Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:231–232
2:231–232Page 37
وَإِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمۡسِكُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٖۚ وَلَا تُمۡسِكُوهُنَّ ضِرَارٗا لِّتَعۡتَدُواْۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَقَدۡ ظَلَمَ نَفۡسَهُۥۚ وَلَا تَتَّخِذُوٓاْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ هُزُوٗاۚ وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَٱلۡحِكۡمَةِ يَعِظُكُم بِهِۦۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٢٣١
And when you divorce women and they have [nearly] fulfilled their term, either retain them according to acceptable terms or release them according to acceptable terms, and do not keep them, intending harm, to transgress [against them]. And whoever does that has certainly wronged himself. And do not take the verses of Allāh in jest. And remember the favor of Allāh upon you and what has been revealed to you of the Book [i.e., the Qur’ān] and wisdom [i.e., the Prophet's sunnah] by which He instructs you. And fear Allāh and know that Allāh is Knowing of all things.
وَإِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعۡضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحۡنَ أَزۡوَٰجَهُنَّ إِذَا تَرَٰضَوۡاْ بَيۡنَهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ ذَٰلِكَ يُوعَظُ بِهِۦ مَن كَانَ مِنكُمۡ يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۗ ذَٰلِكُمۡ أَزۡكَىٰ لَكُمۡ وَأَطۡهَرُۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٢٣٢
And when you divorce women1 and they have fulfilled their term, do not prevent them from remarrying their [former] husbands if they [i.e., all parties] agree among themselves on an acceptable basis. That is instructed to whoever of you believes in Allāh and the Last Day. That is better for you and purer, and Allāh knows and you know not.
قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾، قوله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ الخطاب هنا لعامة الناس، يعني: إذا طلق الواحد منكم، ﴿النِّسَاءَ﴾ يعني: الأزواج؛ ولهذا لم يضفها الله عز وجل إلى أحد، بل قال: ﴿النِّسَاءَ﴾ أتى بـ(أل) الدالة على العموم، كما في قوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء ٣٤]، فالمعنى: إذا طلق أحد منكم امرأته فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف.
قال بعض العلماء: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي: قاربن البلوغ؛ لأنها إذا بلغت الأجل انتهت العدة ولا إمساك حينئذٍ، ولكن الصحيح أن المراد بالبلوغ هنا حقيقة البلوغ؛ وذلك لأن الأصل أن يحمل الكلام على ظاهره وحقيقته حتى يوجد دليل على أنه لا يراد به ذلك، وهذه قاعدة عامة في كل نصوص الكتاب والسنة، بل حتى في كلام الناس بعضهم مع بعض، في العقود والمعاملات وغيرها يحمل الكلام على أيش؟ على ظاهره وعلى حقيقته حتى يوجد دليل يصرفه عن ذلك، وعلى هذا فيكون معنى ﴿بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي: انتهت عدتهن؛ وذلك لأن للرجل أن يراجع زوجته بعد الحيضة الثالثة ما لم تغتسل، كما جاء ذلك عن الصحابة رضي الله عنهم، فالمرأة إذا حاضت ثلاث مرات من الطلاق بلغت الأجل، لكن له أن يراجعها ما دامت لم تغتسل، وعلى هذا فيكون المراد بالآية ظاهرها، أي: أتممن العدة فأمسكوهن، ولكن قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ يدل على الترتيب والتعقيب، وأنه لا يتأخر، وإن كان بعض العلماء قال: ظاهر ما ورد عن الصحابة أنها لو فرطت في الغسل سنوات متعددة، فله أن يراجع ما دامت لم تغتسل، لكن هذا فيه نظر، ولكن له أن يراجعها ما لم تغتسل إذا لم تدع الغسل الواجب، فأما إذا مرت عليها صلاة ولم تغتسل ترجو أن يراجعها زوجها فإنها تمنع من ذلك.
* طالب: شيخ، ما يكون يعني ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ دليل على أنه معنى ﴿بَلَغْنَ﴾: قاربن؟
* الشيخ: لا.
* الطالب: وإلا كيف يمسكها بعد أن..؟
* الشيخ: إي نعم، له أن يراجعها ما لم تغتسل، هكذا ورد عن الصحابة، وإن كان العدة تنتهي بانقطاع الحيض؛ ولهذا لو مات أو ماتت بعد انقضاء الحيضة الثالثة ما ترثه ولا يرثها.
* الطالب: لكن قد يحتاج يسافر معها؟
* طالب آخر: إذا كانت كتابية لا تغتسل.
* الشيخ: الظاهر أن الكتابية التي لا تغتسل أنه ينتهي بانقضاء الحيض.
* الطالب: قد يكون أهلها ليسوا موجودين في البلد الذي هو فيه، فإذا انقضت العدة يضطر أنه يسافر بها وهي ليست محرمًا له إذا (...)؟
* الشيخ: لا لا، ما دام ورد عن الصحابة رضي الله عنهم أن الإنسان له أن يراجع ما دامت لم تغتسل ولو مع تمام العدة، فهذا يعتبر تفسيرًا من الصحابة رضي الله عنهم للآية الكريمة.
* الطالب: لكن ما يفرق بين إذا كان أهلها في بلد (...)؟
* الشيخ: لا لا، لا يفرق؛ لأنه حق له.
* الطالب: هو يسافر بها وليس محرمًا؟
* الشيخ: لا، ما يسافر، خلها تبقى ويطلب من أهلها أن يحضروا ويسافروا بها.
* الطالب: ما هو بمحرم لها؟
* الشيخ: نعم، إذا انتهت العدة ولا راجع واغتسلت، فهو ما يجوز أن تبقى في بيته إلا إذا كان ليس هناك خلوة، مثل إذا كان في البيت أحد فلا مانع.
إذن نقول: هذه الآية فيها قولان لأهل العلم: أحدهما: أن المعنى ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي: قاربن البلوغ، وقد مر علينا أن التعبير بالفعل قد يراد به ما قاربت، لكن القول الراجح أن الآية على ظاهرها بدليل ما ورد عن الصحابة رضي الله عنهم.
قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ﴾ ﴿أَمْسِكُوهُنَّ﴾ أي: ردوهن إلى عصمتكم وهو المراجعة، ﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ﴾ أي: دعوهن، والتسريح بمعنى الإطلاق، يعني: أطلقوهن يكن أحرارًا أو حرائر بالنسبة لأنفسهن، وهنا قال: ﴿أَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾، وهناك قال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، وهنا قال: ﴿سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ فما هو الفرق؟ قد يقال: إن هذا هو الواجب، والتسريح بالإحسان على سبيل الندب والأفضلية؛ لأن الإحسان ليس بواجب، بل هو مندوب إليه، ويأتي إن شاء الله أيضًا التعرض لهذا في الفوائد.
قال: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ (لا) ناهية، والفعل بعدها مجزوم بحذف النون، و﴿ضِرَارًا﴾ مفعول لأجله، وقد قال ابن مالك في المفعول لأجله:
يُنْصَبُ مَفْعُولًا لَهُ الْمَصْدَرُ إِنْ ∗∗∗ أَبَانَ تَعْلِيلًا كَجُدْ شُكْرًا وَدِنْ
وهنا أبان تعليلًا ولَّا لا؟ نعم، لا تمسكوهن لأجل الضرار، وكانوا في الجاهلية يراجعون الزوجات في العدة من أجل المضارة، يراجعها ويبقيها، ثم يطلقها وتستأنف العدة، ثم إذا قاربت راجعها ثم يطلقها فتستأنف العدة، وهكذا، وقد مر علينا أن الله عز وجل حدد ذلك بكم؟ بثلاث، فبعد الثالثة لا رجوع، وهنا قال: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾ وفي الآية السابقة قال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ فيكون الرجعة مشروطة بإرادة الإصلاح، وتحريمها مشروط بماذا؟ بقصد الإضرار، فإذا قصد الإضرار صارت حرامًا، وإذا لم يقصد الإصلاح فلا حق له في الرجعة، لكن لو راجع وما قصد الإضرار فإنه لا يأثم، قال: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ اللام هنا لام التعليل، ولكنها هنا يراد بها العاقبة، أي: لا تمسكوهن ضرارا فتكون عاقبتكم أو حالكم.
واللام التي تعرف عند بعض النحويين بـ(لام كي) تارة يراد بها التعليل، وتارة تكون زائدة، وتارة تكون للعاقبة، فتكون للتعليل كما في قولك: حضرت لأقرأ، وكما في قوله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ [العنكبوت ٦٦]. وتكون زائدة كما في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء ٢٦]، إذا جاءت بعد الإرادة فهي زائدة؛ لأن الإرادة هي التعليل ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ أي: يريد الله أن يبين لكم. وتأتي للعاقبة وهي: إذا علم بأن ما بعدها غير مقصود لكن صارت العاقبة كذلك مثل قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص ٨] هل آل فرعون التقطوه لهذا الغرض؟ أبدًا، ولو أنهم ظنوا ذلك لقتلوه، لكن العاقبة أنه صار عدوًّا وحزنًا.
هذه الآية على أي الأحوال الثلاث تنطبق؟ على العاقبة، وقد يقال: إن من أراد الإضرار فقد أراد العدوان، فكأنه قال: لا تمسكوهن ضرارًا وعدوانًا؛ لأن قصد الإضرار بلا شك عدوان.
قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ ﴿مَنْ يَفْعَلْ﴾ هذه جملة شرطية، وجوابها: ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾، ولماذا ارتبط الجواب بالفاء؟ لأنه لا يصح أن يحل محل الشرط، وقد قال ابن مالك:
وَاقْرِنْ بِفَا حَتْمًا جَوَابًا لَوْ جُعِلْ ∗∗∗ شَرْطًا لِـ(إِنْ) أَوْ غَيْرِهَا لَمْ يَنْجَعِلْفكل ما لا يصح أن يقع شرطًا، فإنه يجب إذا وقع جوابًا أن يقترن بالفاء، وقد نظمها بعض الناس تقريبًا لطالب العلم في قوله؟ جواب الشرط الذي يجب أن يقترن بالفاء ما هو؟
* طالب: ما أعرف.
* الشيخ: هو دائمًا يتكرر علينا ما هو مشكل.
* طالب:
اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّــــــــــــــــــةٌوَبِجَامِــــــــــــــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ * الشيخ: ؎اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّـــــــــــــــــةٌوَبِجَامِــــــــــــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ في هذه الآية أي الأحوال السبعة؟ قوله: وبقد، عرفتم؟ فإذا كان جواب الشرط أحد هذه الأمور السبعة وجب أن يقترن بالفاء. وهذا يقرب لطالب العلم المبتدئ، وإن كان الضابط الذي ذكره ابن مالك ضابطًا لا ينتقد.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ أصل الظلم في اللغة: النقص، ومنه قوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣] أي: لم تنقص، ثم صار مستعملًا في كل ما فيه نقص سواء كان ذلك حسيًّا أو معنويًّا، ومن فرط فيما يجب له، أو فيما يجب عليه، أو انتهك ما يحرم عليه فقد انتقص، انتقص نفسه حقها؛ لأن النفس عندك أمانة يجب أن ترعاها حق رعايتها، يجب أن لا توقعها فيما حرم الله عليك، ويجب أن تقوم بما أوجب الله عليك، وإلا كنت ظالمًا لنفسك.
وقوله: ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ لم يقل: فقد ظلم الزوجة مع أنه في الواقع ظالم لزوجته، لكنه لما كان غيرة الإنسان على نفسه أقوى من غيرته على غيره قال: ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾؛ لأنه لو قال: فقد ظلم الزوجة، فإنه هو من الأصل قد أمسكها لأي شيء؟ للإضرار والعدوان، لكن الشيء الذي يثير الإنسان ويوجب له أن يدع الشيء هو أن يقال: إنك ظالم نفسك، وهذا الظلم للنفس قد لا يشعر به الإنسان في هذه الدنيا، بل قد يظن أنه قد انتصر لنفسه، ولكنه في الحقيقة يتبين له متى؟ في الآخرة حينما يؤخذ من أعماله الصالحة ويعطى لهذا المظلوم، فإن وجد شيئًا من أعماله الصالحة أخذ، وإلا أخذ من سيئاتهم فطرح عليه ثم طرح في النار.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾، وفيها قراءة: ﴿هُزْءًا﴾ ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هَزْءًا﴾ أو ﴿هُزُوًا﴾ قراءتان سبعيتان، لا تتخذوها أي: لا تجعلوها مهزوءًا بها وموضع استهزاء، وآيات الله عز وجل جمع آية، وهي: العلامة على الشيء، لكنها لا تكون آية إلا إذا كانت برهانًا موجبًا، فإنها تكون آية، فهي العلامة.
وآيات الله عز وجل تنقسم إلى قسمين: آيات شرعية وهي: ما جاءت به الرسل من الوحي، وآيات كونية وهي: هذه الكائنات التي نشاهدها، أما وجه كون ما جاءت به الرسل آية، فلأنه كلام لا يمكن أن يأتي البشر بمثله لا في التنظيم، ولا في الأسلوب، ولا في الغاية، ولا في غير ذلك، ولا سيما القرآن الكريم، وأما وجه كون الموجودات آيات كونية فظاهر؛ لأن هذه المخلوقات لا يمكن لأحد أن يخلق مثلها، وقد تحدى الله عز وجل أولئك العابدين أن تخلق معبوداتهم شيئًا من هذه الآيات، فقال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج ٧٣]، هل يمكن أن يخلقوا السماوات والأرض؟ لا، هل يمكن أن يخلقوا بشرًا؟ لا، هل يمكن أن يخلقوا بعيرًا؟ لا، فهذه المخلوقات في انتظامها وحسنها كلها آيات تدل على أن الله تعالى هو الخالق وعلى وحدانيته سبحانه وتعالى:
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ∗∗∗ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِـــــــــــــــــدُاتخاذ آيات الله الشرعية هزءًا ظاهر، بأن يهزأ الإنسان ويسخر من شرع الله عز وجل، سواء سخر بالشرع كله أو سخر بجزء منه، حتى لو سخر بغسل الوجه بالوضوء فقد سخر بآيات الله كلها واستهزأ بآيات الله كلها؛ لأن الاستهزاء ببعض الشريعة استهزاء بجميع الشريعة، فكيف بمن يستهزئ بكل الشريعة، أو بأركانها العظيمة بأن يستهزئ بالصلاة أو بالزكاة أو بالصيام أو بالحج أو ما أشبه ذلك، فإن هذا يكون أعظم وأعظم، فالمستهزئ بأي شيء من شريعة الله مستهزئ بجميع الشريعة، كما أن من كفر بأي شيء من شريعة الله فهو كافر بجميع الشريعة، ومن كفر بأي رسول من الرسل فهو كافر بجميع الرسل، واضح؟
إذا كان هذا الإنسان ما يتخذ آيات الله هزءًا، ولكنه لا يعمل بها هل يكون كالمستهزئ؟ الجواب: لا، لا يكون كالمستهزئ؛ لأنه فرق بين من يدع العمل مع تعظيمه لشرع الله عز وجل وبين من يسخر بالشرع ويستهزئ به، ويرى أنه عبث وأنه باطل وما أشبه ذلك، فالأول له حكم العصاة، إن كانت معصيته تبلغ به الكفر فهو كافر، وإلا فهو فاسق، وإلا فهو دون الفاسق، كما لو كانت من صغائر الذنوب ولم يصر عليها، وأما الثاني المستهزئ الذي يرى أن الشرع عبث، أو أنه لأناس انقرضوا ومضوا، أو أن هذا العصر لا يصلح أن يكون عصرًا للعمل بهذا الشرع، فهذا لا شك أنه كُفْر.
إذا استهزأ الإنسان بغير الشريعة ولكن بحامل الشريعة فهل يكون كافرًا؟
* الطلبة: نعم، فيه تفصيل..
* الشيخ: إي لازم، فيه تفصيل، الكفر ما هو هين، الكفر ليس بهين، كل شيء كافر كافر كافر؟ إذا استهزأ بحامل الشريعة من أجل حمله الشريعة فهو كافر، كما لو استهزأ برجل قد أعفى لحيته وقصده الاستهزاء بإعفاء اللحية، سواء كان على هذا الرجل أو على رجل آخر، هذا كافر؛ لأنه استهزأ بشريعة من شرائع الله؛ ولهذا قال الله عز وجل في أولئك النفر الذين قالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء -يعنون الرسول ﷺ وأصحابه- ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا ولا أكذب ألسنًا ولا أجبن عند اللقاء -يعنون رسول ﷺ- أنزل الله فيهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة ٦٥، ٦٦]، والذي يقول عن حملة الشرع والعاملين به: هؤلاء دراويش ما يعرفون، ولا يعرفون المجتمع ولا الدنيا، وما أشبه ذلك من الكلمات هؤلاء أيضًا كفار؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين ٢٩، ٣٠] شوف شوف ها المسكين ها الدرويش، يتغامزون فيما بينهم، ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين ٣٢]، وفي العصر أبدلنا (ضالون) بـ(رجعيون)، إذا رأوهم قالوا: هؤلاء رجعيون، ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين ٣١] متنعمين، يعني: يرون أنهم حصلوا على شيء كثير أن يستهزئوا بهؤلاء الدراويش على زعمهم، قال الله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين ٣٤]، فدل هذا على أن أولئك الذين يسخرون بالمؤمنين كفار، فأما لو سخر بحامل الشرع غير الرسول عليه الصلاة والسلام من أجل لباسه، أو من أجل مشيته، أو من أجل هيئته فهذا..
كيف يتخذ الآيات الكونية هُزءًا؟
* طالب: بإنكار نعمة (...).
* الشيخ: (...).
* طالب: يقول: ما فائدة هذه الآيات مما لو وُضِع ..؟
* الشيخ: مثلًا لو نزل المطر، لو نزل في أيام الصيف اللي ما جرت العادة بأن ينزل فيه المطر، (...) ويش هذا التدبير؟ يوم الناس محتاجين إلى المطر بس بالشتاء ما جاء والآن يأتي! مثلًا، هذا يمكن يوجد، يُوجد من بعض الفَجَرة يقولون مثل هذه الأشياء.
أو مثل يُغلب قوميون من العرب تغلبهم اليهود مثلًا فيقولون: ما هذا؟ أيش يكون هذا؟ يكون النصر لليهود على العرب على بني كنعان وعدنان وقحطان؟! كيف هذا ودولا بني إسرائيل؟ وما أشبه ذلك؛ هذا من السخرية والاستهزاء بقضاء الله وقدرِه سواء كان من فعله الذي لا صُنع للآدمي فيه، ولا علاقة للإنسان فيه، أو من الأشياء اللي للإنسان فيها علاقة، ولكن المؤمن يستسلم لأمر الله عز وجل الكوني كما يستسلم لأمره الشرعي، ويرى أنه في غاية الحِكْمة وفي غاية الإتقان، وأنه في مكانه وأن من غُلِب من العَرَب أو غير العرب فإن الحكمة تقتضي أن يكون مغلوبًا، أن يكون كذلك؛ لأن الله عز وجل حكيم، ما يصنع شيئًا إلا لحكمة؛ فالمهم أن الاستهزاء بالآيات الكونية يمكن أن يكون، وقد نهى الله تعالى أن نتخذ هذه الآيات هُزءًا سواء كانت الآيات كونية أو شرعية، لكن بما أن الآية في سياق الآيات الشرعية تكون أخص بالآيات الشرعية منها في الآيات الكونية.
قال: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة ٢٣١].
اذكروا بماذا؟ باللسان؟ بالقلب؟ بالجوارح؟ بالجميع؟
* الشيخ: بالجميع، اذكروا نعمة الله عليكم حتى تقوموا بشُكْرها، فإن الغفلة عن ذِكْر النِّعم سبب لعدم الشكر، تذكروها باللسان بأن تُثني على الله بها؛ تقول: أنعم الله عليَّ بكذا ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى ١١] تُثني على الله عز وجل بها، تقول: اللهم لك الحمد على ما أنعمت علي به من كذا وكذا من المال أو الزوجة أو الأولاد أو ما أشبه ذلك.
وقوله: ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ مفرد مضاف، والمفرد المضاف يدل على العموم، من صيغ العموم، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم ٣٤] لو كان المراد بالنعمة مدلولها الإفرادي لكان إحصاؤه ممكنًا؟
* الطلبة: لا، ولا لها عدد.
* الشيخ: لأنها ولا لها عدد، مختلفين أهل اللغة هل الواحد عدد ولا غير عدد.
المهم أن نِعمة الله هنا عامة؛ نعم لا تُحصَى أجناسها فضلًا عن أفرادها؛ فقوله: ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ يشمل كل النِّعم وإن دقَّت؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل ٥٣].
واعلموا أن النِّعمة خير؛ والنَّعْمة شر؛ لأن معنى النَّعمة التنعُّم والترف؛ قال الله تعالى: فأخرجناهم ﴿مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان ٢٥ - ٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾ [المزمل ١١].
أما النِّعمة فهي من الله عز وجل وهي خير وإحسان؛ فالإنسان واجِب عليه أن يذكر نعمة الله عز وجل بالثناء عليه بها في اللسان، والقيام بحقها في الأركان، واعتقاد أنها من عند الله تفضُّلًا وإحسانًا بالْجَنان؛ بالقلب حتى يكون بذلك متبرئًا من حوله وقوته؛ لأن النِّعمة كلها من الرب عز وجل.
قال: ﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [البقرة ٢٣١].
﴿وَمَا أَنْزَلَ﴾ الواو حرف عطف؛ و﴿مَا﴾ اسم موصول مبنيٌّ على السكون في محل نصب عطفًا على أيش؟ على الله ولَّا على نعمة؟
* الطلبة: على نِعمة.
* الشيخ: على نِعمة؛ يعني: واذكروا ما أنزل عليكم من الكتاب والحِكمة يعظكم به، والعطف هنا من باب عَطف الخاص على العامِّ؛ لأن ما أنزل الله عليهم من الكتاب والحكمة من النِّعم؛ بل هو من أكبر النِّعم ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة ٣] ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران ١٦٤]، لماذا عُطفت على النِّعم وهي عامة؟
لأن عطف الخاص على العام يدُل على أهميته وعُلوِّ شأنه؛ ولهذا أُفرِد من العموم تنصيصًا عليه؛ وذلك لأن دلالة العموم على جميع أفراده دلالة قطعية ولَّا ظنية؟
دلالة ظنية -خدوا بالكم لهذه القاعدة- دلالة العام على جميع أفراده دلالة ظنية؛ لأن العام أحيانًا يُراد به الخصوص وأحيانًا يكون عامًّا مخصوصًا؛ والفرق بينهما ظاهر، الفرق بين العام المخصوص والعام المراد به الخصوص، الفرق بينهما ظاهر ولَّا غير ظاهر؟
* طالب: غير ظاهر.
* الشيخ: غير ظاهر، أحسنت، هكذا طالب العلم إذا ما ظهر له، يقول: ما هو ظاهر؛ الفرق بين العام المخصوص هو: أن اللفظ يكون عامًّا يُراد به جميع أفراده ثم يُخرَج منه بعض الأفراد مثل: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر ٢، ٣] الإنسان هذه نقول فيها: عام مخصوص كذا؟
﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور ٤] هذا عامٌّ لكنه مخصوص بالزوج إذا قذف زوجته فإن له حكمًا خاصًّا.
﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور ٦]، وإنما مثَّلنا بذلك مع المثال الأول لأجل أن نُمثِّل بالتخصيص المتصل والتخصيص المنفصِل، وهذا معلوم ولَّا غير معلوم؟
* الطلبة: معلوم.
* الشيخ: التخصيص المتصل أن يكون في كلامٍ واحد؛ العام والمُخصِّص ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
والتخصيص المنفصل أن يكون التخصيص في كلام آخر منفصلًا عن الأول؛ فآية القذف نزَلت قبل آية اللعان؛ لأنه لما نزلت آية القذف «قال سعد بن عبادة رضي الله عنه: أجد على زوجتي لُكَعَ بْنَ لكع، ثم أذهب وأطلب أربعة رجال يشهدون، لئن وجدتُه لأضربنه بالسيف غير مُصَفَح »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٦٨٤٦)، ومسلم (١٤٩٨ / ١٦) من حديث سعد بن عبادة، ولفظ مسلم: قال سعد بن عبادة: يا رسول الله، لو وجدتُ مع أهلي رجلًا لم أمسَّه حتى آتيَ بأربعة شهداء؟ قال رسول الله ﷺ: «نَعَمْ»، قال: كلا والذي بعثك بالحق، إن كنت لأُعَاجِلُهُ بالسيف قبل ذلك.]]. فأنزل الله آية اللعان ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور ٦].
المهم هذا مثال لأيش؟ للعام المخصوص بمُخصِّص متصل أو مخصص منفصل، العام الذي أُريد به الخصوص يكون من الأصل ما قُصِد عمومه، لم يُقصد عمومه أصلًا، بل قُصِد به شيء معين، مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران ١٧٣] هل المراد جميع الناس؟
* طالب: ليس ..
* الشيخ: أولًا: ﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ ما قال إلا واحد، القائل واحد.
ثانيًا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ من؟ أبو سفيان ومن معه، ما هو كل الناس؛ هذا يسمونه عام أريد به الخاص.
تبين لكم الآن أن العام لا يدُلُّ على جميع أفراده دلالة قطعِيَّة، بل دلالته ظنية بدليل أنه قد يُخصَّص أو أنه قد يُراد به من الأصل الخصوص، فإذا ذُكر فرْد من الأفراد كان دلالة العموم على هذا الفرد دلالةً قطعيَّة ولَّا ظنية؟
* الطلبة: قطعية.. ظنية.
* الشيخ: ذُكر فرد من أفراد العموم؟ قطعيَّة بارك الله فيكم، ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة ٢٣١] هل هو داخل في النِّعمة ولَّا لا؟ قطعًا داخل في العموم، ولهذا خصصه.
﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر ٤]
* طالب: قطعي(...)
* الشيخ: الآن نعلم علم اليقين أن جبريل الروح داخل في الملائكة بلا شك، لكن إسرافيل وميكائيل وما أشبه ذلك؟
* الطالب: ظني.
* الشيخ: نقول: نعم، العموم يدل على دخولهم، لكن ما نقطع قطعًا بدخولهم، لكن إذا ذكر الفرد من أفراد العموم قطعنا بدخوله.
ثم نقول: هل هو بعد ذكره داخل في العموم، أو التنصيص عليه مُخرج له عن العموم؟
* الطلبة: مخرج له عن العموم.
* الشيخ: بأسرع ما تجيبون ما أدري عن فهم ولا عن غير فهم؟ هل تخصيصه بالذكر يُخرجه من العموم؟
* الطالب: يخرجه من العموم.
* الشيخ: أو نقول هو داخل في العموم وذُكر بخصوصه لتعلية شأنه ويكون حينئذ مذكورًا مرتين؟
* الطلبة: (...)
* الشيخ: (...) الأول؟
* الطلبة: إي.
* الشيخ: هذا أيضًا فيه خلاف بين العلماء؛ منهم من يقول: إن التنصيص عليه دليل على أنه لم يُرد في العموم؛ فكأنه قال: واذكروا نعمة الله عليكم وهو يريد غير ما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة ثم قال: ﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾؛ وعلل هؤلاء قولهم بأن العطف يقتضي المغايرة؛ ولكن الصحيح أنه داخل في العموم، وأن التنصيص عليه تعلية لشأنه كأنه ذُكر مرتين، وأن المغايرة قد حصلت في العطف؛ لأنا عطفنا خاصًّا على عام، وهذا نوع من المغايرة؛ والمغايرة كما تكون في الذات تكون في الوصف كما هو معروف كما هو في قوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى ١ - ٤]. من الذي قدَّر فهدى والذي أخرج المرعى؟
* الطلبة: الله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: لا، العطف يقتضي المغايرة؟
* الطلبة: لا..
* الشيخ: طيب ويش تقول بالقاعدة هذه؟ العطف يقتضي المغايرة ويش تسوون؟
* الطلبة: مغايرة..
* الشيخ: مغايرة الصفات، هنا التغاير بالأوصاف ولَّا لا؟
ولا شك أن صفات الله عز وجل كل واحدة غير الأخرى، فالذي خَلَقَ فسوَّى هو الذي قدَّر فهدى وهو الذي أخرج المرعى، لكن هذه صفة وهذه صفة.
إذن فما أنزل الله علينا من الكتاب والحكمة لا شك أنه من نِعمة الله، وأنه يجب علينا أن نذكر ذلك، ولكن كيف نذكره؟
نيجي للناس نقول: يا جماعة، ترى الله أنزل علينا كتابًا وحِكمة؟ لا، اذكروه في قلوبكم وطبِّقوا ما فيه من التوجيهات فِعلًا أو ترْكًا بجوارحكم، وهذا هو ذِكْر القرآن، كيف يكون ذاكرًا للقرآن من لم يَعْمل به؟ أين ذكره للقرآن؟
فاذكروها بقلوبكم مُعترِفين لله تعالى بالفضل بإنزالها، ثم اعتقِدوا ما دلَّت عليه من العقائد، ونفِّذوا ما تقتضيه من الأوامر والنواهي، مفهوم ولَّا لا؟
وقوله: ﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ المراد بالكتاب القرآن، وهو (فِعَال) بمعنى (مفعول) مثل فِراش بمعنى مفروش؛ وبِناء بمعنى مبنِيٍّ، غِراس بمعنى مغروس؛ ففِعال دائمًا تأتي بمعنى مفعول ومنها الكتاب، مكتوب بماذا؟
مكتوب في اللوح المحفوظ ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج ٢١، ٢٢] مكتوب بأيدي الملائكة ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ [عبس ١١ - ١٥]، مكتوب بالصحف التي بأيدينا ولَّا لا؟ فإذن هو مكتوب.
وقوله: ﴿واَلْحِكْمَة﴾ هل المراد بالحكمة العِلم؟ يعني ما أنزل الله عليكم من الكتاب وما حصَّلتم فيه من العلم؛ لأن هذا الكتاب فيه علوم كثيرة أو المراد بالحكمة معرفة أسرار الشريعة؛ فإن الله تعالى أنزل الحكمة لنا في القرآن وما أكثر الأحكام المعلَّلة في كتاب الله عز وجل ولَّا لا؟ وقد بَيَّنا كثيرًا بأن التعليل المقرون بالأحكام الشرعية يفيد أي شيء؟
يفيد ثلاث فوائد:
* طالب: أربعة.
* الشيخ: نشوف: أولًا: بيان سمو الشريعة وعظمتها، وأنه ما من حكم من أحكامها إلا ومعلل بعِلَّة مطابقة للعقل.
ثانيًا: طُمأنينة الإنسان؛ لأنه كلما علِم الحكمة اطمأن إليها أكثر ولَّا لا؟ ولهذا دائمًا الناس يسألون: لأيش كذا؟ لأيش كذا؟ عشان يطمئنون.
الثالث: أن يُقاس عليه -أي على الحكم- ما شاركه في تلك العِلة؛ هذه ثلاثة.
ونطلب من الأخ أن يأتي بالرابع إما من كيسه ولَّا من قلبه.
* الطالب: ما في.
* الشيخ: ما في، إذن.
* الطالب: الرابع: انقياد المكلف.
* الشيخ: هو الطمأنينة، هذا فرع على الطمأنينة، إذا اطمأن انقاد، هذا رأيٌ.
أو نقول: المراد بالحكمة السُّنَّة. أو نقول: المراد بالحكمة ما يشمل هذه الثلاثة؟
* طالب: الأخير.
* الشيخ: الأخير؛ لأن لدينا قاعدة في التفسير وهو أنه إذا كانت الآية تحتمل المعاني المذكورة بدون ائتلاف بينها فالواجب حمْلها على الجميع.
﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [البقرة ٢٣١].
﴿يَعِظُكُمْ﴾ الموعظة هي ذِكر الأحكام مقرونة بالترغيب أو الترهيب، ومن الترغيب فيها ذِكْر عللها؛ لأن النفس تطمئن إليها وتزداد تمسُّكًا بها إذا كانت مأمورًا بها؛ وتنفر منها وتزداد بُغضًا لها إذا كانت منهيًّا عنها؛ فإذن الموعظة ذِكر الأحكام مقرونة بالترغيب والترهيب.
وقيل: إن الموعظة أعمُّ؛ فهي ذِكر الأحكام عمومًا؛ لأن الإنسان إذا التزم بها فقد اتَّعظ؛ لكن الأول أظْهر؛ لأن المراد بالموعظة ما يُحدِث في القلوب رغبة أو رهبة، وهذا لا يكون إلا إذا قُورِنت الأحكام بماذا؟ بعللها؛ في حديث العرباض بن سارية: «وعظنا رسول الله ﷺ موعظةً وجِلت منها القلوب وذَرَفَت منها العيون »[[أخرجه أبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦).]].
فهذه لا بُدَّ أن تكون مُحرِّكة للقلب؛ وكل أحكام الله تعالى موعظة؛ لأن غالب الأحكام مقرونة بِعِللها إما مختومة باسم من أسماء الله أو صفة من صفاته أو ذِكرٍ من عقابه أو ثوابه أو ما أشبه ذلك.
وجملة ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ حال، حال من فاعِل ﴿أَنْزَلَ﴾ وهو الله ولَّا لا؟ يعني: وما أنزل عليكم الكتاب والحكمة حال كونه واعظًا؛ ويجوز أن يكون حالًا من الكتاب؛ يعني حال كون الكتاب موعوظًا به، وهما متلازمان؛ فالكتاب والحكمة موعظة من الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس ٥٧].
﴿يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ ما أكثر ما يأمر الله عز وجل بالتقوى؛ لأن بالتقوى صلاح القلوب.
والتقوى اختلف المفسرون فيها على كثير من الأقوال، وأجمعها أن التقوى هي: اتِّخاذ وِقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه. والاشتقاق يدل على هذا؛ لأنها مأخوذة من أين؟ من الوقاية، وعلى هذا فالتقوى هي اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وقال بعضهم فيها:
خَـــــلِّ الذُّنُـــــــوبَ صَغِيرَهَـــــــــا ∗∗∗ وَكَبِيرَهَــــــــــــــا ذَاكَ التُّقَــــــــــــــــــــى؎وَاعْمَــــــــلْ كَمَـــــــاشٍ فَـــــــوْقَ ∗∗∗ أَرْضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى؎لا تَحْقِـــــــــــــــرَنَّ صَغِيــــــــــــــــــــرَةً ∗∗∗ إِنَّ الْجِبَــــــالَ مِــــــنَالْحَصَـــــــــى
وقال بعضهم: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله على نور من الله تخشى عِقاب الله. وكل هذه تعبيرات، لكنها تنصبُّ في معنى واحد وهي ما أشرنا إليه أولًا وهو أجمعها.
وقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ واضح أن فيها إشارة ظاهرة إلى وجوب الإخلاص في تقوى الله سبحانه وتعالى، وأن الإنسان لا يتقي أحدًا، ولكنه يتقي من خلقه وهو الله عز وجل؛ لا يتقي الذنوب خوفًا من عيب الناس عليه، ولا يفعل الطاعات رجاءً لثواب الناس على ذلك، سواء كانت الطاعات من العبادات البدنية أو من العِلميَّة أو من غير ذلك، كل العبادات يجب أن تكون خالصة لله سبحانه وتعالى؛ ولهذا ذُكِر للإمام أحمد رحمه الله أن رجلًا قال لقوم: أنا لا أصلي بكم التراويح في رمضان إلا بكذا وكذا، فقال: نعوذ بالله، مَنْ يصلي خلف هذا؟[[مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود (ص ٩١).]]
فاستعاذ منه رحمه الله، وقال: كيف؟ مَنْ يصلي خلف هذا؟
ولكن لا يُشكل عليك ما يأخذه الناس من رَصْد من بيت المال، فإن هذا لا بأس به؛ إذا أخذه الإنسان وهو غير مُشرِف ولا سائل فلا بأسَ به؛ أما إن كان سائلًا كما لو كتب فلان مثلًا: صليت في هذا المسجد شهرين، ثلاثة ما جاء الراتب، أو كتب يقول: زوِّدوا الرواتب أو ما أشبه ذلك، فهذا أخشى أن لا يحِل له ذلك؛ حتى فيمن سألوا زيادة الراتب من المعلمين وغيرهم، أنا أخشى أن يكون ذلك مُحبِطًا لأجورهم؛ لأن كل شيء تفعله لله يجب أن لا تريد به إلا الدار الآخرة، إلا ثواب الله عز وجل، أما أن تذهب تجادل للدنيا وأنت تعمل للآخرة فهذا خلاف العقل كما أنه خلاف الشرع.
قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٣١].
﴿اعْلَمُوا﴾ هذا أمْر بالعلم؛ العِلم الذي يجب أن يُثمر؛ ما هو مجرد العلم فقط، يجب أن يثمر؛ إذا علِمت ﴿أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾.
﴿كُلِّ﴾ من صيغ العموم؛ و﴿شَيْءٍ﴾ كذلك، فإن كلمة (شيء) من أعم الأشياء، حتى أنها تقال حتى في العدم، كما قال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان ١]، فشيء من أعم الكلمات؛ ومضاف إليها كل، إذن تعُمُّ كل شيء؛ الموجود، والمعدوم، والصغير، والكبير، وما يتعلق بفعله سبحانه وتعالى، وما يتعلق بفعل العباد، وما كان سرًّا، وما كان علنًا حتى ما في القلب يعلمه الله عز وجل.
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦]، وفي ذكر قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ بعد الأمْر بالتقوى إشارة إلى أنه لا تَجْعل تقواك مخالِفة لما في باطنك، فإن الله تعالى عليم بما في ضميرك وما في قلبك، فإيَّاك أن تطيع الله في العلانية وتَعْصيَه في السر حتى ولو في قلبك، والله عز وجل يعلم ما في قلب الإنسان وما سيكون في قلب الإنسان ولَّا لا؟ وما سيكون في قلبه؛ إذن فهو أعلم بك من نفسك.
قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فعِلمه عز وجل محيط بكل شيء أزلًا وأبدًا، صغيرًا وكبيرًا، حاضرًا ومستقبلًا.
قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
وقوله: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مفعول مُقدم لـ ﴿عَلِيمٌ﴾، أو لا؟ مفعول مقدم لعليم، جار ومجرور متعلق بعليم؛ فهل نقول: إن هنا فائدة التقديم الحصر؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: كيف ما في؟ ويش الفائدة من التقديم منها؟
* طالب: الحصر.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences