Ibn 'UthayminAl‑Baqarah · 2:215–218

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:215–218, continued

كون الإنسان لا يكرم جاره كبيرة «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠١٩)، ومسلم (٤٨ / ٧٧)، واللفظ للبخاري من حديث أبي شريح رضي الله عنه.]]، وكونه يعتدي على جاره أيضًا أكبر، ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ» قَالُوا: مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ»[[أخرجه البخاري (٦٠١٦) حديث أبي شريح رضي الله عنه.]]. هذا الحد في الحقيقة حد معقول؛ لأنك لا تستطيع أن تفرق بين ما رُتّب عليه حد في الدنيا كالزنا والسرقة، وما رُتّب عليه وعيد في الآخرة، أو نفي إيمان أو غضب، أو لعنة أو ما أشبه ذلك، ولكن مع هذا لا نقول: إن هذه الكبائر سواء، بل من الكبائر ما يقرب أن يكون من الصغائر على حسب ما رُتّب عليه من العقوبة، فالذين يحاربون الله ورسوله ليسوا كالذين يسرقون فقط، ولهذا جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة ٣٣] وهذا الذي قاله شيخ الإسلام رحمه الله في حد الكبيرة هو أقرب ما يكون، وأطرد ما يكون؛ يعني مطرد.

* ويستفاد من الآية الكريمة: أن الصد عن سبيل الله أعظم من القتال في الأشهر الحرم، من أين تؤخذ؟ ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى أن قال: ﴿أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾.

* طالب: عند الله.

* الشيخ: إي نعم، أخيرًا: الفتنة أكبر من القتل.

يتفرع على هذه الفائدة: أن من أعظم الذنوب أن يصد الإنسان عن الحق، تجي لشخص تجده مثلًا متعبدًا طالب علم، تقول له: وأيش تبغي بهذا، وأيش تبغي مثلًا بالمطالعة، وأيش تبغي بطلب العلم؟! راحوا الناس الآن تقدموا، يقول: وصلنا القمر، وصلنا الفضاء، وما أشبه ذلك، هذا الذي يفعل مثل هذا يكون صادًّا عن سبيل الله؟ نعم، يكون صادًّا عن سبيل الله، فكل من ثبط عن الخير فإنه صادّ عن سبيل الله، ولكن هذا الصد يختلف اختلاف ما صد عنه، من صد عن الإيمان فهو أعظم شيء مثل ما فعل مشركو قريش، ومن صد عن شيء أقل كمن صد عن تطوع مثلًا فإنه أخف، لكن لا شك أن هذا جرم، النهي عن المعروف جرم بلا شك، وصد عن سبيل الله.

* ومن فوائد الآية: أن الكفر بالله أعظم من القتل في الشهر الحرام أو لا؟ لقوله: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ إلى آخره.

* ويستفاد من الآية: عِظم الصد عن المسجد الحرام، فهل يستفاد منه أنه لا يجوز أن يمنع الناس من الحج ولَّا لا؟

* يستفاد منه: أنه لا يجوز منع الناس من الحج، لكن لو قال ولي الأمر: أنا لا أمنعهم، لكنني أنظمهم؛ لأن الناس يقتل بعضهم بعضًا لو اجتمعوا جميعًا، فهل نقول: إن هذا من باب السياسة الجائزة، كمنع الرسول عليه الصلاة والسلام من لا يصلح للجهاد من الجهاد، أو نقول: إن في هذا نظرًا؟

* طلبة: الأول.

* طالب: مثل قولنا يا شيخ (...) قولنا تنظيمًا يجوز.

* الشيخ: على كل حال المسألة هذه؛ يعني تحتاج إلى نظر بعيد، وهل إن مراعاة المصالح بالنسبة للعموم تقضي على مراعاة المصالح بالنسبة للخصوص أو لا؟

﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ نستفيد فوائد: فمن فوائدها: حرص الصحابة رضي الله عنهم على السؤال عن العلم؛ حيث سألوا النبي عليه الصلاة والسلام، وكم من سؤال وقع على الصحابة رضي الله عنهم بالنسبة للرسول عليه الصلاة والسلام أكثر من اثنتي عشرة مرة.

* ويستفاد منها: أنه من حسن الإجابة أن يزيد المسؤول على ما يقتضيه السؤال إذا دعت الحاجة إليه، منين يؤخذ؟

من قوله: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ فإنهم ما سألوا عن الذي ينفق عليه إنما سألوا: ماذا ينفقون فأجيبوا بما ينفق عليه. وهل أجيبوا عن السؤال؟

* طالب: إي نعم.

* الشيخ: أين؟

* طالب: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾.

* الشيخ: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ نعم.

* ويستفاد من الآية الكريمة: فضل الإنفاق على الوالدين والأقربين، وأنه مقدم على الفقراء والمساكين، وجه ذلك؟ أن الله بدأ به ﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ ولا يُبدأ إلا بالأهم فالأهم.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن لليتامى حقًّا في الإنفاق وإن كانوا أغنياء، وجهه: أنه خصهم، ثم أتى بعدهم بقوله: ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾، فإن كانوا يتامى ومساكين اجتمع فيهم استحقاقان: اليتم، والمسكنة، وإذا كانوا أقارب؛ أقارب ويتامى ومساكين؟ ثلاث استحقاقات، وإذا كانوا أبناء سبيل أيضًا؟ أربعة؟ يمكن اليتيم يصير ابن سبيل؟

* طلبة: نعم.

* الشيخ: يمكن يسافر به.

* ويستفاد من الآية الكريمة: عموم علم الله ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾.

* ويستفاد منها أيضًا: أن كل فعل خير سواء كان إنفاقًا ماليًّا، أو عملًا بدنيًّا، أو تعليم علم، أو جهادًا في سبيل الله، أو غير ذلك فإن الله تعالى يعلمه، وسيجازي عليه لقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ فإن ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ نكرة في سياق الشرط ما تفعلوا فتكون للعموم، متى تكون النكرة للعموم؟ إذا كانت في سياق النفي، وأيش بعد؟ أو النهي، أو الشرط، أو الاستفهام الإنكاري كقوله: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ [مريم ٩٨] في هذه الأربعة تكون للعموم، أما في مقام الإثبات، كما لو قلت: اضرب رجلًا، فهي للإطلاق وليست للعموم. ما الفرق بين الإطلاق وبين العموم؟

الفرق: أن الإطلاق عمومه بدلي، والعموم عمومه شمولي، كلام باللغة غير العربية، واضح؟

* طالب: بالعربية.

* الشيخ: بالعربية لكن غير مفهوم؛ أقول: الفرق بين الإطلاق والعموم: أن الإطلاق عمومه بدلي، والعموم عمومه شمولي واضح؟ التفصيل؛ عمومه بدلي بمعنى: أنه يشمل جميع الأفراد على سبيل البدل؛ يعني: واحد منها يكفي عن الجميع، هذا المعنى، عمومه بدلي أنه يشمل جميع الأفراد على سبيل البدل أي: أن واحدًا منها يكفي عن الجميع، وأما العام فعمومه شمولي بمعنى أنه يتناول جميع الأفراد على سبيل التعيين ما هو على سبيل البدل، فإذا قلت مثلًا: أكرم الطلبة.

* طالب: الكل.

* الشيخ: يشمل الجميع، لازم كلهم تكرمهم، إذا قلت: أكرم طالبًا، يكفي واحد، لكن ما هو على سبيل التعيين، على سبيل البدل ولَّا لا؟ إذا أكرمت أول واحد أو آخر واحد أو من بينهما كفى. فهمتم؟

النكرة في سياق الإثبات للإطلاق، وفي سياق النفي للعموم، فإذا قلت: أعتق رقبة، أيّ رقبة تعتقها كفى، وإذا قلت: لا تعتق رقبة، فإنك لا تعتق أي رقبة من الرقاب. تمام؟

* ويستفاد من الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن لا يحقر من المعروف شيئًا لقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ لا تحقرن شيئًا من المعروف، لا تقل: والله هذا شوي، هذا قليل، هذا بسيط «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥١٢)، ومسلم (١٠١٦ / ٦٧) من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه.]].

ثم قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ إلى آخره.

* يستفاد من الآية الكريمة: فرضية الجهاد لقوله: ﴿كُتِبَ﴾ بمعنى (فُرض).

* ويستفاد من الآية الكريمة: أنه لا حرج على الإنسان إذا كره الشيء المكتوب عليه، لا كراهة من حيث أمر الشارع به، ولكن من حيث طبيعته لقوله: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ لكن من حيث أمر الشارع به وأيش الواجب؟ الواجب الرضا وانشراح الصدر به.

* ويستفاد من الآية الكريمة: أن البشر لا يعلمون الغيب ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾.

* ويستفاد من الآية: أن الله عز وجل قد يحكم حكمًا شرعيًّا أو كونيًّا على العبد بما يكره وهو خير له، قد يصاب الإنسان بمصيبة وتكون خيرًا له، افرض مثلًا أنك مسافر وحصل على السيارة عطل، تكره هذا ولَّا تحبه؟ تكرهه، لكن تبين لك أن أمامك بنحو أميال قُطّاع الطريق لصار هذا التعطل صار خيرًا لك ما تدري، فقد يقدّر الله الشيء على الإنسان وهو يكرهه ويكون خيرًا له، ولهذا لا ينبغي أن تكرهه.

* ويستفاد من الآية الكريمة: عموم علم الله عز وجل لقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ لكن من أين نأخذ العموم؟

* طالب: من (لا) النافية يا شيخ.

* الشيخ: لا، كيف نأخذ العموم؟

* طالب: من الفعل المضارع.

* الشيخ: الفعل المضارع ما يدل على العموم، حذف المعمول يفيد العموم، هذه القاعدة مرت علينا من قبل، حذف المعمول يفيد العموم أو لا؟ ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى ٦ - ٨] كلها محذوفة المفاعيل، (آواك)، وآوى بك أيضًا. ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ هداك أنت ولَّا هدى بك أيضًا؟ هداك وهدى بك. ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ لو قال: فأعناك ما استفدنا أن غيره أغناه الله به أيضًا، بل أغناه وأغنى به، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام للأنصار: «أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٣٠)، ومسلم (١٠٦١ / ١٣٩) من حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه.]]. إذن نأخذ العموم من قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾، وأيش طريق العلم به؟ حذف المفعول إي نعم، فإن حذف المفعول يدل على العموم.

* ويستفاد من الآية الكريمة: ضعف الإنسان لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ فالأصل في الإنسان عدم العلم، ولهذا قال الله تعالى لرسوله ممتنًّا عليه: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء ١١٣] فالأصل في الإنسان أنه لا يعلم ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل ٧٨].

ثم قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ إلى آخره، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ نأخذ منها ما سبق من حرص الصحابة رضي الله عنهم على السؤال والعلم، ولهذا يقال: إن مفتاح العلم السؤال.

* ويستفاد من الآية الكريمة: تحريم القتال في الأشهر الحرم، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ يعني من كبائر الذنوب، والأشهر الحرم أربعة، وأظنها معروفة لكم.

* ويستفاد من الآية الكريمة: تقديم ما يفيد العِلّية لقوله: ﴿عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ والمسؤول عنه هو القتال في الشهر الحرام، لكنه قدم الشهر؛ لأنه العلة في تحريم القتال، يعني: ما شأن القتال فيه؟

* ويستفاد من الآية الكريمة: أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يعلم من أحكام الله إلا ما علمه الله.

* طالب: يسألون.

* الشيخ: لا، الجواب، من جواب الله له: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ كذا؟ ينبني على هذه المسألة: هل للرسول عليه الصلاة والسلام أن يجتهد أم لا؟

الجواب: نعم، له أن يجتهد، ثم إذا اجتهد فأقره الله، صار اجتهاده بمنزلة الوحي، كما أن الرسول لو أقر أحدًا من الصحابة على شيء صار فعل هذا الصحابي بمنزلة السنة، عرفتم؟ فإن لم يقره الله عليه تبين أن الاجتهاد ليس بصواب، كقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة ٤٣].

* طالب: فضيلة الشيخ، ما يجمع بينها وبين قول الله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم ٣]؟

* الشيخ: إيه ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ أكثر المفسرين على أن المراد بالقرآن ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ يعني: أن القرآن وحي من الله.

* طالب: شيخ، فعل النصراني (...) النبي ﷺ أقره على ذلك (...) القاعدة؟

* الشيخ: لا، إحنا ذكرنا أنه لا يلزم من إقرار الرسول عليه الصلاة والسلام على الشيء أن يكون سنة مشروعة، لكن أن يكون جائزًا، الرسول أقره بمعنى أنه ليس بمحرم، لكنه ليس بسنة، ولهذا لم يكن الرسول يفعله عليه الصلاة والسلام، وذكرنا لذلك بعض النظائر أيضًا، تحفظون منها شيئًا؟

* طالب: مثل الصدقة على الميت (...).

* الشيخ: فهذا جائز وليس بمشروع، لا يشرع لكل إنسان مات له ميت أن يتصدق عنه.

* ويستفاد من الآية الكريمة: تفاوت الذنوب؛ أن الذنوب تتفاوت، منين؟ ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ هذه أولًا تفيد أن الذنوب تتفاوت، وبتفاوت الذنوب يلزم من ذلك تفاوت الإيمان؛ لأنه كلما كان الذنب أعظم كان نقص الإيمان به أكبر، فيكون في ذلك ردّ على من أنكروا زيادة الإيمان ونقصان الإيمان، وللعلماء في ذلك ثلاثة آراء: منهم من قال: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ومنهم من قال: إن الإيمان يزيد وينقص، ومنهم من قال: إن الإيمان يزيد ولا ينقص، الذين قالوا: لا يزيد ولا ينقص هم طائفتان: المرجئة، والمعتزلة والخوارج؛ المرجئة لماذا قالوا: لا يزيد ولا ينقص؟ قالوا: لأن الإيمان هو التصديق بالقلب، والتصديق بالقلب لا يزيد ولا ينقص؛ لأن الأعمال عندهم لا تدخل في مسمى الإيمان، والمعتزلة والخوارج قالوا: إن الإيمان هو التصديق بالقلب والنطق باللسان والعمل بالجوارح، وأنه إذا فُقد في واحدة من هذه الثلاثة فُقد منها الجميع، فعلى هذا لا يزيد ولا ينقص، إما أن يبقى كله، وإما أن يعدم كله، واضح؟

وقال بعض أهل العلم: إن الإيمان يزيد ولا ينقص؛ لأن الله تعالى صرح في القرآن بأنه يزيد ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر ٣١] ولكن لم يأتِ في القرآن أن الإيمان ينقص، عرفتم؟ والصحيح أنه يزيد وينقص، وأنه يزيد وينقص باعتبار اعتقاد القلب وقول اللسان وعمل الجوارح، حتى باعتبار اعتقاد القلب يزيد وينقص، أليس إبراهيم عليه الصلاة والسلام قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠] يزيد ولَّا لا؟ يزيد، وأنت الآن عندما يخبرك رجل ثقة بأن فلانًا قدم إلى البلد تُصَدِّق، فإذا جاءك آخر ازداد تصديقك ولَّا لا؟ ازداد، فإذا جاء ثالث ازداد، فإذا جاء رابع ازداد، إذا وصل إلى حد التواتر أثبت العلم. فإذن التصديق بالقلب يزيد، حتى نفس الشخص يجد في بعض الأحيان في بعض الساعات يجد في قلبه إيمانًا راسخًا كأنما يشاهد العرش، وكأنما يرى الله عز وجل، كما قال الرسول: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] وأحيانًا يغفل ويهبط هبوطًا كاملًا، أو كثيرًا إيمانه، أما زيادة الإيمان باعتبار أقوال اللسان فحدّث ولا حرج، فالذي يسبح الله مئة مرة ليس كالذي يسبحه عشر مرات، أيهما أزيد؟ مئة مرة، وكما أنه يختلف بالكمية يختلف أيضًا بالكيفية، فالعبادة المبنية على الإخلاص، وتمام الاتباع ليست كالعبادة الناقصة في الإخلاص وتمام الاتباع، وكذلك في الجوارح، عمل الجوارح يختلف، فالذي يصلي أربع ركعات ليس كالذي يصلي ثماني ركعات، واضح؟ إذن يزيد ولَّا لا؟ يزيد بالاعتقاد، والقول، والعمل الفعل، والذين قالوا: يزيد ولا ينقص نقول لهم: سبحان الله! نرد عليهم من وجهين:

أولًا: أن الرسول أثبت النقص فقال: «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٠٤)، ومسلم (٨٠ / ١٣٢) واللفظ للبخاري من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]].

ثانيًا نقول: إذا ثبتت الزيادة ثبت النقص بالضرورة، وأيش معنى هذا زائد على هذا إلا أن الثاني ناقص عنه؟ فهما متلازمان متى ثبتت الزيادة ثبت النقص، ومتى ثبت النقص انتفت الزيادة. واضح؟

فالصواب إذن أنه يزيد وينقص باعتبار إقرار القلب ونطق اللسان وعمل الجوارح، وهذا أمر مسلّم، وهو معلوم بالضرورة من تفاوت الكبائر أو تفاوت الذنوب، ومن تفاوت الأعمال الصالحة أيضًا فإن تفاوت العمل يستلزم تفاوت العامل.

* طالب: شيخ، يصح أن نقول: إن العلماء من الخوارج والمعتزلة نقول: علماء؟

* الشيخ: إيه علماء إيه.

* الطالب: ضلّال هم يا شيخ.

* الشيخ: علماء، لكنهم ما نقول عنهم: ضلال ولَّا ما هم ضلال، هذا شيء ثانٍ، لكن نقول: علماء، هم علماء الملة، شيخ الإسلام رحمه الله يقول في الفتوى الحموية : انقسم أهل القبلة في مسائل الصفات إلى ست فرق. وعد منهم الجهمية والمعطلة؛ لأنهم منتسبون للإسلام ويعدون من الفرق الإسلامية لكنها مخالفة.

* طالب: يكفرون؟

* الشيخ: لا شك أن بعض البدع كفر، لكن الشخص بعينه لا، يحتاج إلى أن تقوم عليه حجة.

* طالب: شيخ، في من يقول في (...): إيمان الملائكة لا يزيد ولا ينقص، إيمان الأنبياء يزيد ولا ينقص، وإيمان عوام الناس يزيد وينقص؟

* الشيخ: هذا غلط، نحن نقول: الإيمان من حيث هو إيمان يزيد وينقص بقطع النظر عن المتصف به، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد يفعلون بعض الأشياء التي يظلمون فيها أنفسهم: هذا آدم كما قال الله عز وجل عنه: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ [طه ١٢١، ١٢٢] وهذا موسى قتل نفسًا بغير حق وأشياء كثيرة، ولكنهم يرجعون إلى الله عز وجل ويتوبون ويكونون بعد التوبة خيرًا منهم قبلها.

* طالب: إذن قوله يعني خطأ؟

* الشيخ: إي نعم، خطأ.

* طالب: فالملائكة يا شيخنا، يفعلون الخير المحض؟

* الشيخ: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم ٦]، إي نعم، ما نستطيع نقول شيئًا، ما نقول شيئًا.

* الطالب: نتوقف عنه؟

* الشيخ: نتوقف عنه، ما نقول، نقول: الإيمان من حيث هو إيمان يزيد وينقص، أما باعتبار المؤمن نفسه فقد يكون بعض الناس يمن الله عليه ويزداد دائمًا في إيمانه وعمله الصالح، وقد يكون بعض الناس بالعكس دائمًا في نقص.

* طالب: إذن الأقوال ثلاثة؟ يزيد وينقص؟

* الشيخ: على أقوال ثلاثة: يزيد وينقص، لا يزيد ولا ينقص، يزيد ولا ينقص.

* طالب: (...).

* الشيخ: هو أبو حنيفة رحمه الله من المرجئة، لكنه يدخل القول في مسمى الإيمان، يدخله.

* من فوائد الآية الكريمة: عظمة الصدّ عن سبيل الله لقوله: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى آخره. والصد عن سبيل الله له طرق متعددة كثيرة غير محصورة، قد يكون بمنع الناس من فعل العبادات، وقد يكون بإشغالهم وإلهائهم عن فعل العبادات، وقد يكون في تحقير العبادات في أنفسهم، وقد يكون بإلقاء الشبهات في قلوب الناس حتى يشكوا في دينهم ويدَعوه، المهم أن طرق الصدّ سبيل الله عن دينه لا حصر له كثيرة جدًّا.

* ويستفاد من الآية الكريمة: أن الكفر بالله أعظم من القتال في الشهر الحرام أو لا؟ ويستفاد من هذا: أن الصد عن المسجد الحرام أعظم من القتال في الشهر الحرام لقوله: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.

* ويستفاد من الآية الكريمة أيضًا: أن إخراج أهل مكة منها أعظم من القتال في الشهر الحرام.

* ويستفاد من الآية الكريمة: تسلية الله عز وجل للمؤمنين بما جرى من الكافرين مقابل فعل المؤمنين؛ حيث قاتلوا في الشهر الحرام، تسلية، من أين تؤخذ؟ (...) من يتصف بها؟ المشركون الذين انتقدوا على المسلمين قتلهم لهذا الرجل في الشهر الحرام؛ يعني أنتم إذا فعلتم هذا فقد فعلوا أكبر من ذلك، أربعة أمور؛ كل واحد منها أكبر من هذا.

* ويستفاد من هذه الآية الكريمة: أن من كان أقوم بطاعة الله فهو أحق الناس بالمسجد الحرام في قوله: ﴿إِخْرَاجُ أَهْلِهِ﴾ مع أن المشركين ساكنون في مكة لكن ليسوا أهلًا للمسجد الحرام كما قال الله تعالى في سورة الأنفال: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال ٣٤].

* ويستفاد من ذلك: أن الفتنة أكبر من القتل؛ الفتنة أكبر من القتل، وأيش الفتنة؟ الشرك، الشرك أعظم، وقلنا: لكم فيما سبق أنها تشمل الشرك، وتشمل أيضًا فتْن الناس عن دينهم بأنواع الشبهات، أو بأنواع الشهوات.

* ويستفاد منها: التحذير من الفتنة لقوله: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ فإذا كانت أكبر فالواجب الحذر منها، وكثير من الناس يأتون إلى مواضع الفتن وهم يرون أنهم لن يفتتنوا، ولكن لا يزال بهم الأمر حتى يقعوا في الفتنة، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الدجال: «مَنْ سَمِعَ بِهِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يَأْتِي إِلَيْهِ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَلَا يَزَالُ بِهِ حَتَّى يَتْبَعَهُ»[[أخرجه أبو داود (٤٣١٩) من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه بلفظ: «مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ، فَوَاللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَأْتِيهِ وَهُوَ يَحْسَبُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَيَتَّبِعُهُ، مِمَّا يُبْعَثُ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ»، أو «لِمَا يُبْعَثُ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ» الحديث.]] هذا هو الحديث أو معناه، المهم أن الإنسان لا يُعرّض نفسه للفتن، كم من إنسان وقع في مواقع الفتن وهو يرى نفسه أنه سيتخلص، ثم لا يتخلص، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) واللفظ له من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه.]].

* ويستفاد من الآية الكريمة: حرص المشركين على ارتداد المؤمنين ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ﴾ إلى هذا الحد، إلى القتال، لأجل أن يردونا عن ديننا، وإذا حصل لهم الرّدّة بدون قتال؟

* طالب: أحب لهم.

* الشيخ: أحب لهم؟ أحب إليهم معلوم، إذا حصل أن المسلمين يرتدون بدون قتال فهو أحب إليهم، ولهذا كان الغزو الفكري والغزو الأخلاقي أعظم من الغزو السلاحي، ولَّا لا؟ لأن هذا يدخل على الأمة من حيث لا تشعر، وأما ذاك فهو صدام مسلّح، ينفر الناس منه بالطبيعة ما يمكنون أحدًا يقاتلهم، أما هذا فإنه -والعياذ بالله- سلاح فتّاك، ولهذا كم أفسد على الأمة؟! أصل الفتن التي وقعت في الأمة الإسلامية أصلها من مثل هذا، نعم بدعة الروافض، بدعة الخوارج وما أشبه ذلك وأيش أسبابها؟ هو هذا، يفسدون الفكر حتى يوقعوا الناس في القتال.

* ومن فوائد الآية الكريمة: الحذر من الكافرين لقوله: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ﴾ وكلمة: لا يزال، أظن نفهم كلنا أنها تفيد الاستمرار، وأنه ليس في وقت دون وقت، لا يزالون يفعلون هذا حتى يردوكم عن دينكم.

* ويستفاد من الآية الكريمة: تيئيس الكافرين من أن يردوا المؤمنين كلهم عن الدين في قوله: ﴿إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ ولكن لن يستطيعوا حتى يأتي أمر الله فيكون في آخر الزمان تهب ريح تقبض نفس كل مؤمن حتى لا يبقى إلا شرار الخلق.

* ويستفاد من الآية الكريمة: أن الردة مبطلة للأعمال لقوله: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾.

* ويستفاد منها: أنها لا تبطل العمل إلا إذا مات على الكفر لقوله: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾، وعلى هذا فنقول: لو أن أحدًا ارتد والعياذ بالله؛ ارتد عن الإسلام، بدأ ما يصلي، ترك الصلاة نهائيًّا، ثم هداه الله ورجع إلى الإسلام وصار يصلي، فهل أعماله السابقة ترجع ولَّا تذهب؟ ترجع؛ لأن الله عز وجل اشترط أن يموت وهو على كفره، طيب لو كان صحابيًّا هل ترجع صحبته؟ نعم، على الأصح، كما قال ابن حجر على الأصح ترجع، طيب لو كان قد حج، ثم عاد إلى الكفر، ثم عاد إلى الإسلام؟ يُلزم بأداء الحج؟ لا، يكفي الحج الأول.

* ويستفاد من الآية الكريمة: أن المرتد مخلّد في النار لقوله: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.

* ويستفاد من الآية الكريمة: أن المرتد لا يعامل في الدنيا بأحكام المؤمنين لقوله: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، فلا يغسّل، ولا يكفّن، ولا يُصلّى عليه، ولا يدفن مع المسلمين، وهل يرث ويورث؟ فيه خلاف؟ أما كونه لا يرث فهذا الظاهر أنه بالإجماع، ولا أدري، لكن الظاهر، أما كونه يورث فقد اختار شيخ الإسلام أنه يرثه أقاربه المسلمون، ولكن الصحيح أنه لا توارث لعموم قول الرسول عليه الصلاة والسلام في حديث أسامة: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٧٦٤)، ومسلم (١٦١٤ / ١) من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما.]]. رجل عنده ملايين الدراهم ومئات العقارات، وآلاف السيارات، ولكنه ما يصلي ومات، وله أبناء وزوجات قلنا: ها المال هذا ما هو لكم، المال لبيت المال، هذه صعبة جدًّا، لكن مع ذلك فيها فائدة عظيمة؛ لأن بعض الناس قد يحمله كونه يتصور أن أولاده سيشرّدون بعده، ولا يكون لهم استحقاق في أمواله إلا بقدر ما يستحقون من بيت المال، ربما أن هذا الأمر يحمله على أن يرجع إلى الإسلام ويتوب، وإذا رجع إلى الإسلام وتاب تاب الله عليه وصار موروثًا.

* طالب: كذلك يحمل أهله على (...).

* الشيخ: ويحمل أهله أيضًا على أن يشددوا عليه في النصيحة.

* ويستفاد من الآية الكريمة: أن الردة مبطلة للعمل أيًّا كان ذلك المرتد، سواء كان من الصحابة أو من التابعين أو ممن بعدهم لقوله: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ﴾ والخطاب أول ما يدخل فيه الصحابة ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ وقد ارتد أحد منهم في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام مثل عبد الله بن خطل، أسلم ثم ارتد والعياذ بالله، ولحق بمكة، واتخذ جواري يغنين بهجاء الرسول عليه الصلاة والسلام، ولهذا لما كان في فتح مكة قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ بَيْتَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ»[[أبو داود (٣٠٢٢) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.]] فجاؤوا إليه فقالوا: يا رسول الله، عبد الله بن خطل متعلق بأستار الكعبة في المسجد ولَّا خارج؟ في المسجد متعلق بأستار الكعبة، فقال: «اقْتُلُوهُ، اقْتُلُوهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٤٦) ومسلم (١٣٥٧ / ٤٥٠) من حديث أنس رضي الله عنه.]]. فقتل مع أنه في آمَن بقعة على وجه الأرض، ومع أن الرسول قال: «مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ»، فقال: «اقْتُلُوهُ». قال العلماء: لأن الكفر -والعياذ بالله- عظيم؛ فإنه قد سَبّ الرسول عليه الصلاة والسلام بهذه الجواري اللاتي كن يغنين بالقدح في الرسول ﷺ.

* طالب: يعني (مَنْ) هذه، مَن دخل بيته فهو آمن؟

* الشيخ: هذا عام.

* الطالب: ما يدخل فيها؟

* الشيخ: إلا، لكن يجوز تخصيص العموم، هذا فيه تخصيص العموم؛ يعني إلا عبد الله بن خطل خصه الحديث.

* طالب: وإخراج أهله منه أكبر، فما دعاهم إلى تغريب الزاني؟

* الشيخ: لا، هذا شرعي، تغريب الزاني هذا شرعي.

* طالب: يا شيخ، أقول: قصة ابن خطل هذه ما تؤيد كلام شيخ الإسلام يعني يقول: من سب الرسول لازم يقتل؟

* الشيخ: إيه، يستدل بها عليه.

* طالب: أما ابن خطل؟

* الشيخ: إيه، لكن ما قتل، تاب وبقي.

* طالب: الشرك ما يحبط العمل؟

* الشيخ: الشرك إذا مات، إذا مات على الكفر حبط عمله.

* طالب: الساحر، وهو حاج يقولون: يبطل الحج، تصدّق هذا الساحر؟

* الشيخ: من يقول؟

* الطالب: يقولون: يبطل حجه.

* الشيخ: لا، إن اعتقد أنه يعلم الغيب صار كافرًا؛ لأنه ما يعلم الغيب إلا الله عز وجل، وإذا كفر فمات على كفره، وإن تاب تاب الله عليه.

* طالب: الحاج لو أنه مشرك، حجه ما يعيده؟

* الشيخ: كيف لو أنه مشرك، وأيش لون؟

* الطالب: ارتد يعني ..

* الشيخ: لو ارتد بعد الحج، ثم عاد إلى الإسلام ما يعيد الحج.

* الطالب: إذا كان حج وأسلم؟

* الشيخ: ثم أسلم.

* الطالب: ثم أسلم، معناه وحج، يعني الحج؟

* الشيخ: ما يبطل الحج، لا، ما يبطل، يعني ارتد بعد الحج نقول: إذا لم يمت على الكفر فهو صحيح؛ يعني فلا يبطل عمله.

* طالب: شيخ، قوله: «مَنْ أتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ»[[أخرجه أحمد في المسند (٩٥٣٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] هل يقول: لا تقبل الصلاة أربعين يومًا؟

* الشيخ: هذاك فسأله، مجرد سؤاله ما تقبل له صلاته أربعين يومًا.

* الطالب: إذا حج في الأربعين اليوم هذه تقبل ولَّا ما تقبل؟

* الشيخ: تقبل، تقبل.

* الطالب: والصلاة ما تقبل؟

* الشيخ: لا، هو الصلاة تقبل، لكن معنى: لا تقبل مو معناه لا تبرأ بها الذمة، الذمة تبرأ بها، لكن معناه أن سوء عمله هذا يقابل أجر الصلاة فكأنه لم يُصلِّ، بالاتفاق أن صلاته تصح.

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾.

* يستفاد من الآية الكريمة: فضيلة الإيمان والهجرة لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ [البقرة ٢١٨].

* ويستفاد منها: أن الجهاد دون مرتبة الهجرة، من أين يؤخذ؟

* الطلبة: من الترتيب.

* الشيخ: لأنه قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا﴾ فجعل الجهاد معطوفًا على الهجرة، ولم يجعل له اسمًا موصولًا مستقلًّا.

* ويستفاد من ذلك: مراعاة الإخلاص للهجرة والجهاد لقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ وأما بدون إخلاص فإنه هجرته إلى ما هاجر إليه.

* ويستفاد من الآية الكريمة: أنه لا ينبغي للإنسان أن يكون جازمًا بقبول عمله بل يكون راجيًا، ولكنه يرجو رجاء يصل به إلى حسن الظن بالله عز وجل. (...).

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском