Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:158–164, continued
﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف ٨٢] هذا اللي جعلوا يضربون على وترها من يقولون: إن في القرآن مجازًا، ﴿اسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ قالوا: معلوم ما هذا المراد ﴿اسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ هروح للجدران أقول: يا ولد هو سرق أخو يوسف؟ أحد يعقل أن هذا هو المعنى؟! أبدًا، ما أحد يعقل هذا، ولو أن أحدًا قال: إن هذا ظاهر كلام الله، لكان بالحقيقة ساخرًا بكلام الله، فالله ما أراد هذا إطلاقًا، ولا يفهم من هذا المعنى إطلاقًا من هذا اللفظ.
وبهذا تبين أن الكلمة يكون لها معنى بحسب السياق، فالمعنى المتبادر من السياق هو حقيقة الكلام، في أي تركيب كان، وحينئذٍ نقول: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ﴾، المراد بلا شك؟ المراد: أحيا به النبات؛ لأنه الذي يوصف بالحياة والنور، أما الأرض نفسها، فإنها رمل وأحجار وتراب، ما يحيا ولا يموت.
وقوله ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ فيه آيات كثيرة: آيات دالة على الرحمة، وآيات دالة على الحكمة، وآيات دالة على القدرة، آيات دالة على الرحمة بما في هذا الإحياء من المنافع العظيمة: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ [النازعات ٣١، ٣٢] لمن؟ ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [النازعات ٣٣]، فكم من نعمة كثيرة في هذه الزروع التي أحياها الله تعالى بالمطر، ولَّا لا؟ لنا ولأنعامنا، قوتًا ودواءً وغير ذلك، واضح؟ هذا دال على الرحمة.
فيه آيات دالة على الحكمة وهو: أن حياة هذه الزروع جاءت بسبب، وهو؟ الماء الذي نزل، فمنه نأخذ أن الله جل وعلا يخلق بحكمة، ويقدر بحكمة، الله قادر جل وعلا أن يقول للأرض: أنبتي الزرع، فتنبت بدون ماء، لكن كل شيء مقرون بسبب، فكونه جل وعلا ربط إحياء الأرض بنزول الماء وأيش يدل عليه؟ على الحكمة، وأن كل شيء له نظام خاص لا يتعداه، منذ خلق إلى أن يأذن الله تعالى بخراب العالم.
فيه آيات دالة على القدرة، وهي: أنك ترى الأرض خاشعة، هامدة، سوداء، شهباء، ما فيها شيء، فإذا أنزل الله عليها المطر بعد نحو شهر تأتي إليها تجدها تهتز أزهارًا، وأوراقًا، وأشجارًا، ﴿إِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت ٣٩]، هذه قدرة عظيمة، واللهِ لو أن البشر كلهم من أولهم إلى آخرهم اجتمعوا على أن يخرجوا ورقة من حبة، ورقة واحدة من حبة، يستطيعون ولَّا لا؟ ما يستطيعون، وحبة تنبت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة، أليس هذا دليل على القدرة العظيمة؟ نعم، على القدرة العظيمة التي لا منتهى لها، إذن فيه آية على القدرة، وأيش بعد؟ والحكمة، والرحمة.
قال: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ نشوف ﴿بَثَّ﴾ وأيش اللي معطوفة عليه؟ ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾؟
* طالب: عطف على ﴿أَحْيَا﴾.
* الشيخ: على ﴿أَحْيَا﴾؟ إذن معناها: بث الدواب بعد نزول المطر، الظاهر أنها معطوفة على قوله: ﴿أَنْزَلَ﴾ يعني: وفيما بث فيها من كل دابة، وفيما بث في الأرض من كل دابة، أو في الأرض والسماء؟
﴿وَبَثَّ فِيهَا﴾ أي: في الأرض، ﴿مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ (كل) أتى بها للدلالة على الأنواع والأجناس، أنواع وأجناس في الأرض من الدواب ما يعلم بها إلا الذي خلقها، ما يعلم بأنواعها وأجناسها -فضلًا عن أفرادها- إلا الذي خلقها سبحانه وتعالى، يعلم هذه الأجناس، وأنواعها، وأفرادها، وأحوالها، وكل ما يصلحها، يعلمه الله عز وجل، وفيها من آيات الله الدالة على كمال قدرته، ورحمته، وعلمه، وحكمته ما يبهر العقول، شوف -سبحان الله العظيم- تجد هذه الدواب المختلفة المتنوعة، والحشرات الصغيرة، كيف الله هداها لما خلقت له، ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه ٥٠]، حتى إنك لترى الماء يدخل في جحر الذر، فترى الذر تخرج من هذا الجحر حاملة أولادها، ذر تحمل أولادها، ماذا ترجو من هذه الأولاد؟! لكن رحمة أرحم الراحمين جعل في قلب هذه الذرة رحمة لتحمل أولادها عن الغرق، أنا شاهدته بعيني، وأنتم إذا شئتم جربوا.
* طالب: (...) قلب؟
* الشيخ: نعم، لها قلب، ولها عقل يليق بها، فالحاصل أن هذا من آيات الله عز وجل، كذلك أيضًا البهائم، السباع الضارية اللي تأكل ما دون أولادها من الحيوان، تجد أولادها اللي أكبر منها اللي هي تأكل ماذا تصنع به؟ تحنو عليه وتربيه، حتى إذا استقل بنفسه صار عدوًّا لها، أو صارت هي عدوة له، الهرة تربي أولادها، فإذا استغنوا عنها؟ طردتهم، صارت عدوة لهم، هذا من آيات الله عز وجل.
في هذه الدواب التي بثها الله في الأرض من آيات الله: أنك ترى بعض الدواب تدب على الأرض، تدب، لكن ما تكاد تدرك جسمها فضلًا عن أعضائها، فضلًا عما في جوفها، ومع ذلك عائشة ولَّا لا؟ -عايشة ما هي عائشة أو لا؟ عايشة- عايشة على ما هي عليه، عايشة وتعرف مصالحها، وتعرف جحرها، وتأوي إليه، هذه من آيات الله، وعلى كل حال نحن ما نعرف الحقيقة، ما درسنا في علم الأحياء، ومن درس في علم الأحياء وجد من هذا ما يبهر العقول، فما بث الله في الأرض من الدواب من أجناسه وأنواعه هذا فيه من آيات الله ما لا يحصى؛ لأن في كل شيء منه آية، وهو لا يحصى أنواعًا أو أجناسًا، فضلًا عن أفرادًا.
وقوله: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ فيه آيات، يعني: هذه الدواب العظيمة الكثيرة معلومة عند الله أو لا؟ معلومة؛ لأنه خلقها، موضوع فيها الرحمة؛ لأننا نشاهد التراحم بينها، فيها مصالح للعباد، ولَّا لا؟ نعم، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾ [يس ٧١، ٧٢].
وهنا آية أيضًا غريبة وهي: تمام قدرة الله عز وجل بخلق الضدين في الحيوان، فيه حيوان يؤذي بني آدم، وفيه حيوان ينتفع به بنو آدم، والخالق واحد، والمادة واحدة، والجنس واحد، ومع ذلك هذا منه غاية الضرر، وهذا منه منافع كثيرة، ولَّا لا؟ البعير أكبر من العقرب، معلوم؟ معلوم، العقرب تلدغ فتؤذي أو تضر، وربما تقتل، والبعير؟ تنفع، ذللها الله عز وجل، يجيء الصبي الصغير اللي يرعاها يأخذ بخطامها ويقودها إلى ما شاء، أو يستدبرها ويسوقها إلى ما شاء، وهذا لا شك أنه من آيات الله، الذي خلق هذه المخلوقات العظيمة وجعل بعضها نافعًا وبعضها ضارًّا، هذا من آيات الله.
* طالب: شيخ، فيها آيات ردًّا على الممثلة الذين مثلوا الله بخلقه؛ فإنها تختلف هذه الجمادات مع..
* الشيخ: إيه، مع اتفاق الاسم.
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: إي نعم، ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ عندي فيها قراءة ثانية: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيحِ﴾ أما على قراءة الإفراد فالمراد الجنس، وأما على قراءة الجمع فالمراد أنواعها، ﴿تَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ فيه آيات تصريف الرياح؟ إي نعم، فيه آيات كثيرة، والتصريف يشمل: تصريفها من حيث الاتجاه، تصريفها من حيث الشدة وعدمها، تصريفها من حيث المنافع وعدمها، أو لا؟ من حيث الاتجاه: جعلها الله سبحانه وتعالى متجهة: جنوبًا، وشمالًا، وغربًا، وشرقًا، هذه هي الأصول في الجهات، وهناك جهات أخرى تكون بينها وتسمى: النكبة؛ لأنها ليست على الاستقامة في الشرق، أو الغرب، أو الشمال، أو الجنوب، فهي نكباء، ناكبة عن الاتجاه الأصلي.
هذه الرياح في تصريفها آيات، لو بقيت الريح من اتجاه واحد لأضرت بالعالم، لكنها تتقابل، فيكسر بعضها حدة بعض، ويذهب بعضها بما جاء به البعض الآخر من الأذى والجراثيم وغيرها، فتتقابل ويكسر بعضها بعضًا، كذلك أيضًا في تصريفها آيات بالنسبة للسحاب، فبعضها يجمع السحاب، وبعضها يفرقه، وبعضها يلقحه، وبعضها يدره، ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ [النور ٤٣]، ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر ٢٢] قال أهل العلم: إنها تلقح في السحاب، وتلقح أيضًا بعض النبات، بعض النبات الذي يحمل اللقاح إليه هو الرياح، في تصريف الرياح أيضًا آيات للسفن الشراعية، ولَّا لا؟ نعم، فيه أيضًا آيات في إهلاك أناس وإنجاء آخرين، ولَّا لا؟ أهلك الله به عادًا، وطرد به الأحزاب عن رسول الله ﷺ، وأنجى الله رسوله ﷺ بهذه الريح من شر الأحزاب، ففيه آيات، ومن تدبر هذا عرف ما فيها من قدرة الله، ورحمته، وعزته، وحكمته.
لو أن جميع مكائن الدنيا كلها، كل مكائن الدنيا اجتمعت وصارت على أقوى ما يكون من نفث هواء، هل يمكن أن تحرك ساكنًا؟ إلا فيما حولها فقط، لكن تصل من أقصى الشمال إلى الجنوب أو العكس؟ ما تصل، والله جل وعلا: كن فيكون، تجد الرياح شديدة شمالية، وفي لحظة تنعكس وتكون جنوبية شديدة، هذا تمام القدرة العظيمة التي يدبرها الله عز وجل بأمر ما يستطيعه البشر؛ ولهذا صار تصريف الرياح آيات من آيات الله العظيمة الدالة على قدرته.
ثم إن في تصريفها أيضًا مصالح للسفن الجوية؛ لأن لها تأثيرًا على الطائرات، لها تأثير على الطائرات كما يقولون، وكذلك بالنسبة للسيارات ما لها تأثير؟ لها تأثير، إذن فالرياح في الحقيقة تصريفها فيه آيات من آيات الله العظيمة الكثيرة.
﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ﴾ هذه من آيات الله: السحاب المسخر بين السماء والأرض، السحاب هو هذا الغمام والمزن، وسمي: سحابًا؛ لأنه ينسحب انسحابًا في الجو، ما هو بيقفز قفزًا، أنتم تشاهدون الغيم الآن يقفز قفزًا؟ لا، لكنه ينسحب انسحابًا بإذن الله، هذا السحاب المسخر المذلل والذي ذلّله خالقه جل وعلا، ذلّله لمصالح عباده، يرسله الله أحيانًا رحمة وأحيانًا نقمة، هذا السحاب المسخر المذلل بين السماء والأرض فيه آيات، آيات دالة على أي شيء؟ على القدرة، والرحمة، والحكمة، كلها موجودة في هذه الآيات، على القدرة من يستطيع أن يأتي بالسحاب؟ من؟ الله عز وجل، ما أحد يستطيع، ثم من يستطيع أن يدر منه هذا الماء؟ الله عز وجل؛ ولهذا قال: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [لقمان ٣٤].
ثم من يستطيع أن يجعل هذا السحاب أحيانًا متراكمًا، متراكمًا حتى يكون مثل الجبال السود يوحش من يراه، وأحيانًا يكون خفيفًا، وأحيانًا يكون سريعًا، وأحيانًا يكون بطيئًا، وأحيانًا تراه لا يتحرك، نحن شاهدناه كثيرًا نجده مستقر ما يمشي؛ لأنه يمشي بأمر الله، فهو مسخر مذلل بأمر الله عز وجل.
ثم هذا السحاب أيضًا مسخر بأمر الله، يسقي هذه الأرض ولا يسقي هذه الأرض، تجده يأتي فوق الرؤوس ويرعد ويبرق، وربما يستقر بعض الاستقرار ولا يمطر، ثم ينصرف إلى قوم آخرين، فيمطر عليهم بدون هذا الرعود والبرق؛ لأنه يؤمر، وأظنه لا يخفى عليكم -أو على أكثركم- قصة الرجل الذي سمع صوتًا في السحاب يقول: «أَسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ.»، وهذه ثابتة عن الرسول عليه الصلاة والسلام، يقول هذا الرجل: «فَانْطَلَقْتُ فَأَفْرَغَتِ السَّحَابُ مَاءَهَا فِي حَرَّةٍ، ثُمَّ جَرَى الْوَادِي فِي شَطْرِ الْحَرَّةِ، فَأَسْقَى تِلْكَ الْحَدِيقَةِ، فَجَاءَ إِلَى صَاحِبِهَا فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ يَا فُلَانٍ؟ قَالَ: مَاذَا تُرِيدُ؟ أَخْبَرَهُ بِاسْمِهِ، فَإِذَا هُوَ الِاسْمُ الَّذِي سَمِعَهُ فِي السَّحَابِ يَقُولُ: أَسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ، قَالَ لَهُ: مَاذَا تَصْنَعُ فِيهَا؟ قَالَ: إِنِّي أَقْسِمُهَا، أَوْ أُجَزِّئُهَا أَثْلَاثًا: ثُلْثٌ لِلْفِلَاحَةِ، وَثُلْثٌ لِأَوْلَادِي، وَالثُّلْثُ الثَّالِثُ أَتَصَدَّقُ بِهِ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٤ / ٤٥)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، الشاهد أن هذا السحاب ينزل ماءه بأمر الله، ويمتنع بأمر الله عز وجل، وكذلك لا يخفى عليكم ما ثبت في الصحيحين من «حديث أنس في قصة الرجل الذي جاء للرسول الله عليه الصلاة والسلام يطلب منه أن يستسقي، النبي عليه الصلاة والسلام سأل الله أن يغيثه، والسماء صحو ما فيها ولا قزعة، فأنشأ الله السحاب وانتشر، ورعد، وبرق، وأمطر، فما نزل الرسول ﷺ من المنبر إلا والمطر يتحادر من لحيته - » سبحان الله العظيم لو اجتمع الخلق كلهم على أن يفعلوا هذا الفعل ما استطاعوا، لكن الله خلقه وسخره وأمره، فنزل، آية من آياته، وآية لصدق رسوله- «في الجمعة الثانية طلبوا من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يستسقي لهم فقال: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ وَالظِّرَابِ وَبُطُونِ الْأَوْدِيةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ»، وجعل يشير بيده حوالينا، كذا، فما يشير إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٩٣٣)، ومسلم (٨٩٧ / ٨)، من حديث أنس رضي الله عنه.]]، انفرجت لأمر الرسول ولَّا لأمر الله؟ لأمر الله، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام موجه، مثلما هو قاسم والله معطي، الرسول موجه، لكن السحاب لو أمره الرسول ﷺ ألف مرة ولم يأمره الرب جل وعلا، ما تحرك، لكن هذا بأمر الله.
هذا من تسخير الله سبحانه وتعالى لهذا السحاب المسخر، وإذا رأينا أيضًا لهذا السحاب المسخر، وأظن بعضكم ركب الطائرة، تجد هذا السحاب بعضه تحتك مثل بُعد الأرض، وبعضه فوقك مثل بُعد السحاب عن الأرض، طبقات عظيمة، كنا نظن أن السحاب قبل أن نصعد إلى الجو أن السحاب كله في طبقة واحدة، فإذا هو طبقات عظيمة متباعدة ومتباينة، وشاهدناه أيضًا في الأرض وفي الجو، شاهدناه يجتمع بعضه إلى بعض ويلتئم، وقد ذكروا لنا -أهل الدراية في هذه الأمور- أنه إذا أرعد جانب من السحاب بدأت المزن تتجمع على هذه لترعد، تتجمع بإذن الله، تشاهدونها كأن فيها مغناطيسًا يجذب هذا المتفرق من السحاب إليه، هذا أيضًا من آيات الله عز وجل.
وقوله: ﴿بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ ما المراد بالسماء؟ السماء: السقف المرفوع، والأرض أرضنا هذه، وهذه البينية هل تقتضي الملاصقة؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، فهي بينها بدون ملاصقة، أنا قصدت بهذا التقرير الرد على الذين أنكروا قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ بَيْنَ أَصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ»[[أخرجه مسلم (٢٦٥٤ / ١٧) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.]]، وقالوا: لو كان هذا حقيقةً..
الدليل هذا ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة ١٦٤]، وكذلك تقول: بدر بين مكة والمدينة، هذا في المكان، وبينهم؟ بينهم مسافة واضحة.
* طالب: وحملها بين السماء والأرض هل بدون شيء؟
* الشيخ: إي نعم هذا أيضًا من آيات الله، حملها البحار العظيمة بين السماء والأرض، وكونه أيضًا كما قال الله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور ٤٣]، هذا في الجو جبال من البرد، ولا تستغرب ذلك، لا تستغرب أن يكون فيها جبال من البرد، محمول بقدرة الله عز وجل وبأمره، وإن كان له سبب خلقه الله لحمله، لكن المهم أنه محمول بأمر الله وقدرته، نحن في العام الماضي ذهبنا في الصيف من هنا إلى الدمام، وقال لنا الطيار يتكلم بالطائرة، قال: إن درجة الحرارة خمس وعشرين تحت الصفر، وإحنا في الأرض نحترق، (...) في الصيف، لكن يجينا الحر في وسط النهار، خمس وعشرين تحت الصفر وأيش تقتضي؟ الجماد، يجمد، جماد، نحن نقول: كيف بإذن الله إذا جاء وقت الصيف وهو حر أيش لون ينزل البرد؟ وغالبًا ما يكون البرد في أيام الصيف، ولكن وجدنا أن الجو طبقات عظيمة، طبقات عظيمة، هذا الجزء من طبقات الجو اللي وصل درجة حرارته إلى خمس وعشرين تحت الصفر يقين إن الماء الذي فيه سيجمد، يكون جبال، ومع ذلك ينزله الله عز وجل كما تشاهدون ينزله حبات، حبات إذا لم يوجد له الضرر، إذا لم تقتضي الحكمة أن يضر أحدًا به، فإنه ينزل كما تشاهدون، حبات دقيقة لا تضر حيوانًا، ولا تفسد شجرًا.
وقوله: ﴿لَآيَاتٍ﴾ اللام هذه للتوكيد، و﴿آيَاتٍ﴾ اسم إن منصوب بها، وعلامة نصبه كسرة ظاهرة في آخره.
* طالب: (...) أو نيابة عن (...).
* الشيخ: علامة نصبه كسرة ظاهرة في آخره.
* الطالب: صحيح هذا؟
* الشيخ: لا، لازم تبين، الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنك لو تقول: كسرة ظاهرة في آخره، ظن من سمعك أن من علامات النصب الكسرة وليس كذلك.
وقوله: ﴿لَآيَاتٍ﴾ عرفتم فيما سبق أن كل واحد من هذه الأنواع فيه آيات، كل واحد فيه آيات، ما هو معناها أن الآيات موزعة لكل واحد آية، كل واحد يشتمل على آيات.
وقوله تعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ﴿يَعْقِلُونَ﴾ أي لهم عقول، وقد سبق لنا أن العقل ينقسم إلى قسمين: عقل إدراك، وعقل الرشد، عقل الإدراك هو مناط التكليف، وعقل الرشد مناط الثناء والمدح، الأول بفقده يُفْقَد التكليف، والثاني بفقده يُفقَد المدح والثناء، أيهما المراد هنا ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾؟ يعني عقل اللي هو مناط التكليف، وهو عقل الإدراك، أو عقل مناط الثناء والمدح، وهو عقل الرشد؟
* الطلبة: الرشد.
* الشيخ: الأخير، عقل الرشد، فالإنسان العاقل الذي يستعمل عقله فيما ينفعه، فيعقله عما لا ينبغي؛ لأن العقل سُمي بذلك؛ لأنه يعقل صاحبه عما لا ينبغي، فالإنسان العاقل حقًّا إذا تأمل هذه الأشياء وجد أن فيها آيات تدل على خالقها جل وعلا، وعلى موجدها، أما الإنسان المعرض فهو وإن كان عقله كبيرًا وذكائه قويًّا فإنه لا ينتفع به؛ ولهذا وصف الله تعالى الكفار بأنهم لا يعقلون، مع أنهم في العقل الإدراكي عقلاء ولَّا لا؟ في العقل الإدراكي الذي يدركون به ما ينفعهم ويضرهم، لكن لا يعقلون، موجود فيهم العقل هذا ولَّا لا؟ موجود، لكن نفاه الله عنهم لعدم انتفاعهم به، وعدم عقلهم الرشدي الذي يرشدهم إلى ما فيه مصلحتهم، ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
* الطالب: بَثَّ معطوفة على الماء، ما تكون معطوفة على أحيا؟
* الشيخ: نعم لأنك إذا قلت: على أحيا لصار البث مرتبًا على إنزال الماء.
* طالب: (...).
* الشيخ: الفاء في قوله: ﴿فَأَحْيَا بِهِ﴾ مرتبة على ﴿أَنْزَلَ﴾ فإذن يكون المعطوف عليها مرتبًا على ﴿أَنْزَلَ﴾، وليس الأمر كذلك.
* في الآية الكريمة: أن إله الخلق إله واحد وهو الله؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة ١٦٣].
* ومن فوائدها: إثبات اسم الإله والواحد لله، ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، وقد جاء في قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم ٤٨] فأثبت اسم الواحد لله سبحانه وتعالى.
* ومن فوائدها: اختصاص الألوهية بالله؛ لقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ وفي التفسير أشرنا إلى وجه الإشكال بين هذه الآية وبين ما أثبت الله تعالى من ألوهية أصنام، وقلنا: إن الجمع بينهما الحق والباطل، فألوهية الله حق، وألوهية أولئك باطل.
* ومن فوائد الآية: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: الرحمن، الرحيم، الإله، والواحد، والرحمن الرحيم.
* ومن فوائدها: ثبوت أو إثبات ما تضمنه هذان الاسمان من الصفة والحكم، وبعض العلماء يقول: الصفة والأثر، الصفة ما هي؟ الرحمة، الصفة الرحمة، والحكم أنه يرحم بهذه الرحمة، ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾.
* الطالب: شيخ، أيش الصفة المشتقة من اسم الواحد؟
* الشيخ: الوحدانية.
* ومن فوائد الآية: أنه قد يكون للاسم من أسماء الله معنى إذا انفرد، ومعنا إذا انضم إلى غيره؛ لأن الرحمن لو انفرد لدل على الصفة والحكم، وإذا جُمع مع الرحيم جعل الرحمن للوصف والرحيم للفعل.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [البقرة ١٦٤] إلى آخره.
* من فوائد الآية الكريمة: عظم خلق السموات والأرض، ما وجهه؟
* الطالب: لقوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
* الشيخ: ﴿لَآيَاتٍ﴾ فلولا أنه عظيم ما كان آية، فيستفاد منه عظم خلق السموات والأرض.
* ومنها: أن السموات متعددة، تؤخذ من الجمع ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾.
* ومنها: أن السموات مخلوقة، فهي إذن معدومة من قبل، فليست أزلية.
* فيتفرع على هذه الفائدة: الرد على الفلاسفة الذين يقولون: بقدم الأفلاك، يقولون: بقدم الأفلاك يعني أنها قديمة غير مخلوقة، وأنها أزلية أبدية؛ ولهذا أنكروا انشقاق القمر، وقالوا: إن الأفلاك العلوية ما يمكن يلحقها تغيير، وفسروا قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر ١] بأن المراد ظهور العلم والنور برسالة النبي ﷺ، ولا شك أن هذا تحريف باطل، مخالف للأحاديث المتواترة الصحيحة عن النبي عليه الصلاة والسلام، إذن نستفيد من هذه الآية أيش؟ أن السموات مخلوقة، فهي إذن حادثة، ليست قديمة خلافًا للفلاسفة القائلين بقدمها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يتأمل في هذه السموات والأرض ليصل إلى الآيات التي فيها؛ لأنه قال: فيها آيات، إذن تأمل لتصل إلى هذه الآيات.
* ومنها: أن الآيات في خلق السموات والأرض متنوعة بحسب ما تدل عليه من القدرة والحكمة والرحمة وما إلى ذلك، ففيها قدرة وحكمة، هذا الانتظام، وفيها رحمة للخلق.
* ومنها: ما في اختلاف الليل والنهار من الآيات؛ لقوله: ﴿اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [البقرة ١٦٤].
* ومنها: أن اختلافهما من رحمة الله؛ لأنهما يتضمنان الرحمة والقدرة، وسبق أن اختلاف الليل يتضمن؟ اختلافهما بالطول، والقصر، والظلمة، والنور، والحر، والبرد، والنصر، والخذلان، والجدب، والخصب وغير ذلك، وكذلك أيضًا راحة الناس ومن آياته ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القصص ٧٣]
* ومن فوائدها أيضًا: ما في الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس من نعم الله الدالة على آياته، وسبق أن فيها آيات متنوعة.
* ومنها أيضًا من فوائد الآية: ما تضمنه إنزال المطر من السماء، فيه آيات؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: إي نعم فيه آيات عظيمة، كون هذه البحار العظيمة تمشي بين السماء والأرض، وتنزل رذاذًا لا صبًّا، وتنزل أيضًا بحسب أمر الله عز وجل، ما هي تمشي هكذا، تمشي بأمر الله عز وجل كما تقدم تفسيره.
* ومنها: ما تضمنه قوله: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة ١٦٤] من الآيات، وأظن سبق الكلام عليها، فهي آيات عظيمة دالة على كمال القدرة، والرحمة، والعظمة، وعلى إحياء الله تعالى الموتى.
* ومن فوائد الآية أيضًا: ما تضمنه قوله: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ نشر وفرق من كل دابة، كم عددها؟ ما يُعلم عدها، عَدُّ أجناسها فضلًا عن أنواعها، فضلًا عن أفرادها، هذه الدواب العظيمة المختلفة كِبَرًا وصِغَرًا، ونفعًا وضررًا إلى آخره كلها من آيات الله عز وجل، تجد العقرب تلسعك وهي كبر الأصبع، وتؤذيك، والناقة وهي أكبر من خمسة رجال تنفعك ومسخرة مذللة لك، فهذا من آيات الله عز وجل، وكذلك سبق لنا أيضًا في التفسير إن فيها من آيات الله ما أعطاه الله تعالى من الهداية لما خلقت له، وأن هذه الدواب التي لا تكاد تراها صِغَرًا مهدية شو له؟ لما خلقت له.
* ومن فوائد الآية أيضًا: ما في تصريف الرياح من الآيات، وفيها قراءة: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيحِ﴾ ، تصريف الرياح إلى جنوب، وشمال، وشرق، وغرب، وبين ذلك، بس؟ وشدة، وقوة، وعكس ذلك، وكذلك أيضًا منافع؛ لأنها تختلف منافعها، ففي كل هذا آيات من آيات الله عز وجل، لو اجتمع الخلق كلهم على أن يأتوا بمثل العاصفة التي أصابتنا ليلة الجمعة حتى قلبت الجو من الحر إلى البرد يستطيعون؟ أبدًا ما يستطيعون، كل آلاتهم ما يستطيعون، وهذا أمسينا ونحن في حر وأصبحنا في برد -الله أكبر-.
* ومن فوائد الآية: ما في السحاب المسخر بين السماء والأرض من الآيات العظيمة، ففيه؟ السحاب المسخر، إنه مسخر مذلل لأيش؟ لمصالح الخلق، يمشي بإذن الله، ويمطر بإذن الله، ويُقْلِع بإذن الله نعم؟ وهو سحاب، جماد، لكنه يفهم ما يؤمر به، ويمتثل ما يؤمر به ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت ١١] ماذا قالتا؟ ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت ١١] وهما جماد، وقيل لابن آدم: اسجد وصل. فقال: ما أنا بساجد ولا مصل. وهو إنسان له إرادة، شوف الفرق، هذا السحاب المسخر بين السماء والأرض فيه من آيات الله عز وجل ما يبهر العقول، والعالمون بهذه الأمور أكثر منا اطلاعًا على هذا الأمر.
* ومن فوائد الآية: مدح العقل، وأن به يستظهر الإنسان الآيات التي تزيده إيمانًا ويقينًا، لقوله: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ١٦٤]، طيب آيات على أيش؟ قلنا: على كل ما تضمنته من الدلالات على ما لله عز وجل من أين؟ من القدرة، والعظمة، والحكمة، والرحمة وغير ذلك، فإنه يستدل بالأثر على المُؤَثِّر، ولله المثل الأعلى، لو أنك وجدت قصرًا محكمًا في بنائه، وفي شكله، وفي كل أحواله استدللت به على أيش؟ على أن بَنْيَهُ له علم، ومعرفة، واطلاع، حنكة، فكذلك هذه السماء والأرض، وما ذكر الله في هذه الآيات، والمراد بالعقل هنا تقدم أن المراد؟
* الطلبة: الرشد.
* الشيخ: إي نعم، عقل الرشد الذي يهتدي به الإنسان، أما العقل الذي هو ضد الجنون وهو عقل الإدراك الذي يناط به التكليف فهذا قد لا يفهم الإنسان ما فيها من الآيات، ولو كان عاقلًا بهذا المعنى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences