Ibn 'UthayminAl‑Baqarah · 2:189–195

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:189–195

2:189–195Page 29

۞ يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَهِلَّةِۖ قُلۡ هِيَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلۡحَجِّۗ وَلَيۡسَ ٱلۡبِرُّ بِأَن تَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰۗ وَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِنۡ أَبۡوَٰبِهَاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ١٨٩

They ask you, [O Muḥammad], about the crescent moons. Say, "They are measurements of time for the people and for ḥajj [pilgrimage]." And it is not righteousness to enter houses from the back, but righteousness is [in] one who fears Allāh. And enter houses from their doors. And fear Allāh that you may succeed.

وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ ١٩٠

Fight in the way of Allāh those who fight against you but do not transgress. Indeed, Allāh does not like transgressors.

وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ ثَقِفۡتُمُوهُمۡ وَأَخۡرِجُوهُم مِّنۡ حَيۡثُ أَخۡرَجُوكُمۡۚ وَٱلۡفِتۡنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۚ وَلَا تُقَٰتِلُوهُمۡ عِندَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِيهِۖ فَإِن قَٰتَلُوكُمۡ فَٱقۡتُلُوهُمۡۗ كَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٩١

And kill them [in battle] wherever you overtake them and expel them from wherever they have expelled you, and fitnah1 is worse than killing. And do not fight them at al-Masjid al-Ḥarām until they fight you there. But if they fight you, then kill them. Such is the recompense of the disbelievers.

فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٩٢

And if they cease, then indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِۖ فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَلَا عُدۡوَٰنَ إِلَّا عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ ١٩٣

Fight them until there is no [more] fitnah and [until] religion [i.e., worship] is [acknowledged to be] for Allāh. But if they cease, then there is to be no aggression [i.e., assault] except against the oppressors.

ٱلشَّهۡرُ ٱلۡحَرَامُ بِٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ وَٱلۡحُرُمَٰتُ قِصَاصٞۚ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَٱعۡتَدُواْ عَلَيۡهِ بِمِثۡلِ مَا ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ ١٩٤

[Battle in] the sacred month is for [aggression committed in] the sacred month,1 and for [all] violations is legal retribution. So whoever has assaulted you, then assault him in the same way that he has assaulted you. And fear Allāh and know that Allāh is with those who fear Him.

وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا تُلۡقُواْ بِأَيۡدِيكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ وَأَحۡسِنُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٩٥

And spend in the way of Allāh and do not throw [yourselves] with your [own] hands into destruction [by refraining]. And do good; indeed, Allāh loves the doers of good.

وقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ يعني عن الحكمة فيها بدليل الجواب ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة ١٨٩].

وأما ما ذكر في البلاغة من أنهم سألوا الرسول عليه الصلاة والسلام عن الأهلة -عن كونه هلالًا يبدو صغيرًا ثم يكبر أيش السبب؟ فأجاب الله تعالى ببيان الحكمة، وقالوا: إن هذا من باب أسلوب الحكيم؛ أن يجاب السائل بغير ما يتوقع؛ إشارة إلى أنه كان ينبغي أن يسأل عن هذا- فالصواب أنهم ما سألوا الرسول عن هذا، سألوه عن الحكمة من الأهلة وأن الله سبحانه وتعالى خلقها على هذا الوجه، والدليل الجواب؛ لأن الأصل أن الجواب هو جواب السؤال، حتى يثبت ذلك بنص صحيح.

ولم يثبت ذلك بنص صحيح أن الصحابة سألوا عن السبب في كونه يبدو هلالًا صغيرًا ثم لا يزال ينمو شيئًا فشيئًا حتى يكتمل، ما فيه حديث صحيح في هذا، وعليه فيتعين أن يكون السؤال مطابقا للجواب؛ لأنهم سألوا: ما هي الحكمة.

* طالب: (...) بالعكس؟

* الشيخ: لا، والجواب.

* طالب: (...) مطابق للسؤال.

* الشيخ: وكذلك السؤال، يعني نحن الآن نؤيد أن السؤال عن الحكمة، ما هو عن كونه يبدو صغيرًا، فنقول: هذا الجواب لا بد أن يكون مطابقًا من سؤالهم، وسؤالهم أيضًا مطابقًا له.

قال الله تعالى: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ يعني الأهلة مواقيت للناس، جمع ميقات، من الوقت، يعني أنها توقَّت بها الأشياء، ولهذا يوقت الناس فيها كل ما يتعلق بأحوالهم، ففيها مواقيت في العِدد المعلقة بالشهور؛ كعدة الوفاة أربعة أشهر وعشرة أيام، وعدة من لا تحيض، كم؟ ثلاثة أشهر، وأجل المولِي ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة ٢٢٦].

وكذلك يوقت الناس فيها آجال الديون والإجارات وغيرها، فهي مواقيت للناس.

والمواقيت بالأشهر الهلالية أبين وأظهر من المواقيت بالأشهر الوهمية التي هي الأشهر الأفرنجية الآن، أشهر وهمية ما لها أصل، ولهذا بعضها ثمان وعشرون وبعضها واحد وثلاثون، ثلاثة أيام، هذه الأشهر لو يختلف الناس وما عندهم تقاويم أين يرجعون إليه؟ ما عندهم شيء يرجعون إليه، لكن الأهلة إذا اختلفوا يحكم بينهم الهلال، الهلال هو اللي يحكم بينهم، فهو علامة حسية ظاهرة، ولهذا جعل الله عز وجل الأشهر مواقيت للناس، للناس عموما، لا للمسلمين فقط، بل للناس عموما؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة ٣٦].

وقوله: ﴿وَالْحَجِّ﴾ يعني ومواقيت للحج؛ لأن الحج أشهر معلومات، تبتدئ بدخول شوال وتنتهي بانتهاء ذي الحجة، ثلاثة أشهر.

فإذا قال قائل: والصيام أيضًا ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة ١٨٥].

قلنا: نعم، لكن سياق الآيات توطئة لبيان الحج، فلهذا قال: ﴿وَالْحَجِّ﴾، والصيام انتهى الكلام عليه.

﴿مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ [البقرة ١٨٩] طيب ﴿هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة ١٨٩] فيه إعراب، (مواقيت) خبر (هي)، وسؤالي: لماذا لم تنون فيقال: مواقيتٌ؟

* طالب: صيغة منتهى الجموع، ممنوع من الصرف.

* الشيخ: لأنه ممنوع من الصرف؛ لصيغة منتهى الجموع: (مفاعيل). وقول الله: ﴿الْحَجِّ﴾ معطوفة على ﴿لِلنَّاسِ﴾.

﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ [البقرة ١٨٩].

البر هو الخير، وسمي الخير برا لما فيه من السعة، ومنه في الاشتقاق البَرُّ، اللي هو الخلاء، سوى البنيان لسعته.

وقوله: ﴿لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا﴾ الباء حرف جر أصلي ولّا زائد؟

* طالب: زائد.

* الشيخ: زائد للتوكيد، يعني وليس البر بإتيانكم البيوت من ظهورها.

﴿بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ أي من خلفها لا من أبوابها، ﴿لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ﴾ وفي قراءة: ﴿الْبِيُوتَ﴾، البيوت هي لغتنا العامية نعم، وهي لغة عربية، قراءة سبعية.

﴿بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ هذه (من) بيانية، أي تأتوها من الخلف، وكانوا في الجاهلية من سفههم يأتون البيوت من ظهورها إذا أحرموا بحج أو بعمرة، إلا قريشًا فإنهم يأتونها من أبوابها، أما غيرهم يقولون: نحن أحرمنا ما يمكن ندخل بيوتنا من أبوابها، هذا يبطل الإحرام، لا بد أن نأتي من الظهور لئلا يسترنا سقف البيت، شوفوا الجهل، كانوا يتسلقون البيوت مع الجدران من الخلف، ويعتقدون أن ذلك بر وقربة إلى الله عز وجل، فنفى الله هذا وأبطله ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ هذا ليس من البر، بل هو من خلاف البر.

السبب لما فيه من التعسير، ولما فيه من مخالفة الحكمة والسفه، فهو خلاف البر، ولهذا قال عز وجل: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾.

﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ وفي قراءة: ﴿وَلَكِنِ البِرُّ مَنِ اتَّقَى﴾ على أن تكون (لكن) مخففة من الثقيلة مهملة و(البر) مبتدأ.

أما على القراءة بالتشديد ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾ فهي عاملة و(البر) اسمها.

وقوله: ﴿الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ (البر) اسم معنى و(من اتقى) اسم جثة، كيف يخبر بالجثة عن اسم المعنى؟

نقول: إن هذا تقدم لنا نظيره مرارا، وأنه يخرّج على واحد من أوجه ثلاثة، من يعرفها؟

* طالب: يكون المصدر هنا بمعنى اسم الفاعل: ولكن البَارَّ، أو على تقدير محذوف: ولكنَّ البِرَّ بِرُّ مَنِ اتَّقَى.

* الشيخ: نعم، أو؟

* الطالب: أو هذا على سبيل المبالغة المطلقة مصدر.

* الشيخ: أن يجعل المتقي نفس البر، طيب صح.

﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ اتقى من؟ اتقى الله عز وجل؛ لأن الاتقاء في مقام العبادة إنما يراد به: اتقوا الله عز وجل.

البر هو التقوى، هذا حقيقة البر، لا أن تتقي دخول البيت من بابه، ولكن البر أن تتقي الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾، ائتوا البِيوت والبُيوت من أبوابها، أي من جهة الباب؛ فإن هذا هو الخير، وهذا من الحكمة في تعليم الله عز وجل أنه إذا نهى عن شيء وجه الناس إلى الطريق السليم ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة ١٠٤].

وهكذا تعليم الرسول عليه الصلاة والسلام أمته إذا سد عليهم بابا لتحريمه فتح لهم باب الحل، «قال للذي جاء إليه بتمر طيب وقال: إنا نأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة، قال: «لَا تَفْعَلْ، بِعِ الْجَمْعَ» يعني الجمع التمر الرديء المجمع «بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ اشْتَرِ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٠٢)، ومسلم (١٥٩٣ / ٩٥) من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة.]] يعني تمرا طيبا، فمنعه من المحرم وفتح له باب الحلال.

وهكذا ينبغي لكل من يعلم الناس إذا سد عليهم بابا وهم يحتاجون إلى التعامل به أن يفتح عليهم باب الإباحة.

﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ فإن هذا هو الموافق للعادة وللطبيعة وللعقل، قال بعض العلماء: وينبغي أن تكون هذه قاعدة حتى في الأمور المعنوية؛ أنك تأتيها من أبوابها، ما تتجشم الأمر تجشما، بل تأتي من بابه بالحكمة والموعظة الحسنة حتى تتم لك الأمور؛ فيكون فيها إشارة إلى أن الأمور المعنوية أيضًا تؤتى من أبوابها، ما تجشم الأشياء تجشما، يعني هذا قد لا تحصل المقصود.

فإذا أردت مثلًا أن تخاطب شخصا كبيرا، كبير المنزلة، فهل تأتي إليه على طول مثلا، تتكلم معه وتخاطبه بما تخاطب سائر الناس؟ الجواب: لا وإنما تأتي من الأبواب.

﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾

﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: اجعلوا لكم وقاية من عذابه بفعل أوامره واجتناب نواهيه.

﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (لعل) للتعليل؛ أي: لأجل أن تنالوا الفلاح، والفلاح هو الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب.

* طالب: طيب مثلا الناس اللي يتعاملون (...).

* الشيخ: يأخذ الحزام ويروح يحطّب ويجيء يبيع.

﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة ١٩٠] قاتلوا: فعل أمر، والمقاتلة: مفاعلة من الجانبين، يعني اقتلوهم بمقاتلتهم، ولكن قال: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، أي في دينه وشرعه ولأجله، فسبيل الله سبحانه وتعالى يتناول الدين وأن يكون القتال في حدود الدين، وعلى الوجه المشروع، ولله وحده، ولهذا قدمه، قدم المقاتَل من أجله قبل المقاتَل؛ إشارة إلى أنه ينبغي الإخلاص في هذا القتال؛ لأنه ليس بالأمر الهين، الإنسان المقاتل يعرض رقبته لسيوف الأعداء، فإذا لم يكن مخلصا لله خسر الدنيا والآخرة، قُتل ولم تحصل له الشهادة، فنبه بتقديم المراد ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ لأجل أن يكون مبنيا هذا القتال على الإخلاص.

وقوله: ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ قاتلوا الذين يقاتلونكم، اختلفت آراء الناس في هذا المفعول به ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ فإن قوله: ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ قد يقول قائل: مفهومه أن الذين لا يقاتلونكم لا تقاتلونهم، وعلى هذا فيكون مقاتلتنا للكفار قتال دفاع فقط، يعني الذين يقاتلونكم فقط.

ولهذا اختلف العلماء في هذا على أقوال ثلاثة:

أحدها: أن هذه الآية منسوخة، منسوخة بماذا؟ بقوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة ٣٦] فتكون الآية غير محكمة، هذا واحد.

الثاني: أن هذا الوصف ليس للاحتراز، ولكنه للتهييج وبيان الواقع، لتهييجنا نحن على قتالهم وبيان واقعهم أنهم يقاتلوننا، وعلى هذا فلا يزيد الأمر بالقتال إلا قوة، يعني إذا قال لك إنسان: قاتل الذي يضربك رجّال، معناه كأنه يقول لك: اقتص لنفسك وكيف تصبر على أنه يضربك ولا تضربه مثلا، فيكون المراد بذلك التهييج وبيان الواقع لهؤلاء أنهم يقاتلوننا، فكيف لا نقاتلهم؟

الوجه الثالث أو القول الثالث: أنها قيد مخرِج لما عداه، فلا نقاتل إلا من يقاتلنا، أما من لا يقاتلنا واستسلم لأمرنا وبذل الجزية وخضع لأحكام الإسلام فإننا لا نقاتله، وهذا رأي كثير من المتأخرين، على أن الآية إنما أمر الله أن نقاتل من يقاتلنا، فأما من لا يقاتلنا واستسلم لحكمنا ورضي بأحكام الإسلام وبذل الجزية فإننا لا نقاتلهم.

واستدلوا لذلك بأن الرسول ﷺ كان إذا أمّر أميرا على جيش أو سرية أوصاه ومن معه من المسلمين خيرا وقال لهم: «اغْزُوا فِي سَبِيلِ اللهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ، لَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا»، ثُمَّ ذَكَرَ لَهُ إِذَا نَزَلَ عَلَى حِصْنٍ فَلْيَدْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَسْلَمُوا فَلْيَدْعُهُمْ إِلَى الْهِجْرَةِ إِلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ أَبَوُا الْإِسْلَامَ فَإِنَّهُ يَطْلُبُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ أَبَوْا فَلْيُقَاتِلْهُمْ»[[أخرجه مسلم (١٧٣١ / ٣) من حديث بريدة الأسلمي رضي الله عنه.]]، فدل هذا على أن هؤلاء إذا بذلوا الجزية فإنهم لا يقاتلون، لأنهم خضعوا لأحكام الإسلام وكانوا تحت سيطرتنا.

واختار ابن كثير رحمه الله القول الوسط: أن المراد به التهييج وبيان الواقع.

﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة ١٩٠] لا تعتدوا في المقاتلة، والاعتداء في المقاتلة يشمل الاعتداء في حق الله والاعتداء في حق المقاتَلين.

أما الاعتداء في حق الله فمثل أن نقاتلهم في وقت لا يحل القتال فيه، لماذا؟ مثل أن نقاتلهم في الأشهر الحرم على القول بأن تحريم القتال فيها غير منسوخ.

وأما في حق المقاتلين فألا نمثل بهم، ما نمثل بهم؛ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا تُمَثِّلُوا» ولا نقتل وليدا يعني طفلا، ولا نقتل امرأة، ولا نقتل شيخا فانيا، ولا نقتل راهبا في صومعته، ولا نقتل شيخا كبيرا ليس له رأي في القتال، هذا معنى الاعتداء، يعني لا تعتدوا بقتال من لا يقاتل أو يعين على القتال.

ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ الجملة هنا تعليل للحكم، أين الحكم؟ ﴿لَا تَعْتَدُوا﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ هذا التعليل، المعتدين في القتال ولَّا في القتال وغيره؟ المعتدين في القتال وغيره؛ لأنها عامة، (أل) هنا عامة، اسم موصول لأنها دخلت على مشتق، و(أل) الداخلة على المشتق يجعلونها اسما موصولا، ثم إن العلة غالبا تكون أعم من المعلول، أعم.

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة ١٩٠، ١٩١] ﴿اقتلوهم﴾ الضمير يعود على من؟ على الكفار الذين يقاتلوننا؛ لقوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾.

﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ حيث: ظرف مبني على الضم، ظرف مكان ولّا زمان؟ ظرف مكان مبني على الضم في محل نصب، يعني اقتلوهم في أي مكان.

شوف الأول يقول: ﴿قَاتِلُوا﴾ ثم قال: ﴿وَاقْتُلُوا﴾ أيهما أشد؟ القتل أشد، يعني متى وجدنا هذا المحارب الذي يقاتلنا حقيقة أو حكمًا فإننا نقتله في أي مكان، ﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ لكنه يستثنى ما سيأتي إن شاء الله في الآيات، ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة ١٩١].

* طالب: شيخ، الجزية ما الحكمة منها (...).

* الشيخ: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ يعني في أي مكان، يستثنى منه ما هو؟ المسجد الحرام ﴿لَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة ١٩١].

﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ [البقرة ١٩١] قال: ﴿أَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ﴾ ولم يقل: أخرجوهم حيث أخرجوكم؛ لأن الإخراج يكون من شيء إلى شيء، أما القتال فيكون في شيء، القتال يكون في مكان، والإخراج يكون من المكان.

ولهذا قال: ﴿أَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ أي من المكان الذي أخرجوكم منه، فمثلا إذا قدر أن الكفار غلبوا على هذه البلاد وأخرجوا المسلمين منها، فإن المسلمين يجب عليهم أن يقاتلوهم، فإذا قاتلوهم يخرجونهم ولّا لا؟ نعم يخرجونهم من البلاد من حيث أخرجونا، فهم الذين اعتدوا علينا واحتلوا بلادنا، فنخرجهم من حيث أخرجونا.

واعلم أن أحق الناس ببلاد الله الصالحون ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا﴾ من ﴿عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٥].

وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف ١٢٨].

فالأرض ما هي بأرض فلان ولا أرض الجنس الفلاني ولا الجنس الفلاني، الأرض أرض الله يورثها من يشاء من عباده، وقد بين أن الذي يرثها عباده الصالحون، هؤلاء هم الذين يرثونها شرعا وقدرا أيضًا، وقدرا فإن الله تعالى يجعل العاقبة للمتقين.

إذن ﴿أَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ نقول: أخرجوهم من البلاد التي أخرجوكم منهما؛ لأن الحق لكم، أنتم الذين ظُلِمتم وأُخرِجتم من دياركم، فأخرجوا هؤلاء الكفار منها.

﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة ١٩١] الفتنة ما هي؟ الفتنة صد الناس عن دينهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ [البروج ١٠]، ففتنة الناس أشد من قتلهم؛ لأن قتلهم غاية ما فيه أن نقطعهم من ملذات الدنيا، لكن الفتنة نقطعهم من الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ [الحج ١١].

وفي هذا دليل -وإن كان ينبغي أن يجعل في الفوائد- على أن استعمار الأفكار أشد من استعمار الديار، وأن الكفار إذا تسلطوا على المسلمين بصدهم عن دينهم فهو أعظم من احتلال ديارهم، الفتنة أشد من القتل.

قريش هل فتنوا المؤمنين؟ نعم، فتنوهم أيّ فتنة، فتنوهم، عذبوهم، قتلوهم، صاروا يعذبونهم بالرمضاء في شدة الحر، أذية ما فوقها أذية، هذا أشد من القتل، يعني لو فرض أن المسلمين قتلوا أحدا من المشركين فإن فتنة المشركين للمسلمين أعظم وأشد.

* طالب: شيخ، صار المسلمين دول، ففيه دولة أخرجت من ديارها، هل يجب على المسلمين كلهم أن..

* الشيخ: نعم يجب عليهم مع القدرة أن يعينوا هؤلاء حتى يطردوا أعداءهم عن بلادهم.

* الطالب: طيب بعض الدول بينها وبين الكفار هادول اللي أخرجوا المسلمين معاهدة يجب عليهم ولّا ما يجب؟

* الشيخ: لا، يبينوا لهم، لكنهم إذا نقضوا، عند أهل العلم إذا نقضوا العهد في طائفة من المؤمنين انتقض العهد، حتى لو بيننا وبينهم عهد، الرسول عليه الصلاة والسلام جعل نقض قريش العهد بمعاونتهم حلفاءهم نقضا لعهده، مع أنهم ما فعلوا إلا أنهم ساعدوا حلفاءهم على حلفاء النبي عليه الصلاة والسلام، على حلفاء الرسول وهم إلى الآن ما بعد أسلموا، فجعل الرسول عليه الصلاة والسلام هذا نقضا للعهد، فإذا اعتدوا على أحد من المسلمين فقد نقضوا العهد، فسيأتي إن شاء الله هذا في..

يقول: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة ١٩١] لا تقاتلوهم عند المسجد الحرام يعني في مكة؛ لأن المسجد الحرام هو المسجد نفسه وما عنده فهو البلد، يعني لا تقاتلوهم في مكة حتى يقاتلوكم فيه.

و(في) هنا الظاهر أنها للظرفية، ويحتمل أن تكون للسببية، أي: حتى يقاتلوكم بسببه.

﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة ١٩١] إن قاتلوكم حتى عند المسجد الحرام؟ حتى عند المسجد الحرام، إذا قاتلونا حتى عند المسجد الحرام فإننا نقاتلهم.

هذه الآية هي منسوخة ولّا لا؟ لا، هذه الآية غير منسوخة.

فإن قال قائل: إن الرسول عليه الصلاة والسلام قد قال: «إِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقُولُوا: إِنَّ اللهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٣٢)، ومسلم (١٣٥٤ / ٤٤٦) من حديث أبي شريح العدوي.]]، فهذا دليل على أن الآية هذه منسوخة.

فالجواب على ذلك أن الرسول عليه الصلاة والسلام إنما يريد بذلك قتال أهل مكة والدخول عليهم، عنوة هذا لا يجوز، أما إذا قاتلونا فإننا نقاتلهم من باب المدافعة، ولا أحد يقول: إنه إذا قاتلك المشرك في مكة فاستسلم، أبدا ما أحد يقول بهذا.

فنحن لا نبدؤهم بالقتال، حتى على الفرض الممتنع؛ لو أن أهل مكة ارتدوا فإننا لا نقاتلهم، وإنما قلت: على الفرض الممتنع؛ لأن أهل مكة لا يمكن أن يرتدوا، ويش الدليل؟

الدليل قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٧٨٣)، ومسلم (١٣٥٣ / ٤٤٥) من حديث عبد الله بن عباس. ]]، فإن نفي الهجرة من مكة بعد الفتح دليل على أنها ستبقى بلاد إسلام، وإلا لأمكن أن يرتد أهلها ويكون منها الهجرة.

الحاصل نقول: إننا لا يجوز أن نبدأ أهل الحرم بقتال أبدا، لكن إن قاتلونا في الحرم فإننا نقاتل مدافعة حتى تهدأ الفتنة.

ولهذا قال: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ١٩١] كذلك: المشار إليه ما سبق من الأحكام في الأمر بالقتال، أي مثل هذا الجزاء، وهو أمرنا لكم بقتال الكفار المقاتلين لكم نجزي الكافرين، وعلى هذا فيكون القتال عاما لكل كافر، فإن الواجب على المسلمين أن يقاتلوا الكفار -كما سيأتي إن شاء الله في الآية التي بعدها- وجوبا.

والجهاد في سبيل الله فرض كفاية في الأصل، وقد يكون فرض عين، وذكروا أنه يكون فرض عين في مواضع:

الموضع الأول: إذا حضره، فإنه يكون فرض عين، ما يجوز أن ينصرف؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال ١٥، ١٦].

الموضع الثاني: إذا حصر بلده العدو، إذا حصره فإنه يتعين القتال، من أجل فك الحصار عن البلد، ولأنه يشبه من حضر صف القتال.

الموضع الثالث: إذا احتيج إليه، إذا كان هذا الرجل يحتاج الناس إليه؛ إما لرأيه أو لقوته أو لأي عمل يكون، فإذا كان محتاجا إليه فإنه يتعين عليه.

والموضع الرابع: إذا استنفره الإمام، إذا استنفر الإمام الناس وجب عليهم أن يخرجوا ولا يتخلف أحد،

وإلا فهو فرض كفاية.

واعلم أن الفرض، سواء قلنا: فرض عين، أو فرض كفاية، لا يكون فرضا إلا إذا كان هناك قدرة، أما مع عدم القدرة فلا فرض؛ لعموم الأدلة الدالة على أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، ولقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة ٩١]، فإذا كنا لا نستطيع أن نقاتل هؤلاء لم يجب علينا، وإلا لأثمنا جميع الناس مع عدم القدرة، ولكنه مع ذلك يجب أن يكون عندنا العزم على أننا إذا قدرنا فسنقاتل.

ولهذا قيدها الله عز وجل: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة ٩١] ليس على هؤلاء الثلاثة حرج، بشرط، ما هو؟ ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، فأما مع عدم النصح لله ورسوله فعليهم الحرج حتى وإن وجدت الأعذار في حقه.

فالحاصل أننا نقول: إن القتال فرض كفاية ويتعين في مواضع، وهذا الفرض كغيره من المفروضات من شرطه القدرة، أما مع العجز فلا يجب، لكن يجب أن يكون العزم معقودا على أنه إذا حصل القوة جاهدنا في سبيل الله، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النِّفَاقِ»[[أخرجه مسلم (١٩١٠ / ١٥٨)، وأبو داود (٢٥٠٢) واللفظ له، من حديث أبي هريرة.]]، والعياذ بالله.

فيها قراءات هنا، اللي عندنا ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ الجمل أربع: ولا تقاتلوهم، حتى يقاتلوكم، فإن قاتلوكم، فاقتلوهم، هذه أربع جمل كلها بصيغة المفاعلة إلا واحدة، كلها بصيغة المفاعلة (قاتل) إلا واحدة وهي الأخيرة ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ شوف هذه القراءات اللي عندي، يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يَقْتُلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَتَلُوكُمْ﴾ كل الأربعة (قتل) بدون صيغة مفاعلة، ﴿وَلَا تَقْتُلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يَقْتُلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَتَلُوكُمْ فَاقتْلُوهُمْ﴾ وعلى هذا فتكون الأربعة كلها بغير صيغة المفاعلة، ولكن القراءة هذه أبلغ، حيث إن الله عز وجل نهى عن المقاتلة إلا بمقاتلة، وإذا حصلت المقاتلة لا تقتصروا على المقاتلة، ماذا تفعلون؟ تقتلون، إذا قاتلوا فاقتلوا، وهذا أبلغ وأقوم، وإن كان كله حقا؛ لأن القراءات كلها قرأ بها النبي عليه الصلاة والسلام، وقد يكون

بعضها يدل على معنى لا يدل عليه الآخر، ويصير (لا تقاتلوهم): لا تقتلوهم حتى يقتلوكم، وقطعا ما هو معناه أنه لا تقتلوهم حتى يقتلوكم كلكم، إذا قتلوكم كلكم ما فيه شيء، لكن حتى يقتلوكم ولو واحدا منكم؛ لأن قتل واحد منا كقتل الجميع، ولهذا ذكر أهل العلم أن أهل الذمة إذا نقضوا العهد في واحد من المسلمين انتقض العهد، قالوا: إذا اعتدى على مسلم بقتل أو زنا أو ما أشبه ذلك فإنه ينتقض عهده، مع أنه ما نقض العهد بالنسبة للعموم لكن الواحد منا يعتبر ممثلا للجميع كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «ذِمَّةُ الْمُؤْمِنِينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٧٥٥)، ومسلم (١٣٧٠ / ٢٠) من حديث علي بن أبي طالب. ]].

﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة ١٩٢] إن انتهوا، ويش عنه؟ عن المقاتلة، إن انتهوا عن المقاتلة فإن الله غفور رحيم، يعني فاغفروا لهم ولا تقاتلوهم.

وهل يدل هذا على أنهم إذا انتهوا عن المقاتلة غفر لهم بدون إسلام؟ لا، لكن ﴿إِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يعني فاغفروا لهم؛ كقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٤]، يعني ولا تقطعوا أيديهم وأرجلهم من خلاف ما داموا تابوا، فهؤلاء أيضًا إن انتهوا ولم يقاتلوكم فلا تقاتلوهم.

* طالب: يمكن لها معنى يا شيخ ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يعني ما يجب عليكم القتال إذا انتهوا غفور لكم.

* الشيخ: يحتمل هذا أيضًا ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ والله فيه احتمال لكنها فيها شيء من البعد إنما المعنى الظاهر هو هذا، وبعض المفسرين قال: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لهم، وجعل الانتهاء عاما للانتهاء عن القتال وعن الكفر، كقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال ٣٨] فجعل قوله: ﴿إِنِ انْتَهَوْا﴾ يعني عن قتالكم وعن الكفر ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.

* طالب: حتى وإن أصابوا جمع كثير من المسلمين؟

* الشيخ: كيف؟

* الطالب: يعني يمكن يبدؤوا القتال ويقتلوا كثير ثم يقولوا: خلاص انتهينا، نكف؟

* الشيخ: نكف، لكننا ندعوهم إلى الإسلام، فإن التزموا بأحكام الإسلام وإلا قتلناهم حتى نبيدهم.

* طالب: جواب الشرط..

* الشيخ: لا هو الجملة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (...).

* طالب: هي خبر مقدم على كل حال.

* الشيخ: هي خبر مقدم على كل حال.

* طالب: تصير تعليلية؟

* الشيخ: أيهم؟

* الطالب: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.

* الشيخ: إذا كان الكلام في الإعراب فهي جواب الشرط على كل حال.

* الطالب: فإذا جعلناها تعليلية؟

* الشيخ: ما نحتاج إلى تعليل، نقول: ﴿إِنِ انْتَهَوْا﴾ فقد وصف الله نفسه بأنه ذو مغفرة ورحمة يعني فالمعنى اغفروا لهم وارحموهم، لا تعرضوا لهم.

﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة ١٩٣] هذه آية فاصلة، ﴿قَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ يعني يجب أن نقاتل الكفار حتى لا تكون فتنة، أي صد عن سبيل الله، بحيث لا يعتدون على أحد ويفتنونه عن دينه، سواء كان جميعا أو بعضا، فلو فرض أنّا قاتلناهم واستسلموا وتركوا القتال، لكن بدؤوا يدسون على المسلمين كتبا، كتب إلحاد وكتب ضلال، فهل نكف عن قتالهم؟ لا؛ لأن الله يقول: ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، فلا بد أن نقاتلهم إلى أن يستسلموا ويدفعوا شرهم نهائيا، فإن بقي من شرهم شيء وجب علينا أن نقاتلهم.

ولهذا قال: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ فإذا قاتلناهم وكان حكم الإسلام هو الظاهر، فقد كان الدين لله، وحينئذ نكف عنهم، وإلا فالواجب قتالهم، وهذه مع الأسف هذه المسائل مع أنها في أول سورة من القرآن وفي سورة مدنية نزلت متأخرة أكثرنا في غفلة عنها، يعني كأن القتال الآن أصبح شيئا يُذكر وليس بشيء يجب أن يكون، كأنها نظريات أو قراءة حوادث وأخبار ماضية، كأننا لا نطالب بها الآن، ولذلك ركنا إلى الدنيا، وصار أهم شيء علينا أن تبقى لنا هذه الرفاهية، وهذا الأشر والبطر عند بعض الناس، ولم نعبأ بما خلقنا من أجله أو بما يجب علينا نحو دين الله عز وجل.

الدين الآن يفتت في كل مكان بوسائل وطرق، لا يأتون إلى البلد المستقيم كبلادنا -والحمد لله- فيقولون: اسجدوا للأصنام، اذهبوا إلى القبور، الجؤوا إلى أصحاب القبور، ما يقولون هكذا؛ لأنهم يعلمون لو قالوا هكذا لرجمهم الصبيان بالحجارة، لكنهم يدسون أشياء يفسدون بها الأخلاق، وإذا فسدت الأخلاق لم يكن لنا في الآخرة من خلاق.

والوسائل التي تهدم الأخلاق كثيرة ومعلومة للكثير منكم، لهذا صارت فتنتهم أشد من القتل، وصرنا نطمئن إلى هذه الأمور، وبردت الجلود، وتقاصرت الهمم، حتى أصبح منا الآن من المسلمين من يقول: المسيحيون إخوة لنا، الله يقول: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون ٦] لهم دينهم ولنا ديننا، والجامع بيننا الإنسانية، الجامع الإنسانية! ودين الإسلام دين السعة ودين الرحمة ودين السماح!

وما أشبه ذلك من هذه الأمور التي يشبِّهون بها، ما علموا أن الإنسان اللي يعتقد أن دين النصارى قائم الآن فهو كافر؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران ٨٥]، ويقول: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران ١٩] وهذه الجملة حصر لتعريف ركنيها: المبتدأ والخبر كلاهما معرفة، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ معناه: ما فيه دين سواه، حتى لو تدينوا ودخلوا الصوامع والبيع والأديرة، فإن ذلك لا ينفع ولا يجوز لنا أن نعتقده دينا؛ لأنه ليس بدين، هم وإن دانوا به لكن ليس عند الله دين. (...)

* * *

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ إلى آخره [البقرة: ١٨٩].

* في هذه الآية الكريمة حرص الصحابة رضي الله عنهم على العلم، وأنهم يسألون عن أمور الدين وأمور الدنيا؛ لأن هذا مما يتعلق بالدنيا.

* وفيه أيضًا بيان، وفيه بيان علم الله وسمعه ورحمته، من أين يؤخذ؟

من قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾، علم الله بسؤالهم وسمعه ورحمهم بالإجابة.

* وفي هذه الآية من الفوائد: عناية الله سبحانه وتعالى برسوله ﷺ، حيث يجيب عن الأسئلة الموجهة إليه، وهذا من معونته، من معونة الله للرسول عليه الصلاة والسلام وعنايته به، أو لا؟

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الحكمة من الأهلة أنها مواقيت للناس في شئون دينهم ودنياهم؛ لقوله: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾.

ومن فوائدها، أي * من فوائد الآية الكريمة: أن ميقات الأمم كلها، الميقات الذي وضعه الله لها ما هو؟ الأهلة، فهو الميقات العالمي، ﴿مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ عامة.

* ومن فوائد الآية الكريمة أن الحج مقيد بالأشهر؛ لقوله: ﴿وَالْحَجِّ﴾.

بالتزام ما شرعه الله، والحذر من معصيته؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾.

* ومن فوائدها: أن العقائد لا تجعل غير المشروع مشروعًا، من قوله: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾؛ مع أنهم يعتقدونه بِرًّا، ولكنه قال: ﴿لَيْسَ الْبِرُّ﴾، فمن اعتقد شيئًا غير مشروع من اعتقده بِرًّا قلنا له: إنه ليس ببر، لو اعتقده وتقرب به إلى الله فإننا نحذره من ذلك.

* طالب: شيخ (...) هذا الإيمان (...) هل هذا صحيح.

* الشيخ: لا؛ لأنه ما تسلطه بِرًّا ما تضرر بتسلطه، أنا مرة من المرات لو وصلنا بالحديث كان واحد يسألني يقول: بالنبي إنك تعلمه كذا وكذا بالنبي، فنهيته قلت: يا أخي، هذا ما يجوز الحلف بالنبي، احلف بالله ولّا لا تحلف، ولما إنه يعني أعاد السؤال قال: بالنبي ما عمري أحلف بالنبي، والظاهر أن هذه قضيته.

قلنا: إن العقائد لا تجعل غير المشروع مشروعًا؛ لأن هؤلاء يعتقدون أن البر أن يأتوا البيوت من ظهورها، ولكن الله تعالى أبطل هذه العقيدة، ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يأتي الأمور من أبوابها؛ لقوله: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾، فإن هذه الآية كما تتناول البيوت الحسية كذلك أيضًا تتناول الأمور المعنوية.

* ومن فوائد الآية: وجوب تقوى الله؛ لقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском