءة فهي الصراط والسراط بالسين والصاد، الصراط إذن بمعنى مصروط، أي: ممرور به بسرعة، قال أهل العلم: ولا يكون المرور بالصراط بسرعة إلا إذا جمع ثلاثة أوصاف: السعة، والاستقامة، والاستواء، فإذا كان واسعًا مستقيمًا مستويًا فهو صراط، وإلا فهو شويرع، وما أشبه ذلك، هذا الصراط -مثلًا- إذا صار ضيقًا ما يكون صراطًا؛ لأنه ما يمكن المرور عليه بسرعة، إذا كان ملتويًا يمينًا ويسارًا كذلك، إذا كان مرتفعًا ونازلًا فكذلك، فالصراط ما جمع ثلاثة أوصاف، الطريق الذي يجمع ثلاثة أوصاف يسمى صراطًا: السعة، والاستقامة، والاستواء.
﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ هذا توكيد، يعني: صراط مستقيم في المرور عليه والعبور عليه، فهو لا يعيق وإنما هو بين واضح.
* طالب: شيخ، كيف الصراط؛ صراط الآخرة غير؟
* الشيخ: إي غير، ورد به الحديث، قيد هذا بما قيده به النص.
﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، ومن هدايته إلى الصراط المستقيم أن هدى هذه الأمة إلى القبلة التي يرضاها الرسول عليه الصلاة والسلام.
﴿وَكَذَلِكَ﴾ عندنا (كاف) وعندنا (ذا) اسم إشارة، فنحتاج إلى معرفة المشار إليه، وإلى معرفة متعلق الجار والمجرور، كذا؟ (كذلك) الكاف هنا اسم بمعنى (مثل)، وهي في محل نصب على المفعولية المطلقة، أي: مثل ذلك جعلناكم، فما هو ذلك؟ المشار إليه ما سبق، وهو جعل القبلة إلى الكعبة، أي: مثل هذا الجعل الذي جعلنا لكم -وهو اتجاهكم إلى القبلة- ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ إذن فنحن -والحمد لله- هدينا إلى الصراط المستقيم بهذه القبلة، وجعلنا أمة وسطا؛ ولهذا روى الإمام أحمد في مسنده[[أخرجه أحمد في مسنده (٢٥٠٢٩)، من حديث عائشة رضي الله عنها.]] أن مِمَّا يَحْسدُنَا عَلَيْهِ الْيَهُودُ اسْتِقَبَالَ الْكَعْبَةِ، جعلت لنا الكعبة قبلة، فهم يحسدوننا على هذه الخصلة، وكذلك على التأمين خلف الإمام، وكذلك على استقامة الصفوف، المهم أن هذه -استقبال القبلة- مما حسدونا عليه، لماذا؟ لأن الكعبة أول بيت وضع للناس وأعظم بيت في الأرض، ولا يوجد بيت قصده من أركان الإسلام إلا الكعبة، ما يوجد بيت قصده ركن من أركان الإسلام حج إلا الكعبة، فهو أفضل بيت وضع للناس وأول بيت، فإذن نحسد إذا اتجهنا إليه؛ ولهذا أثار اليهود ضجة عظيمة على التولي عن القبلة إلى الكعبة وصاروا -والعياذ بالله- مع المنافقين مع من يناصرهم من المشركين أحدثوا أمرًا عظيمًا، حتى إن بعض المسلمين ارتد -والعياذ بالله- عن الإسلام لما سمع من زخرف القول من هؤلاء اليهود وغيرهم.
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً﴾ ﴿جَعَلْنَاكُمْ﴾ فيها هذه معنى الاعتقاد ولَّا معنى التصيير؟
* الطلبة: التصيير.
* الشيخ: التصيير، يعني: صيرناكم، (الكاف) مفعول أول، و﴿أُمَّةً﴾ مفعول ثاني، ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً﴾ الأمة هنا بمعنى الجماعة، وقد مر علينا أنها تطلق في القرآن على أربعة معان؟
* طالب: بمعنى الجماعة.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: بمعنى الإيمان.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: الزمن.
* الشيخ: نعم، والرابع؟
* الطالب: الدين.
* الشيخ: الدين والملة، صح، مثالها بمعنى الجماعة هذه الآية، مثالها بمعنى الدين؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ملة، دي أمة؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون ٥٢].
* الشيخ: نعم، ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، وبمعنى الإمامة؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل ١٢٠].
* الشيخ: نعم، بمعنى الزمن؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف ٤٥].
* الشيخ: في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾.
﴿كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ ﴿وَسَطًا﴾ أي: عدلًا، فالوسط بمعنى العدل الخيار، ومنه الصلاة الوسطى لفضلها، يعني: الفضلى، فالوسط بمعنى العدل الخيار، بدليل قوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾، واعلم أنه يقال: وسَط، ويقال: وسْط، متى تكون بالسكون؟
* طالب: تكون بالسكون إذا كان وسط جماعة، إذا كان بين أشياء متعددة، وتكون بالفتح إذا كان وسط شيء واحد.
* الشيخ: نعم، إذا كان متوسط شيء واحد فهو بفتح السين، وإذا كان بين جماعة فهي بسكون السين؛ ولهذا يقولون: يكون إمامهم -أي: إمام العراة- وسْطهم، ويقال: يسن أن يقوم عند رأس الرجل في الجنازة ووسَط المرأة.
﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾ أي: عدلًا خيارًا. ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ اللام في قوله: ﴿لِتَكُونُوا﴾ للتعليل، اللام للتعليل وليست للعاقبة، وقد مر علينا الفرق بين لام العاقبة وبين لام التعليل: أن لام العاقبة تدخل على أمر غير مقصود، لكن النتيجة آلت إليه، ولام التعليل تدخل على أمر؟ مقصود، جعلنا الله أمة وسطًا لهذه الحكمة ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾.
﴿شُهَدَاءَ﴾ جمع شهيد، و﴿عَلَى النَّاسِ﴾ عامة في الدنيا وفي الآخرة، لكن في الآخرة أشد وأعظم وأبين وأظهر، فنحن الآن شهداء على الناس بأن الناس السابقين لنا أتتهم الرسل، وانقسموا إلى قسمين: مصدق ومكذب، وأن من الناس من كذب نبيه ولم يصدقه أحد، ومن الناس من تبعه الرجل والرجلان، ومنهم من تبعه الرهط، ومنهم من تبعه كثير، وأكثر من علمنا أتباعًا من الرسل بعد النبي عليه الصلاة والسلام موسى عليه الصلاة والسلام، نحن شهداء الآن، بماذا علمنا هذه الشهادة؟ من طريق..
* طالب: الوحي.
* الشيخ: نعم، من طريق أزكى الناس وأوثقهم وهو الرسول ﷺ؛ ولهذا قال: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾.
كذلك نكون شهداء على الناس يوم القيامة إذا حشر الناس، وسئل الرسل: هل بلغتم؟ فيقولون: نعم، ثم تسأل الأمم: هل بلغتم؟ فيقولون: ما جاءنا من بشير ولا نذير، ما جاءنا من أحد، فيقال: من يشهد لك؟ -للرسل- فيقول: محمد وأمته، فيستشهدون يوم القيامة ويشهدون، فيكونون شهداء على الناس، إذن ﴿شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ في أيش؟ في الدنيا والآخرة، نشهد، لكن شهادتنا في الدنيا ما يظهر لها أثر إلا إقامة الحجة على من عاند منهم وأدركناهم، أما في الآخرة فهي التي لها الأثر العظيم.
﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ النبي عليه الصلاة والسلام يشهد على أمته بأنه بلغ البلاغ المبين، وقد ثبت عنه ﷺ أنه «قَالَ يَوْمَ عَرَفَةَ فِي أَعْظَمِ مَجْمَعٍ حَصَلَ لَهُ مَعَ الصَّحَابَةِ قَالَ: «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟» قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟» قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟» قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ:«اللَّهُمَّ اشْهَدْ» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٤٠٣)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، واللفظ له، ومسلم (١٦٧٩ / ٣١)، من حديث أبي بكرة رضي الله عنه.]]، فأشهد النبي ﷺ ربه على إقرار أمته بالبلاغ، فقد بلغ البلاغ المبين عليه الصلاة والسلام، فترك أمته على المحجة البيضاء، وما مات حتى أكمل الله به الدين، وما بقي شيء يحتاج الناس إليه في دينهم أصلًا وفرعًا إلا بينه عليه الصلاة والسلام بيانًا واضحًا، والحمد لله، فالرسول شهيد على هذه الأمة، قال الله تعالى في سورة النساء: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء ٤١] يعني: كيف تكون الحال في ذلك اليوم العظيم؟ ولهذا لما «قرأ ابن مسعود على النبي عليه الصلاة والسلام ووصل إلى هذه الآية قال له النبي عليه الصلاة والسلام: «حَسْبُكَ» (...) قَالَ: فَالْتَفَتُّ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ »[[أخرجه البخاري (٥٠٥٠)، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.]]، عليه الصلاة والسلام؛ لأن هذا أمر عظيم، فنحن شهداء على الناس، والنبي عليه الصلاة والسلام شهيد علينا، يشهد علينا بأننا بلغنا، وأقيمت علينا الحجة، وما بقي لنا عذر بأي وجه من الوجوه؛ ولهذا لا عذر لأحد بعد أن يتبين له الهدى أن يشاق الله ورسوله ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء ١١٥].
* طالب: يسن لمن يقرأ عليه القرآن أن يقول: حسبك؟
* الشيخ: إذا سار بده يقف يقول: حسبك، إي نعم، أو يقول: أوقف، ما فيه شيء.
* الطالب: أقول يعني ما يأخذ من قول الرسول: «حَسْبُكَ» أنه يعني سنة؟
* الشيخ: لا، يؤخذ منه جواز قول الإنسان للقارئ: أوقف، هذا اللي يؤخذ، ما نقول: خله يقرأ ويمل وأنت يجب عليك الاستماع.
* طالب: لا أقول: حسبك يعني؟
* الشيخ: لا، ما هو لازم، (حسبك) كلمة المراد بها الإيقاف، (حسبك) ولَّا (أوقف) حسب اللغة اللي هو يفهم.
* طالب: ما يقول: صدق الله العظيم؟
* الشيخ: لا، ما هو بها المحل يقوله، محل ثاني، إذا شاف شيء تشهد له الآية الكريمة يقول: صدق الله العظيم، أما إذا كان وقف عند القرآن لا، صدق الله العظيم هذه جاء بها القراء المتأخرون من أكياسهم، إي نعم.
* طالب: ﴿وَسَطًا﴾ ما ينزل تحت هذا المعنى أن هذه الأمة هديت إلى طريق الوسط بين الغلو؟
* الشيخ: إلَّا إلَّا، يدخل في هذا أنها وسط في دينها، وسيأتي إن شاء الله في ذكر الفوائد.
وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾، شوف الفتنة والاختبار ﴿مَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ وهي استقبال بيت المقدس، ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾، ﴿لِنَعْلَمَ﴾ هل معنى الآية: تجدد العلم لله، وأن الله ما يعلم إلا إذا وقع الشيء؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لا، ولا أحد يقول بهذا، ولكننا قلنا في الجواب على ذلك: إن المراد علم ظهور أو علمًا يترتب عليه الجزاء؛ لأن علم الله الكائن في الأزل ما يترتب عليه الجزاء حتى يمتحن العبد وينظر، أو علم ظهور، أي: علم بأن الشيء حصل، فيعلمه أنه حاصل، وأما العلم الأول فهو علم بأنه سيحصل، وفرق بين العلم بالشيء أنه سيحصل وبين العلم بأنه قد حصل، وقال بعض أهل المعاني: إن (نعلم) هنا بمعنى الماضي، يعني: إلا لعلمنا، وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لعلمنا من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، لكن هذا وإن كان له وجه من حيث اللفظ، لكن من حيث المعنى ما له وجه؛ لأنه ما يناسب أن الله ما جعل هذه القبلة إلا لأنه يعلم من يبقى ومن لا يبقى، هذا لا وجه له، لكن ما جعلناها إلا للامتحان، حتى يعلم من يسلم ومن لا يسلم ﴿مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾، فالصحابة رضي الله عنهم اتبعوا الرسول في هذا ولَّا لا؟
* طالب: أشد الاتباع.
* الشيخ: أشد الاتباع، جاءهم رجل وهم يصلون الفجر في قباء وقال: إن النبي عليه الصلاة والسلام أنزل عليه قرآن أمر أن يستقبل الكعبة، وهم ركوع فاستداروا وهم ركوع قبل (...) متجهين إلى الكعبة، هذا الاتباع العظيم، وكذلك في بني سلمة في مسجد القبلتين كذلك أخبروا فاستداروا.
(...) لأيش جاءت بالنصب ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ﴾؟
* طالب: خبر.
* الشيخ: خبر، ويش الخبر؟ تفيد في المعنى: تكونوا شهداء على الناس، ويشهد الرسول بصدقكم وعدالتكم.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾.
قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا﴾ (ما) نافية، و(جعلنا) هنا يحتمل أن تكون بمعنى التصيير بمعنى صيرنا، أو بمعنى شرعنا، فعلى القول الأول تحتاج إلى مفعولين (جعلنا): وما صيرنا القبلة التي كنت عليها، تحتاج إلى مفعولين إذا جعلناها بمعنى التصيير، وعلى الثاني ما تحتاج إلى مفعولين، يصير: وما شرعنا القبلة التي كنت عليها إلا لكذا، فهمتم يا جماعة؟
أما على المعنى الثاني -أن (جعل) بمعنى شرع- فإن الجعل يأتي بمعنى شرع في القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة ١٠٣] ويش معنى ﴿مَا جَعَلَ﴾؟
* الطلبة: ما شرع.
* الشيخ: أي: ما شرع، وإلا فهو موجود قدرًا، وعلى هذا المعنى لا يبقى في الآية أي إشكال، يعني: ما شرعنا القبلة التي كنت عليها -وهي اتجاهك إلى بيت المقدس- إلا لنعلم من يتبع الرسول إذا صرفناك عنها ممن ينقلب على عقبيه، أما على قراءة التصيير (صيرنا)، فإنها تحتاج إلى مفعولين، أين المفعولان؟
* طالب: الأول الكاف الثانية.
* الشيخ: ويش الكاف الثانية مما؟
* الطالب: ﴿جَعَلْنَاكُمْ﴾، الفاعل يكون في جعلناكم.
* الشيخ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾.
* طالب: محذوف، قطعًا محذوف.
* طالب: المسجد الحرام.
* الشيخ: وما جعلنا القبلة التي كنت عليها قبلةً إلا لنعلم، وقيل: إن المفعول الأول: ﴿الْقِبْلَةَ﴾، والثاني: ﴿الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾، يعني: وما جعلنا القبلة هي التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول، وقيل بالعكس، أي: وما جعلنا التي كنت عليها القبلة، فتكون ﴿الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ هي المفعول الأول، و﴿الْقِبْلَةَ﴾ هي المفعول الثاني.
وعندي: أن الوجه الأول من الأوجه الثلاثة هو أقربها: أن يكون المفعول الثاني محذوفًا، وأن تكون ﴿الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ صفة للقبلة: ما جعلنا القبلة التي كنت عليها قبلة إلا لنعلم من يتبع الرسول، وحذف المفعول الثاني من أفعال التصيير كثير، وقد ذكره ابن مالك رحمه الله؟
* طالب:
وَحَذْفُ فَضْلَةٍ أَجِزْ إِنْ لَمْ يَضِرْ ∗∗∗ .......................
* الشيخ: لا، هذا في الفضلة.
* طالب:
............................ ∗∗∗ وَقَدْ يَكُونُ حَذْفُهُ مُلْتَزَمَا
* طالب: في أفعال المقاربة؟
* الشيخ: لا، في ظن وأخواتها، هو ذكر قاعدة عامة في الحقيقة في باب المبتدأ وهو:
وَحَـذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ ..... ∗∗∗ ........................
هذه عامة، وأما في باب ظن فقال:
وَلَا تُجِزْ هُنَا بِلَا دَلِيلِ ∗∗∗ سُقُوطَ مَفْعُولَيْنِ أَوْ مَفْعُولِ
فمفهومه: مع الدليل يجوز، وهنا ما في شك أن الدليل واضح، ﴿مَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ ما هي القبلة التي كان عليها؟
* طالب: بيت المقدس.
* الشيخ: هي اتجاهه إلى بيت المقدس.
﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ (ما) نافية و(إلا) أداة حصر، وهذا الاستثناء من أعم الأحوال، إذا صار الاستثناء مفرغًا هكذا يقولون: إنه استثناء من أعم الأحوال، يعني: ما جعلنا بأي حال من الأحوال هذه القبلة إلا لهذه الحال فقط: لنعلم من يتبع.
في قوله: ﴿جَعَلْنَا﴾، وفي قوله: ﴿نَعْلَمَ﴾ شيء من الإشكال، وذلك أن (نا) و(نعلم)، ضميران يدلان على الجمع، ومعلوم أن الله إله واحد سبحانه وتعالى، فما الجواب؟
* طالب: أنها لصيغة المعظم نفسه.
* الشيخ: أن (نا) للتعظيم هنا، أنها للتعظيم وليست للجمع، وهذا أمر كثير في القرآن مثل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر ٩]، ما في شك أنه واحد منزل للذكر والحافظ له واحد، فيكون هذا من باب أيش؟
* الطلبة: التعظيم.
* الشيخ: التعظيم.
وقوله: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ اللام للتعليل لنعلمَ، أي: كي نعلم.
﴿مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ﴾ ذكر بعض المعربين أن (نعلم) هنا ضُمن معنى نُميز، بدليل قوله: ﴿مِمَّنْ يَنْقَلِبُ﴾، مثل ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال ٣٧]، فقالوا: إن مثل هذا التركيب يدل على أن الفعل للتمييز: لنميز من يتبع ممن ينقلب على عقبيه، وليس هذا ببعيد، أن يكون هذا ضُمن معنى نميز مع أنه دال على العلم؛ إذ لا تمييز إلا بعد العلم، وقد ذكرنا فيما سبق أن الفعل إذا ضُمن معنى فعل آخر، فإنه يدل على معناه الأصلي وعلى معنى المضمن.
وفي قوله: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ شيء من الإشكال أيضًا وسبق قريبًا، وهو أن ظاهره: أن الله لا يعلم إلا بعد وقوع هذا الاختبار، ومن المعلوم أن الله سبحانه وتعالى علم ما سيكون إلى يوم القيامة وإلى ما وراءها، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: كيف يقول: ما فعلنا هذا إلا لنعلم وهو عالم؟ الجواب ذكرناه من وجهين: الوجه الأول: أن المراد به العلم الذي يترتب عليه الجزاء، والعلم الذي يترتب عليه الجزاء ما يكون إلا بعد الامتحان والامتثال أو عدم الامتثال، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: فإن الله تعالى لا يمكن أن يعاقب أحدًا على حسب علمه قبل أن يمتحنه ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء ١٥]، فيكون المراد بالعلم هنا أيش؟ العلم الذي يترتب عليه الجزاء، والقول الثاني -الوجه الثاني-: أن المراد بالعلم الظهور علم الظهور؛ لأن علمه سبحانه وتعالى بما سيكون علم بأنه سيكون، فهمتم؟ وعلمه بما كان علم بأنه كان وظهر وبان، وفرق بين العلمين، فالعلم الأول علم بما سيكون، والثاني علم بما قد كان.
وقال بعض النحويين: إن (نعلم) مضارع بمعنى الماضي، نعلم فعل مضارع بمعنى الماضي، يعني: إلا قد علمنا من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، وهذا وإن كان له وجه وهو أنه يُعبر بالمضارع عن الماضي أحيانًا لكنه بعيد؛ إذ لا حكمة من ذلك، لأنه يكون معنى الآية: وما جعلنا هذا إلا لأننا قد علمنا من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، وحينئذٍ يقال: إذن ما الفائدة؟ فالصواب الوجهان الأولان، وأحسنهما أن يكون المراد بالعلم هنا العلم الذي يترتب عليه الجزاء؛ لأنه واضح ولا فيه تكلف.
وقوله: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ يتبع الرسول من المراد بالرسول هنا؟ محمد ﷺ فـ(أل) هنا للعهد الذهني أو لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: أو الذكري؟
* طالب: الذهني، أن يذكر.
* الشيخ: الذهني، يعني: لو ما ذكر من قبل لكنه معلوم بالأذهان أن المراد به محمد صلوات الله وسلامه عليه.
وقوله: ﴿مَنْ يَتَّبِعُ﴾ الأصل في الاتباع: المشي خلف الإنسان، وهو يختلف باختلاف السياق؛ إن تعلق بأمور حسية، فمعناه أنك تمشي خلفه في الشارع، في الجادة، وما أشبه ذلك، وبأمور معنوية يكون المراد به التأسي بأفعاله وأقواله، وهنا علق بأمور حسية ولَّا معنوية؟
* الطلبة: معنوية.
* الشيخ: معنوية، فيكون المراد به التأسي في أقواله وأفعاله.
﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ شوف الفرق العظيم هذا متبع سائر خلفه، والآخر راجع ينقلب على عقبيه يرجع، ما يكفي أنه واقف، لا، راجع، وهذا أشد ما يكون في محادة الله ورسوله أن يكون الإنسان سائرًا على خط معاكس للنبي ﷺ، فيكون محادًّا لله ورسوله، وفعلًا حصل هذا، فإن بعض الذين أسلموا ارتدوا حينما صرفت القبلة وقالوا: إن محمدًا ليس على يقين من أمره، اليوم له قبلة، وغدًا له قبلة، وما علموا أن ذلك مما يؤيد رسالته، هذا في الحقيقة مما يؤيد رسالته؛ لأن الإنسان الكذاب يحرص على ألا يتناقض وألا يتراجع؛ لأن التناقض والتراجع وصمة فيه، لكن الإنسان الصدوق لا يهتم أن يقول ما أوحي إليه، سواء وافق ما كان عليه أولًا أو خالف، فهذا الذي حصل هو في الحقيقة وإن كان اليهود قد طعنوا فيه، وقالوا: إن محمدًا ليس له استقرار من أمره، وتبعهم على ذلك من تبعهم من ضعفاء الإسلام، فإنه في الواقع يدل على صدقه ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ وين العقبين؟
* الطلبة: مؤخر القدم.
* الشيخ: مؤخر القدم، الآن نشوف أسئلة، سؤالك؟
* طالب: المقصود بعلم الله أن سيكون منكم مرضى..
* الشيخ: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ﴾.
* طالب: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ﴾ [المزمل ٢٠] هنا علم الله سبحانه وتعالى علم أن سيكون منكم مرضى، وهم لم يكونوا ولكن سيكونوا، ثم إن علمه الله سبحانه وتعالى في القبلة الذين سينقلبون على عقبيهم أيضًا (...)؛ لأن الله سبحانه الله وتعالى يعلم (...)، فيكون هذا أقرب إلى كلمة يعني (...) في الماضي؟
* الشيخ: إيه، الله عالم بأنه سيكون لا شك، لكن ما الفائدة من أنه يشرع هذا وهو قد علم، فالمهم أن فائدة الشرع الذي حصل -تغيير القبلة- الفائدة العظيمة في أن الله تعالى يعلم ليعاقب أو يثيب، فكما قلنا: إن المراد بالعلم يترتب عليه الثواب والعقاب أحسن من قولنا: إن (نعلم) بمعنى (علمنا)، المعنى ما هناك فائدة.
* طالب: (...) الله يعلم؟
* الشيخ: لا، إذا قلنا: علمه يترتب عليه الثواب ما فيه مخالفة إطلاقًا.
* طالب: الأول: علم الجزاء الذي يترتب عليه المعاقبة، والثاني: علم الظهور لله سبحانه تعالى، فكيف الفرق بينهم؟
* الشيخ: الفرق بينهم أن الأول (لنعلم)، يعني معناه: أنه يكون علمنا الأكيد الذي يترتب عليه الثواب والعقاب، أما الثاني فيقولون: إن العلم الأول علم بأنه سيقع، والعلم الثاني علم بأنه قد وقع، وبينهما فرق، فأنت الآن -مثلًا- إذا علمت بأنه سيكون غدًا كذا وكذا، هذا علم بما سيكون، وطبعًا علمي أنا قد يتخلّف، لكن علم الله ما يتخلّف، فإذا وقع صار هذا علم آخر بأنه قد كان، فالفرق بين العلم الماضي الذي هو علم بأنه سيكون؛ لأنه ما هو بعلم بأنه كان، علم بأنه سيكون، الثاني علم بأنه كان، فيكون المراد بالعلم في قوله: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾، أي: العلم الذي يكون بالشيء حين وقوعه، لا العلم الذي يكون بالشيء قبل أن يقع، فيكون معلوم بأنه سيقع.
* طالب: ارتد جماعة، ذُكروا في السير؟
* الشيخ: لا ما ذكروهم، حتى المفسرين ما عينوهم قالوا: ارتد جماعة من المسلمين فقط.
* طالب: ربما من اليهود الذين يقالون: ﴿آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ [آل عمران ٧٢].
* الشيخ: ربما يكون، ولكن ظاهر القرآن الكريم ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ أنهم كانوا مسلمين وانقلبوا على أعقابهم؛ لأن اليهود منقلبون على أعقابهم من الأصل.
* طالب: الرسول قلنا: (أل) للعهد الذهني، تقدم وصف الرسول بالتعريف.
* الشيخ: وين؟
* طالب: بالألف واللام، ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾، الرسول الثانية تكون (أل) هنا للعهد الذهني؟
* الشيخ: لا، تكون للعهد الذكري، والأولى هي للعهد الذهني.
* طالب: يا شيخ، ﴿يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ أي: يمشي على الوراء؟
* الشيخ: إيه، يمشي على وراء.
﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ ﴿وَإِنْ كَانَتْ﴾ الضمير يعود على الواقعة، يعني: وإن كانت هذه الواقعة -وهي تحويل القبلة- لكبيرة، (إن) هنا تقولون إنها نافية؟ يعني: وما كانت لكبيرة؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: هذه مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، والتقدير: وإنها كانت لكبيرة.
* طالب: شاهد عليها.
* الشيخ: ما هي؟
* طالب:
وَخُفِّفَتْ إِنَّ فَـقَـلَّ الْعَمَلُ ∗∗∗ وَتَلْزَمُ اللَّامُ إِذَا مَا تُهْمَلُ؎وَلَا يَلِي ذِي اللَّامِ............ ∗∗∗ .....................
* الشيخ: لا.
وَالْفِــعْــلُ إِنْ لَــمْ يَكُ..... ∗∗∗ .....................
* الطالب:
وَالْفِعْلُ إِنْ لَمْ يَكُ نَاسِخًا فَلَا ∗∗∗ تُلْفِيهِ بِإِنْ ذِي مُوصَلَا
* الشيخ: غالبًا.
* الطالب:
.......................... ∗∗∗ ....... بِإِنْ ذِي مُوصَلَا
* الشيخ: هذا الفعل الناسخ الآن وهو كان.
﴿وَإِنْ كَانَتْ﴾ أين خبر (إن)؟ جملة كان واسمها وخبرها، ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ اللام هنا للتوكيد، ويجوز أن نقول: إنها للفصل بين (إن) النافية و(إن) المخففة؛ ولهذا قال ابن مالك:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences