Ibn 'UthayminAl‑Baqarah · 2:215–218

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:215–218

2:215–218Page 33

يَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَۖ قُلۡ مَآ أَنفَقۡتُم مِّنۡ خَيۡرٖ فَلِلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۗ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٞ ٢١٥

They ask you, [O Muḥammad], what they should spend. Say, "Whatever you spend of good is [to be] for parents and relatives and orphans and the needy and the traveler. And whatever you do of good - indeed, Allāh is Knowing of it."

كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ وَهُوَ كُرۡهٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ شَرّٞ لَّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٢١٦

Battle has been enjoined upon you while it is hateful to you. But perhaps you hate a thing and it is good for you; and perhaps you love a thing and it is bad for you. And Allāh knows, while you know not.

يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ قِتَالٖ فِيهِۖ قُلۡ قِتَالٞ فِيهِ كَبِيرٞۚ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفۡرُۢ بِهِۦ وَٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَإِخۡرَاجُ أَهۡلِهِۦ مِنۡهُ أَكۡبَرُ عِندَ ٱللَّهِۚ وَٱلۡفِتۡنَةُ أَكۡبَرُ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمۡ عَن دِينِكُمۡ إِنِ ٱسۡتَطَٰعُواْۚ وَمَن يَرۡتَدِدۡ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتۡ وَهُوَ كَافِرٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢١٧

They ask you about the sacred month1 - about fighting therein. Say, "Fighting therein is great [sin], but averting [people] from the way of Allāh and disbelief in Him and [preventing access to] al-Masjid al-Ḥarām and the expulsion of its people therefrom are greater [evil] in the sight of Allāh. And fitnah2 is greater than killing." And they will continue to fight you until they turn you back from your religion if they are able. And whoever of you reverts from his religion [to disbelief] and dies while he is a disbeliever - for those, their deeds have become worthless in this world and the Hereafter, and those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ يَرۡجُونَ رَحۡمَتَ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢١٨

Indeed, those who have believed and those who have emigrated and fought in the cause of Allāh - those expect the mercy of Allāh. And Allāh is Forgiving and Merciful.

ثم قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ نشوف ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ الجملة فعل وفاعل ومفعول به، أو لا؟ و(يسألون) فعل، و(الواو) فاعل، و(الكاف) مفعول به، والضمير في قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ على من؟ على الصحابة رضي الله عنهم.

وقوله: ﴿مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ (ما) اسم استفهام، و(ذا) اسم موصول، وجملة ﴿يُنْفِقُونَ﴾ صلة الموصول، وعلى هذا فنقول: (ما) اسم استفهام مبتدأ، و(ذا) اسم موصول خبره، و(ينفقون) صلة الموصول، والعائد محذوف، والتقدير: ماذا ينفقونه.

هذا إذا لم تلغَ (ذا)، فإن ألغيت صار هناك إعراب آخر، وهو أن نقول: (ماذا) اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب مفعولًا مقدمًا لقوله: ﴿يُنْفِقُونَ﴾، و﴿يُنْفِقُونَ﴾ فعل مضارع، والفاعل الواو، والمفعول هو ما سبق، عرفتم؟ المعنى لا يختلف على الإعرابين.

والسؤال سألوا: ما الذي ينفقون وأيش ينفقون؟ هل ينفقون طعامًا، هل ينفقون ثيابًا، هل ينفقون دراهم ماذا ينفقون؟ السؤال هنا عن المنفق لا عن المنفق عليه، أو لا؟ عن المنفق، عن جنسه، أو عن قدره، أو عن الأمرين جميعًا؟

* الطلبة: عن الأمرين.

* الشيخ: الظاهر عن الأمرين جميعًا عن الجنس والقدر.

قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ هذا الجواب، ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ﴾ (ما) هذه موصولة، وإن شئت فاجعلها شرطية، و﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ إن جعلت (ما) موصولة فهي الخبر، وإن جعلتها شرطية فهي جواب الشرط.

﴿مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ قد يبدو للإنسان في أول وهلة أن الله سبحانه وتعالى أجابهم عن ماذا ينفقون فيه، لا عن ماذا ينفقون، عن ماذا ينفقون فيه، يعني قال: ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾؛ لأن حقيقة الأمر أن الشأن كل الشأن أن يكون إنفاقك في محله، فأنت لا تهتم ماذا تنفق، اهتم أين تنفق، ولَّا لا؟ بعض الناس ينفق في الشر، وبعض الناس ينفق في شيء لا خير فيه ولا شر، وبعض الناس ينفق في الخير.

﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ أقول: قد يبدو للإنسان من أول وهلة أن الجواب وقع على غير وفق السؤال؛ لأن السؤال عن أيش؟ ﴿مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾، فجاء الجواب: ﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾، فهل هذا يكون من باب أسلوب الحكيم المعروف في البلاغة؛ حيث كان هذا الجواب بهذه الصيغة إشارة إلى أنه كان ينبغي أن تسأل على من تنفق؟ هكذا يبدو، ولكنك عند التأمل يتبين لك أن الله عز وجل أجاب عن السؤال جوابًا مطابقًا وزاد عنه أو زاد عليه؛ لأن الجواب عن السؤال يفهم من قوله: ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ من خير، إذن فما الذي ينفق؟ الخير، الخير هو اللي ينفق، وما دام الذي ينفق الخير، فقد يكون الخير في الطعام، وقد يكون الخير في الثياب، وقد يكون الخير في الفرش، وقد يكون الخير في الدراهم، يختلف ولَّا لا؟ لو جئت إلى إنسان مضطر جائع مرة، جائع سيموت إن لم تطعمه وعارٍ ما عليه ثياب أبدًا، فما الخير هنا؟ الثياب ولَّا الطعام؟ الطعام، معلوم ابدأ بالطعام أولًا خير من الثياب، ولو جئت لإنسان لم يصل إلى حد الضرورة إلى الأكل لكنه في ضرورة إلى الثياب؛ لأن الجو بارد وليس عليه إلا ثوب رقيق، فما هو الخير حينئذٍ؟ في الثياب، واضح؟

إذن يكون الله عز وجل قد أجاب عن ﴿مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ بقوله: ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾، وزاد على الجواب بذكر المنفق عليه في قوله: ﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾.

قد تقول: إن الزيادة على السؤال إسهاب وتطويل؟ فنقول: إنه إذا كانت الزيادة مما تدعو الحاجة إليه ويقتضيه حال السائل فليست إسهابًا ولا تطويلًا بل هي من تمام الجواب؛ ولهذا لما سئل الرسول عليه الصلاة والسلام عن ماء البحر نتوضأ به وأيش قال؟ قال: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ»[[أخرجه أبو داود في سننه (٨٣) من حديث أبي هريرة.]] مع أنه ما سئل عن الميتة، ما سئل عن الحوت والسمك، قال: «الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ»؛ لأن راكب البحر يحتاج إلى ذلك.

(الوالدين) يعني: الأم والأب، والجدة والجد؛ لأن الجدة والجد وإن لم يكونا والدين مباشرة، فهما والدين لوالديك هما السبب في حصول والديك، ووالداك هما السبب في حصولك أنت، فيشمل الوالدين: الأقربين والأبعدين.

وقوله: ﴿وَالْأَقْرَبِينَ﴾ الأقربين جمع أقرب، وهو من كان أدنى من غيره إلى المنفق، فأخ وابن أخ من الأقرب؟ الأخ، وعم وابن عم؟ الأقرب العم، وابن أخ وعم الأقرب؟ ابن الأخ، الأقرب ابن الأخ؛ ولهذا اتفق أهل العلم على أنه لو اجتمع ابن أخ وعم في مسألة فرضية فيقدم ابن الأخ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٦٧٣٧)، ومسلم (١٦١٥ / ٣) من حديث ابن عباس.]]، فاتفق العلماء على أن ابن الأخ أولى من العم.

والقربى دون الأقربين هل لهم حق؟ الجواب: نعم؛ لأنهم من الأرحام، لكن الأقرب أولى من الأبعد، وإلا فالكل له حق، والكل يؤجر الإنسان بالإنفاق عليه.

وقوله: ﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ يشمل الأبناء؟ نعم، يشمل الأبناء، ولكن الإنفاق على الأبناء جاءت السنة بتقييده بالعدل حيث قال النبي ﷺ: «اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٥٨٧)، ومسلم (١٦٢٣ / ١٣) من حديث النعمان بن بشير.]]، فلا يجوز أن يعطي الذكر ويمنع الأنثى، أو أن يعطي الأنثى ويمنع الذكر، أو أن يعطي واحدًا ويمنع الآخر.

﴿وَالْيَتَامَى﴾ اليتامى جمع يتيم، ومن اليتيم؟ قال أهل العلم: إنه مشتق من اليتم وهو الانفراد، والمراد به: من مات أبوه ولم يبلغ، يعني: الصغير الذي مات أبوه، هذا هو اليتيم، وإنما أوصى الله به في كثير من الآيات جبرًا لما حصل له من الانكسار بموت الوالد مع صغره؛ ولهذا إذا بلغ استقل بنفسه فلم يكن يتيمًا.

وقوله: ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ جمع مسكين، وهو: المعدم الذي ليس عنده مال، وسمي مسكينًا؛ لأن الفقر قد أسكنه وأذله؛ فلهذا يسمى مسكينًا. والمسكين هنا يدخل فيه الفقير؛ لأنه سبق لنا عدة مرات أنه إذا ذكر المسكين وحده دخل فيه الفقير، وإذا ذكر الفقير وحده دخل فيه المسكين، وإذا اجتمعا صار الفقير أشد حاجة من المسكين فيفترقان، وتجده في القرآن أن الفقير قد يأتي وحده والمسكين قد يأتي وحده، والفقير والمسكين قد يجتمعان، ففي قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر ٨] يشمل المساكين، وفي قوله: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور ٣٢] يشمل المساكين، وفي قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر ١٥] يشمل؟

* طالب: كل الناس، كل الناس حتى الغني.

* الشيخ: كل الناس، حتى الغني فهو فقير إلى الله عز وجل؛ ولهذا قيدت: ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى الله﴾.

وفي قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة ٨٩] يدخل فيه الفقير، وكذلك هنا.

﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ من ابن السبيل؟ قال العلماء: هو المسافر الذي انقطع به السفر، وسمي ابنًا للسبيل، السبيل هو الطريق، سمي ابنًا له؛ لأنه ملازم له، وكل ما لازم شيئًا فهو ابن له؛ ولهذا يقال: ابن الماء لطير الماء الملازم فيه، طير يسمى ابن الماء؛ لأنه ملازم له، وإنما خص الله ابن السبيل؛ لأنه غريب في مكانه قد يحتاج وهو لا يعلم عن حاجته؛ ولهذا فابن السبيل إذا أراد أحد أن يتقرب إلى الله بالإنفاق فإنه يعطيه. ولكن هل تعطيه إذا سأل أو تعطيه وإن لم يسأل؟

نقول: هذا على وجهين: أحدهما: أن تعلم أنه لا يحتاج كما لو كان غنيًّا تعرف أنه غني، ومر بهذه البلد عابرًا، فهذا لا حاجة إلى أن تعطيه حتى لو أعطيته لرأى أن في ذلك نقيصة له، وآخر تعرف أنه معوز وعليه أثر الإعواز هذا تعطيه ولا شك، وثالث: تشك في أمره، فهذا إن أعطيته بعد سؤاله تقول: هل أنت محتاج؟ فإنه خير، وإلا فلا حرج عليك، وإن أعطيته ظنًّا منك أنه محتاج فأنت على خير.

قال: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ هذه الجملة الأخيرة شاملة لكل خير، هم سألوا ماذا ينفقون من أجل الخير فعمم الله ﴿مَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾، و(ما) هذه شرطية، و﴿تَفْعَلُوا﴾ فعل الشرط؛ ولهذا حذفت منه النون، وجملة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ جواب الشرط.

وقوله: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ (من) بيانية بيان لماذا؟

* طالب: للمنفق.

* الشيخ: لا لا.

* طالب: للإنفاق.

* الطلبة: فعل إغراء.

* الشيخ: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ بيان لـ(ما)؛ لأنه سبق لنا عدة مرات أن الموصول مبهم، وكذلك أسماء الشرط مبهمة، فـ﴿مَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ (من خير) بيان لـ(ما)؛ ولهذا لو أنك حذفت (ما) وقلت: أي خير تفعلوا فإن الله به عليم، استقام الكلام ولَّا لا؟ استقام الكلام، إذن فقوله: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ بيان لـ(ما).

وقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ ما قال: وما تنفقوا من خير؛ ليعم الإنفاق والعمل البدني والقول وكل شيء، كل شيء تفعله من الخير فإن الله به عليم.

وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ أي: بهذا الخير الذي تفعله قليلًا أو كثيرًا، فإن الله يعلمه، سرًّا كان أم علنًا.

وما فائدة الجواب هنا مع الشرط؟ إذا قال قائل ﴿مَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ ما الفائدة من كون الله يخبرنا بأنه عالم به؟ الفائدة هو أن نعلم أنه لا بد أن يجازينا عليه؛ لأن الله عدل لا يظلم، فإذا فعلنا خيرًا فإن الله يعلمه، وسوف أيش؟ يجازينا عليه.

لا تقل: إن الجواب لم يطابق الشرط؛ إذ لا فائدة لنا من كون الله يعلمه، نقول: بل لنا فائدة وهو أنه إذا علمنا أن الله يعلمه، فإن الله تعالى عدل لا يضيعه، بل لا بد أن يجازينا عليه.

وفيه أيضًا فائدة -كما سيأتي إن شاء الله في الفوائد- وهي: الإغراء والحث.

ثم قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾..

* طالب: شيخ (...) هل هنا جاءت بصيغة (...)؟

* الشيخ: قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ الجار والمجرور في: ﴿بِهِ﴾ متعلق بماذا؟

* طالب: بـ﴿عَلِيمٌ﴾.

* الشيخ: بـ﴿عَلِيمٌ﴾، نعم.

﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ ﴿كُتِبَ﴾ أي: فرض، والكَتْب في الأصل بمعنى الفرض، ومنه قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة ١٨٣]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء ١٠٣]، والكَتْب -كتب الله عز وجل- ينقسم إلى قسمين: كتاب شرعي، وكتاب كوني، الكتاب الكوني لا بد أن يقع ولا يمكن أن يتخلف، والكتاب الشرعي قد يفعله المكتوب عليه وقد لا يفعله، فـ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة ١٨٣] قد يصوم الناس وقد لا يصومون، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ قد يقاتلون وقد لا يقاتلون، لكن ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء ١٠٥] هذا الكتابة الكونية القدرية هذه لا بد أن تكون، ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة ٢١] كتابة أيش؟ كونية لا بد أن تكون.

فالكتابة إذن نوعان: كتابة كونية، وكتابة شرعية، والفرق بينهما: أن الكتابة الكونية لا بد من وقوع المكتوب فيها بخلاف الكتابة الشرعية.

الفرق الثاني: أن الكتابة الكونية تتعلق فيما يحبه الله وما لا يحبه، وأما الكتابة الشرعية فلا تكون إلا فيما يحبه الله، لا يمكن أن يفرض الله على عباده ما لا يحبه، بل كل ما فرضه فهو محبوب إليه.

وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ أي قتال هو؟ قتال أعداء الله الكفار، و﴿الْقِتَالُ﴾ مصدر قاتل، وهذه الصيغة الغالب أنها لا تأتي إلا بين اثنين، قاتل وشارك وما أشبهه.

وقوله: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ الضمير في قوله: ﴿وَهُوَ﴾ يعود على القتال وليس يعود على الكتابة؛ فإن المسلمين لا يكرهون ما فرض الله عليهم، لكنهم يكرهون القتال بحسب الطبيعة البشرية، وفرق بين أن نقول: إننا نكره ما فرض الله من القتال وبين أن نقول: إننا نكره القتال، فكراهة القتال أمر طبيعي، فإن الإنسان يكره أن يقاتل أحدًا من الناس فيقتله فيصبح مقتولًا، لكن إذا كان هذا القتال مفروضًا علينا صار محبوبًا إلينا من وجه، ومكروهًا لنا من وجه آخر، فباعتبار أن الله فرضه علينا يكون محبوبًا إلينا، وباعتبار أن النفس تنفر منه وتكرهه يكون مكروهًا إلينا، ومن أجل أن النفس تنفر منه وتكرهه وهو ثقيل عليها صار فيه هذا الأجر العظيم، صار الشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ١٦٩ - ١٧١].

انتبه، إذن هل كراهة القتال تنافي صدق العبادة؟ لا؛ لأن الإنسان يحب هذا القتال من حيث إن الله فرضه عليه؛ ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم يأتون إلى الرسول عليه الصلاة والسلام يصرون أن يقاتلوا، فيردهم أحيانًا لصغرهم فيأسفون، حتى إنه رد في أُحدٍ بعض الصحابة الصغار قال: يا رسول الله، كيف ترده وأنت أذنت لفلان وأنا الآن أستطيع أني أصارعه، قال: أبغي المصارعة خله يصارعني، فصارعه فصرعه فأذن له[[أخرجه الطحاوي في شرح معاني الاثار (٥٠٣٤) من حديث سمرة بن جندب.]]، كل هذا من محبتهم للقتال، كذلك أيضًا عمرو بن الجموح رضي الله عنه كان أعرج فجاء -يعني لزم بالقتال- وكان أولاده يقولون له: لا تخرج، إن الله قد عذرك، فجاء هو وإياهم إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وأخبروه فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ عَذَرَكَ» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُرِيدُ -أَوْ إِنِّي أُحِبُّ- أَنْ أَطَأَ بِعَرْجَتِي هَذِهِ فِي الْجَنَّةِ »[[أخرجه البيهقي في الكبرى (٩ / ٢٤) من طريق إسحاق بن يسار.]] -الله أكبر- لما رآه النبي عليه الصلاة والسلام متعلقًا بالقتال أذن له وقال لأولاده قولًا -يعني أنه إذا كان يحب أن يخرج فلا تمنعوه- فالحاصل أن الصحابة رضي الله عنهم ما كرهوا القتال بعد أن فرضه الله، بل أحبوه لأن الله فرضه، وكم من أشياء يكرهها الإنسان لولا أن الله تعالى أمر بها فيحبها؛ لأن الله أمر بها، الآن الحج فيه مشقة ولَّا لا؟ من حيث كونه مشقة قد يكرهه الإنسان، لكن إذا علم أن فيه رضا الله أحبه، بذل المال بالزكاة -مثلًا- الإنسان مجبول على حب المال ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر ٢٠]، لكن إذا علم أن في ذلك رضا الله هان عليه، وهذا هو وجه الامتحان في العبادات التي يكلف بها العبد.

وقوله: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ ﴿كُرْهٌ﴾ مصدر بمعنى اسم المفعول، أي: مكروه لكم، والمصدر بمعنى اسم المفعول يأتي كثيرًا مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق ٦] يعني: حمل بمعنى المحمول الذي في البطن، وقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة، واللفظ لمسلم.]] أي: مردود.

هنا ﴿كُرْهٌ﴾ بمعنى مكروه، والجملة هذه ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ الجملة محلها من الإعراب؟ في محل النصب على الحال، والحال: أن القتال كره لكم، ولكن شوف التسلية من الله عز وجل: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ﴿عَسَى﴾ هذه هنا بمعنى الرجاء، أو بمعنى الإشفاق، أو بمعنى التوقع، أو بمعنى التعليل؛ لأنها أربعة معانٍ..

* طالب: تعليل.

* الشيخ: تعليل؟ لا، ما أعرف، تصلح للتعليل؟ لو قلت مثلًا: كل هذا الدواء عسى أن تبرأ؟ هذه للتعليل واضح أو للترجي.

لكن هنا ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا﴾ الظاهر -والله أعلم- أقرب شيء أنها للتوقع أو أنها للترجية، ما هو للترجي، الله عز وجل ما يترجى، كل شيء عنده هين، لكن للترجية بمعنى أنه يريد من المخاطب أيش؟ أن يرجو ذلك، أن يرجو هذا، يعني: معناه افعلوا ما هو كره لكم عسى أن يكون خيرًا.

﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وهذا الذي ذكر الله عز وجل هنا واقع ولَّا لا؟ واقع حتى في الأمور غير التعبدية، أحيانًا يفعل الإنسان شيئًا من الأمور العادية ويقول: ليتني لم أفعل، أو ليت هذا لم يحصل، فإذا العاقبة تكون حميدة وحينئذٍ يكون كره شيئًا وهو خير له.

القتال كره لنا لكن عاقبته خير؛ لأن المقاتل كما قال الله عز وجل آمرًا نبيه أن يقول: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة ٥٢] أنه لا بد من حسنى ﴿إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ ما هما؟ إما النصر والظفر، وإما الشهادة، أليس كذلك؟ إذن فالمقاتل في سبيل الله على خير.

﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ وهذا أيضًا كثيرًا ما يقع يحب الإنسان شيئًا ويلح فيه ثم تكون العاقبة سيئة، والإنسان بمثل هذه الآية الكريمة يسلي نفسه في كل ما يفوته مما يحبه، ويصبر نفسه في كل ما يناله مما يكرهه، كل شيء ينالك وأنت تكرهه، فإنك تصبر نفسك: ﴿عَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، وكل شيء يفوتك ونفسك يطلبه تسليها فتقول: ﴿عَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾، وهذا هو الواقع. ولو أن الإنسان تأمل مجريات حياته اليومية لوجد في ذلك شيئًا كثيرًا.

ثم قال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ سبحانه وتعالى فهو سبحانه وتعالى لا يقدر للمؤمن شيئًا إلا كان خيرًا له، ولا يوجب على المؤمن شيئًا إلا كان خيرًا له، ولا يحرم عليه شيئًا إلا كان خيرًا له، ولا تقل: ليت هذا لم يحرم، ليت هذا لم يوجب، ليت هذا لم يقع، لا تقل هكذا؛ لأن علمك قاصر، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ وأيش يعلم؟ كل شيء حتى المستقبل الذي تظنون أنه شر يعلم الله تعالى ما فيه من الخير.

وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ هذا نفي مطلق لعلم الإنسان، فهل نقول: إن هذا النفي المطلق يراد به شيء معين أو نقول: إنه نفي مطلق على الأصل، وإن الأصل في الإنسان عدم العلم على الإطلاق؟

الجواب: هو هذا، كما أن الأصل في صفة الله عز وجل العلم المطلق، فلله العلم المطلق؛ ولهذا قال: ﴿يَعْلَمُ﴾ ولم يقيد هذا العلم بمعلوم ﴿يَعْلَمُ﴾، ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ لم يقيد هذا النفي بمعلوم، ما قال: لا تعلمون المستقبل، ولَا: لا تعلمون الحاضر، ولا، ﴿لَا تَعْلَمُونَ﴾ فالأصل فينا إذن؟ عدم العلم؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب ٧٢]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل ٧٨].

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ إعراب الجملة هذه ﴿عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ هذا مجرور بـ(عن)، ﴿قِتَالٍ فِيهِ﴾ وأيش اللي جرها؟ بدل، من أي أنواع البدل؟

مُطَابِقًا أَوْ بَعْضًا اوْ مَا يَشْتَمِلْ ∗∗∗ عَلَيْهِ يُلْفَى أَوْ كَمَعْطُوفٍ بِبَلْ أي الخمسة؟ اشتمال؛ لأن القتال ليس بعضًا من الشهر، لكن الشهر مشتمل عليه، فهو بدل اشتمال من ﴿الشَّهْرِ﴾.

وقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ المراد الجنس، ويحتمل أن تكون (أل) للعهد الذهني، ويكون المراد به شهرًا معينًا، فـ(أل) هنا يحتمل أن تكون للجنس فتشمل كل الأشهر الأربعة الحرم، ويحتمل أن تكون للعهد الذهني فيراد بها أيش؟ شهر معين.

هل (أل) إذا دخلت على المفرد تكون للجنس فيشمل كل أفراد الجنس؟ نعم، ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر ١ - ٣] هذه (أل) داخلة على مفرد والمراد؟ المراد الجنس، يعني: كل إنسان.

فإذن: يسألونك عن كل شهر حرام يمكن هذا، أو: يسألونك عن الشهر الحرام المعين الذي وقعت فيه القضية ﴿قِتَالٍ فِيهِ﴾.

والقضية هي: أن الرسول عليه الصلاة والسلام أرسل سرية في السنة الأولى، سرية في جمادي الآخرة، وأمّر عليهم عبد الله بن جحش وأعطاه كتابًا وقال: «لَا تَفْتَحْ الْكِتَابَ إِلَّا بَعْدَ مَسِيرَةِ يَوْمَيْنِ»[[أخرجه البيهقي في الدلائل (٣ / ١٨) من حديث عروة بن الزبير.]]، فقال: سمعًا وطاعة، فذهب بسريته وهم نحو سبعة أشخاص، فلما مشى مسيرة يومين فتح الكتاب وإذا فيه: أن رسول الله ﷺ يأمرهم أن يسيروا إلى نخلة بين مكة والطائف، وأن يترقبوا أخبار قريش، يترقبوا أخبار قريش وما يحصل منهم، فصادفوا عيرًا لقريش نازلة من الطائف إلى مكة، والعير تكون فيها أطعمة وخضر وما أشبه ذلك، فحصل بينهم قتال بينهم وبين هذه السرية، فقتلوا منهم رجلًا واحدًا، وأسروا رجلين وفر الرابع، لما قتلوا هذا الرجل هم قتلوا هذا الرجل على أنهم في جمادى الآخرة، ولكنه تبين أنه كان في أول يوم من رجب، ورجب أحد الأشهر الحرم الأربعة؛ لأن الأشهر الأربعة الحرم.

* طالب: محرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة.

* الشيخ: نعم، المشركون استغلوا هذه المسألة وقالوا: هذا محمد يزعم أنه يطيع الله وأنه يعظم حرمات الله، وهذا أصحابه يقتلون الرجل في الأشهر الحرم، هذه كبيرة ولَّا لا؟ شاع الخبر فضاقت صدور هذه السرية عبد الله بن جحش وأصحابه ضاقت صدورهم لحقهم حرج، فسألوا النبي عليه الصلاة والسلام ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ وأيش الحكم؟ وليسوا يسألونه هل القتال فيه حرام ولَّا لا؟ لأن هذا معلوم، لكن يسألونه عن هذا القتال فيه ما حكمه، ﴿قِتَالٍ فِيهِ﴾.

هكذا ذكر المفسرون، قالوا: لأن القتال في الأشهر الحرم أمر معلوم ما أحد يسأل عنه، ولكن في نفسي شيء لأن لفظ الآية لا يساعده؛ فإن الشهر الحرام إن قلنا: إنه للجنس فظاهر جدًّا أن اللفظ لا يساعد على هذا المعنى.

وجه ذلك: إذا قلنا عن الشهر الحرام -يعني عن الأشهر الحرم- قتال فيها، صار السؤال عن هذا القتال المعين؟ لا، وإن قلنا: الشهر الحرام هو الشهر المعين الذي حصل فيه القضية وهو شهر رجب.

بقي عندنا كلمة ﴿قِتَالٍ﴾ نكرة، ما هي لو قال: عن الشهر الحرام القتال فيه لكان يساعد على ما ذكر المفسرون، لكننا قد نقول: لما كانت ﴿قِتَالٍ﴾ بدل من الشهر والشهر يراد به شهر معين، فإنه من ضرورة ذلك أن يكون المراد بالقتال؟ القتال في ذلك الشهر المعين؛ ولهذا قال: ﴿قِتَالٍ فِيهِ﴾ أي: في الشهر المعين، ولم يسبق قتال في شهر رجب إلا ذلك القتال الذي حصل من هذه السرية.

على كل حال الصحابة رضي الله عنهم سألوا النبي عليه الصلاة والسلام، والنبي عليه الصلاة والسلام إذ سئل أحيانًا يجيب وأحيانًا يتوقف حتى ينزل الوحي، في هذه الآية ماذا كان الجواب من الرسول أو من الله؟ من الله سبحانه وتعالى؛ ولهذا أجاب الله عز وجل: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ قتال في شهر الحرام كبير لا شك، يعني: من كبائر الذنوب وعظائم الذنوب؛ لأنه انتهاك لحرماتها وهذا محرم، انتهاك حرمات الله من المحرمات، فهذا من كبائر الذنوب ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾.

ولكن انظر رحمة الله عز وجل بعباده، شوف التسلية للصحابة ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ هذا تسلية للصحابة، يعني: لو وقع منكم هذه المسألة الكبيرة، فعند الذين يعيرونكم بها ما هو أعظم وأكبر، القتال كبير ما في شك لكن عند هؤلاء الذين يعيرونكم بذلك ما هو أكبر وأعظم، صد عن سبيل الله أعظم، صحيح؟

ولا شك أن المشركين الذين عيروا النبي ﷺ وأصحابه بذلك يصدون عن سبيل الله ويقتلون الذين يلتزمون بسبيل الله ﴿صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وسبيل الله: طريقه الموصل إليه، والطريق الموصل إلى الله شيء واحد وهو شرعه الذي شرعه لعباده، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام ١٥٣]، وإنما سمي الشرع سبيل الله؛ لأنه يوصل إلى الله؛ ولأن الله تعالى هو الذي وضعه، فإضافته إلى الله من ناحيتين: الابتدائية، والنهائية، الابتدائية هو الذي وضعه، والنهائية؟

* الطلبة: يوصل إليه.

* الشيخ: يوصل إليه. هل سمى الله السبيل مضافًا إلى غيره؟ نعم، ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء ١١٥]، فأضاف الله السبيل إلى المؤمنين وليس في ذلك تناقض، فهو مضاف إلى المؤمنين باعتبار أنهم سالكوه أو لا؟ مضاف إلى الله باعتبار أنه هو الذي وضعه لعباده، وهذا السبيل ينتهي إلى من؟ إلى الله عز وجل.

قال تعالى: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ﴾ بمن؟ بالله، الكفر بالله أعظم كبيرة يفعلها المرء ولَّا لا؟ نعم.

﴿وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ المسجد الحرام هنا معترك في إعرابه هل هي معطوفة على الضمير في ﴿بِهِ﴾ ولّا معطوفة على ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾؟

* طالب: سبيل الله.

* الشيخ: أجبت بسرعة ما شاء الله، أرني كيف ذلك؟

* الطالب: معطوف على سبيل الله.

* الشيخ: كيف؟

* الطالب: سبيل الله والمسجد الحرام.

* الشيخ: ما يصلح: وكفرٌ به وبالمسجد الحرام؟ ما يصلح؟

* الطالب: يصلح.

* الشيخ: يصلح، إذن؟

* الطالب: كلاهما.

* الشيخ: كلاهما، وجاءت قولان بن (...).

* طالب: (...).

* الشيخ: فيه رأيان: الرأي الأول يقولون: إنه معطوف على قوله: ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني: وصدٌ عن سبيل الله وكفرٌ به وصدٌ عن المسجد الحرام، وهؤلاء يستدلون بقوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هذا كفر بالله، ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الفتح ٢٥] هذا صد عن أيش؟ عن المسجد الحرام فيكون: وصدٌ عن سبيل الله وعن المسجد الحرام، لكن هذا الرأي لا شك من حيث المعنى قوي، إلا أنهم يعني يلزم عليه أو يرد عليه أن قوله: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾ أجنبي من قوله: ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أجنبي؛ لأن ﴿كُفْرٌ﴾ ما هو معطوف على ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وأيش معطوف عليه؟ على ﴿صَدٌّ﴾.

﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾ (...) ﴿الْحَرَامِ﴾ معطوف على سبيل، فقد فصل بين المعطوف والمعطوف عليه أجنبي وهو قوله: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾؛ لأنه معطوف على اللي ما سبق، وحينئذٍ يمتنع العطف، هذا مقتضى اللغة العربية: أن المعطوف والمعطوف عليه لا يفصل بينهما بأجنبي وهنا ﴿كُفْرٌ بِهِ﴾ أجنبي، وأيش معنى أجنبي؟ يعني: ليس معطوفًا على ما عطف عليه ما بعده، إنما معطوف على شيء سابق عليه، واضح؟ طيب، لكنه كما قلته قبل قليل: المعنى يؤيده، لكن السياق من حيث السياق العربي يمنعه؛ لأنه أجنبي.

إذن يترجح القول الثاني وهو أن قوله: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ معطوف على الضمير في ﴿بِهِ﴾: وكفرٌ به وبالمسجد الحرام، ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾ أي: بالله وبالمسجد الحرام، وعلى هذا فيكون هنا معطوفًا على الضمير في ﴿بِهِ﴾.

ولكن يرد على هذا القول إشكالان ما هو إشكال واحد، الإشكال الأول: أننا عطفنا على الضمير المتصل بدون إعادة الجار، والمعروف عند أكثر النحويين أنه لا يجوز أن تعطف على الضمير المتصل المجرور إلا بإعادة الجار، وابن مالك أشار إلى هذا في أي بيت؟

وَعَوْدُ خَافِضٍ لَدَى عَطْفٍ عَلَى ∗∗∗ ضَمِيرِ خَفْضٍ لَازِمًا قَدْ جُعِلَا ثم قال: ؎وَلَيْسَ عِنْدِي لَازِمًا إِذْ قَدْ أَتَى ∗∗∗ فِي النَّظْمِ وَالنَّثْرِ الصَّحِيحِ مُثْبَتَاوعلى هذا فنقول: ابن مالك رحمه الله لا يرى وجوب إعادة حرف الجر إذا عطف على الضمير المجرور المتصل، زال الإشكال هذا، زال الإشكال الأول بماذا؟ بأن وجوب إعادة الجار إذا عطف على ضمير خفض متصل، هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم في النحو وابن مالك ممن يرى أنه لا يجب إعادة الجار، إذن زال الإشكال الأول.

الإشكال الثاني: قوله: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قد لا تتصور وأيش معنى الكفر بالمسجد الحرام؟ الصد عن المسجد الحرام واضح، لكن الكفر بالمسجد الحرام وأيش معناه؟ نقول: الكفر به ظاهر، الذي يجعل الأصنام في جوف الكعبة، كافر بالمسجد الحرام ولَّا معظم له؟ كافر بالمسجد الحرام؛ لأنه ما آمن بحرمته وعظمته، بل هذا من أعظم الإهانة لبيت الله عز وجل أن تجعل الأصنام في جوف الكعبة، فهم كافرون بالمسجد الحرام، وعلى هذا يزول الإشكال الثاني.

فإن قلت: الإشكال في المعنى الأول وهو أن يكون قوله: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ معطوفًا على ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الإشكال اللي أوردنا هو أن العطف على قوله: ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فيه إشكال من حيث إنه فصل بين المعطوف والمعطوف عليه بأجنبي، لكن أجاب الذين يختارون هذا القول، أجابوا عن ذلك وقالوا: إن قوله: ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ متعلق بـ﴿صَدٌّ﴾، فيكون ليس أجنبيًّا، يكون غير أجنبي، يكون ليس بأجنبي من ﴿صَدٌّ﴾، وعلى هذا فتكون كأن الآية: وصد وكفر، فيكون ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ متعلق بـ﴿صَدٌّ﴾، فكأنه منه فليس بأجنبي، وحينئذٍ يزول الإشكال.

إذن ما خلاصة هذا البحث؟ خلاصة هذا البحث أنه يجوز في قوله: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وجهان:

الوجه الأول: أن يكون معطوفًا على قوله: ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني: وصد عن المسجد الحرام.

والوجه الثاني: أن يكون معطوفًا على الضمير في قوله: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾ أي: وبالمسجد الحرام، والله أعلم.

(...) أن فيه تعظيمًا لشأن الشهر، كأن المسؤول عنه هو الشهر نفسه يعني: عن شأن الشهر الحرام، وهل هو ذو شأن عظيم.

ثم قال: ﴿قِتَالٍ فِيهِ﴾ الذي هو المقصود هذا هو الفائدة من كون يأتي ﴿الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ أولًا ثم يبدل منه ﴿قِتَالٍ﴾، وإلا لكان السؤال: يسألونك عن قتال في الشهر الحرام.

قوله تعالى: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾..

قوله: ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ المسجد الحرام هو المسجد الذي فيه الكعبة هذا هو المسجد الحرام؛ لقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء ١] وقد أسري به من الحجر؛ ولقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة ٢٨]، وقوله: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا﴾ يدل على أن المراد بالمسجد الحرام هو أيش؟ نفس المسجد الذي فيه الكعبة؛ لأنه بالاتفاق أنه يجوز للمشرك أن يصل إلى حدود الحرم حتى لا يبقى بينه وبين الحرم إلا أنملة، ولو كان المراد بالمسجد الحرام جميع الحرم لكان المشرك لا يجوز أن يقرب أيش؟ حدود الحرم والأمر ليس كذلك.

* طالب: يقال: إنه أسري من بيت أم هانئ؟

* الشيخ: لا، الصحيح من الحجر، لكن بعضهم الذين صححوا الروايتين قالوا: كان نائمًا في بيت أم هانئ ثم استيقظ وذهب إلى هناك وأسري به من هناك.

وقوله: ﴿الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ (الحرام) فَعَال من الحُرمة أو من التحريم، يعني: المسجد ذي الحرمة والتعظيم، ولا يخفى على أحد حرمة المسجد الحرام، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام خطب في عام الفتح وقال: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ مَكَةَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٣١٣) من حديث مجاهد، ومسلم (١٣٦٠ / ٤٥٤) من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم، واللفظ للبخاري.]]، وأخبر أنها محرمة منذ خلق الله السماوات والأرض لا يعضض شوكها ولا ينفر صيدها ولا يحل القتال فيها، حتى إن الرسول ﷺ قال: «إِنْ تَرَخَّصَ أَحَدٌ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُولُوا: إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٠٤)، ومسلم (١٣٥٤ / ٤٤٦) من حديث أبي شريح العدوي.]]، وهذا من خصائص الرسول عليه الصلاة والسلام، ما أذن بالقتال في مكة لأحد إلا للرسول ﷺ، وليس إذنًا عامًّا بل إذنًا مقيدًا قال: «وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٨٣٢) ومسلم (١٣٥٤ / ٤٤٦) من حديث أبي شريح العدوي بلفظ: «أذِنَ لِرسُولِهِ».]]، وهذه القصة فيها تمثيل للحكم الذي نسخ مرتين: كانت بالأول حرامًا ثم أحلت، هذا النسخ الأول، ثم حرمت، هذا النسخ الثاني، والله تعالى يمحو ما يشاء ويثبت، فهذه من عظمة مكة.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском