Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:219–221
2:219–221Page 34
۞ يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِۖ قُلۡ فِيهِمَآ إِثۡمٞ كَبِيرٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثۡمُهُمَآ أَكۡبَرُ مِن نَّفۡعِهِمَاۗ وَيَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَۖ قُلِ ٱلۡعَفۡوَۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ ٢١٩
They ask you about wine1 and gambling. Say, "In them is great sin and [yet, some] benefit for people. But their sin is greater than their benefit." And they ask you what they should spend. Say, "The excess [beyond needs]." Thus Allāh makes clear to you the verses [of revelation] that you might give thought
فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۗ وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡيَتَٰمَىٰۖ قُلۡ إِصۡلَاحٞ لَّهُمۡ خَيۡرٞۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمۡ فَإِخۡوَٰنُكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ ٱلۡمُفۡسِدَ مِنَ ٱلۡمُصۡلِحِۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَعۡنَتَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٢٢٠
To this world and the Hereafter. And they ask you about orphans. Say, "Improvement for them is best. And if you mix your affairs with theirs - they are your brothers. And Allāh knows the corrupter from the amender. And if Allāh had willed, He could have put you in difficulty. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Wise."
وَلَا تَنكِحُواْ ٱلۡمُشۡرِكَٰتِ حَتَّىٰ يُؤۡمِنَّۚ وَلَأَمَةٞ مُّؤۡمِنَةٌ خَيۡرٞ مِّن مُّشۡرِكَةٖ وَلَوۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡۗ وَلَا تُنكِحُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤۡمِنُواْۚ وَلَعَبۡدٞ مُّؤۡمِنٌ خَيۡرٞ مِّن مُّشۡرِكٖ وَلَوۡ أَعۡجَبَكُمۡۗ أُوْلَٰٓئِكَ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلنَّارِۖ وَٱللَّهُ يَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱلۡجَنَّةِ وَٱلۡمَغۡفِرَةِ بِإِذۡنِهِۦۖ وَيُبَيِّنُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٢٢١
And do not marry polytheistic women until they believe.1 And a believing slave woman is better than a polytheist, even though she might please you. And do not marry polytheistic men [to your women] until they believe. And a believing slave is better than a polytheist, even though he might please you. Those invite [you] to the Fire, but Allāh invites to Paradise and to forgiveness, by His permission. And He makes clear His verses [i.e., ordinances] to the people that perhaps they may remember.
الفاعل في قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ يعود إلى الصحابة رضي الله عنهم، والضمير المفعول به ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ يعود إلى النبي ﷺ، وقد أنزل الله تعالى في الخمر أربع آيات: آية تبيحه، وآية تعرّض بتحريمه، وآية تمنعه في وقت من الأوقات، وآية تمنعه دائمًا، أما الآية التي تبيحه فهي قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل ٦٧]، وأما الآية التي تُعرّض به؛ أي بالتحريم فهذه الآية التي معنا، وأما الآية التي تمنعه في وقت دون آخر فآية النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾، وأما الآية التي تمنعه مطلقًا فآية المائدة التي نزلت في السنة الثامنة من الهجرة، فيكون تحريم الخمر تحريمًا باتًّا متأخرًا إلى السنة الثامنة من الهجرة.
وقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ سبب سؤالهم هو أن الإنسان العاقل إذا رأى ما يترتب على الخمر والميسر من المضار التي تخالف الفطرة فلا بد أن يكون عنده إشكال في ذلك، ولهذا سألوا النبي عليه الصلاة والسلام عنهم عن حكمهما لا عن معناهما؛ لأن المعنى معلوم، لكن عن الحكم، وقد سبق لنا أن الصحابة رضي الله عنهم سألوا النبي عليه الصلاة والسلام أسئلة كثيرة، لكن في القرآن كم سؤالًا سألوا الرسول؟
* طالب: ثلاثة عشر.
* طالب آخر: اثنا عشر.
* الشيخ: اثنا عشر أو ثلاثة عشر؟ المعروف أنها اثنا عشر سؤالًا.
وقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ﴾ الخمر من أين هو مشتق؟ قيل: إنه مشتق من (خَمَرْتُه أخْمِرُه) إذا غطيته، فهو من التغطية، وقيل: إنه مشتق من (خَامَره يُخامِره) إذا خالطه، والصحيح أنه مشتق من الأمرين جميعًا؛ وذلك لأن الخمر يخالط العقل ويغطي العقل أيضًا، فهو يخالطه، ثم بعد ذلك يغطيه حتى يُلحق صاحبه بالمجانين الذين لا عقول لهم.
ثم ما هو الخمر؟ هل الخمر ما أسكر من نبيذ العنب فقط؟ أو الخمر ما أسكر من أي شيء كان؟
الصواب: أن الخمر ما أسكر من أي شيء كان، ولا نقول: إن هذا من باب الاصطلاح الفقهي، بل هو من باب المعنى اللغوي، والدليل على ذلك أن النبي ﷺ وهو أفصح العرب قال: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ»[[أخرجه مسلم (٢٠٠٣ / ٧٣) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.]] فبين التعريف والحكم -عليه الصلاة والسلام- في هذا، «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ» هذا التعريف، وكل مسكر حرام، هذا الحكم، وعلى هذا فلا يتقيد بشيء من الأشياء؛ لا بعنب، ولا بتمر، ولا بشعير، ولا بعسل، ولا ببُرّ، ولا بغير ذلك، كل ما أسكر فإنه خمر، فالخمر كل مسكر، ولكن ما معنى الإسكار؟
قال العلماء: معنى الإسكار هو تغطية العقل على سبيل اللذة والطرب، ما هو مجرد ما يفقد الإنسان وعيه يكون سكرانًا، فإن (البنج) مثلًا يغطي العقل، لكن لا على سبيل اللذة والطرب، فلا يكون مسكرًا، إنما الخمر يغطي العقل على سبيل اللذة والطرب، ولهذا السكران يرى نفسه في بحبوحة من العيش، وكأنه ملك من الملوك وكأنه مالك لكل شيء، كما قال حسان بن ثابت رضي الله عنه:
وَنَشْرَبُهَـــا فَتَتْرُكُنَــــا مُلُوكًـــــا ∗∗∗ .......................
يعني: تتركنا كالملوك في تخيل الإنسان نفسه، وكما يشهد لذلك الواقع أيضًا فإن الرسول عليه الصلاة والسلام لما جاء إلى حمزة بن عبد المطلب حين شرب فسكر فغنَّته جاريته:
أَلَا يَا حَمزُ لِلشُّرُفِ النِّوَاءِ ∗∗∗ ........................
وكان قد مر به ناضحانِ لعلي بن أبي طالب، قام رضي الله عنه -أي: حمزة- فجبّ أسنمتهما، وأظنه بقر بطونهما أيضًا، فجاء علي بن أبي طالب إلى رسول الله ﷺ يشكو، فلما أقبل النبي عليه الصلاة والسلام إلى حمزة وجده قد ثمل، ولم يصحو بعد فكلّمه، فقال له حمزة بن عبد المطلب: هل أنتم إلا عبيد أبي؟[[متفق عليه؛ البخاري (٣٠٩١)، ومسلم (١٩٧٩ / ١) من حديث علي بن أبي طالب.]]. هذا يدل على أن عنده في تلك الساعة نشوة وطرب وعلو وارتفاع ولهذا قال: هل أنتم إلا عبيد أبي؟
هذا هو الخمر وهذا هو اشتقاقه، أما حكمه فإنه سيبيّن في هذه الآية. وقوله: ﴿وَالْمَيْسِرِ﴾ ﴿الْمَيْسِرِ﴾ قيل: إنه مأخوذ من (اليُسْر)، وقيل: مأخوذ من الإيسار، والمادة كما تشاهدون تشتمل على الياء والسين والراء، والحق أنه مأخوذ من الأمرين جميعًا، ففيه يسر وفيه إيسار، كما أن فيه إعسارًا أيضًا، الميسر هو المغالبات والمقامرات بالعوض، المغالبات في العوض هذا هو الميسر، مشتق من (اليُسْر)؛ لأن الإنسان يكتسب فيه المال الكثير بيسر وسهولة، مشتق من (الإيسار)؛ لأن هذا الكاسب يكون بعد الفقر موسرًا، فهو مشتق من المعنيين جميعًا. وكانوا -أي العرب في الجاهلية- يستعملون هذه المغالبة والمقامرة؛ يستعملونها بالأقداح وبالأزلام، وأحيانًا يستعملونها بغير ذلك، والمهم المعنى دون الصورة، فلو تقامرنا على شيء من المال بأي صفة من الصفات فإن ذلك يعتبر ميسرًا، ومن ذلك ما يسمى بالحظ والنصيب؛ فإنه ميسر، ومن ذلك التأمينات على الأموال، على السيارات، أو على البضائع، أو على البيوت، أو على النفوس، أو ما أشبه ذلك، فإنها من الميسر؛ يعني فيها مغالبة في الحقيقة، فإن هذا الدافع للتأمين قد يربح وقد يخسر؛ لأنه إن سلم صار خاسرًا، إن سلم كان خاسرًا؟!
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: كيف السالم هو الخاسر؟! لأنه أخذ منه العوض بدون مقابل، إن سلم فهو خاسر وإن خسر فهو غانم، إذا حصل حادث أكثر مما بذل مثل أن يكون دفع قيمة التأمين خمس مئة ريال، ثم حصل عليه حادث بخمسة آلاف ريال صار غانمًا؛ يعني صار أخذ أكثر مما دفع، وهذا هو مبنى الميسر؛ أن يكون مبنيًّا على الحظ والنصيب، يكسب الإنسان الشيء بدون حق، فهذا حرام سيأتي حكمه إن شاء الله تعالى.
* طالب: ومنها المراهنة، يا شيخ؟
* الشيخ: إيه، والمراهنة منها؛ من الميسر، لو قال: أنا أقول: كذا وكذا، فقال الثاني: أنا أقول: كذا وكذا، قال: يلّا اللي يُغلب منا عليه كذا وكذا، هذا منه، وسيأتينا إن شاء الله في الفوائد أن الشرع استثنى من ذلك ثلاثة أمور وهي: النصل، والخُف، والحافر.
قال الله تعالى في الجواب: ﴿قُلْ﴾ يعني: قل للسائلين، أو قل لجميع الناس؟
* طلبة: لجميع الناس.
* طالب: ليس الكل.
* الشيخ: نعم، ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ يعني: قل لجميع الأمة، كما قال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور ٣٠] مثلًا، وهنا يمكن أن نأخذ قاعدة، وهي: أنه قد يكون الجواب موجهًا إلى أكثر من السائل كما قالوا في الحكم: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهنا قد نقول: إن السائل قوم معينون، ولكن الجواب لهم ولغيرهم.
﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ وفي قراءة: ﴿إِثْمٌ كَثِيرٌ﴾ ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَثِيرٌ﴾ ﴿فِيهِمَا﴾ أي: في الخمر والميسر، ﴿إِثْمٌ﴾ ما هو الإثم؟ الإثم هو العقوبة، أو ما كان سببًا للعقوبة، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة ٢]. ويقال: فلان آثم؛ يعني: مستحق للعقوبة.
وقوله: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ والقراءة أخرى: ﴿كَثِيرٌ﴾ الفرق بينهما أن الكِبَر يعود إلى الكيفية، والكثرة تعود إلى الكمية؛ فالمعنى أن فيهما إثمًا كثيرًا بحسب ما يتعامل بهما الإنسان، والإنسان المبتلى بذلك -والعياذ بالله- ما يكاد يفلت منه، وهذا يستلزم تعدد الفعل منه، وتعدد الفعل يستلزم كثرة الإثم، كذلك أيضًا الإثم فيها كبير؛ يعني عظيم؛ لأنهما يتضمنان مفاسد كثيرة في العقل، والدين، والبدن، والاجتماع، والسلوك، وقد ذكر محمد رشيد رضا -رحمه الله- في هذا المكان، ذكر لهما أضرارًا كثيرة جدًّا، من قرأ هذه الأضرار عرف كيف عبّر الله عن ذلك بقوله: ﴿إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ أو ﴿إِثْمٌ كَثِيرٌ﴾ . هل هاتان القراءتان تتنافيان؟ لا، كيف ما يتنافيان؟ لماذا لا يتنافيان؟ نقول: لأنه يمكن اجتماعهما فيكون الإثم كثيرًا باعتبار آحاده، كبيرًا باعتبار كيفيته، وأنت قد يكون عندك عشر من الحمام، وعشرون من الإبل، عشرون من الإبل فضلت عشرًا من الحمام بماذا؟ بالكمية والكيفية، وهذا ليس بممتنع.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ منافع جمع (منفعة)، وهي من صيغة منتهى الجموع، ولهذا قال: ﴿مَنَافِعُ﴾ ولم يقل: منافعٌ؛ لأنها اسم لا ينصرف، وصيغة منتهى الجموع تدل على الكثرة؛ لأنها صيغة منتهى الجموع، ففيهما منافع كثيرة عظيمة، فإن قلت: كيف قال الله عز وجل: ﴿مَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ بهذا الجمع الكثير؟ أليس هذا مما يستلزم أن يُقبل الناس عليهما؟ لأن الإثم ذكره مفردًا، وإن كان قد وُصف بالكبر أو بالكثرة، لكن المنافع ذُكرت بالجمع؟
قلنا: هذا قد يتبادر إلى أذهان بعض الناس، ولكن فيها بلاغة عظيمة: أنه مع كثرة منافعهما فإن إثمهما أكبر وأعظم؛ لأن لو كانت منفعة واحدة قلنا: ممكن أن يكون الإثم أكبر، لكن حتى وإن تعددت المنافع وكثرت فإن الإثم أكبر وأعظم، ولهذا قال: ﴿إِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ وإن كان هناك منافع كثيرة. ما هذه المنافع؟
من المنافع في الخمر: الطرب، والفرح، وإن كان فرحًا يعقبه غم، لكن في تلك اللحظة يفرح الإنسان ويطرب، وربما ينشرح صدره، ومنها: أنهم ذكروا أنه قد يكون سببًا لهضم الطعام، ومنها: أنه يُتّجر به فيكون مصدرًا اقتصاديًّا، وكذلك بالنسبة للميسر إذا كسب الإنسان مليونًا وقد دخل بعشرة ريالات ويش يكون، يفرح؟ يفرح، وإن كان فرحه بما يضره، المهم أنه ينتفع بذلك، كان بالأول ما عنده إلا مئتين ريال ودخل حلبة القمار فكسب مليون ريال، يروح يشتري له فيلا ويأخذ السيارة، ويأخذ له زوجة مثلًا، ويأخذ له أشياء من زهرة الدنيا، هذه منفعة في نظره، فيهما منافع، وتأمل قوله: ﴿مَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ ولم يقل: منافع للمؤمنين؛ لأن هذه المنافع منافع مادية بحتة تصلح للناس من حيث هم أناس، وليست منافع ذات خير ينتفع بها المؤمنون، وإنما هي منافع للناس من حيث هم أناس. ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ أين خبر المبتدأ في قوله: ﴿مَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾؟
* طالب: فيهما.
* الشيخ: محذوف تقول؟
* الطالب: لا.
* الشيخ: وين؟
* الطالب: مقدم.
* الشيخ: ﴿فِيهِمَا﴾ مقدم؟ ما هي ﴿فِيهِمَا﴾ خبر لقوله ﴿إثْمٌ﴾؟
* الطالب: معطوف.
* الشيخ: معطوفة صح، فأنت إذا قلت: زيد وعمرو قائمان، فإن (قائمان) خبر لهما، وإذا قلت: زيد وعمرو في البيت، فإن (في البيت) خبر لهما، وإذا قلت: في البيت زيد وعمرو، فإن (في البيت) خبرًا لهما. ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ﴾، الخبر ﴿فِيهِمَا﴾ مقدم.
قال الله تعالى: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ إثمهما؛ يعني ما يترتب عليهما من العقوبة أكبر من نفعهما، لماذا؟ لأن العقوبة في الأخرى، وأما النفع ففي الدنيا، والضرر في الغالب أعظم من النفع أثرًا؛ لأن النفع كمال، والضرر نقص، الكمال قد يستغنى عنه، لكن النقص متى تبني ما نقص وما انهدم، فلهذا قال: الإثم أكبر، لسببين: السبب الأول: أنه نقص أخروي، وربما يكون دنيويًّا أيضًا، والثاني: أن النقص ثَلْم، والمنفعة كمال تكميل وتتميم، فهذا والنقص إذا نقص الشيء متى عاد ينبني.
وقوله: ﴿إِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ حتى الإثم لو فرضنا أن النفع كثير فيهما يغطّي على الضرر الدنيوي، فإننا نقول: الضرر الأخروي أشد. وتأمل قوله: ﴿إِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ عندما قال: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ الآن نحتاج إلى المقارنة؛ لأنه صار لدينا شيئان: إثم، ومنافع، فأيهما نرجح؟
بيّن الله عز وجل الراجح فقال: ﴿إِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ حينئذٍ تبيّن أن تقابل هذين يقتضي أن نبتعد عن ما فيه أو عما فيهما من المنافع ما دام الإثم أكبر من النفع، ولهذا انتهى كثير من الصحابة رضي الله عنهم عن الخمر والميسر حين نزلت هذه الآية، فقالوا: ما دام الإثم أكبر من النفع فلماذا نفعله؟ ولكن، هذا لا يقتضي التحريم، وإنما يقتضي عرض المسألة للعاقل، والعاقل ماذا يرجّح؟
* طالب: يرجح المنافع.
* الشيخ: كيف؟! لا ما يرجح المنافع، يرجح ترك الإثم.
﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ شوف سؤالان في آية واحدة ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ السؤال هنا يتعدى إلى مفعول واحد ولَّا إلى مفعولين؟ تقدم لنا أنه إذا كان السؤال بمعنى طلب المال فإنه يتعدى إلى مفعولين، أو لا؟ من سأل الله شيئًا أعطاهُ، شوف (الله) هذا هو الأول، و(شيئًا) هو الثاني، هذا إذا كان السؤال طلب مال، أما إذا كان السؤال استفهامًا فإنه يتعدى إلى مفعول واحد، وإلى الثاني بحرف (عن)، وأيش تقول؟ تقول: سألته عن كذا. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ﴾ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾ [الأعراف ١٨٧] ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة ٢٢٢] وما أشبه ذلك، يكون ينصب أيش؟ مفعولًا واحدًا، ويتعدى الثاني بـ (عن)، وربما يستغنى عن الثاني بجملة استفهامية كما في الآية التي معنا ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾. والفرق بين تعدّيه إلى جملة استفهامية، وتعدّيه إلى المفعول الثاني بحرف الجر، أنه إذا عُدّي إلى الثاني بصيغة الاستفهام صارت هذه الصيغة نفس لفظ السائل، تكون هي لفظ السائل بعينه، وإذا تعدى بـ (عن) فقد تكون هي لفظ السائل بعينه، وقد تكون غير ذلك، لكن إذا جاءت بصيغة الاستفهام فهي تكون هي لفظ السائل بعينه، كأنهم قالوا: ماذا ننفق يا رسول الله؟ ماذا ننفق؟ فقال الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ يعني: يقولون: ماذا ينفقون، عرفتم؟
وقوله: ﴿مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ تقدم لنا نظير لهذا التركيب، وبيّنا أنه يجوز فيه وجهان: أن تكون (ما) أو (ماذا) مفعولًا مقدمًا لأيش؟ لكلمة: ﴿يُنْفِقُونَ﴾ مفعولًا مقدمًا لـ (ينفقون)، والثاني: أن تكون (ما) اسم استفهام و(ذا) اسمًا موصولًا، فـ (ما) على هذا التقدير مبتدأ، و(ذا) خبر المبتدأ، وعلى هذا التقدير يحتاج أن يكون هناك ضمير عائد على الموصول، وهو هنا محذوف، والتقدير: ماذا ينفقونه؛ أي: ما الذي ينفقونه؟ عرفتم؟
إذن في إعرابها وجهان: الوجه الأول: أن نجعل (ماذا) مفعولًا مقدمًا، أو (ما) وحدها و(ذا) زائدة، مفعولًا مقدمًا لينفقوا وحينئذٍ هل يحتاج ﴿يُنْفِقُونَ﴾ إلى مفعول؟ لا؛ لأن مفعوله هو هذا المتقدم ما يحتاج إلى ضمير.
والثاني: أن نجعل (ما) اسم استفهام مبتدأ، و(ذا) اسمًا موصولًا خبره، وجملة ﴿يُنْفِقُونَ﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف، والتقدير: ماذا ينفقونه؟
﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾، وقد مر علينا نظيرها بهذا اللفظ في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ [البقرة ٢١٥].
قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ ﴿الْعَفْوَ﴾ فيها قراءتان: النصب، والرفع، فالرفع على تقدير (ما) اسم استفهام مبتدأ، و(ذا) اسمًا موصولًا خبره، ما الذي ينفقونه؟ الجواب: العفوُ؛ يعني هو العفو، وأما النصب فعلى تقدير (ماذا) مفعولًا مقدمًا، فتكون ﴿الْعَفْوَ﴾ يعني: يقول: أنفقوا العفوَ، أو قل: تنفقون العفوَ، وإنما قلنا: إن الرفع أو النصب مبني على إعراب الجملة التي قبلها؛ لأن الجواب مبني على السؤال، فهنا كلمة: (ما) هذه الموصولية أو الاستفهامية هي التي فُسرت بكلمة العفو ولَّا لا؟ لأن الآن المسؤول ما الذي يُنفق؟ أجب. العفو، فإذا كانت تفسيرًا لها فلها حكمها في الإعراب، إن نصبت ﴿مَاذَا﴾ فانصب ﴿الْعَفْوَ﴾، وإن رفعت ﴿مَاذَا﴾ فارفع ﴿الْعَفْوُ﴾.
وقوله: ﴿الْعَفْوَ﴾ لا تظنوا أنه العفو عن عدوان عليك، بل المراد بالعفو الزائد الفاضل؛ يعني أنفقوا العفو، أي: ما زاد عن حاجتكم وضرورتكم، وذلك لأن العفو يراد به التجاوز أحيانًا كما في قوله تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾ [البقرة ١٠٩]. وقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. ويراد به الزيادة والفضل كما في قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف ١٩٩]. يعني: خذ ما فضل من الناس وما جاؤوا به، ولا تطلبوا كمال الحق، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «أَعْفُوا اللِّحَى»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٨٩٣)، ومسلم (٢٥٩ / ٥٢) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. ]] المراد بالعفو ما هو؟ أو بالإعفاء؟ الزيادة. فقوله: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ أي: ما زاد عن حاجتكم، وأما ما كان داخلًا في الحاجة فلا تنفقوه؛ لأن الإنسان يبدأ بنفسه، ثم بمن يعول، فكونه يذهب يتصدق على أجنبي وأهله جياع هذا خلاف الحكمة، وخلاف الشرع أيضًا، وسبب ذلك أن بعض الناس يظنون أن إنفاقهم على..
أن الشرع استثنى من ذلك ثلاثة أمور وهي: النصل، والخف، والحافر، قال الله تعالى في الجواب: ﴿قُلْ﴾ يعني: قل للسائلين، أو قل لجميع الناس؟
* طالب: كل الخلق.
* الشيخ: نعم، ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ يعني: قل لجميع الأمة، كما قال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور ٣٠] مثلًا، وهنا يمكن أن نأخذ قاعدة وهي: أنه قد يكون الجواب مُوجَّها إلى أكثر من السائل كما قالوا في الحكم: إن العبرة بماذا؟ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهنا قد نقول: إن السائل قوم معينون، ولكن الجواب لهم ولغيرهم.
﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ وفي قراءة: ﴿إِثْمٌ كَثِيرٌ﴾ ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَثِيرٌ﴾ ، ﴿فِيهِمَا﴾ أي: في الخمر والميسر.
﴿إِثْمٌ﴾ ما هو الإثم؟ الإثم هو العقوبة، أو ما كان سببًا للعقوبة، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة ٢]، ويقال: فلان آثِمٌ، يعني: مستحق للعقوبة.
وقوله: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ والقراءة الأخرى ﴿كَثِيرٌ﴾ الفرق بينهما: أن الكِبَر يعود إلى الكيفية، والكثرة تعود إلى الكمية، فالمعنى: أن فيهما إثمًا كثيرًا بحسب ما يتعامل بهما الإنسان، والإنسان المبتلى بذلك -والعياذ بالله- ما يكاد يفلت منه، وهذا يستلزم تعدد الفعل منه، وتعدد الفعل يستلزم كثرة الإثم، كذلك أيضًا الإثم فيها كبير، الإثم فيهما كبير، يعني: عظيم؛ لأنهما يتضمنان مفاسد كثيرة في العقل، والدين، والبدن، والاجتماع، والسلوك.
وقد ذكر محمد رشيد رضا -رحمه الله- في هذا المكان، ذكر لهما أضرارًا كثيرة جدًّا، من قرأ هذه الأضرار عرف كيف عبَّر الله عن ذلك بقوله تعالى: ﴿إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ أو ﴿إِثْمٌ كَثِيرٌ﴾.
هل هاتان القراءتان تتنافيان؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لا، كيف ما يتنافيان؟ لماذا لا يتنافيان؟ نقول: لأنه يمكن اجتماعهما، فيكون الإثم كثيرًا باعتبار آحاده، كبيرًا باعتبار كيفيته، وأنت قد يكون عندك عَشْرٌ من الحمام، وعشرون من الإبل، عشرون من الإبل فضلت عشرًا من الحمام بماذا؟ بالكمية والكيفية، وهذا ليس بممتنع.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ ﴿مَنَافِعُ﴾ جمع منفعة، وهي من صيغة منتهى الجموع؛ ولهذا قال: ﴿مَنَافِعُ﴾ ولم يقل: منافعٌ؛ لأنها اسم لا ينصرف، وصيغة منتهى الجموع تدل على الكثرة؛ لأنها صيغة منتهى الجموع، ففيهما منافع كثيرة عظيمة.
فإن قلت: كيف قال الله عز وجل: ﴿مَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ بهذا الجمع الكثير؟ أليس هذا مما يستلزم أن يقبل الناس عليهما؛ لأن الإثم ذكره مفردًا وإن كان قد وصف بالكبر أو بالكثرة لكن المنافع ذكرت بالجمع؟
قلنا: هذا قد يتبادر إلى أذهان بعض الناس، ولكن فيها بلاغة عظيمة: أنه مع كثرة منافعهما فإن إثمهما أكبر وأعظم؛ لأنه لو كان منفعة واحدة قلنا: ممكن يكون الإثم أكبر، لكن حتى وإن تعددت المنافع وكثرت، فإن الإثم أكبر وأعظم؛ ولهذا قال: ﴿َإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾، وإن كان هناك منافع كثيرة، ما هذه المنافع؟
من المنافع في الخمر: الطَّرب والفرح، وإن كان فرحًا يعقبه غم، لكن في تلك اللحظة يفرح الإنسان ويطرب، وربما ينشرح صدره
ومنها: أنهم ذكروا أنه قد يكون سببًا لهضم الطعام.
ومنها: أنه يتَّجر به فيكون مصدرًا اقتصاديًّا.
وكذلك بالنسبة للميسر إذا كسب الإنسان مليونًا وقد دخل بعشرة ريالات ويش يكون؟ يفرح؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: يفرح، وإن كان فرحه بما يضره، المهم أنه ينتفع بذلك، كان بالأول ما عنده إلا مئتين ريال ودخل حلبة القمار، فكسب مليون ريال، يروح يشتري فيلا، يأخذ له السيارة، ويأخذ له زوجة مثلًا، ويأخذ له أشياء من زهرة الدنيا، هذه منفعة في نظره، ففيهما منافع.
وتأمل قوله: ﴿َمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ ولم يقل: منافع للمؤمنين؛ لأن هذه المنافع منافع ماديَّة بحتة تصلح للناس من حيث هم أناس، وليست منافع ذات خير ينتفع بها المؤمنون، وإنما هي منافع للناس من حيث هم أناس.
﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ أين خبر المبتدأ في قوله: ﴿مَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾؟
* طالب: ﴿فِيهِمَا﴾.
* الشيخ: محذوف تقول؟
* الطالب: لا، ﴿فِيهِمَا﴾.
* الشيخ: وين؟
* الطالب: المقدم.
* الشيخ: ﴿فِيهِمَا﴾ المقدم؟ ما هي ﴿فِيهِمَا﴾ خبر لقوله: ﴿إِثْمٌ﴾؟
* طالب: معطوف.
* الشيخ: معطوف صح، فأنت إذا قلت: زيدٌ وعمرٌو قائمان، فإن (قائمان) خبر لهما، وإذا قلت: زيدٌ وعمرٌو في البيت، فإن (في البيت) خبر لهما، وإذا قلت: في البيت زيدٌ وعمرٌو، فإن (في البيت) خبر لهما. ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ﴾ الخبر؟ ﴿فِيهِمَا﴾ مُقدَّم.
قال الله تعالى: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ ﴿إِثْمُهُمَا﴾ يعني: ما يترتب عليهما من العقوبة أكبر من نفعهما، لماذا؟ لأن العقوبة في الأخرى، وأما النفع ففي الدنيا، والضرر -في الغالب- أعظم من النفع أثرًا؛ لأن النفع كمال، والضرر نقص، الكمال قد يستغنى عنه، لكن النقص متى تبني ما نقص وما انهدم؟ فلهذا قال: الإثم أكبر؛ لسببين:
السبب الأول: أنه نقص أخروي، وربما يكون دنيويًّا أيضًا.
والثاني: أن النقص ثَلْم، والمنفعة كمال، تكميل وتتميم، فهذا والنقص إذا نقص الشيء متى عاد ينبني؟
وقوله: ﴿إِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ حتى الإثم لو فرضنا أن النفع كثير فيهما يغطي على الضرر الدنيوي، فإننا نقول: الضرر الأخروي أشد وأبلغ.
وتأمل قوله: ﴿إِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ لما قال: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ الآن نحتاج إلى المقارنة؛ لأنه صار لدينا شيئان: إثم، ومنافع، فأيهما نرجح؟ بين الله عز وجل الراجح فقال: ﴿إِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾، حينئذٍ تبين أن تقابل هذين يقتضي أن نبتعد عما فيهما من المنافع ما دام الإثم أكبر من النفع؛ ولهذا انتهى كثير من الصحابة رضي الله عنهم عن الخمر والميسر حين نزلت هذه الآية فقالوا: ما دام الإثم أكبر من النفع فلماذا نفعله؟
ولكن هذا لا يقتضي التحريم، وإنما يقتضي عرض المسألة للعاقل، والعاقل، ماذا يرجح؟
* طالب: المنافع.
* الشيخ: لا، ما يرجح المنافع، يرجح ترك الإثم.
قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ سؤالان في آية واحدة ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾، السؤال هنا يتعدى إلى مفعول واحد ولَّا إلى مفعولين؟ تقدم لنا أنه إذا كان السؤال بمعنى طلب المال، فإنه يتعدى إلى مفعولين، أو لا؟ من سأل اللهَ شيئًا أعطاه، شوف (الله) هذا هو الأول، و(شيئًا) هو الثاني، هذا إذا كان السؤال طلب مال.
أما إذا كان السؤال استفهامًا فإنه يتعدى إلى مفعول واحد، وإلى الثاني بحرف (عن)، ويش تقول؟ تقول: سألته عن كذا.
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ﴾ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾ [الأعراف ١٨٧]، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة ٢٢٢] وما أشبه ذلك، يكون ينصب أيش؟ مفعولًا واحدًا، ويتعدى للثاني بـ(عن). وربما يستغنى عن الثاني بجملة استفهامية كما في الآية التي معنا ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾.
والفرق بين تعديه إلى جملة استفهامية وتعديه إلى المفعول الثاني بحرف الجر: أنه إذا عدي إلى الثاني بصيغة الاستفهام صارت هذه الصيغة نفس لفظ السائل، تكون هي لفظ السائل بعينه، وإذا تعدى بعن فقد تكون هي لفظ السائل بعينه وقد تكون غير ذلك، لكن إذا جاءت بصيغة الاستفهام، فهي تكون هي لفظ السائل بعينه، كأنهم قالوا: ماذا ننفق يا رسول الله؟ ماذا ننفق؟ فقال الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ يعني يقولون: ماذا ينفقون؟ عرفتم؟
وقوله: ﴿مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ تقدم لنا نظيرٌ لهذا التركيب، وبينا أنه يجوز فيه وجهان:
أن تكون (ما) أو (ماذا) مفعولًا مقدما لأيش؟ لكلمة: ﴿يُنْفِقُونَ﴾.
والثاني: أن تكون (ما) اسم استفهام و(ذا) اسمًا موصولًا، فـ(ما) على هذا التقدير مبتدأ، و(ذا) خبر المبتدأ، وعلى هذا التقدير يحتاج أن يكون هناك ضمير عائد على الموصول، وهو هنا محذوف، والتقدير: ماذا ينفقونه؟ أي: ما الذي ينفقونه؟ عرفتم؟
إذن في إعرابها وجهان:
الوجه الأول: أن نجعل (ماذا) مفعولًا مقدمًا، أو (ما) وحدها و(ذا) زائدة، مفعولًا مقدمًا لـ﴿لينفقون﴾، وحينئذٍ هل يحتاج ﴿يُنْفِقُونَ﴾ إلى مفعول؟ لا؛ لأن مفعوله هو هذا المتقدم، ما يحتاج إلى ضمير.
والثاني: أن نجعل (ما) اسم استفهام مبتدأ، و(ذا) اسمًا موصولًا خبره، وجملة ﴿يُنْفِقُونَ﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف، والتقدير: ماذا ينفقونه؟
﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ وقد مر علينا نظيرها بهذا اللفظ في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ [البقرة ٢١٥].
قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ ﴿الْعَفْوَ﴾ فيها قراءتان: النصب، والرفع، فالرفع على تقدير (ما) اسم استفهام مبتدأ، و(ذا) اسمًا موصولًا خبره، ما الذين ينفقونه؟ الجواب: العفوُ، يعني: هو العفوُ. وأما النصب فعلى تقدير (ماذا) مفعولًا مقدمًا، فتكون: ﴿الْعَفْوَ﴾ يعني: قل: أنفقوا العفوَ، أو قل: تنفقون العفوَ.
وإنما قلنا: إن الرفع أو النصب مبني على إعراب الجملة التي قبلها؛ لأن الجواب مبني على السؤال، فهنا كلمة: (ما) هذه الموصولية أو الاستفهامية هي التي فسرت بكلمة (العفو) ولَّا لا؟ لأن الآن المسؤول: ما الذي يُنفق؟ أجب؟ العفو، فإذا كانت تفسيرًا لها، فلها حكمها في الإعراب، إن نصبت ﴿مَاذَا﴾ فانصب ﴿الْعَفْوَ﴾، وإن رفعت ﴿مَاذَا﴾ فارفع ﴿الْعَفْوُ﴾.
وقوله: ﴿الْعَفْوُ﴾ لا تظنوا أنه العفو عن عدوان عليك، بل المراد بالعفو: الزائد الفاضل، يعني: أنفقوا العفو، أي: ما زاد عن حاجتكم وضرورتكم؛ وذلك لأن العفو يراد به التجاوز أحيانًا، كما في قوله تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾ [البقرة ١٠٩]، وقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ٤٠]، ويراد به الزيادة والفضل، كما في قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف ١٩٩]، يعني: خذ ما فضل من الناس وما جاؤوا به ولا تطلبوا كمال الحق، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «أَعْفُوا اللِّحَى»[[أخرجه النسائي في المجتبى (٥٠٤٦)، عن ابن عمر رضي الله عنه.]]، المراد بالعفو ما هو أو بالإعفاء؟ الزيادة.
فقوله: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ أي: ما زاد عن حاجتكم، وأما ما كان داخلًا في الحاجة فلا تنفقوه؛ لأن الإنسان يبدأ بنفسه، ثم بمن يعول.
فكونه يذهب يتصدق على أجنبي وأهله جياع، هذا خلاف الحكمة وخلاف الشرع أيضًا، وسبب ذلك: أن بعض الناس يظنون أن إنفاقهم على أنفسهم وأهليهم لا أجر فيه، وليس صدقة، ولكن هذا جهل منهم، فإن إنفاقك على نفسك وعلى أهلك صدقة، وإذا كان صدقة، فإن بذل مالك في الأقارب أولى من بذله في الأباعد.
قال الله تعالى: ﴿قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿كَذَلِكَ﴾ إعرابها؟
* طالب: (...).
* الشيخ: (...)؛ أي: يبين الله لكم تبيينًا مثل ذلك البيان، قوله: ﴿ذلك﴾ المشار إليه ما هو؟ المشار إليه ما سبق من بيان حكم الخمر والميسر، وبيان ما ينفق، فقد بين الله تعالى غاية البيان.
فإن قلت: كيف بينه الله عز وجل وهو ليس فيه تفصيل؟ يعني ما فصل الله المنافع، ولا فصل الإثم؟ فيقال في الجواب عن ذلك: إن الله سبحانه وتعالى أشار إلى أن الإثم كثير أو كبير، وهذا بيان، فكلما ازداد الإنسان من شربه، ازداد إثمًا، وهذا بيان، والمنافع أيضًا أجملها الله عز وجل؛ لأن تعدادها لا فائدةَ فيه، وربما يكون في تعدادها إغراء لذوي النظر القصير، وكذلك قوله: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ بيِّن واضح ما فيه إشكال، أي: ما زاد على حاجتكم وضرورتكم وليس فيه إشكال.
﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ ﴿يُبَيِّنُ﴾: يظهر، بَيَّنْتُهُ فَتَبَيَّنَ، يعني: ظهر، ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة ١٨٧]، ﴿يَتَبَيَّنَ﴾ بمعنى: يظهر، فمعنى ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ أي: يظهرها حتى تكون واضحة جلية.
و﴿الْآيَاتِ﴾ جمع آية، وقد مر علينا كثيرًا أن الآيات تنقسم إلى قسمين؟
* طالب: شرعية وقدرية.
* الشيخ: نعم، شرعية وقدرية ما فيه تعبير ثانٍ غير القدرية؟
* الطالب: كونية.
* الشيخ: كونية، الآيات الشرعية ما هي؟
* طالب: هي المخلوقات.
* الشيخ: الآيات الشرعية هي المخلوقات؟!
* الطالب: الآيات الشرعية التي في الكتب.
* الشيخ: (...) بيَّنها، لا الآيات الكونية ولا الآيات الشرعية، بيَّنها بيانًا تامًّا، لكن الآيات الشرعية بينها الله تعالى بيانًا مفصلًا لحاجتنا إلى العبادة، فإننا محتاجون إلى العبادة إجمالًا وتفصيلًا؛ ولهذا جاءت الآيات الشرعية مفصلة، كما« قال أبو ذر رضي الله عنه: لقد توفي رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه عِلْمًا[[أخرجه أحمد في المسند (٢١٣٦١)، من حديث أبي ذر رضي الله عنه.]]، وقال رجل لسلمان الفارسي: علَّمكم نبيكم حتى الخِراءة؟ قال: أجل، ثم قال: لقد نهانا أن نستقبل القبلة في غائط أو بول، وأن نستنجي باليمين، وأن نستنجي برجيع أو عظم»[[أخرجه مسلم (٢٦٢ / ٥٧)، من حديث سلمان رضي الله عنه.]].
إذن الآيات الشرعية مبينة مفصلة على وجه التفصيل لحاجتنا إليها، أما الآيات الكونية فإن التفصيل فيها يكون بالأجناس أو بالأنواع لا بالأفراد، تجد مثلًا ﴿مِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ﴾ [فصلت ٣٧] في أيش؟ ويش يدلنا عليه؟ لكن ابحث أنت تجد الشيء الكثير، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم ٢٢] على أي شيء هي آية؟ ابحث وتجد، وعلى هذا فقِس، فالآيات الكونية جعلها الله تعالى مجملة عامة ما بينها تفصيلًا؛ لأن الناس ليسوا بحاجة إليها على وجه التفصيل، وأيضًا فإنها آيات مشهودة محسوسة يمكنهم أن يعرفوا ما فيها على وجه التفصيل بقدر استطاعتهم.
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ (لعل) هذه للتعليل، واسمها الكاف، وخبرها جملة: ﴿تَتَفَكَّرُونَ﴾، ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ عندي هذه موقف، لكن نتفكر بماذا؟ أو في ماذا؟
قال: ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا﴾ واضح أن التفكر في الدنيا، لكن قوله: ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ هل الناس في يوم القيامة يتفكرون؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: إذن تتفكرون في الدنيا والآخرة في شؤونهما، وليس المعنى أن التفكر واقع في الآخرة، لا، إنما نتفكر في هذه الدنيا، في حياتنا، فيما يتعلق بشؤون الدنيا وشؤون الآخرة، وهذا مما يؤيد أن الآيات في قوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ شامل للآيات الشرعية والآيات الكونية؛ لأن ما يتعلق بشأن الآخرة غالبه من الآيات الشرعية، وما يتعلق بأمر الدنيا غالبه من الآيات الكونية، يعني: يتفكر في شؤونهم.
وإذا تفكر الإنسان في الدنيا وجد أنها كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾، لماذا اختلط؟ لكثرته، وامتداده، امتد وتشابك، وكثر فتشابك، ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾ يعني: كمال زينتها، ﴿وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾ وأنه ما بقي إلا أن يجنوها ويستثمروها، ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ [يونس ٢٤]، وقال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾ [الحديد ٢٠].
* * *
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences